الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

أحداث كشمير الأخيرة تعطي اليمين الهندوسي القومي سلاحاً إضافياً

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه
TT

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

الهند 2019: خيارات حاسمة بين مودي و«المؤتمر» وحلفائه

لا تفصلنا سوى بضعة أسابيع عن أكبر عرس للديمقراطية الهندية... ألا وهو الانتخابات العامة. وهذا الحدث المهم، الذي تشهده الهند كل خمس سنوات، هو الأكبر من نوعه على مستوى العالم.
من المقرر أن تجرى الانتخابات السابعة عشرة منذ الاستقلال، عام 1947، بين شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين، ويتوقع أن يبلغ عدد المشاركين فيها نحو 870 مليون ناخب، أي ما يعادل ضعفي سكان الولايات المتحدة. وكان قد بلغ عدد الناخبين المسجّلين للاقتراع في آخر انتخابات عامة عام 2014 أكثر من 830 مليوناً، اقترع منهم بالفعل ما يزيد على 550 مليوناً. ويومذاك، أسفرت العملية الانتخابية المنظمة على مستوى البلاد، واستمرت لمدة ستة أسابيع، عن فوز رئيس الوزراء اليميني الحالي ناريندرا مودي.
ومن المتوقع أن تعلن اللجنة الهندية للانتخابات خلال الأسبوع المقبل عن الموعد المقرّر للاقتراع الذي يشمل انتخاب 543 عضواً من أعضاء البرلمان، عبر مليون مركز اقتراع، ويقوم على تنفيذها والإشراف عليها أكثر من 10 ملايين شخص يعملون في هذه المراكز، ومن أفراد الشرطة.
«ستكون الانتخابات العامة المقبلة في الهند هي الأعلى تكلفة في تاريخ الهند، وربما في أي دولة ديمقراطية»، وفق الخبير الدكتور ميلان فايشناف، الزميل ومدير برنامج جنوب آسيا في مؤسسة «كارنيغي» للسلام بالولايات المتحدة. ولقد نقلت وكالة «رويترز» عن فايشناف قوله: «بلغت تكلفة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأميركية مجتمعة عام (2016) 6.5 مليار دولار أميركي. وإذا كانت التكلفة التقديرية لانتخابات عام 2014 هي 5 مليارات دولار، سيكون من المتوقع أن تتجاوز انتخابات 2019 هذا الرقم بسهولة؛ ما يجعل تكلفة الانتخابات الهندية هي الأعلى على مستوى العالم».
جدير بالذكر، أن الهند انتخبت بعد الاستقلال 16 مجلساً للنواب خلال سبعة عقود، هي عمر الجمهورية، باستثناء فترة التوقف المؤسفة من 1975 حتى 1977 التي أجلت خلالها الانتخابات. ولم تكن كل الحكومات التي تُشكَّل بعد الانتخابات تكمل مدتها، بل بعضها كان يسقط في غضون أيام. إذ إن الديمقراطية الهندية أبعد ما تكون عن المثالية، لكن لا يوجد نظام ديمقراطي في العالم مثالي وخالٍ من العيوب.
ومن ثم، تعد الانتخابات العامة في الهند واحدة من العمليات الانتخابية الأكثر تطلباً، وربما الأصعب على الصعيد اللوجيستي في العالم. وأول ما يدهش أي مراقب لهذه العملية أهميتها في الحياة السياسية؛ فاللافتات والملصقات والحشود تملأ الشوارع. والفعاليات الحاشدة المكتظة هي النمط السائد. وتورد وسائل الإعلام أخبار الانتخابات باستمرار وكثافة، وتنتشر الأحاديث السياسية في كل ركن من أركان البلاد. ويعد الحشد الانتخابي بما يتضمنه من خطابات في الشوارع، وتجمعات انتخابية كبيرة يحضرها عشرات الآلاف بطبيعة الحال، حدثاً فريداً من نوعه.

