تركيا: تحذيرات من مخاطر السياسات الاقتصادية «التجميلية» للحكومة

خطر الديون المعدومة يبرز بقوة وسط تراجع النمو واستمرار أزمة العملة

يرى الخبراء أن السياسات الحكومية في تركيا إجراءات تجميلية لن تنجح في إنقاذ الاقتصاد (رويترز)
يرى الخبراء أن السياسات الحكومية في تركيا إجراءات تجميلية لن تنجح في إنقاذ الاقتصاد (رويترز)
TT

تركيا: تحذيرات من مخاطر السياسات الاقتصادية «التجميلية» للحكومة

يرى الخبراء أن السياسات الحكومية في تركيا إجراءات تجميلية لن تنجح في إنقاذ الاقتصاد (رويترز)
يرى الخبراء أن السياسات الحكومية في تركيا إجراءات تجميلية لن تنجح في إنقاذ الاقتصاد (رويترز)

اعتبر خبراء أن غالبية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية لمعالجة مشكلة الديون المصرفية وبطاقات الائتمان وغيرها، هي إجراءات تجميلية فقط، وستكون هناك حتماً خسائر من الديون المعدومة.
وحمل تقرير لوكالة «بلومبرغ» الأميركية انتقادات وجهها محللون وخبراء إلى سياسات الحكومة التركية، التي لجأت إلى تقديم قروض بفوائد مخفضة لمعالجة مشكلة الديون المصرفية وبطاقات الائتمان قبل الانتخابات المحلية التي ستجرى في 31 مارس (آذار) المقبل، محذراً من أن هذا الإجراء قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية وليس حلها.
وطلب الرئيس التركي مؤخراً من البنوك التابعة للدولة تقديم قروض بفوائد منخفضة للشركات والأفراد، وإعطاء تسهيلات وحوافز لحاملي بطاقات الائتمان، إضافة إلى خفض الفائدة على القروض العقارية إلى أقل من مستوى السوق.
وأطلقت البنوك الثلاثة التابعة للدولة (البنك الزراعي وبنك خلق وبنك وقف) قروضاً للمواطنين بسعر فائدة منخفض؛ لتمكين أصحاب ديون بطاقات الائتمان من سدادها، في إطار حزمة تيسيرات تستهدف الإعداد للانتخابات المحلية. ويتم منح قروض للعملاء بسعر فائدة 1.1 في المائة حداً أدنى، وتاريخ استحقاق يمتد حتى 5 سنوات.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في 8 يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه تقرر السماح للمواطنين بالحصول على قروض شخصية، لسداد ديون بطاقاتهم الائتمانية. وقال: إنه يمكن للمتعثرين الحصول على قروض من البنك الزراعي المملوك للدولة، يتم سدادها على 60 شهراً. وتبع ذلك بنك «وقف» قبل أن ينضم بنك «خلق» إلى الحملة.
وجاءت الخطوة في إطار محاولة الحكومة التركية احتواء أزمة ارتفاع قروض الأفراد؛ بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، حيث كشف مركز المخاطر باتحاد البنوك التركية، عن ارتفاع عدد الأفراد المدينين للبنوك إلى 31 مليون شخص، بإجمالي ديون بلغت 555 مليار ليرة، أو ما يوازي نحو 102 مليار دولار، بنهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشمل ديون بطاقات الائتمان.
ويشكل الإنفاق الاستهلاكي، المعتمد بالأساس على الديون، الذي يعد المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي في تركيا خلال العقد الماضي، ما نسبته 70 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
وفي الفترة بين عامي 2005 و2008، سجل النمو في القروض الشخصية زيادة بلغت نسبتها 61 في المائة، بينما زادت قروض الإسكان عام 2013 بنسبة 28 في المائة. وإلى جانب القروض الشخصية للبنوك، لعبت الديون المتراكمة على بطاقات الائتمان دوراً مهماً في تعزيز القفزة الاستهلاكية، فارتفعت نسبة هذه القروض، بدءاً من 2010 حتى مايو (أيار) 2013 بنحو 77 في المائة.
