تباطؤ اقتصادي أميركي وأوروبي وصيني وياباني في آن

تفاؤل بعدم اندلاع حرب تجارية وبإجراءات تحفيزية للبنوك المركزية العالمية

تعاني غالبية الاقتصادات الكبرى من تباطؤ كبير خلال العام الجاري (رويترز)
تعاني غالبية الاقتصادات الكبرى من تباطؤ كبير خلال العام الجاري (رويترز)
TT

تباطؤ اقتصادي أميركي وأوروبي وصيني وياباني في آن

تعاني غالبية الاقتصادات الكبرى من تباطؤ كبير خلال العام الجاري (رويترز)
تعاني غالبية الاقتصادات الكبرى من تباطؤ كبير خلال العام الجاري (رويترز)

استمرت البداية القوية التي استهلت بها الأسواق المالية تداولات العام الجديد إلى شهر فبراير (شباط)، مع تسجيل أسواق الأسهم العالمية مزيداً من الارتفاعات، على الرغم من إشارات تباطؤ وتيرة نمو الاقتصادات الكبرى؛ بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان.
ويعكس هذا الارتفاع جزئياً تعافي الأسواق بعد العمليات البيعية المكثفة التي شهدتها في شهر ديسمبر (كانون الأول)، كما تعكس أيضاً مدى التفاؤل باقتراب نهاية النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين بعد موافقة الولايات المتحدة على تأجيل رفع الرسوم الجمركية المقررة، بما يشير إلى اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الطرفين. كما كان هناك أيضاً ثقة متزايدة بأن صانعي القرارات سيدعمون النمو، مع تبني البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا مواقف أقل تشدداً، وكذلك إعلان الصين عن إجراءات تحفيزية جديدة.
وعلى صعيد الأنباء الإيجابية الخاصة بمنطقة الخليج، ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة أشهر، مدعومة بعلامات تدل على التزام منظمة «أوبك» بخفض حصص الإنتاج المتفق عليها في ديسمبر الماضي.

