حادثة قطار في مصر تُخلّف عشرات القتلى والجرحى... وتطيح وزير النقل

شجار سائقين وراء الكارثة... وتعهُّد حكومي بمحاسبة المتسببين > القيادة السعودية تعزي السيسي

فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

حادثة قطار في مصر تُخلّف عشرات القتلى والجرحى... وتطيح وزير النقل

فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)
فرق الإسعاف والمطافئ بعد إخماد الحريق داخل محطة القطارات الرئيسية في القاهرة (أ.ف.ب)

سقط عشرات القتلى والجرحى بمصر، إثر حريق نتج، أمس، عن ارتطام جرار قطار بحاجز داخل محطة القطارات الرئيسية في العاصمة القاهرة. وعلى أثر هذا الحادث قدّم وزير النقل هشام عرفات، استقالته. لكن رئيس لجنة النقل بالبرلمان هشام عبد الواحد، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «الاستقالة لن تعفيه من المساءلة أياً كان شكلها».
وأسفر الحادث عن مقتل 20 مواطناً وإصابة 43 آخرين، حسب الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة والسكان، التي أكدت أن «حالات المصابين ما بين بسيطة إلى متوسطة، وهناك عدد من الحالات الدقيقة، أغلبها كسور وحروق».
وذكرت هيئة السكة الحديد أن «الحادث نجم عن انحدار جرار واصطدامه بالمصدات الخرسانية عند نهاية الرصيف رقم 6 بمحطة مصر (بميدان رمسيس وسط القاهرة)»، مبرزة أن «الاصطدام أدى لاندلاع حريق»، نتيجة انفجار خزان وقود الجرار، الذي يعمل بالديزل (زيت الوقود).
وأوضحت لقطات فيديو، أُخذت من كاميرا أمنية بمدخل محطة رمسيس، أن جرار قطار كان على أحد الخطوط باتجاه المحطة، وعند دخوله احتكّ بقطار آخر قادم في مواجهته، ما تسبب في إيقاف حركة القطارين، فما كان من سائقه إلا أن تركه، ونزل للتحدث مع سائق القطار الآخر، قبل أن يتحرك الجرار بصورة فجائية، وينطلق بسرعة داخل المحطة ويصطدم بالحاجز.
وأظهرت لقطات فيديو أخرى، متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، الجرار وهو يدخل مسرعا إلى الرصيف، قبل أن يرتطم بحاجز في نهايته، بينما كان ركاب يسيرون بشكل اعتيادي، قبل أن تُظهر اللقطات أشخاصاً يركضون في موقع الحادث والنار تلتهم ملابسهم. وبدت أعمدة الدخان مرتفعة فوق محطة مصر، فيما كان الجرار المتفحم مائلاً على أحد جانبيه بجوار رصيف داخل المحطة.
وعلقت وزارة النقل حركة وصول وانطلاق القطارات من محطة مصر لفترة وجيزة، قبل أن تعلن انتظام حركة القطارات، باستثناء الرصيف الذي وقع عنده حادث الجرار. وألقت قوات الأمن المصرية القبض على سائق جرار القطار، بعد أن عثرت عليه مختبئاً داخل المحطة إثر هروبه، وتم اتخاذ كل الإجراءات القانونية ضده، وإحالته إلى النيابة التي باشرت التحقيق.
وقالت وزيرة الصحة إنه «لم يتم التعرف على هوية معظم جثامين الحادث»، مضيفة في مؤتمر صحافي أن «الطب الشرعي سوف يقوم بمهمة التعرف على هوية الجثامين». كما نوهت الوزيرة إلى خروج عدد من المصابين من المستشفيات بعد تحسن حالاتهم الصحية.
وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الألباني ألير ميتا الذي يزور القاهرة، إنه «أمر الحكومة بالتوجه إلى موقع الحادث ومتابعة حالة المصابين، وتقديم الرعاية اللازمة لهم ولأسرهم، ومحاسبة المتسببين فيه بعد انتهاء التحقيقات».
وانتقل فريق من محققي النيابة العامة إلى مكان الحادث. وقال مكتب النائب العام إن «بياناً مفصلاً سيصدر عن ملابسات الحادث وأسبابه». فيما قرر الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، تشكيل لجنة على درجة فنية عالية لفتح تحقيقات عاجلة لمعرفة تداعيات الحادث، وتحديد ومعرفة المتسبب فيه، إلى جانب تحقيقات النيابة العامة، وذلك لـ«محاسبة المتسببين وتحديد المسؤولين عن الحادث حساباً عسيراً، ومساءلتهم لكي نضمن حقوق المتوفين والمصابين جراء الحادث ومنع تكراره»، على حد قوله.
بدوره، قال رئيس الوزراء إن «الحكومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي تقاعس، أو أمام الأخطاء التي تهدد حياة المواطنين»، مؤكداً أن «حياة كل مواطن مصري غالية على الجميع وعلى الدولة، وأي حدث يتعرض له المواطنون يسبب ألماً شديداً... وهذه الأخطاء يجب أن تتوقف».
