الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

أحداث كشمير الأخيرة تعطي اليمين الهندوسي القومي سلاحاً إضافياً

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه
TT

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

لا تفصلنا سوى بضعة أسابيع عن أكبر عرس للديمقراطية الهندية... ألا وهو الانتخابات العامة. وهذا الحدث المهم، الذي تشهده الهند كل خمس سنوات، هو الأكبر من نوعه على مستوى العالم.
من المقرر أن تجرى الانتخابات السابعة عشرة منذ الاستقلال، عام 1947، بين شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، ويتوقع أن يبلغ عدد المشاركين فيها نحو 870 مليون ناخب، أي ما يعادل ضعفي سكان الولايات المتحدة. وكان قد بلغ عدد الناخبين المسجّلين للاقتراع في آخر انتخابات عامة عام 2014 أكثر من 830 مليوناً، اقترع منهم بالفعل ما يزيد على 550 مليوناً. ويومذاك، أسفرت العملية الانتخابية المنظمة على مستوى البلاد، واستمرت لمدة ستة أسابيع، عن فوز رئيس الوزراء اليميني الحالي ناريندرا مودي.
ومن المتوقع أن تعلن اللجنة الهندية للانتخابات خلال الأسبوع المقبل عن الموعد المقرّر للاقتراع الذي يشمل انتخاب 543 عضواً من أعضاء البرلمان، عبر مليون مركز اقتراع، ويقوم على تنفيذها والإشراف عليها أكثر من 10 ملايين شخص يعملون في هذه المراكز، ومن أفراد الشرطة.
«ستكون الانتخابات العامة المقبلة في الهند هي الأعلى تكلفة في تاريخ الهند، وربما في أي دولة ديمقراطية»، وفق الخبير الدكتور ميلان فايشناف، الزميل ومدير برنامج جنوب آسيا في مؤسسة «كارنيغي» للسلام بالولايات المتحدة. ولقد نقلت وكالة «رويترز» عن فايشناف قوله: «بلغت تكلفة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأميركية مجتمعة عام (2016) 6.5 مليار دولار أميركي. وإذا كانت التكلفة التقديرية لانتخابات عام 2014 هي 5 مليارات دولار، سيكون من المتوقع أن تتجاوز انتخابات 2019 هذا الرقم بسهولة؛ ما يجعل تكلفة الانتخابات الهندية هي الأعلى على مستوى العالم».
جدير بالذكر، أن الهند انتخبت بعد الاستقلال 16 مجلساً للنواب خلال سبعة عقود، هي عمر الجمهورية، باستثناء فترة التوقف المؤسفة من 1975 حتى 1977 التي أجلت خلالها الانتخابات. ولم تكن كل الحكومات التي تُشكَّل بعد الانتخابات تكمل مدتها، بل بعضها كان يسقط في غضون أيام. إذ إن الديمقراطية الهندية أبعد ما تكون عن المثالية، لكن لا يوجد نظام ديمقراطي في العالم مثالي وخالٍ من العيوب.
ومن ثم، تعد الانتخابات العامة في الهند واحدة من العمليات الانتخابية الأكثر تطلباً، وربما الأصعب على الصعيد اللوجيستي في العالم. وأول ما يدهش أي مراقب لهذه العملية أهميتها في الحياة السياسية؛ فاللافتات والملصقات والحشود تملأ الشوارع. والفعاليات الحاشدة المكتظة هي النمط السائد. وتورد وسائل الإعلام أخبار الانتخابات باستمرار وكثافة، وتنتشر الأحاديث السياسية في كل ركن من أركان البلاد. ويعد الحشد الانتخابي بما يتضمنه من خطابات في الشوارع، وتجمعات انتخابية كبيرة يحضرها عشرات الآلاف بطبيعة الحال، حدثاً فريداً من نوعه.