تباطؤ النمو في الولايات المتحدة
ورصد تقرير صادر عن إدارة الأبحاث والدراسات في بنك الكويت الوطني، ظهور التقديرات الأولية للناتج المحلي الإجمالي الأميركي للربع الرابع من عام 2018 (الذي تأجل إعلانه لمدة شهر بسبب الإغلاق الحكومي) تسجيل معدل نمو بنسبة 2.6% على أساس سنوي، وهو أعلى بقليل من متوسط التوقعات البالغ 2.2%، إلا أنه كان أبطأ من النسبة المسجلة في الربع الثالث من العام والبالغة 3.4%.
وارتفع إنفاق المستهلكين (الذي يمثل نحو 70% من الاقتصاد) بنسبة 2.8%، وإن كان أبطأ مما كان عليه في الربع الثالث. في حين استمرت الصادرات الصافية في الضغط على النمو بسبب ضعف معدلات التصدير.
وتعني تلك الأرقام أن إجمالي النمو في عام 2018 قد بلغ 2.9%، مرتفعاً من 2.2% في عام 2017، وإن كان أقل هامشياً عن نسبة 3% التي استهدفها الرئيس دونالد ترمب على الرغم من جهود التحفيز المالي الهائلة في وقت سابق من العام. ومع استمرار تلاشي أثر تلك المحفزات وتأخر تأثير ارتفاع أسعار الفائدة في وقت سابق، سيشهد النمو تباطؤاً أكبر في عام 2019، ويشير التوقع الآنيّ «Nowcasts» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا ونيويورك إلى بلوغ معدل النمو مستويات أقل من 1% في الربع الأول من عام 2019.
وبالفعل، مع بدء عودة إعلانات البيانات إلى الوضع الطبيعي بعد تأخرها بسبب الإغلاق الحكومي، استمر تزايد المؤشرات الدالة على تسجيل معدلات نمو معتدلة. وانخفض نمو مبيعات التجزئة إلى أدنى مستوياته منذ عامين في ديسمبر، حيث اتجهت الأسر إلى إعادة بناء المدخرات، في حين انخفضت معدلات الدخل الشخصي في يناير (كانون الثاني) على أساس شهري للمرة الأولى منذ أواخر عام 2015، ولا تزال سوق الإسكان تعاني أيضاً مع تباطؤ نمو أسعار المنازل بوتيرة أكبر في ديسمبر (بنسبة 4.2%، في ما يعد أدنى مستوياتها منذ ستة أعوام)، حيث تراجعت مبيعات المنازل القائمة بنسبة 8.5% على أساس سنوي في يناير. في حين انتعشت ثقة المستهلك في فبراير بعد انتهاء الإغلاق الحكومي، لكنها لا تزال أدنى بكثير من ذروتها في العام الماضي. وعلى الرغم من ذلك وفي ظل احتفاظ سوق العمل بوضع لائق (معدل البطالة 4% ونمو الأجور أكثر من 3%)، لا يُتوقع أن يشهد الإنفاق الاستهلاكي انكماشاً حاداً.
وبعيداً عن القطاع المنزلي، تباطأ أداء النشاط التجاري أيضاً، مقارنةً بالمستويات المرتفعة في العام الماضي. وكانت معدلات التباطؤ أكثر وضوحاً في قطاع التصنيع -الذي غالباً ما يعد مؤشراً رئيسياً على صحة وضع الاقتصاد الكلي- في ظل تباطؤ النمو العالمي والمخاوف بشأن النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين. فعلى سبيل المثال، سجل المؤشر الصناعي (ISM) أدنى مستوياته منذ أكثر من عامين مع بلوغه مستوى 54.2 نقطة في فبراير، مما يشير إلى بداية تراجع ضغوط التكلفة. كما يتجه نمو قطاع الخدمات نحو الانخفاض وذلك على الرغم من الأداء القوي لمؤشر (ISM) للقطاع غير الصناعي وبلوغه مستوى 59.7 نقطة في فبراير، مما يشير إلى وتيرة تباطؤ أقل من تلك التي سجلها القطاع الصناعي. وسوف يتحسن التفاؤل في القطاعين على خلفية التوصل إلى اتفاق تجاري أميركي صيني.
ويبدو أن علامات التباطؤ الاقتصادي إلى جانب تراجع الضغوط التضخمية، تؤكد صحة قرار «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير، حيث أعلن عن «وقف» إجراءات التشديد النقدي. هذا إلى جانب الإبقاء على سعر الفائدة الفيدرالي دون تغيير عند نطاقه الحالي بين 2.25 و2.50%، مع التخطيط الآن لإنهاء برنامج «التشديد الكمي» أو برنامج خفض حجم الميزانية العمومية في وقت لاحق من هذا العام.
ومن المتوقع الإعلان عن مزيد من التفاصيل حول الخطة في أعقاب اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» المزمع عقده في 19 - 20 مارس (آذار)، مع إمكانية أن تولي الأسواق اهتماماً كبيراً للأسئلة المعقدة المتعلقة بالحجم النهائي والتركيب الهيكلي لحيازات «الاحتياطي الفيدرالي». وبمجرد أن ينتهي البنك المركزي من إجراءات تخفيض ميزانيته العمومية فقد يقوم على سبيل المثال بمواصلة تقليص حيازته من الديون المدعومة بالرهن العقاري والبالغة قيمتها 1.6 تريليون دولار، مما يعني ضمنياً شراء المزيد من سندات الخزينة الأميركية.