وظل الاقتصاد التركي يسير على نحو سلس حتى منتصف عام 2013، لكن الاضطرابات التي شهدها بعد هذه الفترة، وضعت تركيا في خانة الدول الخمس الهشة، وهي: جنوب أفريقيا، والبرازيل، وإندونيسيا، والهند، وتركيا.
ورأى خبراء أن النمو الذي حققه الاقتصاد التركي خلال السنوات السابقة كان بفعل سياسة الخصخصة التي دفعت حكومة إردوغان إلى التوسع في بيع الشركات؛ ما أدى إلى زيادة في الاستثمارات الخارجية رفعت من نسب النمو لفترة محدودة، إضافة إلى سياسة الاقتراض غير المنضبطة التي اتبعتها الحكومة؛ وهي ممارسات يدفع الاقتصاد التركي ثمنها حالياً.
ونتيجة لمعدلات الفائدة المنخفضة في السنوات السابقة بسبب ضغوط إردوغان الذي أعلن نفسه «عدواً للفائدة» وزيادة القروض، تراجعت مستويات الادخار في تركيا إلى أدنى مستوى لها في العقود الثلاثة الأخيرة، وبلغت 12.6 في المائة، مقارنة مع متوسط الادخار في الدول النامية البالغ 33.5 في المائة، بحسب دراسة لصندوق النقد الدولي.
ويعتزم صندوق الثروة السيادي في تركيا، الذي يرأسه الرئيس التركي وعيّن صهره وزير الخزانة والمالية برات البيراق نائباً له فيه، اقتراض مليار يورو من الصين، بحسب تصريحات لنائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، محمد بكار أوغلو، الذي انضم للحزب بعد أن كان نائباً لرئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم.
ويبلغ العجز في الحساب الجاري لتركيا نحو 27 مليار دولار، وعجز الميزانية 12 مليار دولار، ومعدل التضخم 20.35 في المائة، ومعدل البطالة 12.5 في المائة.
وقال المحلل في مؤسسة «أنفستر» في لندن، جوليان ريمر: «الحقيقة أن معظم الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية لمعالجة مشكلة الديون المصرفية وبطاقات الائتمان وغيرها هي إجراءات تجميلية فقط، وستكون هناك حتماً خسائر من الديون المعدومة».
ووصفت «بلومبرغ» هذا التحليل بأنه «أخبار سيئة» لإردوغان قبل الانتخابات المحلية، مشيرة إلى أن الإجراء الأخير يأتي بعد تسارع القروض المصرفية بشكل كبير في الفترة الأخيرة؛ ما أدى إلى انهيار الليرة العام الماضي. وقالت: إن الليرة التركية لا تزال من أسوأ العملات أداءً في الأسواق الناشئة، ومعدل التضخم لا يزال عند أعلى مستوى له منذ 15 عاماً.
وقال توماس نويتزيل، المحلل في الوكالة الأميركية: «من الواضح أن الحكومة التركية تقلل من حجم المشكلة باتخاذها تلك الإجراءات، فهي تستخدم البنوك التابعة لها من أجل معالجة بعض المشكلات؛ إلا أن تقديم قروض بفائدة منخفضة ليس هو الوسيلة لإنعاش النظام المصرفي».
وأوضح أن ما يعيق المصارف التركية هو ارتفاع نسبة القروض للودائع إلى مستويات قياسية في الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أن ذلك أدى إلى تباطؤ ملحوظ في النشاط الإقراضي بنسبة وصلت إلى نحو 3 في المائة مقارنة بالعام الماضي عندما كان معدل النمو 10 في المائة.
وأشارت الوكالة إلى تقرير أصدرته مؤسسة «موديز» للتصنيف المالي توقع انكماش الاقتصاد التركي بنحو 2 في المائة العام الحالي، بعد نمو بنسبة 1.5 في المائة عام 2018، في حين توقع صندوق النقد الدولي انكماشاً كبيراً هذا العام وبطء الانتعاش عام 2020.
وقال ريمر: «أعتقد أن على الحكومة التركية أن تتجنب البنوك في الوقت الحاضر إلى ما بعد الانتخابات، وحتى تتضح الصورة بشأن الضرر الذي أحدثه الركود الاقتصادي للوضع المالي للمصارف التركية».