الأطراف المشاركة
تستعد الساحة الهندية للانتخابات بمشاركة مختلف الأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها. وهو ما يعني أن القرارات والاختيارات ستكون صعبة في ظل هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات. والواضح أن عام 2019 سيكون عام «الطحن السياسي»، الذي يبدو أنه بدأ بالفعل، ويُستبعَد أن ينتهي بالانتخابات.
ويسعى كل من رئيس الوزراء مودي وحزبه الهندوسي «بهاراتيا جاناتا» إلى الفوز بالمعركة التي يُعدّ غريمه المعارض الرئيسي فيها هو حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي، سليل أكبر عائلة سياسية كبيرة في البلاد، أي عائلة نهرو - غاندي. وللعلم، راهول هو ابن رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي، وحفيد أنديرا غاندي، أول سيدة تتولى قيادة البلاد، التي كان أبوها جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند.
مع ذلك، تتمتع أحزاب أخرى عدة بنفوذ وتأثير في البلاد، ويؤيد بعضها مودي، في حين يعارضه بعضها الآخر، ومن شأن كل ذلك تحديد النتيجة. وحقاً، كتب روشير شارما في كتابه «الديمقراطية على الطريق» بهذا الصدد: إنه «يتم تصوير انتخابات 2019 باعتبارها مواجهة على مستوى البلاد بين مودي وبقية الأطراف، واستفتاءً على موقف الهند تجاه الحكم الاستبدادي والالتزام بالديمقراطية». كذلك، أوضح أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغيرات كثيرة في حزب المؤتمر، لكنه مع ذلك «بأمس الحاجة إلى أي عون ودعم من أجل إلحاق الهزيمة بعملاق مثل مودي».
من ناحية أخرى، يثير الاهتمام تزايد عدد الأحزاب السياسية في الهند بوتيرة سريعة؛ إذ تضاعف عددها بين عامي 2010 و2018، وتجاوز الألفين، بحسب أحدث بيانات صادرة عن اللجنة الهندية للانتخابات. وبلغ إجمالي عدد الأحزاب السياسية خلال انتخابات عام 2014 وعدد المتنافسين بها أكثر من 8 آلاف على مستوى البلاد. وتتحالف عشرات الأحزاب السياسية هذا العام في إطار ائتلاف ضخم من أجل التغلّب على مودي وحلفائه خلال الصيف الحالي. وخلال أهم فعالية تسبق الانتخابات تقاسم قادة من 23 حزباً و14 ولاية منصة واحدة خلال آخر تجمع في مدينة كلكتا. ولعل هذه «الجبهة» الموعودة أكبر «تحالف» للمعارضة منذ عام 1977 حين تعاونت عشرات الأحزاب من أجل التغلب على أنديرا غاندي - رئيسة الوزراء حينذاك - بعد إعلانها حالة الطوارئ في البلاد لسنتين.

فرص فوز مودي
لقد حشد مودي، رئيس الحكومة الحالي، دعماً كبيراً قبيل حملته الانتخابية عام 2014 التي حصل فيها حزبه «بهاراتيا جاناتا» على رقم قياسي في الانتخابات العامة هو 282 مقعداً، يكفي لتشكيل أكبر حكومة غالبية للمرة الأولى منذ الانتخابات العامة في 1984. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفوز بها حزب بما يكفي من المقاعد للحكم دون الحاجة إلى دعم من الأحزاب الأخرى.
هذه المرة لدى كل من «بهارتيا جاناتا» وحزب المؤتمر تحالف يدعمه؛ إذ يدعم الأول التحالف الوطني الديمقراطي، والآخر التحالف التقدّمي الموحّد. ولعل الولايات الخمس الحاسمة في الانتخابات (تبعاً لحجمها السكاني) هي: أوتار براديش (80 مقعداً برلمانياً)، ومهاراشترا (48)، والبنغال الغربية (42)، وبيهار (40) وتاميل نادو (39)؛ ما يعني أن للولايات الخمس مجتمعة 249 مقعداً. وتأتي بعدها في الترتيب: ولايات ماديا براديش (29)، وكارناتاكا (28) وغوجارات (26) وأندرا براديش (25) وراجستان (25)، أي تتمثل هذه الولايات العشر بـ382 مقعداً. ونظراً لتوزّع المقاعد الباقية بين الولايات المتوسطة والصغيرة وغيرها من المناطق الأقل أهمية، لا يستطيع أي تحالف أو ائتلاف الفوز بالغالبية ما لم يحقق نتائج جيدة في بعض الولايات العشر.