الأنشطة الصناعية الأوروبية تحت الضغوط
على الصعيد الأوروبي، أشار التقرير إلى استمرار المخاوف بشأن النمو في منطقة اليورو، خصوصاً تلك المتعلقة بالقطاع الصناعي المهم بالنسبة إلى المنطقة، نتيجة لتأثره بالتباطؤ العالمي والتوترات التجارية المتزايدة. وبلغ مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو في شهر فبراير 51.9 نقطة، في إشارة إلى تسجيل نمو اقتصادي بنحو 0.2% على أساس ربع سنوي في الربع الأول من عام 2019؛ ودون تغيير عن الربع الرابع، وإن كان قد تحرك للأعلى للمرة الأولى منذ ستة أشهر بما يدل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي نوعاً ما.
وانخفض عنصر التصنيع إلى أقل من مستوى 50 نقطة، في دلالة على الانكماش، مع تسجيل الطلبيات الجديدة أكبر معدل تراجع منذ ستة أعوام، كما أشار مؤشر «IFO» الألماني لقياس مناخ الأعمال، الذي تتم مراقبته عن كثب، إلى انخفاض حاد في الاستثمارات التجارية في الفترة المقبلة.
وعلى الرغم من ذلك، فإن القوة النسبية لكلٍّ من قطاع الخدمات وسوق العمل -حيث ظلت البطالة عند أدنى مستوى لها منذ أكثر من عشر سنوات بمعدل 7.8% في يناير- توفر بعض الأسس الداعمة للتفاؤل مع إمكانية تجنب المنطقة لحالة الركود.
وبعد أن أنهى «المركزي الأوروبي» برنامج التحفيز المالي لشراء الأصول في ديسمبر، وأشار إلى احتمال رفع أسعار الفائدة في النصف الثاني من العام، يبدو أنه يقوم بتغيير سياسته مثل «الاحتياطي الفيدرالي» لتصبح أكثر تيسيراً.
ومن المتوقع خفض توقعات النمو الخاصة بالمنطقة عند مراجعتها في اجتماع مارس الحالي، وأن تتم مناقشة إعادة برنامج إقراض البنوك طويل المدى (TLTROs) لدعم نمو الائتمان. كما يعد ضعف التضخم من الأمور المهمة أيضاً؛ حيث انخفض التضخم الأساسي إلى 1.0% على أساس سنوي في فبراير، فيما يعد أدنى من مستوى 2% المستهدف من قبل البنك المركزي الأوروبي؛ وإن كان قريباً منه.
ولم يتبقَّ سوى أسابيع قليلة على انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تتوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأن ذلك. وتسعى رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى التوصل إلى شروط أفضل مع الاتحاد الأوروبي في أعقاب رفض مجلس النواب شروط الاتفاق الذي توصلت إليه في يناير، إلا أن الحصول على تغييرات مرضية في بعض النقاط المثيرة للجدل يبدو صعباً في الوقت الراهن.
وعلى افتراض رفض الاتفاق الجديد مرة أخرى، يبدو من المرجح أن يقوم البرلمان بالضغط لتمديد تاريخ انفصال المملكة المتحدة. ويتوجب الحصول على موافقة الاتحاد الأوروبي على تلك النقاط، وهو الأمر الذي يعد معقداً لعدم التأكد مما إذا كانت المملكة المتحدة ستشارك في الانتخابات البرلمانية للاتحاد الأوروبي المزمع عقدها في مايو (أيار). كما أنه من غير الواضح أيضاً فائدة تمديد التاريخ النهائي لانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي. هذا ولا تساهم هذه الحالة من عدم اليقين في تعزيز الاقتصادي البريطاني، حيث يُظهر مؤشر مديري المشتريات نمو قطاع الخدمات إلى مستوى 51.3 نقطة في فبراير، تماشياً مع توقعات الاقتراب من حالة الركود في الربع الأول من عام 2019.

الصادرات اليابانية تواجه رياحاً معاكسة
في اليابان، لا يزال القطاع الخارجي يواجه رياحاً معاكسة، حيث سجلت الصادرات أكبر نسبة تراجع لها منذ عامين، حيث انخفضت بواقع «سالب» 8.4% على أساس سنوي في يناير، فيما يُعزى بصفة أساسية لضعف الطلب من الصين. كما انخفضت الواردات أيضاً بنسبة 0.8% على أساس سنوي، مما يعكس استمرار ضعف الطلب المحلي. وبقيت مبيعات التجزئة ومعدلات نمو الإنتاج الصناعي منخفضة خلال نفس الفترة بنسبة 0.6% على أساس سنوي و0.0% على التوالي.
ومع استقرار معدلات التضخم الأساسي، الذي يستثني تكاليف المواد الغذائية، وثباته عند مستوى 0.8% على أساس سنوي في يناير، أقل بكثير من معدل 2% المستهدف من قبل البنك المركزي، واستمرار ضعف النشاط الاقتصادي، تعزز تلك العوامل مجدداً السياسة النقدية فائقة المرونة التي يتبعها البنك المركزي الياباني.