وكانت وزارة المالية والخزانة التركية كشفت عن إحصاءات إجمالي ديون البلاد حتى 31 يناير الماضي، الذي بلغ 1.098 تريليون ليرة (نحو 220 مليار دولار). ومن بين هذه الديون 586.2 مليار ليرة بالعملة التركية، وما قيمته 511.9 مليار ليرة بالعملات الأجنبية.
وكان إجمالي ديون الإدارة المركزية في تركيا الداخلية والخارجية يبلغ 876.5 مليار ليرة بنهاية عام 2017، بينما كان إجمالي الديون يبلغ 243.1 مليار ليرة بنهاية عام 2012.
وقرر البنك المركزي التركي مؤخراً تخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي، التي يجب على البنوك الاحتفاظ بها وتهدف إلى تحفيز الإقراض من أجل دعم الاقتصاد... لكن الخبراء يرون أن ذلك الإجراء لن يؤدي إلى تأثير كبير في التخفيف من الأزمة الراهنة.
وبحسب تقرير صادر عن بنك «فاينانس» التركي، سيسهم القرار في ضخ ما يقرب من 3.3 مليار ليرة تركية (623 مليون دولار) في النظام المالي التركي، وهو مبلغ لن يكون له تأثير كبير على الوضع الاقتصادي الراهن. وقال التقرير: «سيكون تأثير هذه الخطوة محدوداً، وإن كانت هذه السيولة ستدعم استمرار النمو البسيط في النشاط الإقراضي في الآونة الأخيرة»، مشيراً إلى أن قرار المركزي يشمل خفض الاحتياطي بالعملة التركية بمقدار 100 نقطة أساس للودائع و50 نقطة لبقية التعاملات، في حين يسمح للمصارف بالاحتفاظ بنسبة 10 في المائة من إجمالي الاحتياطي على شكل سبائك ذهب، مقابل 5 في المائة سابقاً.
ووفقاً لتقرير للبنك المركزي التركي، فقد بلغ إجمالي القروض المقدمة من البنوك التركية نحو 2.4 تريليون ليرة (457 مليار دولار) بنهاية العام الماضي.
وأرجع خبراء الإجراء الأخير إلى ركود الاقتصاد في الربعين الأخيرين من عام 2018 في أعقاب انهيار الليرة والارتفاع الحاد في تكلفة الدين، مع استمرار هذا الركود إلى الآن. ورجح الخبراء أن تكون الخطوة التالية للبنك المركزي هي خفض أسعار الفائدة؛ لأن الظروف أصبحت ملائمة، بعد أن بدأت أسواق المال تستعيد استقرارها.
ويعاني الاقتصاد التركي أزمة بسبب انهيار سعر صرف الليرة التركية التي فقدت 30 في المائة من قيمتها في عام 2018؛ ما أدى إلى رفع أسعار الفائدة إلى 24 في المائة وارتفاع التضخم إلى ما فوق 20 في المائة.
وتوقعت وكالة التصنيف الائتماني الدولية «ستاندرد آند بورز غلوبال» انخفاضاً حاداً لليرة التركية خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، وارتفاع مستوى القروض المصرفية المتعثرة إلى الضعف عند 8 في المائة في الـ12 شهراً المقبلة.
وقال ماجار كيومديان، محلل قطاع البنوك: إن مستوى القروض المتعثرة، وهي القروض التي تأخر سدادها 90 يوماً على الأقل، سيبلغ نحو 8 في المائة قرب نهاية العام، رغم أن القروض المعدومة على نطاق أوسع ستبلغ 15 إلى 20 في المائة.
ويأتي ذلك بينما تخيم نظرة متشائمة على الداخل التركي؛ إذ أظهرت بيانات من معهد الإحصاءات التركي انخفاض ثقة المستهلكين الأتراك إلى 57.8 نقطة في فبراير (شباط) الحالي، من 58.2 نقطة في يناير الماضي.
وكان مؤشر ثقة المستهلك سجل 57.6 نقطة في أكتوبر، وهو أدنى مستوياته في نحو عشر سنوات. ويشير مستوى الثقة الحالي إلى نظرة متشائمة، وينبغي أن يتجاوز 100 نقطة لكي ينبئ بالتفاؤل.
وفى يناير الماضي، استثنى صندوق النقد الدولي تركيا من أي تطورات إيجابية في النمو للاقتصادات الصاعدة، قائلاً: «لا تزال التوقعات مواتية بالنسبة لآسيا الصاعدة وأوروبا الصاعدة، ما عدا تركيا»، مؤكداً أن الاستثمار والطلب الاستهلاكي سيتأثران سلباً في تركيا.