وتقدم وزير النقل الدكتور هشام عرفات باستقالته، وقال المستشار نادر سعد، المتحدث الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء، إن رئيس الوزراء قبل الاستقالة. وفي غضون ذلك كلف مدبولي الدكتور محمد شاكر، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بالقيام مؤقتاً بمهام وزير النقل، بالإضافة إلى مهام منصبه لحين تعيين وزير للنقل.
ودخل البرلمان المصري على خط الحادث، مؤكداً عزمه محاسبة جميع المسؤولين عن وقوع الكارثة، إذ قال النائب هشام عبد الواحد، رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس النواب، لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة في حالة انعقاد دائم، ولن تتوانى عن محاسبة المتسببين في الحادث». موضحاً أن «اللجنة ستدعو المسؤولين كافة، ومن بينهم رئيس هيئة السكة الحديد، للتعرف على ملابسات الحادث، وسيستخدم البرلمان كل أدواته لمعاقبة المتسببين»، منوهاً إلى أن «استقالة وزير النقل لن تعفيه من المساءلة والمحاسبة، أياً كان شكلها». وأكد البرلماني المصري أن «السكك الحديدية في مصر تعاني إهمالاً رهيباً، وأن هذا الحادث لن يكون الأخير إذا استمرت الأوضاع على حالها دون أي تطوير للعنصر المادي (القطارات والمحطات)، وكذلك البشري».
وعلى أثر هذا الحادث الأليم، وافق مجلس الوزراء على صرف 80 ألف جنيه (نحو 4500 دولار) لورثة كل متوفٍّ، أو مصاب بعجز كلي، وكذا صرف 25 ألف جنيه (1400 دولار) لكل مصاب في هذا الحادث. كما وجه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، ببدء إجراء البحث الاجتماعي للمصابين وأسر المتوفين، وتقديم أقصى درجات الدعم لها، وتقديم التعويضات اللازمة.
في غضون ذلك، قدمت دول عربية وأجنبية عزاءها إلى مصر في ضحايا الحادث.
وأعرب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عن تعازيه ومواساته للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في ضحايا الحريق، وقال الملك سلمان في برقيته: «علمنا بنبأ الحريق الذي اندلع في محطة قطارات رمسيس بمدينة القاهرة، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وإننا إذ نبعث لفخامتكم ولأسر المتوفين وشعب جمهورية مصر الشقيق باسم شعب وحكومة المملكة العربية السعودية وباسمنا أحرّ التعازي وأصدق المواساة، لنرجو المولى سبحانه وتعالى أن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته، ويلهم ذويهم الصبر والسلوان».
كما أبرق الأمير محمد بن سلمان ولي العهد معزياً الرئيس السيسي، وقال: «تلقيت نبأ الحريق الذي اندلع في محطة قطارات رمسيس بمدينة القاهرة، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، وأعرب لفخامتكم ولأسر المتوفين كافة عن بالغ التعازي وصادق المواساة».
وبعث أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، برقية عزاء للرئيس السيسي، معرباً عن خالص تعازيه وصادق مواساته في ضحايا الحريق. كما بعث العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني برقية مماثلة، مؤكداً وقوفه بجانب مصر وشعبها الشقيق.
بدورها، أعربت بريطانيا عن تعازيها لمصر حكومةً وشعباً في ضحايا الحادث. وقالت المتحدثة باسم السفارة بالقاهرة إن «المملكة المتحدة وطاقم عمل السفارة البريطانية يتقدمون بخالص العزاء للمصريين شعباً وحكومة».
وفي جدة، توجه الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين، بـ«أصدق عبارات العزاء والمواساة لمصر حكومة وشعباً، ولأهالي الضحايا لمصابهم الأليم». كما بعث الرئيس الفلسطيني محمود عباس، برقية عزاء إلى الرئيس السيسي، وتقدم باسم دولة فلسطين وشعبها للحكومة والشعب المصري وللعائلات الثكلى بأحرّ التعازي.
كما أعربت فرنسا عن تضامنها مع أسر ضحايا الحادث، ووصف سفيرها في القاهرة ستيفان روماتيه، الحادث بأنه «مأساوي»، مؤكداً تضامن بلاده مع أسر الضحايا.كما وصف يوليوس جيورج لوي سفير ألمانيا بالقاهرة، الحادث «بأنه مأساة مفزعة»، معرباً عن خالص العزاء لأسر الضحايا.
فيما حذرت السفارة الأميركية بالقاهرة رعاياها من الوجود في محيط منطقة رمسيس.