الصين تخفض معدل النمو المستهدف
إلى ذلك، وفي إطار محاولة الصين لدعم اقتصادها المتباطئ نتيجة لضعف الطلب الخارجي والنزاع التجاري المستمر مع الولايات المتحدة، قامت بالتعهد بخفض الضرائب والرسوم وزيادة استثمارات البنية التحتية وتعزيز جهودها لإقراض الشركات الصغيرة. فخلال اجتماعات «مؤتمر نواب الشعب» الصيني السنوية، أعلنت الحكومة عن توقعها لنطاق نمو أبطأ يتراوح ما بين 6.0 و6.5%، مقابل نمو بنسبة 6.6% في عام 2018.
وفي واقع الأمر، تواصل أنشطة المصانع مواجهتها للمصاعب لتحقيق مكاسبها. ووفقاً لمؤشر مديري المشتريات الرسمي، بلغ نشاط المصانع أضعف مستوياته منذ ثلاثة أعوام في فبراير، وانخفض للشهر الثالث على التوالي. من جهة أخرى، استمر تضخم أسعار المستهلكين في التباطؤ، حيث تراجع من 1.9% على أساس سنوي في ديسمبر إلى 1.7% في يناير، بينما تباطأ تضخم أسعار المنتجين إلى أدنى مستوياته في عدة أعوام ببلوغه نسبة 0.1% فقط، بما يمهد الطريق أمام المزيد من سياسات التحفيز الحكومية.

النفط يواصل ارتفاعه
على صعيد أسعار النفط، يُذكر أن مزيج خام برنت واصل ارتفاعه الذي بدأه في وقت مبكر من العام خلال الشهر الماضي، حيث أنهى شهر فبراير على ارتفاع بنسبة 7% على أساس شهري عند مستوى 66 دولاراً للبرميل، بعد ارتفاعه بنسبة 15% في يناير. ويُعزى هذا الارتفاع في المقام الأول، وإن لم يكن بصفة حصرية، إلى جهود منظمة «أوبك» وحلفائها وإلى اتفاق فيينا التي توصلت إليه لامتصاص فائض الإمدادات في السوق بنهاية النصف الأول من عام 2019.
وبلغت نسبة امتثال الدول الإحدى عشرة الأعضاء بمنظمة «أوبك» 85% في يناير، بفضل السعودية والكويت اللتين سرعان ما قلّصتا الإنتاج إلى مستويات الحصص المقررة. ودفع ارتفاع أسعار النفط الرئيس الأميركي ترمب إلى التغريد عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن الأسعار كانت تتجه نحو «الارتفاع الشديد»، ودعا «أوبك» إلى «الاسترخاء وأخذ الأمور ببساطة».
كما دعمت ارتفاع أسعار النفط عدةُ عوامل من ضمنها فرض العقوبات الأميركية على فنزويلا في يناير، واقتراب انتهاء المهلة التي أعطتها الولايات المتحدة لفترة 180 يوماً قبل فرض العقوبات على إيران في مايو، وتراجع إنتاج النفط الخام في كندا بسبب اختناقات خطوط الأنابيب، هذا بالإضافة إلى أن آفاق توصل الولايات المتحدة والصين إلى اتفاقية آخذة في التحسن.



«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

«مأزق هرمز»... هل صار نفط إيران «ضرورة اقتصادية» لواشنطن؟

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

تخوض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين كل برميل نفط متاح في الأسواق العالمية، في محاولة لاحتواء أزمة طاقة متفاقمة وضعت الاقتصاد العالمي في «حالة طوارئ». فبعد 3 أسابيع من اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران، وجدت واشنطن نفسها أمام خيارات مريرة؛ دفعها أحدها إلى رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني العالق في البحار، في خطوة وصفها محللون بأنها «فعل يأس» يعكس استنزاف الأدوات السياسية والاقتصادية للقوة العظمى.

ففي خطوة أثارت ذهول المراقبين، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصاً يسمح ببيع 140 مليون برميل من النفط الإيراني المحمّل على السفن. وبرر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، القرار، يوم الجمعة، بأنه وسيلة لـ«استخدام البراميل الإيرانية ضد طهران نفسها» لخفض الأسعار، بينما عدّ السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الخطوة «مؤقتة للغاية»، بهدف «إفشال الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى رفع أسعار الطاقة إلى مستويات قياسية».