الأطراف المشاركة
تستعد الساحة الهندية للانتخابات بمشاركة مختلف الأحزاب السياسية على اختلاف اتجاهاتها ومشاربها. وهو ما يعني أن القرارات والاختيارات ستكون صعبة في ظل هذا الوضع المفتوح على كل الاحتمالات. والواضح أن عام 2019 سيكون عام «الطحن السياسي»، الذي يبدو أنه بدأ بالفعل، ويُستبعَد أن ينتهي بالانتخابات.
ويسعى كل من رئيس الوزراء مودي وحزبه الهندوسي «بهاراتيا جاناتا» إلى الفوز بالمعركة التي يُعدّ غريمه المعارض الرئيسي فيها هو حزب المؤتمر الهندي بقيادة راهول غاندي، سليل أكبر عائلة سياسية كبيرة في البلاد، أي عائلة نهرو - غاندي. وللعلم، راهول هو ابن رئيس الوزراء السابق راجيف غاندي، وحفيد أنديرا غاندي، أول سيدة تتولى قيادة البلاد، التي كان أبوها جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند.
مع ذلك، تتمتع أحزاب أخرى عدة بنفوذ وتأثير في البلاد، ويؤيد بعضها مودي، في حين يعارضه بعضها الآخر، ومن شأن كل ذلك تحديد النتيجة. وحقاً، كتب روشير شارما في كتابه «الديمقراطية على الطريق» بهذا الصدد: إنه «يتم تصوير انتخابات 2019 باعتبارها مواجهة على مستوى البلاد بين مودي وبقية الأطراف، واستفتاءً على موقف الهند تجاه الحكم الاستبدادي والالتزام بالديمقراطية». كذلك، أوضح أن السنوات القليلة الماضية شهدت تغيرات كثيرة في حزب المؤتمر، لكنه مع ذلك «بأمس الحاجة إلى أي عون ودعم من أجل إلحاق الهزيمة بعملاق مثل مودي».
من ناحية أخرى، يثير الاهتمام تزايد عدد الأحزاب السياسية في الهند بوتيرة سريعة؛ إذ تضاعف عددها بين عامي 2010 و2018، وتجاوز الألفين، بحسب أحدث بيانات صادرة عن اللجنة الهندية للانتخابات. وبلغ إجمالي عدد الأحزاب السياسية خلال انتخابات عام 2014 وعدد المتنافسين بها أكثر من 8 آلاف على مستوى البلاد. وتتحالف عشرات الأحزاب السياسية هذا العام في إطار ائتلاف ضخم من أجل التغلّب على مودي وحلفائه خلال الصيف الحالي. وخلال أهم فعالية تسبق الانتخابات تقاسم قادة من 23 حزباً و14 ولاية منصة واحدة خلال آخر تجمع في مدينة كلكتا. ولعل هذه «الجبهة» الموعودة أكبر «تحالف» للمعارضة منذ عام 1977 حين تعاونت عشرات الأحزاب من أجل التغلب على أنديرا غاندي - رئيسة الوزراء حينذاك - بعد إعلانها حالة الطوارئ في البلاد لسنتين.

