بوتفليقة يترشح... ويتعهد تقصير ولايته و«تغيير النظام»

تجدد احتجاجات الطلاب... وغالبية أقطاب المعارضة تقاطع الانتخابات

طلاب يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة في إحدى جامعات العاصمة أمس... وفي الإطار مدير حملته خلال مؤتمره الصحافي (رويترز/ أ.ف.ب)
طلاب يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة في إحدى جامعات العاصمة أمس... وفي الإطار مدير حملته خلال مؤتمره الصحافي (رويترز/ أ.ف.ب)
TT

بوتفليقة يترشح... ويتعهد تقصير ولايته و«تغيير النظام»

طلاب يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة في إحدى جامعات العاصمة أمس... وفي الإطار مدير حملته خلال مؤتمره الصحافي (رويترز/ أ.ف.ب)
طلاب يتظاهرون ضد ترشح بوتفليقة في إحدى جامعات العاصمة أمس... وفي الإطار مدير حملته خلال مؤتمره الصحافي (رويترز/ أ.ف.ب)

على رغم تجدد الاحتجاجات ضد ترشح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة في مدن عدة، فإن بوتفليقة ترشح، أمس، للانتخابات المقررة في 18 الشهر المقبل. لكنه تعهد في حال فوزه بتنظيم استحقاق رئاسي مبكر، تُحدد تاريخه «ندوة وطنية» تعقد قبل نهاية العام الحالي، وتشارك فيها المعارضة والأحزاب الموالية للسلطة وتنظيمات المجتمع المدني.
وجاء في «رسالة إلى الأمة» قرأها نيابة عن الرئيس مدير حملته الانتخابية الجديد عبد الغني زعلان، أمس، أن بوتفليقة لن يترشح في الانتخابات المبكرة التي يعد بها، معتبراً أن «من شأنها ضمان استخلافه في ظروف هادئة، وفي جو من الحرية والشفافية».
ووعد بوتفليقة بـ«تنظيم ندوة وطنية شاملة جامعة ومستقلة لمناقشة وإعداد واعتماد إصلاحات سياسية ومؤسساتية واقتصادية واجتماعية، من شأنها إرساء أسس نظام إصلاحي جديد للدولة الوطنية الجزائرية، ينسجم كل الانسجام مع تطلعات شعبنا».
وبين ما تعهد به بوتفليقة في الرسالة «إعداد دستور جديد يُزكّيه الشعب الجزائري عن طريق الاستفتاء، يكرسُ ميلاد جمهورية جديدة ونظام جديد، ووضع سياسات عمومية عاجلة كفيلة بإعادة التوزيع العادل للثروات الوطنية، وبالقضاء على أوجه التهميش والإقصاء الاجتماعيين كافة، ومنها ظاهرة الحرقة (الهجرة غير الشرعية)، بالإضافة إلى تعبئة وطنية فعلية ضد جميع أشكال الرشوة والفساد».
وقال إنه سيتخذ «إجراءات فورية وفعالة ليصبح كل فرد من شبابنا فاعلاً أساسياً ومستفيداً ذا أولوية في الحياة العامة، على جميع المستويات، وفي كل فضاءات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومراجعة قانون الانتخابات، مع التركيز على إنشاء آلية مستقلة تتولى دون سواها تنظيم الانتخابات».
وأضاف أن «الالتزامات التي أقطعها على نفسي أمامكم، ستقودنا بطبيعة الحال إلى تعاقب سلس بين الأجيال، في جزائر متصالحة مع نفسها، وأدعو الجميع في هذه اللحظة، إلى كتابة صفحة جديدة من تاريخنا، وأن نجعل من الموعد الانتخابي لـ18 أبريل (نيسان) المقبل شهادة ميلاد جمهورية جزائرية جديدة كما يتطلّع إليها الشعب».
ووجّه التحية إلى «المسيرات الشعبية الأخيرة التي تميزت بالتحضر، والتعامل المهني المثالي والراقي، الذي تحلَّت به مختلف أسلاك الأمن مع المظاهرات، وبموقف المواطنين الذين فضّلوا التعبير عن رأيهم يوم الاقتراع عن طريق الصندوق».