حزب مودي فاز عام 2014 بـ213 مقعداً في تلك الولايات الكبرى (قلبها ولايات «الحزام الهندي»). وأوضح استطلاع رأي «إيه بي بي - سي فوتر»، أن التحالف الوطني الديمقراطي اليميني الحاكم الداعم لمودي قد يخفق في الفوز بغالبية المقاعد البالغ عددها 272، ويرجّح أن يكسب 233 مقعداً، في حين أنه يتوقع فوز التحالف التقدمي بـ167 مقعداً. كذلك، يتوقع حصول «بهاراتيا جاناتا» على 203 مقاعد، وحصول حزب المؤتمر على 109 مقاعد. ومن المحتمل فوز أحزاب الجبهة الثالثة مجتمعة بـ130 مقعداً. وهو ما يعني أن التحالف الديمقراطي سيظل الكتلة الأكبر بفارق مريح، حسب الاستطلاع، ما يرجح كفة مودي.
على الجانب الآخر، يبدو أن المناوشات والصراع بين الهند وباكستان قد عززت بدورها شعبية رئيس الوزراء الهندوسي اليميني. وتأتي «أحداث بولواما» الدامية في كشمير يوم 14 فبراير (شباط) الفائت، وما تلاها من غارات جوية هندية على المسلحين داخل باكستان، في خلفية الحراك الانتخابي، ومن المؤكد أنها ستؤثر على النتيجة. وهنا يقول شارما: «ستكون معركة عسيرة، لكنني في كل الأحوال أعرف موقعي حين يبدأ الكرنفال الانتخابي. أنا على ثقة من أنه في هذه الحقبة التي تشهد تراجع الديمقراطية في العالم... فإنها ستزدهر في الهند».
وحول ما سبق، يبدو أن حزب «بهاراتيا» اقتنع بعد الغارات الجوية بأن استغلال سلاح «النزعة القومية» هو السلاح الأمضى والأنفع ضد المعارضة، وبالذات حزب المؤتمر، وبخاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية. وهنا رأى الكاتب الصحافي ساتيش ميشرا «الوضع المستجد بين الهند وباكستان سيغير تركيز خطاب رئيس الوزراء مودي وحزب (بهاراتيا) خلال الانتخابات العامة. وحقاً بدأ (بهاراتيا جاناتا)، الذي كان قبل بضعة أسابيع فقط يفكر في الحصول على نحو 200 مقعد، يتحدث الآن عن احتمال فوزه بـ300 مقعد».
هذا يعني أن على أحزاب المعارضة أن تكون حذرة في مواجهة برنامج «بهاراتيا جاناتا» ذي النزعة القومية؛ لأنها «ستتعرّض لخطر تصنيفها غير وطنية وغير قومية خاصة بعد الهجمات الجوية». ومن جانبه، أخذ مودي زمام المبادرة منذ الغارات الجوية مهاجماً بعنف حزب المؤتمر، حتى إبان الفعاليات الرسمية، كافتتاح النصب التذكاري للحرب في العاصمة. وبالتالي، لن يكون بمقدور معارضة منقسمة مواجهة تحدي تكتل قومي ووطني، بينما التعاضد والتعاون هو أهم ما سيجذب الناخبين إلى «بهاراتيا جاناتا» ومنظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» الهندوسية المتشددة خلال الأسابيع المقبلة قبل الانتخابات. ولا شك، سيصوّر الحزب الحاكم وماكينته الدعائية الضخمة أحزاب المعارضة ومناصريها (من يسار الوسط) على أنهم مناهضون للقومية وناقصو الوطنية، في حين أن مودي وحزبه هم الوطنيون الحقيقيون.