فرص فوز مودي
لقد حشد مودي، رئيس الحكومة الحالي، دعماً كبيراً قبيل حملته الانتخابية عام 2014 التي حصل فيها حزبه «بهاراتيا جاناتا» على رقم قياسي في الانتخابات العامة هو 282 مقعداً، يكفي لتشكيل أكبر حكومة غالبية للمرة الأولى منذ الانتخابات العامة في 1984. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يفوز بها حزب بما يكفي من المقاعد للحكم دون الحاجة إلى دعم من الأحزاب الأخرى.
هذه المرة لدى كل من «بهارتيا جاناتا» وحزب المؤتمر تحالف يدعمه؛ إذ يدعم الأول التحالف الوطني الديمقراطي، والآخر التحالف التقدّمي الموحّد. ولعل الولايات الخمس الحاسمة في الانتخابات (تبعاً لحجمها السكاني) هي: أوتار براديش (80 مقعداً برلمانياً)، ومهاراشترا (48)، والبنغال الغربية (42)، وبيهار (40) وتاميل نادو (39)؛ ما يعني أن للولايات الخمس مجتمعة 249 مقعداً. وتأتي بعدها في الترتيب: ولايات ماديا براديش (29)، وكارناتاكا (28) وغوجارات (26) وأندرا براديش (25) وراجستان (25)، أي تتمثل هذه الولايات العشر بـ382 مقعداً. ونظراً لتوزّع المقاعد الباقية بين الولايات المتوسطة والصغيرة وغيرها من المناطق الأقل أهمية، لا يستطيع أي تحالف أو ائتلاف الفوز بالغالبية ما لم يحقق نتائج جيدة في بعض الولايات العشر.
حزب مودي فاز عام 2014 بـ213 مقعداً في تلك الولايات الكبرى (قلبها ولايات «الحزام الهندي»). وأوضح استطلاع رأي «إيه بي بي - سي فوتر»، أن التحالف الوطني الديمقراطي اليميني الحاكم الداعم لمودي قد يخفق في الفوز بغالبية المقاعد البالغ عددها 272، ويرجّح أن يكسب 233 مقعداً، في حين أنه يتوقع فوز التحالف التقدمي بـ167 مقعداً. كذلك، يتوقع حصول «بهاراتيا جاناتا» على 203 مقاعد، وحصول حزب المؤتمر على 109 مقاعد. ومن المحتمل فوز أحزاب الجبهة الثالثة مجتمعة بـ130 مقعداً. وهو ما يعني أن التحالف الديمقراطي سيظل الكتلة الأكبر بفارق مريح، حسب الاستطلاع، ما يرجح كفة مودي.
على الجانب الآخر، يبدو أن المناوشات والصراع بين الهند وباكستان قد عززت بدورها شعبية رئيس الوزراء الهندوسي اليميني. وتأتي «أحداث بولواما» الدامية في كشمير يوم 14 فبراير (شباط) الفائت، وما تلاها من غارات جوية هندية على المسلحين داخل باكستان، في خلفية الحراك الانتخابي، ومن المؤكد أنها ستؤثر على النتيجة. وهنا يقول شارما: «ستكون معركة عسيرة، لكنني في كل الأحوال أعرف موقعي حين يبدأ الكرنفال الانتخابي. أنا على ثقة من أنه في هذه الحقبة التي تشهد تراجع الديمقراطية في العالم... فإنها ستزدهر في الهند».
وحول ما سبق، يبدو أن حزب «بهاراتيا» اقتنع بعد الغارات الجوية بأن استغلال سلاح «النزعة القومية» هو السلاح الأمضى والأنفع ضد المعارضة، وبالذات حزب المؤتمر، وبخاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية. وهنا رأى الكاتب الصحافي ساتيش ميشرا «الوضع المستجد بين الهند وباكستان سيغير تركيز خطاب رئيس الوزراء مودي وحزب (بهاراتيا) خلال الانتخابات العامة. وحقاً بدأ (بهاراتيا جاناتا)، الذي كان قبل بضعة أسابيع فقط يفكر في الحصول على نحو 200 مقعد، يتحدث الآن عن احتمال فوزه بـ300 مقعد».
هذا يعني أن على أحزاب المعارضة أن تكون حذرة في مواجهة برنامج «بهاراتيا جاناتا» ذي النزعة القومية؛ لأنها «ستتعرّض لخطر تصنيفها غير وطنية وغير قومية خاصة بعد الهجمات الجوية». ومن جانبه، أخذ مودي زمام المبادرة منذ الغارات الجوية مهاجماً بعنف حزب المؤتمر، حتى إبان الفعاليات الرسمية، كافتتاح النصب التذكاري للحرب في العاصمة. وبالتالي، لن يكون بمقدور معارضة منقسمة مواجهة تحدي تكتل قومي ووطني، بينما التعاضد والتعاون هو أهم ما سيجذب الناخبين إلى «بهاراتيا جاناتا» ومنظمة «راشتريا سوايامسيفاك سانغ» الهندوسية المتشددة خلال الأسابيع المقبلة قبل الانتخابات. ولا شك، سيصوّر الحزب الحاكم وماكينته الدعائية الضخمة أحزاب المعارضة ومناصريها (من يسار الوسط) على أنهم مناهضون للقومية وناقصو الوطنية، في حين أن مودي وحزبه هم الوطنيون الحقيقيون.