سوريا تعلن إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب لتعزيز الاستقرار المالي

صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
TT

سوريا تعلن إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب لتعزيز الاستقرار المالي

صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)
صورة جوية تُظهر مصرف سوريا المركزي (رويترز)

أعلن محافظ مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، يوم الخميس، إنشاء سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب، في خطوة وُصفت بأنها «محورية» في إطار تطوير السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي.

وقال الحصرية، في منشور على صفحته على «فيسبوك»، إن هذه الخطوة تأتي في إطار تنفيذ استراتيجية البنك، لا سيما الركيزة الثانية المتعلقة بتحقيق سوق صرف متوازنة وشفافة، استناداً إلى قرار مجلس الوزراء رقم 189 لسنة 2025.

وأضاف أن السوق الإلكترونية، التي سيتم إطلاقها لأول مرة في سوريا وفق المعايير الدولية، تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحد من التشوهات في السوق، ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وفي الوقت الفعلي.

وأشار إلى أن السوق ستسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، ما يعزز ثقة المتعاملين ويحد من المضاربات غير المنظمة، وصولاً إلى تقليص السوق السوداء والأسواق الموازية، للمرة الأولى منذ أكثر من 70 عاماً.

ولفت الحصرية إلى أنَّ «السوق ستدار عبر منصة إلكترونية وفق المعايير الدولية وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه الأطر، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويرفع كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، بما يخدم أهداف الاستقرار النقدي».

وعدَّ أن هذا القرار يأتي ضمن حزمة من القرارات التي تم اتخاذها لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة بها، مؤكداً التزام المصرف بمواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة، بما يحقق التوازن في سوق الصرف، ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي.


سوق المنظفات السعودية في مواجهة تقلبات مضيق هرمز

مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
TT

سوق المنظفات السعودية في مواجهة تقلبات مضيق هرمز

مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)
مختبر شركة «سابك» البحثي في هولندا (المركز الإعلامي للشركة)

في وقت تتجه الأنظار نحو قطاع البتروكيميائيات بوصفه الشريان الأكثر حساسية لتقلبات مضيق هرمز، تبرز صناعة المنظفات كأحد أهم الامتدادات الاستراتيجية لهذا القطاع ضمن منظومة الصناعات التحويلية. ورغم ما يشي به هذا القطاع من استقرار ظاهري في مستويات الطلب، فإنه يرتكز في جوهره على هندسة كيميائية معقدة مرتبطة بتدفقات تجارية عالمية بالغة الحساسية. ومحلياً، تُقدر القيمة التشغيلية لهذه السوق في السعودية بين 15 و20 مليار ريال سنوياً (4 إلى 5.33 مليار دولار).