«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
TT

«ندوة جماهيرية» إريترية في القاهرة لمناقشة «أوضاع المنطقة»

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا (رويترز)

تتواصل تحركات إريتريا الرافضة للمساس بسيادتها من جانب إثيوبيا، وأعلنت سفارتها في القاهرة عقد اجتماع وصفته بـ«العاجل» للجالية المقيمة في مصر، في ظل تصعيد مع أديس أبابا منذ مطلع الشهر الحالي، ومخاوف دولية من تجدد الحرب بينهما.

ويرى الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، عبد المنعم أبو إدريس، أن «اجتماع السفارة الإريترية في القاهرة يعد «تحركاً داخل عاصمة حليفة لأسمرة، في ظل وجود جالية إريترية كبيرة، والواضح أن السفارة تريد شرح وجهة نظر الحكومة ومخاوفها من أن تشن إثيوبيا حرباً عليها بعد أن أصبحت قوات الحكومة الفيدرالية على مقربة من الحدود بين البلدين».

وليس هذا التحرك الوحيد الذي تتجه إليه أسمرة، في ظل تخوفات متصاعدة بشأن تداعيات التصعيد الإثيوبي، إذ أطلق ناشطون إريتريون في المهجر عريضة عبر منصة «أفاز»، دعوا فيها «المجتمع الدولي إلى حماية سيادة إريتريا وسلامة أراضيها، والتحرك لمنع تصعيد عسكري محتمل في القرن الأفريقي، على خلفية تصريحات مسؤولين إثيوبيين بشأن الوصول إلى البحر الأحمر»، حسب ما نقلته وسائل إعلام إريترية الأربعاء.

وطالبت العريضة، الموجهة إلى الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، بـ«اتخاذ موقف واضح إزاء أي تهديدات تمس السيادة الإريترية، واحترام الحدود الدولية، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اندلاع نزاع جديد».