كيف سيصوت الهنود؟
في سياق متصل، يرى البروفسور سانجاي كومار، وهو أستاذ للعلوم السياسية متخصّص في السياسات الانتخابية ويعمل كذلك مديراً لـ«مركز دراسة المجتمعات النامية» في دلهي، أن «الناخبين أصبحوا أكثر التزاماً تجاه التصويت لصالح أو ضد حزب بعينه الآن أكثر من أي وقت مضى. حتى الانتخابات العامة التي أجريت عام 2004، كان كثيرون من الناخبين لا يحسمون رأيهم إلا قبل ثلاثة أو أربعة أيام من يوم الاقتراع. إلا أن هذا الوضع تبدل اليوم. وتكشف البيانات التي جمعناها عن انتخابات عامي 2009 و2014 أن أعداداً هائلة من الناخبين حسمت رأيها قبل الانتخابات بفترة طويلة». ويضيف كومار - الذي يضم مركزه جناحاً بحثياً معنياً بالانتخابات اسمه «لوكنيتي» - «يقدّر الناس في الهند أصواتهم الانتخابية تقديراً كبيراً، فإذا ذهبت إلى بلدية ما بعد إعلان نتائج الانتخابات، سيقول ما بين 80 في المائة و90 في المائة من السكان أنهم صوّتوا لصالح الحزب الفائز؛ ذلك أنه من المرغوب اجتماعياً الظهور بمظهر المنتمي للجانب الفائز».

البطالة والرخاء والقومية
يُعدّ الاقتصاد والتنمية من القضايا المحورية، وسط المقارنات التي يعقدها «بهاراتيا جاناتا» مع فترة حكم «التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر قبل عام 2014، يثير ما شهدته من تباطؤ في النمو الاقتصادي وتفاقم للتضخم وتفجّر عدد من فضائح الفساد. وفي المقابل، يقارن المؤتمر سجل التحالف التقدمي على امتداد 10 سنوات في السلطة (2004 – 2014) بسجل «بهاراتيا جاناتا» خلال السنوات الخمس الأخيرة في المنصب من أجل الترويج لإنجازاته.
الواضح أن المعارضة تنوي شن هجوم بالغ على الحكومة فيما يتعلق بأزمة البطالة وتنامي أعداد العاطلين، وهي إحدى القضايا الشائكة على الصعيد الاقتصادي، في حين أن قضية التنمية والرفاهية هي ما يفضل حزب الرئيس مودي الحديث عنه. من جهته، يعتقد هذا الحزب أن منظومات الرفاهية تحظى بشعبية هائلة بين الناخبين، وبخاصة بين النساء وفي المناطق الريفية. ولدى التطرق إلى موضوع الاقتصاد السياسي للهند، قال الدكتور فايشناف (مؤسسة كارنيغي) خلال مقابلة أجراها معه موقع «ريديف دوت كوم»: إن «الحجة التي يطرحها مودي على الناخبين تتمثل بأن الفضل عائد لـ(بهاراتيا جاناتا) في إرساء دعائم دولة الرفاه الحديثة بالبلاد، وأنه في حاجة إلى خمس سنوات أخرى كي يتمكن من إنجاز هذا العمل ـ من الصرافة العالمية إلى الرعاية الصحية العالمية، وتحويلات الإعانات المباشرة». أما القضية الرئيسية الثالثة، فتتمثل في مسألة النزعة القومية الوطنية، التي برزت مراراً على مدار السنوات الخمس الأخيرة، ذلك أن حكومة مودي حاولت صياغة توجهها الاقتصادي وسياساتها الخارجية والاجتماعية ضمن هذا الإطار. أما بالنسبة للقضايا الأخرى التي تحظى بالاهتمام ففي مقدمها: معاناة المزارعين، وضمور سوق الوظائف، وارتفاع أسعار الوقود، وسحب العملة من السوق، وتفاقم التمييز ضد الأقليات.

