«شمس بيضاء باردة»... محاكمة السلطة الأبوية والسياسية

من روايات «القائمة القصيرة» لجائزة «بوكر» العربية

كفى الزعبي وروايتها
كفى الزعبي وروايتها
TT

«شمس بيضاء باردة»... محاكمة السلطة الأبوية والسياسية

كفى الزعبي وروايتها
كفى الزعبي وروايتها

تتعلق رواية «شمس بيضاء باردة» لكفى الزعبي الصادرة عن «دار الآداب» ببيروت مع «ملحمة جلجامش» وتستحضرها نصا دراميا موازيا بثيماته وشخصياته الرئيسية، كما تتلاقح مع كتب أخرى يعرفها القارئ المتابع مثل «تاريخ الجنون» لميشيل فوكو، و«أسطورة سيزيف» لألبير كامو، و«الجريمة والعقاب» لديستويفسكي وغيرها من الكتب الأدبية والفكرية التي تركت بصمتها الواضحة على القرّاء والمتلقّين في مختلف أرجاء العالم، لكن هذه التعالقات الأسطورية، والتلاقحات الفكرية برمتها لم تمنع من تدفق النص السردي الذي اجترحته الروائية كفى الزعبي من الواقع الأردني الذي لا يختلف كثيرا عن واقع الدول العربية الأخرى.
حين صدرت هذه الرواية عام 2018 منعتها الرقابة الأردنية لكنها سرعان ما تداركت الأمر وسمحت بنزولها إلى المكتبات لأنها تعرف جيدا أنّ وسائل التواصل الاجتماعي كفيلة بإيصالها إلى كل القرّاء الذين يتحرّقون شوقا لقراءة الكتب والروايات المحظورة التي تحجبها الدولة وتمنع تداولها في الأسواق.
قبل الولوج في تضاعيف هذا النص السردي الجريء لا بد من الإشارة إلى أنّ كفى الزعبي قد أصدرت خمس روايات ناقشت فيها ثيمات حسّاسة، ففي رواية «سقف من طين» تعود إلى سيرتها الذاتية لتنهل من سنوات الطفولة والصبا والشباب أفكارا لما تزل تتردد في كتاباتها. وفي رواية «عُد إلى البيت يا خليل» تتناول معاناة الإنسان الفلسطيني الذي يرزح تحت ظل الاحتلال الإسرائيلي، أما في رواية «ليلى والثلج ولودميلا» فقد تناولت فيها الأنا العربية والآخر الروسي، بينما ركّزت في «ابن الحرام» على السلطة الأبوية والسياسية، فيما تمحورت رواية «س» على الصورة النمطية للمرأة التي يرى فيها المجتمع العربي كائناً هشاً، وضعيفا، وناقصا لا يكتمل إلاّ بوجود الرجل.
لم تبتعد روايتها السادسة هذه عن مجمل الثيمات والمفاهيم والأفكار التي وردت في رواياتها السابقة لكنها ركزت على البطل السلبي، المأزوم الذي تُفضي به حياته السوداوية إلى الجنون، كما يدفع الفقر، واليأس، وشظف العيش، بصديقه أحمد إلى الانتحار بطريقة مروّعة حين ينحر نفسه بسكين حادة يقطع بها رقبته من الوريد إلى الوريد.
لم تتبّع الروائية نسقا تصاعديا في السرد وإنما تبدأ من نهاية الحكاية تقريبا، إذ تقدِّم لنا بطلها الإشكالي بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى، فهو قروي من أصول بدوية يسكن في قرية لم تُسمّها الكاتبة كي توسّع دلالتها إلى كل القرى الأردنية، ولديه أسرة تتألف من أمه وأبيه اللذين لم تُسمّهما أيضا، وشقيقه الأكبر فهد، وأخته نوال. لو تتبعنا البطل «راعي» لوجدناه يحب القراءة، ويقتني كثيرا من الكتب التي أفسدته لأنها جعلته «مُلحدا وزنديقا وفاشلا» كما يعتقد الوالد، وأكثر من ذلك فقد جعلته معزولاً ومتوحداً لا يشبه الناس الآخرين فهو يعتقد أنه ولِد من أجل تحقيق غايات عظيمة كما تصوِّر له مخيلته المجنّحة لكنه في واقع الحال ليس أكثر من متشرّد، بائس، يقترض النقود من أصدقائه القليلين، ويعاقر الخمر، ويبحث عن أجوبة شافية لأسئلته الوجودية لكنه لم يعثر عليها في الكتب الأدبية والفلسفية التي يقرأها.