كما التقت السفيرة الإريترية لدى الأمم المتحدة، صوفيا تسفاماريام، المندوب الأميركي الدائم لدى المنظمة، مايك والتز، والسفير جيفري بارتوس، ممثل الولايات المتحدة لشؤون الإدارة والإصلاح بالأمم المتحدة، لبحث تطورات القرن الأفريقي والعلاقات بين إريتريا وإثيوبيا.

وقالت تسفاماريام، في منشور على منصة «إكس»، الثلاثاء، إنه لا توجد «أزمة» بين البلدين، متهمةً إثيوبيا بمواصلة التهديدات ضد سيادة إريتريا وسلامة أراضيها في سياق مساعيها للوصول إلى البحر الأحمر، وداعيةً الأطراف الدولية إلى التحرك لمنع تجدد الصراع في المنطقة.

وأضافت أنها أطلعت المسؤولين الأميركيين على طرد إثيوبيا ممثلي إريتريا لدى الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو في إثيوبيا (رويترز)

والتحركات الإريترية لم تقتصر على القاهرة والأمم المتحدة فقط، «ففي اليومين الماضيين زار وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، العاصمة الكينية نيروبي وتلت ذلك مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أحد الأعياد الوطنية الكينية، وهاتان الزيارتان كانتا بغرض بحث وساطة حتى لا يصل الأمر إلى المواجهة المباشرة»، حسب تقديرات عبد المنعم أبو إدريس في حديث لـ«الشرق الأوسط».

تصعيد متبادل

ويأتي ذلك المسار الإريتري، وسط تصاعد التوتر بين أسمرة وأديس أبابا منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وأثارت المعارك التي اندلعت في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من اندلاع حرب إقليمية، إذ اتهمت أديس أبابا أسمرة بدعم المتمردين ونشر آلاف الجنود داخل الأراضي الإثيوبية، قبل أن تقول إنها أجبرتها على التراجع بعد نحو أسبوعين، وهو ما نفته إريتريا.

ونالت إريتريا استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000، وشهدت العلاقات بين البلدين تحسناً لفترة وجيزة بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في 2018، لكنها تدهورت مجدداً، وصولاً إلى قطع العلاقات كلياً مطلع هذا الشهر بسبب النزاع في تيغراي.

وفي 10 أكتوبر طالبت إريتريا، في رسالة إلى مجلس الأمن، بإدانة ما وصفته بأنه إعلان حرب عليها من جانب إثيوبيا، محذرة من أن ذلك سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة. وطالبت باتخاذ «إجراءات ردعية مناسبة» ضد أديس أبابا.

ومساء الاثنين، قال رئيس الوزراء آبي أحمد، منتقداً الأوضاع بأسمرة، إن «الشعب الإريتري فقد كل ما كان يمتلكه بالفترة التي كانت فيها إريتريا جزءاً من إثيوبيا، وتحولت مدنه اليوم إلى ما يشبه القرى البسيطة».

وشدد آبي أحمد على أن «الخيار الأجدى هو حسن الجوار والصداقة»، محذراً من أن «تجاهل الدعوات إلى الشراكة التنموية بدلاً من الانجرار إلى خدمة أجندات الأعداء ينطوي على مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة»، حسب مقابلة نقلها تلفزيون «فانا» الإثيوبي ووكالة الأنباء الرسمية للبلاد.

وإزاء تلك التطورات، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية عبد المنعم أبو إدريس أنه «ليس من مصلحة الدولتين والإقليم بأكمله اندلاع حرب إثيوبية إريترية»، مضيفاً: «ولا أظن ذلك سيحدث».


منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
TT

منشآت الصحة والطواقم الطبية في تعز أهداف للقصف الحوثي

طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)
طفلة أصيبت جراء قصف شنه الحوثيون ترقد في أحد المستشفيات بمدينة تعز (رويترز)

تتسع التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في محافظة تعز اليمنية، مع تواصل القصف على الأحياء السكنية واستهداف المنشآت الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، بالتزامن مع تشديد الحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات الأساسية، في وقت وثّقت فيه جهة حقوقية مقتل 8 مدنيين وإصابة 26 آخرين خلال 48 ساعة، وحذرت السلطات الصحية من انهيار قدرة المستشفيات على التعامل مع المرضى والجرحى.