المرأة والشباب والمسلمون
على صعيد آخر، تكشف البيانات المتعلقة بالاقتراع على مستوى الولايات أو عموم البلاد في الانتخابات العامة الأخيرة، تنامي مشاركة المرأة. ويرى محللون أن ثمة فرصة قوية لأن تضطلع الناخبات بدور حاسم هذه المرة. ولقد كشفت دراسة بحثية أصدرتها شركة «سنتروم بروكينغ» للصرافة، عن أن النساء حققن قفزات كبرى كناخبات على امتداد العقد الماضي، وأنه بحلول 2019 يمكن أن يساوي معدل مشاركة النساء أو يتجاوز مشاركة الرجال في الانتخابات؛ الأمر الذي يضفي مزيداً من الأهمية على أصواتهن وقضاياهن من المنظور السياسي. وفي هذا الصدد، ذكرت الدراسة الصادرة عن «سنتروم بروكينغ»، أن هذا الأمر «يبدو واضحاً للغاية لدى النظر إلى معدلات مشاركة المرأة في ولايات مثل أوتار براديش وبيهار ومادهيا براديش وراجستان، وهي ولايات شهدت الانتخابات السابقة بها وقوع أعمال عنف».
وبالنظر إلى أن متوسط العمر بلغ 27.9 سنة عام 2018، تعد الهند لذلك دولة شابة. وبحلول عام 2020، سيشكل الشباب 34 في المائة من إجمالي السكان. ومنذ 2014، انضم 45 مليون شخص إلى قوائم الناخبين لبلوغهم سن الـ18؛ وذلك تبعاً لبيانات صدرت عام 2018 من مفوضية الانتخابات. ويعني ذلك أن قوائم الناخبين زادت بنسبة 5 في المائة منذ عام 2014. علاوة على ذلك، من الواضح أن أصوات المسلمين ستلعب دوراً حاسماً في نتائج الانتخابات العامة عام 2019. ويذكر أنه في أعقاب انتخابات مايو 2014، أجرت مؤسسة «إنديا سبيند» تحليلاً لأنماط الاقتراع داخل الولايات صاحبة التركيز الأعلى من الشباب، وكان الشباب قد دفعوا بحزب «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة داخل الولايات الخمس.
وتكشف البيانات المتعلقة بآخر دورتي انتخاب برلمانيتين عن تراجع مشاركة الناخبين المسلمين، وكذلك انخفاض تمثيلهم داخل البرلمان الهندي. والجدير بالذكر أن المسلمين يشكلون 14.2 في المائة من السكان، وخلال كلتا الدورتين الانتخابيتين كان ما يقل قليلاً عن 10 في المائة من الناخبين من المسلمين. وبين الفائزين عام 2014، كان هناك فقط 22 مسلماً، وهو ما يمثل أدنى معدل على الإطلاق. وفي حين أعرب برلماني مسلم عن اعتقاده بأن المناخ السياسي خلال الانتخابات جعل من العسير للغاية على المرشحين المسلمين الحصول على أصوات غير المسلمين، فإن بعض علماء الاجتماع يختلفون مع هذا الطرح. ومن هؤلاء هلال أحمد، البروفسور المساعد لدى «مركز دراسة المجتمعات النامية»، الذي قال: «لا يمكن للبيانات أن تعبّر عن تعقيدات الدوائر الانتخابية، فثمة عوامل أخرى فاعلة... وبخلاف وجهة النظر السائدة، ثمة درجة كبيرة من التعددية الاجتماعية داخل المجتمع، ويحدد هذا التنوع طبيعة التفاعل السياسي للمسلمين. وأنا أعتقد أن هناك كثيرين من المسلمين لا يرغبون في انتخاب مرشحين مسلمين بعينهم لتمثيلهم».