وأضاف والتز: «لذا، سنسمح بتصدير البراميل بشكل مؤقت إلى بعض حلفائنا مثل الهند واليابان وغيرهما، حتى لا تنجح هذه الاستراتيجية الإيرانية؛ أي النظام الإيراني».

هو الإعفاء الثالث الذي تمنحه وزارة الخزانة الأميركية مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط من دول «معادية» في غضون ما يزيد قليلاً على أسبوعين، ويأتي في إطار مساعي الإدارة المتعثرة لكبح جماح أسعار الطاقة التي تجاوزت 100 دولار للبرميل، مسجلةً أعلى مستوياتها منذ عام 2022.

وكانت الإدارة قد بدأت سلسلة التنازلات هذه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي الموجود في البحر. كما وسعت نطاق الإعفاءات من العقوبات المفروضة على فنزويلا (في فترات سابقة) لدعم الإمدادات العالمية.

وتُعادل كمية 140 مليون برميل المتوفرة في البحر ما يقارب استهلاك النفط العالمي ليوم ونصف يوم تقريباً، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وزير الخزانة الأميركي متحدثاً للصحافيين في باريس بعد يومين من المحادثات مع وفد صيني (رويترز)

سياسة «الأبواب المغلقة»

ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة، أن الولايات المتحدة استنفدت بالفعل جميع أدواتها السياسية المعتادة لتخفيف صدمة العرض التي تعصف بالاقتصاد العالمي؛ فبعد 3 أسابيع من الحرب، باتت الخيارات المتبقية تتراوح بين «غير فعالة» و«غير مقبولة بتاتاً».

ويقول المسؤول السابق في وزارة الطاقة بعهد ترمب، نيليش نيروركار: «هذا أكبر اضطراب يمكن تصوره في أسواق النفط. النقص هائل لدرجة أن الإجراءات المتاحة تبدو ضئيلة أمام كمية النفط التي لا تصل إلى السوق».

هذا الاعتراف يتقاطع مع ما ذكره المسؤول السابق في الأمن القومي، لاندون ديرينتز، الذي قال إن «الوضوح هنا هو غياب البدائل... لا أحد يملك فكرة عبقرية أخرى».

ناقلة نفط خام في ميناء فوس سور مير التجاري والصناعي جنوب فرنسا (أ.ف.ب)

«أسطول الظل»

وبينما قال بيسنت إن إتاحة هذا المخزون سيوفر إمدادات سريعة، طرح الاقتصادي جيم بيانكو رؤية مغايرة تماماً؛ إذ أوضح أن هذه البراميل ليست «مخزونات إضافية»، بل هي جزء من المعروض العالمي الفعلي الذي ينقله «أسطول الظل» بانتظام إلى الصين بخصومات كبيرة.

وكتب بيانكو في حسابه على منصة «إكس»، أن قرار واشنطن لن يضيف برميلاً واحداً جديداً للسوق؛ بل سيسمح لإيران ببيع نفطها لوجهات إضافية مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما يرفع سعر البرميل الإيراني نتيجة المنافسة وتوقف الخصومات.

وبحسب بيانكو، فإن النتيجة النهائية هي: «لن تنخفض الأسعار عالمياً؛ بل سيزداد ثراء الخزينة الإيرانية عبر منحها القدرة على البيع بأسعار السوق الرسمية المرتفعة».

خيارات محدودة

يُبرز رفع القيود المفروضة على النفط الإيراني محدودية الأدوات التي تمتلكها الإدارة الأميركية لكبح جماح أسعار النفط؛ فقد سمحت بالفعل بالإفراج عن كميات هائلة من النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، ورفعت العقوبات عن النفط الروسي الموجود في البحر، وألغت مؤقتاً العمل بقانون جونز الذي يحظر شحنات النفط بين المواني الأميركية على متن سفن ترفع أعلاماً أجنبية. ورغم هذه الإجراءات، استمرت أسعار النفط في الارتفاع؛ إذ تُشلّ الهجمات الإيرانية حركة ناقلات النفط في الخليج العربي، وتُلحق أضراراً جسيمة بمنشآت إنتاجية حيوية في الشرق الأوسط.