وتزامن هذا التصعيد مع إصابة عدد من الفتيات بقصف حوثي استهدف أحياء سكنية في مدينة تعز وقرى جبل صبر، ومقتل فتاة وإصابة 8 مدنيين من أسرة واحدة جراء قصف صاروخي شمل منزلاً في منطقة الرجم، وفق بيانات محلية رسمية، بينما جدّدت الحكومة اليمنية مطالبتها بتحرك دولي عاجل لوقف الاعتداءات ورفع الحصار.

وقال مدير مكتب الصحة العامة والسكان في تعز، الدكتور فهد النظاري، إن الاعتداءات المستمرة على المنشآت الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف، إلى جانب منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، تهدد قدرة المرافق الصحية على مواصلة تقديم خدماتها، خصوصاً في المناطق التي تشهد مواجهات أو تخضع لسيطرة الحوثيين.

دخان يتصاعد من وسط الأحياء السكنية في تعز جراء قصف حوثي (إعلام محلي)

وأوضح النظاري، في تصريح رسمي أن 5 مستشفيات ومراكز صحية تعرضت لأضرار متفاوتة جراء القصف والاستهداف، بينها هيئة مستشفى الثورة العام ومستشفى الصفوة، والمركز الصحي في منطقة العروس بجبل صبر، ومركز صحي في مديرية الوازعية، وآخر في مديرية المواسط.

وأضاف أن مرافق صحية أخرى تعرضت لأضرار جراء القذائف المباشرة وغير المباشرة، وأن عمليات الحصر والتوثيق لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن القطاع الصحي فقد 15 سيارة إسعاف تابعة للمستشفيات ومكاتب الصحة، قال إن الحوثيين نهبوها، فضلاً عن نهب أجهزة ومعدات طبية من مستشفيات في المخا والتربة.

وأكد أن هذه الاعتداءات أضعفت قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للحالات الطارئة ونقل المصابين والمرضى، واتهم الجماعة باستخدام مرافق صحية لأغراض عسكرية، من خلال تحويل بعضها إلى مواقع لتجمع عناصرها أو مراكز لقيادة العمليات والاحتماء بها، ونشر أطقم عسكرية داخلها.

الحوثيون يقصفون أحياء تعز بشكل عشوائي (إعلام محلي)

وحذّر النظاري من أن استمرار استهداف المنشآت الصحية والطواقم الطبية ومنع الإمدادات يفاقمان معاناة آلاف المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري وأمراض الكلى والسرطان والأمراض المزمنة، مطالباً بإيصال الأدوية والوقود بصورة عاجلة، وضمان حماية المستشفيات وسيارات الإسعاف والعاملين الصحيين وتمكينهم من أداء مهامهم الإنسانية دون عوائق.

استهداف المسعفين

ومن أبرز الوقائع التي أشار إليها المسؤول الصحي تعذّر الوصول إلى رجل وابنته أُصيبا برصاص قناصة حوثيين داخل منزلهما في منطقة الشقب بمديرية صبر الموادم، بعد استهداف المسعفين وسيارة الإسعاف، ما حال دون إسعافهما وانتشال جثمانيهما، وفق روايته.

وفي حادثة أخرى، وثّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات استهداف سيارة إسعاف بقذيفة مدفعية في منطقة صبر، ما أدى إلى مقتل سائقها وإصابة الطبيب المرافق وتدمير السيارة.

وقالت الشبكة إنها وثّقت 109 جرائم وانتهاكات خلال 48 ساعة في محافظة تعز، إلى جانب إطلاق نحو 147 مقذوفاً بصورة عشوائية، استهدف معظمها الأحياء السكنية، وإطلاق صاروخين باليستيين على حي صينة وسط المدينة.