تأثير كشمير المحتمل على المعركة
- في أعقاب مقتل 40 هندياً شبه عسكريين في كشمير، وما تبع ذلك من تصعيد عسكري بين الهند وباكستان، اكتسبت كشمير أهمية إضافية كقضية انتخابية في إطار الانتخابات العامة المرتقبة داخل الهند، حيث يحاول حزب «بهاراتيا جاناتا»، بقيادة ناريندرا مودي، الاحتفاظ بقبضته على السلطة.
ويعتقد خبراء معنيون باستطلاعات الرأي، أن مودي وحزبه سيستفيدان من رد الفعل الهندي القوي تجاه الهجوم الانتحاري الذي وقع في كشمير، ذلك أن الناخبين ينظرون إليه الآن بصفته قائداً حاسماً وقوياً. وفي هذا الصدد، ذكر إم كيه فينو، أحد هؤلاء الخبراء، أن: «الحقيقة أن هجوم بولواما يشكل فرصة مغرية للغاية أمام (بهاراتيا جاناتا)، ومن المتعذر على الحزب تفويتها دون السعي للاستفادة منها في خدمة أغراض سياسية. وسيكون من المنطقي تماماً أن يحاول مودي تشتيت الأنظار بعيداً عن نقص الوظائف والأزمات المشتعلة في المناطق الريفية، وباتجاه مسألة من الطرف المؤهل على النحو الأمثل للحفاظ على الأمن الوطني للبلاد. وسيسعى (بهاراتيا جاناتا) لمزج الأمن الوطني والغضب الشعبي إزاء ما حدث في كشمير. ومن الممكن أن يمثل ذلك مزيجاً فاعلاً ويجب أن تكون أحزاب المعارضة على استعداد للتصدي لهذا الأمر خلال حملاتها الانتخابية حتى عقد الانتخابات بعد شهرين من الآن».
ويذكر أن أحزاب المعارضة الهندية كانت قد شنّت هجوماً موحّداً ضد رئيس الوزراء مودي لما اعتبروه تسييساً منه للقوات المسلحة في خضم محاولته ركوب موجة المشاعر الوطنية المتأججة حالياً لضمان الفوز بفترة ثانية في السلطة عبر الانتخابات العامة المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن جذور الصراع في كشمير تعود إلى فترة فك الإمبراطورية البريطانية ارتباطها بشبه القارة الهندية. ولدى إعلان الاستقلال عام 1947، ووجه المهراجا الهندوسي لكشمير (الإقليم ذي الغالبية المسلمة) بغزو من جانب أبناء القبائل الباكستانية. ولجأ المهراجا - الذي لم يكن يحظى بشعبية تذكر - إلى الاتحاد الهندي طلباً للعون ووقّع معاهدة انضمام تحوّلت كشمير بمقتضاها إلى جزء من الاتحاد الهندي. وبالفعل، أرسلت الهند قوات إلى الإقليم، وبذا اشتعلت شرارة الحرب الأولى بين الهند وباكستان.
أوقفت القوات الهندية الزحف الباكستاني بعد سيطرته على ثلث كشمير عام 1948، وحالياً ينقسم الإقليم بين الهند وباكستان. ويمثل «خط السيطرة» الحدود الفاصلة بين شطري الإقليم، وكان قد رُسم في أعقاب حرب 1947 - 1948 بين البلدين. وعلى امتداد الحروب التي اشتعلت في السنوات التالية، دخلت تغييرات طفيفة على هذا الخط. لكن منذ ذلك الحين، وقعت أعمال عنف وهجمات إرهابية بانتظام داخل الإقليم، استهدفت غالبيتها أهدافاً عسكرية وشبه عسكرية وحكومية داخل كشمير. واتهمت حكومات هندية متعاقبة المؤسسة العسكرية والاستخبارات الباكستانية بالمسؤولية عن تجنيد ودعم المتورطين في الهجمات، الأمر الذي تنفيه باكستان.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.