وحيّا الجيش على «التعبئة في شتى الظروف للاضطلاع بمهامه الدستورية، وإنني كلي آذان صاغية لكل الآراء التي ينضحُ بها مجتمعنا، وأعاهدكم هاهنا أنني لن أترك أي قوة، سياسية كانت أم اقتصادية، لكي تحيد بمصير وثروات البلاد عن مسارها لصالح فئة معينة أو مجموعات خفية».
وشدّد على أن الجزائر «في حاجة إلى استكمال مسيرتها نحو الديمقراطية والتطور والازدهار من دون وقف المسار الذي غنِمت بفضله مكاسب جمة عبر السنين»، مشيراً إلى أن بلاده «في أمس الحاجة إلى قفزة نوعية وهبّة رفيعة لكل قواها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل لكل أطياف المجتمع، سعياً إلى فتح الأفق أمام آمال جديدة».
وأضاف: «لقد نمت إلى مسامعي، وكلي اهتمام، آهات المتظاهرين، ولا سيما تلك النابعة عن آلاف الشباب الذين خاطبوني في شأن مصير وطننا، غالبيتهم في عمر تطبعُه الأنفة والسخاء اللذان دفعاني وأنا في عمرهم إلى الالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني المجيد، أولئك شباب عبروا عن قلقهم المشروع والمفهوم تجاه الريبة والشكوك التي حركتهُم. وإنه لمن واجبي، بل إنها لنيتي، طمأنة قلوب ونفسيات أبناء بلدي. وإنني إذ أفعل ذلك اليوم، أفعله كمجاهدٍ مخلص لأرواح شهدائنا الأبرار وللعهد الذي قطعناه، أنا وكل رفقائي الأخيار في الملحمة التحريرية، والذين لا يزالون اليوم على قيد الحياة، بل أقوم به أيضاً كرئيس للجمهورية يقدس الإرادة الشعبية التي قلدتني مسؤولية القاضي الأول بالبلاد، بل أيضاً عن قناعة بصفتي مرشحاً للانتخابات الرئاسية المقبلة». وأعرب عن «تصميمه» في حال انتخابه «على الاضطلاع بالمسؤولية التاريخية بأن ألبي مطلب الشعب الأساسي، أي تغيير النظام».
غير أن اللافت أن الوعود التي تتضمنها «رسالة بوتفليقة» لا تلبي أهم مطلب يرفعه ملايين المتظاهرين منذ 10 أيام، وهو سحب الرئيس ترشحه لولاية خامسة. وأودع زعلان أوراق ترشح بوتفليقة للانتخابات لدى المجلس الدستوري قبل ساعات من انتهاء مهلة تقديم ملفات الترشح، فيما لا يزال الرئيس في جنيف حيث سافر قبل 10 أيام بغرض العلاج.
ووصلت مساء أمس 8 شاحنات إلى المجلس الدستوري، حاملة استمارات التوقيعات الخاصة بالرئيس المترشح، لكنه لم يرافقها لعلاجه في سويسرا. وقال موالون للرئيس إنه جمع 4 ملايين توقيع.
المعارضة تقاطع
من جهة أخرى، أعلن حزب «حركة مجتمع السلم» (حمس) الذي يرأسه عبد الرزاق مقري مقاطعة الانتخابات الرئاسية التي كان رئيسه سيترشح لها. وقال في بيان إنه «انحاز في موقفه إلى الحراك الشعبي الذي انطلق عبر كامل التراب الوطني، بمشاركة جميع الفعاليات الشعبية الرافضة للعهدة الخامسة ومحاولة فرضها كأمر واقع». ودعا السلطة إلى «الاستجابة لمطالب الشعب، وفي مقدمتها التراجع عن العهدة الخامسة»، محذراً من أن «الإصرار على هذا الخيار هو إدخال للبلد في متاهات لا تحمد عقاباها».
وقالت مصادر من الحزب الإسلامي لـ«الشرق الأوسط» إن «إصرار الرئيس بوتفليقة على الترشح كان حاسماً في سحب مرشحنا». وراهن مقري على أن تلتفّ أحزاب المعارضة حوله لدعمه، لكنه فشل بسبب مقاطعة غالبية رموزها للاستحقاق. وكانت رئيسة «حزب العمال» اليساري المرشحة في انتخابات 2014 لويزة حنون أعلنت أول من أمس انسحابها.