وحسب تقرير الشبكة، شملت الحصيلة مقتل 8 مدنيين، بينهم 3 نساء و3 أطفال، وإصابة 26 آخرين، بينهم 7 نساء و4 أطفال، فضلاً عن اختطاف 24 مواطناً ونقلهم إلى جهات مجهولة، ومداهمة نحو 23 منزلاً، وتضرر 17 منزلاً جراء القصف، إلى جانب تضرر 11 مركبة خاصة.

مئات الآلاف من سكان تعز تحت وطأة القصف والحصار (إعلام محلي)

وذكر التقرير أن الانتهاكات شملت القتل والإصابة بالقصف والقنص، والاختطاف والإخفاء القسري، ومداهمة المنازل، واستهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، واقتحام مراكز لتحفيظ القرآن الكريم ودور عبادة، وقطع الطرق العامة، واستمرار الحصار المفروض على المحافظة.

ورصدت الشبكة إطلاق قذائف هاون وصواريخ كاتيوشا وقذائف مدفعية، إلى جانب استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، مشيرة إلى أن القصف تركز في مناطق الشقب والمسراخ والأقروض، ومناطق شمالية غربية وشرقية، وأحياء المسبح وصينة، ومنطقة الضبة بمديرية التعزية، ومنطقة الظهر بمديرية جبل حبشي، ومناطق أخرى في المدينة وريفها.

تحرك أممي

في سياق التحركات الدبلوماسية، بحث مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، في نيويورك، مع مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ونائب منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، محمد يحيى، تطورات الأوضاع الإنسانية في اليمن، وتداعيات التصعيد العسكري الحوثي، وسبل تعزيز الاستجابة الإغاثية، وحشد الموارد اللازمة لمواجهة احتياجات السكان المتضررين والنازحين.

واستعرض السعدي تداعيات الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية ومؤسسات الدولة، خصوصاً في تعز ومأرب وعدن، وما خلفته من ضحايا ونزوح وتعطيل للخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية. وسلط الضوء على تدهور الأوضاع في تعز جراء القصف والحصار وإغلاق الطرق وعرقلة وصول الإمدادات، وما ترتب على ذلك من نقص في الغذاء والدواء والوقود والمياه، وتهديد لاستمرار الخدمات الصحية.

كومة من القمامة في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الجماعة الحوثية (رويترز)

ودعا إلى تحرك دولي منسق لإنهاء الحصار وفتح الطرق وضمان حرية حركة المدنيين ووصول المساعدات والسلع الأساسية، مطالباً بتكثيف التمويل الإنساني وإعطاء الأولوية للمساعدات الغذائية والصحية والإيوائية، ومواجهة مخاطر الأوبئة وسوء التغذية في مواقع النزوح.

ونسب الإعلام الرسمي اليمني إلى المسؤول الأممي محمد يحيى أنه أكد التزام الأمم المتحدة بمواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للشعب اليمني رغم نقص التمويل والتحديات الأمنية والقيود المفروضة على الوصول.

كما أعرب يحيى عن القلق إزاء التداعيات الإنسانية للتصعيد، مشيراً إلى نزوح أكثر من ربع مليون شخص والتدهور السريع للأوضاع في مدينة تعز، ومجدداً الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، وضمان المرور الآمن والمستدام للمساعدات والخدمات والسلع التجارية.