يشير الخبير اللوجستي حسن آل هليل، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن النظرة التقليدية للسوق السعودية، التي تحصرها في حدود 1.3 مليار دولار كقيمة لمنتج نهائي، هي نظرة قاصرة لا تستوعب الحجم الحقيقي للمنظومة؛ فالتكلفة الكلية تتشكل من المواد الخام التي تمثل ما بين 40 في المائة و60 في المائة من قيمة التصنيع، يضاف إليها العمليات اللوجستية المعقدة وشبكات التوزيع. هذا الربط يضع القطاع كجزء لا يتجزأ من الصناعة الثقيلة للبتروكيميائيات، مما يجعله عرضة مباشرة لأي اهتزاز في سلاسل الإمداد العالمية.

عالمياً، تشير التوقعات إلى قفزة حجم السوق العالمية للمنظفات من 145 مليار دولار في 2026 ليصل إلى 178 مليار دولار بحلول عام 2031، مدفوعةً بزيادة الوعي الصحي والتحول نحو المنتجات السائلة والمستدامة.

موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

هشاشة الإمداد

تكمن خطورة الاعتماد على مضيق هرمز في أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تستحوذ وحدها على أكثر من 50 في المائة من حصة السوق العالمية للمنظفات في عام 2025، وهي المصدر الرئيسي للمواد الخام الكيميائية.

يوضح آل هليل أن الطلب على منتجات المنظفات يتسم بالاستقرار، باعتبارها من السلع الأساسية، مع تسجيل نمو سنوي يتراوح بين 4 و6 في المائة. إلا أن هذا الاستقرار يخفي، بحسب تعبيره، تحدياً هيكلياً يتمثل في الاعتماد الكبير على استيراد المواد الخام، خصوصاً من الأسواق الآسيوية، وهذا يجعل سلاسل التوريد العامل الأكثر تأثيراً في استمرارية الإنتاج.

وأشار إلى أن حساسية القطاع تتزايد تجاه أي اضطرابات في مضيق هرمز، موضحاً أن مستوى الاعتماد يختلف بين الصادرات والواردات. إذ تمتلك السعودية بدائل استراتيجية تقلل اعتمادها على المضيق في تصدير النفط إلى ما بين 30 و50 في المائة، في حين ترتفع نسبة الاعتماد في الواردات الصناعية إلى ما بين 60 في المائة و70 في المائة، وهو ما يجعل المواد الخام، الحلقة الأضعف في المنظومة التشغيلية.

من التكاليف اللوجستية إلى صدمة الأسعار

وفقاً لآل هليل، يمر التأثير عبر ثلاث مراحل؛ تبدأ باضطراب توفر المواد الخام نتيجة تأخر الشحنات أو إعادة توجيهها، تليها قفزة في التكاليف قد تصل فيها أسعار بعض المواد إلى زيادات تتراوح بين 30 في المائة و70 في المائة، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

أمّا المرحلة الثالثة، فتتمثل في انعكاس هذه الضغوط على السوق، عبر تذبذب توفر المنتجات وارتفاع الأسعار، دون أن يصل الأمر إلى انقطاع كامل.

وأشار إلى أن التأثير يختلف بين القطاعات، حيث يُعد قطاع الضيافة الأكثر تأثراً من الناحية التشغيلية بسبب كثافة الاستهلاك، في حين يظهر الأثر في قطاع التجزئة من خلال الأسعار وتوفر المنتجات، بينما يتحمل القطاع الصناعي ضغوطاً أكبر على مستوى التكاليف في حال استمرار الأزمة.

ولفت إلى أن الاستهلاك المنزلي وقطاع التجزئة يستحوذان على نحو 70 إلى 75 في المائة من السوق، مقابل 15 إلى 20 في المائة للقطاع المؤسسي، و10 إلى 15 في المائة للقطاع الصناعي.