كيف سيصوت الهنود؟
في سياق متصل، يرى البروفسور سانجاي كومار، وهو أستاذ للعلوم السياسية متخصّص في السياسات الانتخابية ويعمل كذلك مديراً لـ«مركز دراسة المجتمعات النامية» في دلهي، أن «الناخبين أصبحوا أكثر التزاماً تجاه التصويت لصالح أو ضد حزب بعينه الآن أكثر من أي وقت مضى. حتى الانتخابات العامة التي أجريت عام 2004، كان كثيرون من الناخبين لا يحسمون رأيهم إلا قبل ثلاثة أو أربعة أيام من يوم الاقتراع. إلا أن هذا الوضع تبدل اليوم. وتكشف البيانات التي جمعناها عن انتخابات عامي 2009 و2014 أن أعداداً هائلة من الناخبين حسمت رأيها قبل الانتخابات بفترة طويلة». ويضيف كومار - الذي يضم مركزه جناحاً بحثياً معنياً بالانتخابات اسمه «لوكنيتي» - «يقدّر الناس في الهند أصواتهم الانتخابية تقديراً كبيراً، فإذا ذهبت إلى بلدية ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، سيقول ما بين 80 في المائة و90 في المائة من السكان أنهم صوّتوا لصالح الحزب الفائز؛ ذلك أنه من المرغوب اجتماعياً الظهور بمظهر المنتمي للجانب الفائز».

البطالة والرخاء والقومية
يُعدّ الاقتصاد والتنمية من القضايا المحورية، وسط المقارنات التي يعقدها «بهاراتيا جاناتا» مع فترة حكم «التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر قبل عام 2014، يثير ما شهدته من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتفاقم للتضخم وتفجّر عدد من فضائح الفساد. وفي المقابل، يقارن المؤتمر سجل التحالف التقدمي على امتداد 10 سنوات في السلطة (2004 – 2014) بسجل «بهاراتيا جاناتا» خلال السنوات الخمس الأخيرة في المنصب من أجل الترويج لإنجازاته.
الواضح أن المعارضة تنوي شن هجوم بالغ على الحكومة فيما يتعلق بأزمة البطالة وتنامي أعداد العاطلين، وهي إحدى القضايا الشائكة على الصعيد الاقتصادي، في حين أن قضية التنمية والرفاهية هي ما يفضل حزب الرئيس مودي الحديث عنه. من جهته، يعتقد هذا الحزب أن منظومات الرفاهية تحظى بشعبية هائلة بين الناخبين، وبخاصة بين النساء وفي المناطق الريفية. ولدى التطرق إلى موضوع الاقتصاد السياسي للهند، قال الدكتور فايشناف (مؤسسة كارنيغي) خلال مقابلة أجراها معه موقع «ريديف دوت كوم»: إن «الحجة التي يطرحها مودي على الناخبين تتمثل بأن الفضل عائد لـ(بهاراتيا جاناتا) في إرساء دعائم دولة الرفاه الحديثة بالبلاد، وأنه في حاجة إلى خمس سنوات أخرى كي يتمكن من إنجاز هذا العمل ـ من الصرافة العالمية إلى الرعاية الصحية العالمية، وتحويلات الإعانات المباشرة». أما القضية الرئيسية الثالثة، فتتمثل في مسألة النزعة القومية الوطنية، التي برزت مراراً على مدار السنوات الخمس الأخيرة، ذلك أن حكومة مودي حاولت صياغة توجهها الاقتصادي وسياساتها الخارجية والاجتماعية ضمن هذا الإطار. أما بالنسبة للقضايا الأخرى التي تحظى بالاهتمام ففي مقدمها: معاناة المزارعين، وضمور سوق الوظائف، وارتفاع أسعار الوقود، وسحب العملة من السوق، وتفاقم التمييز ضد الأقليات.