حصار الحوثيين يخنق تعز وتحذيرات أممية من كارثة

الحوثيون منعوا دخول المياه والوقود والغذاء إلى مدينة تعز (إعلام محلي)
الحوثيون منعوا دخول المياه والوقود والغذاء إلى مدينة تعز (إعلام محلي)
TT

حصار الحوثيين يخنق تعز وتحذيرات أممية من كارثة

الحوثيون منعوا دخول المياه والوقود والغذاء إلى مدينة تعز (إعلام محلي)
الحوثيون منعوا دخول المياه والوقود والغذاء إلى مدينة تعز (إعلام محلي)

تتفاقم الأزمة الإنسانية في محافظة تعز اليمنية مع استمرار إغلاق الحوثيين طرق الإمداد وتصاعد المواجهات في محيط المدينة (مركز المحافظة)، التي يسكنها أكثر من 600 ألف مدني، وسط تحذيرات أممية من تداعيات خطيرة تهدد نحو ثلاثة ملايين شخص في المحافظة، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين، مع تراجع إمدادات الغذاء والمياه والوقود وازدياد الضغوط على المرافق الصحية والخدمات الأساسية.

وتصاعدت الدعوات الأممية إلى فتح الطرق بصورة عاجلة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بعدما حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من مخاطر وقوع كارثة في مجال حقوق الإنسان نتيجة استمرار الحصار والقيود المفروضة على حركة المدنيين والإمدادات الأساسية.

وقال تورك إن إغلاق الحوثيين طريق الإمداد الذي يربط تعز بمدينة عدن يعرّض السكان لمخاطر جسيمة، ويعيق وصول المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية، مشيراً إلى أن أسعار السلع ارتفعت عدة مرات نتيجة إغلاق الطرق، ما حرم كثيراً من الأسر من الحصول على الغذاء والاحتياجات الضرورية.

وأكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رصد قيود على الوصول الآمن إلى المياه والسلع الأساسية عبر طريق الضباب، الذي سيطر عليه الحوثيون قبل أيام، مشدداً على ضرورة تسهيل مرور المساعدات الإنسانية وتمكين المدنيين الراغبين في المغادرة من الخروج بحرية وأمان.

رجل في مدينة تعز يقف مذهولاً على أنقاض منزله الذي دمره صاروخ حوثي (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها المدنيون، أفاد المكتب الأممي بأنه تحقّق من مقتل 32 مدنياً في أنحاء محافظة تعز خلال الفترة من الأول من أغسطس (آب) وحتى 19 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بينهم 14 طفلاً وتسع نساء، فضلاً عن إصابة 115 مدنياً، بينهم 36 طفلاً و34 امرأة.

وحذّر تورك من أن اقتراب القتال من المناطق المكتظة بالسكان داخل المدينة يزيد بدرجة كبيرة من مخاطر سقوط مزيد من الضحايا، داعياً أطراف النزاع إلى الامتناع عن استخدام الأسلحة المتفجرة ذات الآثار واسعة النطاق في المناطق المأهولة، واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية.

ثلاثة ملايين تحت الضغط

من جانبها، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) من أن تصاعد القتال يعطّل أبسط الخدمات الأساسية لنحو ثلاثة ملايين شخص، مشيرة إلى أن تعز باتت تمثل أولوية إنسانية ملحّة وسط أزمة تتسع تداعياتها.

وقال ممثل «اليونيسف» في اليمن، أخيل آير، في تصريحات أدلى بها من عدن، إن تعز تخضع فعلياً للحصار، بعدما أدت المواجهات على جانبي خطوط التماس إلى توقف حركة المركبات نحو المدينة، التي تُعد من أكبر المدن اليمنية.

وأوضح أن تعز تستضيف نحو 120 ألف شخص من أصل 250 ألفاً نزحوا حديثاً جراء التصعيد، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية داخل المخيمات والمجتمعات المضيفة المكتظة، حيث يواجه النازحون نقصاً حاداً في الغذاء والمياه النظيفة ومستلزمات البقاء الأساسية.

وأشار آير إلى أن عدة أسر اضطرت إلى النزوح مراراً، ووصلت إلى أماكن إيواء مكتظة دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها، ما جعلها أكثر عُرضة للجوع والمرض، خصوصاً في ظل محدودية الموارد المتاحة لتلبية احتياجات الأطفال.