أحد مصانع شركة «سابك» السعودية (المركز الإعلامي للشركة)

تحول استراتيجي

وأكد آل هليل أن تداعيات أي اضطراب في مضيق هرمز لا تقتصر على المستوى المحلي، بل تمتد عالمياً، حيث تتصدر دول الخليج قائمة المتأثرين، تليها الاقتصادات الآسيوية الكبرى، بينما تصل التأثيرات بشكل غير مباشر إلى أوروبا والولايات المتحدة عبر ارتفاع أسعار الطاقة.

واختتم بأن أي تعطّل طويل الأمد لا يمثل أزمة مؤقتة، بل نقطة تحول في نموذج عمل القطاع، حيث تتحول الأولويات من الكفاءة التشغيلية إلى تأمين الإمدادات، ما يدفع الشركات إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد وتنويع مصادر المواد الخام وزيادة المخزون الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على مسارات جغرافية محددة.


ارتفاع قياسي لتكاليف الإنتاج في بريطانيا وسط ضغوط تضخمية وتداعيات الحرب

عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
TT

ارتفاع قياسي لتكاليف الإنتاج في بريطانيا وسط ضغوط تضخمية وتداعيات الحرب

عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)
عمال يسيرون عبر ساحة كابوت في منطقة كاناري وارف المالية (لندن)

أظهر مسح اقتصادي، نُشر يوم الخميس، تسجيل الشركات البريطانية ارتفاعاً قياسياً في تكاليف الإنتاج خلال الشهر الحالي، في إشارة إلى ضغوط تضخمية متزايدة قد تنعكس على مستويات الأسعار في الفترة المقبلة، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.

وأفادت شركة «ستاندرد آند بورز غلوبال» أن مؤشر أسعار المدخلات في مؤشر مديري المشتريات المركب البريطاني الأولي سجل أكبر زيادة شهرية منذ بدء جمع البيانات قبل 28 عاماً، ليبلغ أعلى مستوياته منذ موجة التضخم ذات الرقمين في أواخر عام 2022.

ويثير هذا الارتفاع مخاوف لدى بنك إنجلترا من احتمال انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى توقعات تضخمية أوسع نطاقاً، في وقت يبقى فيه أداء سوق العمل المتراجع عاملاً قد يحد من وتيرة هذه الضغوط.

كما ارتفع المؤشر الرئيسي لمؤشر مديري المشتريات المركب ـ الذي يقيس نشاط قطاعي التصنيع والخدمات ـ إلى 52 نقطة في أبريل (نيسان)، مقارنة بـ50.3 نقطة في مارس (آذار)، متجاوزاً توقعات استطلاع «رويترز» التي رجّحت تسجيل 49.9 نقطة، أي دون مستوى النمو البالغة 50 نقطة.

وتُظهر البيانات أن الاقتصاد البريطاني لا يزال أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، رغم مؤشرات سابقة على نمو قوي قبل اندلاع التوترات الجيوسياسية.

وفي تعليق على النتائج، قال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إن البيانات تشير إلى احتمال تجاوز التضخم للتوقعات الحالية، موضحاً أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بتكاليف الطاقة، بل أيضاً بزيادات واسعة في رسوم السلع والخدمات نتيجة مخاوف مرتبطة بالإمدادات.

وأضاف أن وتيرة النمو الحالية، المقدرة بنحو 0.2 في المائة على أساس ربع سنوي، تبدو غير مستدامة ما لم يتم احتواء تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط.

وسجل مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات 52 نقطة مقابل 50.5 في مارس، مع ارتفاع ملحوظ في تكاليف المدخلات، بينما صعد مؤشر التصنيع إلى 53.6 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 2022، مدفوعاً جزئياً باضطرابات في سلاسل التوريد نتيجة التوترات الجيوسياسية.

كما ارتفع مؤشر أسعار مدخلات المصانع إلى أعلى مستوى له منذ يونيو (حزيران) 2022، مسجلاً أكبر قفزة شهرية منذ بدء السجلات في عام 1992، ما يعكس تسارعاً واضحاً في ضغوط التكلفة داخل القطاع الصناعي البريطاني.