المرأة والشباب والمسلمون
على صعيد آخر، تكشف البيانات المتعلقة بالاقتراع على مستوى الولايات أو عموم البلاد في الانتخابات العامة الأخيرة، تنامي مشاركة المرأة. ويرى محللون أن ثمة فرصة قوية لأن تضطلع الناخبات بدور حاسم هذه المرة. ولقد كشفت دراسة بحثية أصدرتها شركة «سنتروم بروكينغ» للصرافة، عن أن النساء حققن قفزات كبرى كناخبات على امتداد العقد الماضي، وأنه بحلول 2019 يمكن أن يساوي معدل مشاركة النساء أو يتجاوز مشاركة الرجال في الانتخابات؛ الأمر الذي يضفي مزيداً من الأهمية على أصواتهن وقضاياهن من المنظور السياسي. وفي هذا الصدد، ذكرت الدراسة الصادرة عن «سنتروم بروكينغ»، أن هذا الأمر «يبدو واضحاً للغاية لدى النظر إلى معدلات مشاركة المرأة في ولايات مثل أوتار براديش وبيهار ومادهيا براديش وراجستان، وهي ولايات شهدت الانتخابات السابقة بها وقوع أعمال عنف».
وبالنظر إلى أن متوسط العمر بلغ 27.9 سنة عام 2018، تعد الهند لذلك دولة شابة. وبحلول عام 2020، سيشكل الشباب 34 في المائة من إجمالي السكان. ومنذ 2014، انضم 45 مليون شخص إلى قوائم الناخبين لبلوغهم سن الـ18؛ وذلك تبعاً لبيانات صدرت عام 2018 من مفوضية الانتخابات. ويعني ذلك أن قوائم الناخبين زادت بنسبة 5 في المائة منذ عام 2014. علاوة على ذلك، من الواضح أن أصوات المسلمين ستلعب دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات العامة عام 2019. ويذكر أنه في أعقاب انتخابات مايو 2014، أجرت مؤسسة «إنديا سبيند» تحليلاً لأنماط الاقتراع داخل الولايات صاحبة التركيز الأعلى من الشباب، وكان الشباب قد دفعوا بحزب «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة داخل الولايات الخمس.
وتكشف البيانات المتعلقة بآخر دورتي انتخاب برلمانيتين عن تراجع مشاركة الناخبين المسلمين، وكذلك انخفاض تمثيلهم داخل البرلمان الهندي. والجدير بالذكر أن المسلمين يشكلون 14.2 في المائة من السكان، وخلال كلتا الدورتين الانتخابيتين كان ما يقل قليلاً عن 10 في المائة من الناخبين من المسلمين. وبين الفائزين عام 2014، كان هناك فقط 22 مسلماً، وهو ما يمثل أدنى معدل على الإطلاق. وفي حين أعرب برلماني مسلم عن اعتقاده بأن المناخ السياسي خلال الانتخابات جعل من العسير للغاية على المرشحين المسلمين الحصول على أصوات غير المسلمين، فإن بعض علماء الاجتماع يختلفون مع هذا الطرح. ومن هؤلاء هلال أحمد، البروفسور المساعد لدى «مركز دراسة المجتمعات النامية»، الذي قال: «لا يمكن للبيانات أن تعبّر عن تعقيدات الدوائر الانتخابية، فثمة عوامل أخرى فاعلة... وبخلاف وجهة النظر السائدة، ثمة درجة كبيرة من التعددية الاجتماعية داخل المجتمع، ويحدد هذا التنوع طبيعة التفاعل السياسي للمسلمين. وأنا أعتقد أن هناك كثيرين من المسلمين لا يرغبون في انتخاب مرشحين مسلمين بعينهم لتمثيلهم».