متظاهرون يمنيون في الولايات المتحدة ينددون بحصار الحوثيين لمدينة تعز (إعلام محلي)

وتواجه تعز أزمة متشابكة نتيجة انقطاع طرق الإمداد، إذ أدى نقص الوقود والغذاء والمياه إلى ارتفاع الأسعار، وتهديد الخدمات الأساسية بالتوقف. وتتضاعف المخاوف بشأن المياه والصرف الصحي في المحافظة، التي تُعد أصلاً من أكثر المناطق شحاً في المياه على مستوى اليمن.

وبحسب «اليونيسف»، بدأت عائلات في تقنين استهلاكها من المياه، وسط حالة من عدم اليقين بشأن قدرتها على إعادة ملء أوعيتها بعد نفاد مخزونها. وفي الوقت نفسه، تسبب نقص الوقود في تعطّل جمع النفايات وتراكم القمامة في الأحياء، مع صعوبة وصول الشاحنات إلى مكبات النفايات.

ويهدد هذا الوضع بزيادة مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه وتدهور خدمات الصرف الصحي، خصوصاً الإسهال والكوليرا. وكانت منظمة الصحة العالمية قد أفادت بتضاعف حالات الإصابة بالكوليرا ثلاث مرات خلال ثلاثة أسابيع، بالتزامن مع ارتفاع حالات الاشتباه بالحصبة وحمى الضنك والدفتيريا.

مدنيون يبحثون بين الركام عما تبقى من مقومات الحياة (إعلام محلي)

ولا يقتصر الخطر على تدهور الظروف المعيشية، بل يمتد إلى قدرة المرافق الصحية على الاستمرار في تقديم خدماتها. فالمستشفيات الاثنا عشر في تعز لا تمتلك، وفق التصريحات الأممية، سوى مخزون من الوقود يكفي أربعة أيام، فيما تواجه المدينة عجزاً يومياً في إمدادات الأكسجين، ولا تكفي مخزونات الغالبية العظمى من الأدوية الأساسية سوى نحو أسبوع واحد أو أقل.

وتزداد خطورة هذه الأوضاع على الأطفال الذين يعانون سوء التغذية، إذ أشارت «اليونيسف» إلى أن طفلاً واحداً تقريباً من كل ثلاثة أطفال خضعوا للفحص في تعز يعاني سوء التغذية، ما يجعل انقطاع الغذاء والعلاج والخدمات الصحية تهديداً مباشراً لحياتهم.

مساعدات تنتظر

في محاولة للتخفيف من الأزمة، أعلنت «اليونيسف» تجهيز نحو ثمانية آلاف صندوق من الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام، لدعم علاج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم، وهو الشكل الأكثر خطورة من سوء التغذية.

لكن إيصال هذه الإمدادات إلى المرافق الصحية في مختلف أنحاء المحافظة لا يزال يواجه صعوبات بالغة بسبب إغلاق الطرق، ما يهدد بتأخير وصول العلاج إلى الأطفال الأكثر احتياجاً في وقت تتدهور فيه الأوضاع الصحية والغذائية.

قرويات يشيّعن جثمان امرأة قُتلت بقذيفة حوثية في مديرية صبر (إعلام محلي)

وأشار ممثل المنظمة إلى الحصول على تصريح استثنائي لنقل الأغذية العلاجية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين في وقت قريب، مع توقعات بأن تكفي هذه الإمدادات لنحو ستة أشهر، في خطوة من شأنها دعم جهود علاج الأطفال، شريطة إتاحة الوصول الآمن، وضمان استمرار إيصال المساعدات إلى مستحقيها.

وفي ظل اتساع الاحتياجات وتراجع القدرة على الاستجابة، دعت «اليونيسف» جميع أطراف النزاع إلى حماية الأطفال والمدنيين، والحفاظ على شبكات المياه والمرافق الصحية، والوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك ضمان الوصول الآمن للعاملين في المجال الإنساني.