مصفاة بيغ سبرينغ في تكساس (أ.ف.ب)

سيولة نقدية

ما يثير ريبة المحللين والمراقبين ليس مجرد فشل هذه الخطوة في خفض الأسعار، بل الثمن الباهظ الذي ستدفعه الولايات المتحدة «أمنياً» مقابل هذا الإعفاء؛ فمن خلال السماح ببيع 140 مليون برميل بأسعار السوق الرسمية (التي تتجاوز 110 دولارات)، تمنح إدارة ترمب النظام الإيراني «قبلة حياة» مالية وتدفقات نقدية بمليارات الدولارات في ذروة الصراع.

ويؤكد المدير الإداري لشركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز» المتخصصة في المخاطر التنظيمية والجرائم المالية، بريت إريكسون، أن هذا الإجراء يوفر للنظام الإيراني سيولة نقدية فورية ومهمة، في وقت يسعى فيه بنشاط إلى استهداف الجنود الأميركيين في ساحة المعركة. ويضيف إريكسون: «إننا أمام مشهد سريالي؛ فبينما تقصف الطائرات الأميركية والبريطانية المواقع الإيرانية، تفتح وزارة الخزانة الأبواب لتدفق السيولة إلى طهران لتمويل صواريخها وطائراتها المسيرة». وأضاف: «هذا ليس تصرف إدارة تملك مخرجاً استراتيجياً؛ بل هو تصرف إدارة استنفدت كل أوراقها ولم يبقَ أمامها سوى ما أسميه اليأس الاقتصادي».

ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن بريت إريكسون، قوله إن هذه الخطوة تعد دليلاً على أن الإدارة «لا تملك مخرجاً واضحاً»، واصفاً الأمر بـ«اليأس». ورأى أن جهود الإدارة للسيطرة على الأسعار لن يكون لها تأثير ملموس حتى يُفتح المضيق أمام السفن، وأن «تخفيف العقوبات يثير مخاوف بشأن الاستنزاف السريع لأدوات واشنطن الاقتصادية» لكبح أسعار النفط. وأضاف: «إذا وصلنا إلى مرحلة تخفيف العقوبات على الدولة التي نخوض معها حرباً، فإننا في الواقع نفقد خياراتنا».

شبكة معقدة من أنابيب ومعدات النفط الخام مع رفرفة علمي الولايات المتحدة وتكساس في الخلفية (رويترز)

في المقابل، أشاد مارك دوبويتز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة بحثية غير ربحية تُعدّ متشددة تجاه إيران، بهذا القرار. وقال: «لقد عملنا على فرض عقوبات على صناعة النفط الإيرانية لسنوات. هذه خطوة ذكية... للمساعدة في كسب المعركة ضد النظام».

وبينما يرى الصقور في واشنطن أن الخطوة تكتيك ذكي لكسر استراتيجية طهران، يظل السؤال القائم: هل تنجح مقامرة ترمب بـ«البراميل الإيرانية» في حماية المستهلك الأميركي وصناديق الاقتراع؟ أم أنها مجرد «قبلة حياة» مالية لخصم تخوض معه واشنطن حرباً مفتوحة؟


بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
TT

بعد سنوات من «الاستفراد»... الصين تواجه زحاماً آسيوياً على مائدة النفط الإيراني

ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)
ناقلة نفط ترفع العلم الصيني راسية في محطة نفطية بميناء تسينغ يي في هونغ كونغ الصين (رويترز)

لطالما انفردت بكين، أكبر مستورد للخام في العالم، بالحصة الكبرى من النفط الإيراني، مستفيدةً من «خصومات العقوبات» التي وفَّرت لمليارات الدولارات. غير أن هذا الاستفراد بات اليوم تحت مجهر الاختبار؛ فمع صدور الإعفاء الأميركي لمدد محددة، تجد الصين نفسها مضطرة لخوض منافسة شرسة مع قوى آسيوية أخرى كاليابان وكوريا الجنوبية، وهو ما يهدد بتبخر «امتياز الخصم» وتحول البرميل الإيراني من صيد صيني ثمين إلى سلعة تتنازعها الأسواق العالمية بأعلى الأثمان.