لعل أول تعالقات هذه الرواية يحدث مع ملحمة جلجامش، فـ «راعي» يتقمص شخصية «أنكيدو»، و«عائشة» الفتاة المسكينة البلهاء تمثّل دور «البغي المقدسة»، وزوجة صديقه أحمد تلعب دور «عشتار»، وصاحبة الحانة تُحيلنا إلى «سيدوري»، أما الأب المستبد فهو مهموم بنهب ممتلكات الآخرين والسيطرة عليها خلافا لمنظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية التي تربّى عليها في القرية أو استمدها من البادية. وعلى الرغم من التناقض الصارخ بين الابن وأبيه، فإن كليهما يقترف أخطاء جسيمة حين تزورهما عائشة وأمها التي تذهب ضحية حادث سير وتترك ابنتها البلهاء نهبا للأقدار، وبينما ينهمك الأب في سرقة مصاغها الذهبي، والاستيلاء على حقها الشرعي في البيت والأرض الزراعية، يستجيب «راعي» لإغراءاتها فيزرع جنينه فيها ليضع العائلة أمام محنة لا منجاة منها إلاّ بإسقاط الجنين أو التخلّص من عائشة، فيُوسعها الأب المتوحش ضربا مبرحا حتى يموت الجنين في بطنها فتفارق الحياة.
تتفاقم الأحداث حين يبدأ «راعي» بارتياد المكتبة العامة في جبل عمّان ويقع في حُب امرأة جميلة وسوف يكتشف لاحقا أنها زوجة صديقه أحمد الذي انتحر، لأنه لم يعد قادرا على تلبية احتياجات الأسرة ودفع إيجار المنزل لضيق ذات اليد، فيضع حدا لحياته تاركا زوجته الجميلة في مواجهة عبث الأقدار في مجتمع لا يوفّر فرص العمل لأبنائه الخُلّص الذين يملأون المقاهي والحانات.
يُنقَل «راعي» من عمّان إلى مدرسة أخرى في محافظة الزرقاء القابعة على حافة الصحراء، ويستأجر بمساعدة صديقه أحمد غرفة في شقة المهندس مازن، فتتشظى الأحداث وتأخذ أبعادا فلسفية جديدة بفضل هذا البدوي السُريالي المثقف الذي يثير تعاطف صاحبة الحانة، ويستميل بعض المشرّدين الذين يربضون أمام الحانات المتوارية في الأحياء الشعبية بعد أن خسروا في المعركة الدائرة بين الأرض والسماء منذ الأزل. لم تُسفر اللقاءات المتكررة بين «راعي» وزوجة أحمد عن شيء مهم سوى الاتهامات التي كان يوجهها إليها وكأنها كانت السبب الأول والأخير في انتحاره، الأمر الذي يدفعها للانتقال إلى مكان مجهول. وحين يعجز «راعي» عن الوصول إليها مُجددا يسقط في دوّامة الجنون التي كان يقف عند حافتها سابقا. تتمحور الرواية برمتها حول سؤال جوهري مفاده: مَنْ أنا؟ أو ما الإنسان؟ ولم يجد جوابه في معظم الكتب التي قرأها لكن حين تُدهمه مجموعة أشخاص وهو يهذي في غرفته المتعفِّنة والخالية من النوافذ ويسألونه السؤال نفسه الذي أرّقه طويلاً: «أتعرف منْ أنت؟» فيجيب من فوره: «أنا كاتب عظيم وخالد، وإن اسمي سيحظى بقدسية حتى أبد الدهر».
لا يمكن قراءة «شمس بيضاء باردة» قراءة واقعية فقط، لأن هدفها الأساسي يكمن في القراءة المجازية التي تبتغيها الروائية كفى الزعبي، فهي لا تجد ضيرا في أن تكتب نصا جريئا قد يعرّضها للمساءلة القانونية، لأن الثيمات الرئيسية والفرعية في هذا النص المشاكس تتجاوز حدود تشريح البنية الأسرية والمجتمعية وتتعداهما إلى مقاصصة السلطة السياسية.



وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.


مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: أنباء عن ترحيل مدونتين برازيليتين بسبب «فيديوهات فاضحة»

السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)
السائحتان البرازيليتان المضبوطتان في مصر (وزارة الداخلية)

أثارت واقعة السائحتين البرازيليتين اللتين تحرَّشتا بالمارة في شوارع الإسكندرية ومحافظات مصرية أخرى، وصوّرتا مقاطع فيديو تضمنت إيحاءات ومشاهد خادشة للحياء، جدلاً في مصر، خصوصاً بعد إعلان وزارة الداخلية القبض على المدونتين واعترافهما بتصوير مقاطع «الفيديو الخادشة للحياء» لحصد المشاهدات.

في حين ترددت أنباء عن إخلاء سبيل البلوغر البرازيلية ماليفولا ألفيس وصديقتها برونا ميركاتيلي في قضية الإيحاءات الجنسية والصور الخادشة، بكفالة قدرها 40 ألف جنيه، وترحيلهما إلى بلدهما، وفق ما نشره موقع «القاهرة 24»، دون تأكيدات رسمية.

وكانت وزارة الداخلية المصرية قد أعلنت قبل يومين توقيف سائحتين برازيليتين، وقالت في بيان لها إنه «في إطار كشف ملابسات مقاطع فيديو تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، تتضمن قيام سائحتين (تحملان جنسية إحدى الدول) بحركات استعراضية إباحية وتلميحات جنسية والتحرش بالمارة حال سيرهما بعدد من الشوارع بعدة محافظات».

وأضافت الوزارة أنه «بالفحص أمكن تحديد وضبط السيدتين الظاهرتين بمقاطع الفيديو (إحداهما صانعة محتوى) بنطاق محافظة الإسكندرية، وبمواجهتهما اعترفتا بارتكاب الواقعة على النحو المشار إليه، وقيامهما بتصوير تلك المقاطع ونشرها على صفحاتهما بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات».

وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهما، وتولت النيابة العامة التحقيق. ونشرت مواقع مصرية معلومات عن الإفراج عن السائحتين بكفالة بعد تدخل سفارة بلدهما، وإعلان محامي الفتاتين أنه سدّد مبلغ الكفالة للإفراج عنهما، دون تأكيدات رسمية لخبر الإفراج.

وترى الخبيرة القانونية هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات من أجل حقوق المرأة، أن «الجدل المثار بشأن واقعة صانعتي المحتوى البرازيليتين في مصر يطرح تساؤلات قانونية مهمة حول حدود حرية صناعة المحتوى والمسؤولية القانونية عن الأفعال التي قد تمس كرامة الآخرين أو تنتهك الآداب العامة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من الناحية القانونية، فإن السعي إلى تحقيق المشاهدات والانتشار لا يبرر أي سلوك قد يشكّل تحرشاً بالآخرين أو اعتداءً على حقوقهم، على أن يتحدد التكييف القانوني وفقاً لطبيعة الأفعال والأدلة المتاحة والنصوص القانونية واجبة التطبيق».

وتابعت: «كما أن أنباء الإفراج عن المتهمتين، إن تأكدت رسمياً، لا تعني بالضرورة البراءة، إذ يجب التمييز بين قرارات إخلاء السبيل والأحكام القضائية النهائية. فالأصل هو قرينة البراءة، مع ضرورة احترام القانون وضمان حق الدفاع».

وتؤكد هبة عادل أن «سيادة القانون المصري واجبة على الجميع دون تمييز بسبب الجنسية، وأن مواجهة هذه الوقائع يجب أن تقوم على التحقيق الجاد والتطبيق العادل للقانون، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة، بما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات».

وتصدرت واقعة السائحتين «الترند» على «إكس» في مصر خلال اليومين الماضيين، وسط أنباء عن تصدرهما «الترند» أيضاً في البرازيل، مع انتشار مقاطع فيديو قامتا بتصويرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة من الاستنكار والاستهجان للواقعة، مع تعليقات تشير إلى أن الفتاتين متحولتان جنسياً ودأبتا على تصوير مثل هذه المقاطع لحصد المشاهدات.

«تكشف واقعة المدونتين البرازيليتين في مصر عن تحول مهم في اقتصاد المحتوى الرقمي، حيث لم تعد المشاهدات مرتبطة بجودة المحتوى فقط، بل أصبحت أحياناً مرتبطة بقدرته على إثارة الجدل واستفزاز الجمهور»، وفق الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «يمكن فهم الواقعة باعتبارها نموذجاً لاقتصاد الانتباه، الذي تتحول فيه ردود الفعل الغاضبة والانتقادات إلى أدوات لزيادة الانتشار، وربما تحقيق عوائد مادية، فالهجوم على صانع المحتوى لا يعني بالضرورة تراجع شعبيته، بل قد يضاعف وصوله ويمنحه شهرة تتجاوز الحدود الجغرافية».

ويتابع: «كما أن انتقال القصة من مصر إلى البرازيل يعكس قوة المنصات الاجتماعية في إعادة صياغة الأحداث وفقاً للسياقات الثقافية والإعلامية المختلفة، فما يُقدَّم محلياً باعتباره قضية تتعلق بالآداب العامة واحترام حقوق الآخرين، قد يُناقَش خارجياً من زوايا تتعلق بالحريات الفردية والإجراءات القانونية».

وعدّ فتحي أن «التحدي الحقيقي أمام المنصات الرقمية هو ألّا تتحول الخوارزميات إلى مكافأة للسلوك الاستفزازي على حساب المسؤولية المجتمعية، فحرية صناعة المحتوى لا تعني انتهاك حقوق الآخرين».