وانسحب رئيس الوزراء السابق علي بن فليس من السباق. وقال في مؤتمر صحافي إنه يرفض «المشاركة في انتخابات غير قانونية، لأن ترشح الرئيس غير دستوري». وندّد بالمجلس الدستوري «الخاضع بشكل كامل لرئيس السلطة التنفيذية». واعتبر ترشيح بوتفليقة «خرافياً وسريالياً وصادماً واغتصاباً مكشوفاً للإرادة الشعبية». وأضاف: «لقد كسر شعبنا جدار الخوف، وهو الشعب الذي يقف اليوم ليقول بعبارة صريحة وقطعية؛ لا لتخييرٍ صنَع منه حكام الساعة استراتيجيةً سياسية ثابتة تتمثل في القبول بمنظومة حكم جائرة أو التعرض لصدع الاستقرار والفوضى».
ورأى أنه «بمجرد أن ثبت فراغ أعلى هرم السلطة، وشغور مركز صنع القرار الوطني، سارعت قوى غير دستورية إلى الاستحواذ عليهما وتوظيفهما في خدمة طموحاتها الكاسحة وشهيتها الجشعة للجاه والمال والسلطة ومصالحها. والجلي للعيان في هذه الساعات المفصلية أن هذه القوى غير الدستورية مع اقتراب نهاية العهدة الرئاسية قد غمرها القلق والارتباك، وخلصت إلى أنه لا حيلة ولا ملاذ لها سوى في ترشيح خرافي لعهدة رئاسية خرافية كسابقتها»، في إشارة إلى رجال أعمال ومجموعة من القادة السياسيين المحيطين بالرئيس.
غديري يقدم أوراقه
في المقابل، حضر العسكري المتقاعد علي غديري، الذي دخل في خصومة حادة مع رئيس الأركان قايد صالح، إلى المجلس الدستوري أمس، وقدّم أوراق ترشحه. وقال لعدد كبير من الصحافيين تجمعوا حوله: «لقد أعطى شعب الجزائر درساً للذين راهنوا على موته... فجر جديد بدأ اليوم. فمثلما هزم الشعب الاستعمار في الثورة، هو قادر أيضاً على بناء جمهورية جديدة بإحداث قطيعة مع النظام».
وقالت حملة غديري إنه «أودع ملف ترشحه و120 ألف إستمارة توقيع (القانون يشترط 60 ألف توقيع من 25 ولاية)، وقد استقبله رئيس المجلس الدستوري (الطيب بلعيز) الذي وقّع أمامه على إستمارة رسمية تلحق بالملف. كما قام منسق الحملة الانتخابية مقران آيت العربي بتفحص ملف المترشح مع رئيس مصلحة الدراسات بالمجلس الدستوري. وبعد تأكد هذا الأخير من وجود جميع الوثائق المطلوبة قانوناً، سلّم له وصلاً بذلك كما هو معمول به منذ سنوات عدة». وانتقد «تبرير غياب بوتفليقة عن تقديم أوراق ترشحه للمجلس الدستوري»، مشدداً على أن «القانون يلزم جميع المترشحين بالتوجه شخصياً إلى مقر المجلس لتوقيع إستمارة رسمية أمام رئيس المجلس».
احتجاجات متواصلة
وخرج أمس طلبة الجامعات في غالبية الولايات في مظاهرات حاشدة تنديداً بـ«إصرار الرئيس على الترشح ضارباً عرض الحائط بالإرادة الشعبية»، بحسب ما جاء في لافتة حملها طلاب كلية الحقوق في العاصمة. وطوّقت قوات الأمن مظاهرات الطلبة للحؤول دون تحولها إلى مسيرات في الشوارع. وتعد المرة الثانية التي يستعرض فيها الطلبة غضبهم من الولاية الخامسة خلال أسبوع.
ونظّم المحامون في ولايات عدة مظاهرات أمام مقار المحاكم، رافعين شعارات ضد ترشح الرئيس وضد رئيس الوزراء أحمد أويحيى الذي صرح للصحافة بأن «الشعب الجزائري سعيد بترشح الرئيس». وانتهت مظاهرات الطلبة كما احتجاج المحامين في أجواء هادئة. لكن قوات الأمن فرّقت بخراطيم المياه مجموعة منهم توجهت إلى مقر المجلس الدستوري.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.