واستغلت بكين، التي كانت أيضاً أكبر مستورد للنفط من فنزويلا وأحد كبار مستوردي النفط من روسيا، مشترياتها من الدول الثلاث التي تواجه عقوبات غربية مختلفة لتوفير مليارات الدولارات من فاتورة وارداتها في السنوات الأخيرة.

لقد أظهرت بيانات شركة التحليلات «كبلر» لعام 2025 أن الصين تشتري أكثر من 80 في المائة من النفط الإيراني المُصدّر. وقد كان مشتري النفط الإيراني محدودين بسبب العقوبات الأميركية التي تهدف إلى قطع التمويل عن البرنامج النووي الإيراني. بحسب شركة «كبلر»، اشترت الصين ما معدله 1.38 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني العام الماضي. ويمثل هذا نحو 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها البحرية من النفط، والتي بلغت 10.27 مليون برميل يومياً.

مشترو النفط الإيراني في الصين

تُعدّ مصافي التكرير الصينية المستقلة، المعروفة باسم «مصافي الشاي»، والتي تتركز بشكل رئيسي في مقاطعة شاندونغ، المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني، وذلك بفضل سعره المخفّض مقارنةً بالبراميل غير الخاضعة للعقوبات. وتستحوذ «مصافي الشاي» على ما يقارب ربع طاقة التكرير الصينية، وتعمل بهوامش ربح ضيقة، وأحياناً سلبية، وقد تأثرت مؤخراً بضعف الطلب المحلي على المنتجات المكررة.

وأفاد تجار وخبراء بأن شركات النفط الحكومية الصينية الكبرى امتنعت عن شراء النفط الإيراني منذ عامي 2018، 2019.

سعر النفط الإيراني

قال تجار إن سعر خام النفط الإيراني الخفيف انخفض بنحو 8 إلى 10 دولارات للبرميل عن سعر خام برنت في بورصة إنتركونتيننتال عند التسليم إلى الصين منذ ديسمبر (كانون الأول)، بعد أن كان أقل بنحو 6 دولارات في سبتمبر (أيلول). وهذا يعني أن مصافي التكرير الصينية توفر ما بين 8 و10 دولارات للبرميل إذا اشترت خام النفط الإيراني الخفيف بدلاً من خام عُمان غير الخاضع للعقوبات، وفقاً لحسابات أحد التجار ووكالة «رويترز».

في فبراير (شباط)، اتسع الفارق بين سعر خام النفط الإيراني الخفيف وسعر خام عُمان إلى أكثر من 10 دولارات للبرميل. ومنذ الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير، شهدت تجارة النفط الإيراني شحاً كبيراً. وكانت الصفقات القليلة التي أُبرمت بخصم 9 دولارات للبرميل. وقد تقلصت الخصومات قليلاً بسبب عدم اليقين بشأن الإمدادات مع تصاعد الصراع.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» في 19 مارس (آذار) وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني الملوث بالمياه، أي ما يعادل أقل من 14 يوماً من خسائر الإنتاج الحالية في الشرق الأوسط.

تشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن مخزون النفط الإيراني في المياه بلغ 171.6 مليون برميل.

تأثير العقوبات الأميركية

أعادت واشنطن فرض عقوبات على طهران عام 2018، وفرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب عدة جولات جديدة من العقوبات على تجارة النفط الإيراني منذ توليها السلطة العام الماضي. وشملت عقوبات ترمب فرض عقوبات على ثلاث شركات صينية لتصنيع أباريق الشاي، مما أدى إلى تقليص مشتريات العديد من الشركات المستقلة متوسطة الحجم التي تخشى إدراجها على قائمة العقوبات، وفقاً لـ«رويترز».

من جهتها، ترفض بكين العقوبات الأحادية وتدافع عن مشروعية تجارتها مع إيران. وعادةً ما يصنف التجار النفط الإيراني الذي تستورده الصين على أنه مستورد من دول أخرى، مثل ماليزيا، وهي مركز رئيسي للشحن العابر، وإندونيسيا. لم تُظهر بيانات الجمارك الصينية أي شحنات نفطية من إيران منذ يوليو (تموز) 2022.


المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
TT

المصافي الهندية والآسيوية تتأهب لاستئناف شراء النفط الإيراني بضوء أخضر أميركي

ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)
ناقلة نفط محملة بالنفط الروسي في متنزه نارارا البحري الوطني في بحر العرب بولاية غوجارات بالهند (رويترز)

قال تجار يوم السبت إن مصافي التكرير الهندية تخطط لاستئناف شراء النفط الإيراني، بينما تدرس مصافي التكرير في دول آسيوية أخرى هذه الخطوة، بعد أن رفعت واشنطن العقوبات مؤقتاً لتخفيف أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وأفادت 3 مصادر في قطاع التكرير الهندي، بأنها ستشتري النفط الإيراني وتنتظر توجيهات الحكومة وتوضيحات من واشنطن بشأن تفاصيل مثل شروط الدفع.

وسارعت مصافي التكرير في الهند، التي تمتلك مخزونات نفط خام أصغر بكثير من كبار مستوردي النفط الآسيويين، إلى حجز النفط الروسي بعد أن رفعت الولايات المتحدة العقوبات مؤقتاً مؤخراً.

وقال عدد من المطلعين على الأمر، إن مصافي تكرير آسيوية أخرى تجري تحقيقات لمعرفة إمكانية شراء النفط.

وأعلن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن إدارة ترمب أصدرت يوم الجمعة، إعفاءً من العقوبات لمدة 30 يوماً لشراء النفط الإيراني الموجود بالفعل في البحر.

ويسري الإعفاء على النفط المحمّل على أي سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، في أو قبل 20 مارس (آذار)، والمُفرَّغ بحلول 19 أبريل (نيسان)، وفقاً لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية. وهذه هي المرة الثالثة التي تُصدر فيها الولايات المتحدة إعفاء مؤقتاً من العقوبات المفروضة على النفط منذ بدء الحرب.

تحرير ملايين البراميل من النفط

قال مدير أول بيانات سوق النفط الخام في شركة «كبلر»، إيمانويل بيلوسترينو، إنه يوجد نحو 170 مليون برميل من النفط الخام الإيراني في البحر، على متن سفن منتشرة من الخليج العربي إلى المياه القريبة من الصين.

وقدّرت شركة «إنرجي أسبيكتس» الاستشارية، في 19 مارس، وجود ما بين 130 و140 مليون برميل من النفط الإيراني في البحر، أي ما يعادل خسائر إنتاج الشرق الأوسط الحالية لأقل من 14 يوماً.

وتعتمد آسيا على الشرق الأوسط في 60 في المائة من إمداداتها من النفط الخام، ويُجبر الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز هذا الشهر، المصافي في جميع أنحاء المنطقة، على العمل بمعدلات أقل وتقليص صادرات الوقود.

وقد أعاد ترمب فرض عقوبات على إيران في عام 2018 بسبب برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الصين العميل الرئيسي للنفط الإيراني، حيث اشترت مصافيها المستقلة 1.38 مليون برميل يومياً العام الماضي، وفقاً لبيانات شركة «كبلر»، مدفوعةً بالخصومات الكبيرة، نظراً لعزوف معظم الدول عن استيراد النفط الخام بسبب العقوبات.

مشكلات أخرى تُعقّد عملية الشراء

أفاد تجار بأن من بين التعقيدات المحتملة لشراء النفط الإيراني عدم اليقين بشأن كيفية الدفع، وحقيقة أن جزءاً كبيراً منه مُخزّن على متن سفن أسطول الظل القديمة.

كما ذكر مصدران في قطاع التكرير أن بعض المشترين السابقين للنفط الإيراني، كانوا مُلزمين تعاقدياً بالشراء من شركة النفط الوطنية الإيرانية. مع ذلك، ومنذ أن أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات في أواخر عام 2018، أصبح النفط الإيراني يُباع في جزء كبير منه عبر تجار من أطراف ثالثة.

وقال تاجر مقيم في سنغافورة: «عادةً ما يستغرق الأمر بعض الوقت لإتمام إجراءات الامتثال والإدارة والمعاملات المصرفية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الناس سيحاولون إنجاز العمل في أسرع وقت ممكن».

إلى جانب الصين، شملت قائمة كبار مشتري النفط الخام الإيراني قبل إعادة فرض العقوبات، كلاً من الهند وكوريا الجنوبية واليابان وإيطاليا واليونان وتايوان وتركيا.