تأثير كشمير المحتمل على المعركة
- في أعقاب مقتل 40 هندياً شبه عسكريين في كشمير، وما تبع ذلك من تصعيد عسكري بين الهند وباكستان، اكتسبت كشمير أهمية إضافية كقضية انتخابية في إطار الانتخابات العامة المرتقبة داخل الهند، حيث يحاول حزب «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة ناريندرا مودي، الاحتفاظ بقبضته على السلطة.
ويعتقد خبراء معنيون باستطلاعات الرأي، أن مودي وحزبه سيستفيدان من رد الفعل الهندي القوي تجاه الهجوم الانتحاري الذي وقع في كشمير، ذلك أن الناخبين ينظرون إليه الآن بصفته قائداً حاسماً وقوياً. وفي هذا الصدد، ذكر إم كيه فينو، أحد هؤلاء الخبراء، أن: «الحقيقة أن هجوم بولواما يشكل فرصة مغرية للغاية أمام (بهاراتيا جاناتا)، ومن المتعذر على الحزب تفويتها دون السعي للاستفادة منها في خدمة أغراض سياسية. وسيكون من المنطقي تماماً أن يحاول مودي تشتيت الأنظار بعيداً عن نقص الوظائف والأزمات المشتعلة في المناطق الريفية، وباتجاه مسألة من الطرف المؤهل على النحو الأمثل للحفاظ على الأمن الوطني للبلاد. وسيسعى (بهاراتيا جاناتا) لمزج الأمن الوطني والغضب الشعبي إزاء ما حدث في كشمير. ومن الممكن أن يمثل ذلك مزيجاً فاعلاً ويجب أن تكون أحزاب المعارضة على استعداد للتصدي لهذا الأمر خلال حملاتها الانتخابية حتى عقد الانتخابات بعد شهرين من الآن».
ويذكر أن أحزاب المعارضة الهندية كانت قد شنّت هجوماً موحّداً ضد رئيس الوزراء مودي لما اعتبروه تسييساً منه للقوات المسلحة في خضم محاولته ركوب موجة المشاعر الوطنية المتأججة حالياً لضمان الفوز بفترة ثانية في السلطة عبر الانتخابات العامة المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن جذور الصراع في كشمير تعود إلى فترة فك الإمبراطورية البريطانية ارتباطها بشبه القارة الهندية. ولدى إعلان الاستقلال عام 1947، ووجه المهراجا الهندوسي لكشمير (الإقليم ذي الغالبية المسلمة) بغزو من جانب أبناء القبائل الباكستانية. ولجأ المهراجا - الذي لم يكن يحظى بشعبية تذكر - إلى الاتحاد الهندي طلباً للعون ووقّع معاهدة انضمام تحوّلت كشمير بمقتضاها إلى جزء من الاتحاد الهندي. وبالفعل، أرسلت الهند قوات إلى الإقليم، وبذا اشتعلت شرارة الحرب الأولى بين الهند وباكستان.
أوقفت القوات الهندية الزحف الباكستاني بعد سيطرته على ثلث كشمير عام 1948، وحالياً ينقسم الإقليم بين الهند وباكستان. ويمثل «خط السيطرة» الحدود الفاصلة بين شطري الإقليم، وكان قد رُسم في أعقاب حرب 1947 - 1948 بين البلدين. وعلى امتداد الحروب التي اشتعلت في السنوات التالية، دخلت تغييرات طفيفة على هذا الخط. لكن منذ ذلك الحين، وقعت أعمال عنف وهجمات إرهابية بانتظام داخل الإقليم، استهدفت غالبيتها أهدافاً عسكرية وشبه عسكرية وحكومية داخل كشمير. واتهمت حكومات هندية متعاقبة المؤسسة العسكرية والاستخبارات الباكستانية بالمسؤولية عن تجنيد ودعم المتورطين في الهجمات، الأمر الذي تنفيه باكستان.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.