بودلير وجرح الطفولة الذي لم يندمل

شارل بودلير
شارل بودلير
TT

بودلير وجرح الطفولة الذي لم يندمل

شارل بودلير
شارل بودلير

هل تشعرون بالضجر هذا الصيف؟ هل تشعرون بالحاجة للانفصال عن الزمن العربي الحالي أو الهروب منه بأي شكل؟ أنصحكم وأنصح نفسي بأن نفتح الكتب النثرية لشارل بودلير حيث يعبر عن لواعجه وهمومه بشكل مباشر وحي. أنا واثق أنه سيعزيكم كثيرا. في عصر بودلير لم يكن هناك هاتف جوال ولا إيميل ولا إنترنت ولا أي نوع من أنواع الاتصالات الحديثة المنتشرة هذه الأيام. وبالتالي فكانت الرسالة المخطوطة باليد والمرسلة بالبريد هي الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الآخرين. وكانت تستغرق عدة أيام أو حتى عدة أسابيع لكي تصل. أما الآن فبنقرة واحدة تتواصل مع زوايا العالم الأربع. بل نحن قبل عشر سنوات فقط كنا لا نزال نمارس نفس الشيء. والآن أصبحوا يضحكون عليك إذا ما فكرت بإرسال رسالة بالبريد. أصبحت الرسائل القديمة تبدو كأنها تعود إلى العصر الحجري، إلى عصر ما قبل التاريخ.
ينبغي العلم بأن رسائل بودلير ذات أهمية كبرى. لماذا؟ لأنها تنضح بذاتيته المتوترة وتخبطاته الشخصية وتناقضاته التي لا حل لها اللهم إلا عندما تنفجر بالقصيدة العبقرية. بودلير موجود في رسائله كما هو موجود في ديوانه الشهير: أزهار الشر. بل إنه موجود فيها بشكل أفضل إذا جاز التعبير: أي بشكل أوضح لأنه متحرر من الوسائطية المعقدة واللامباشرة للفن. إنه موجود أيضا في كتابه الجميل «قلبي العاري» الذي يتخذ طابع السيرة الذاتية. وقد افتخر به مرة في رسالة إلى أمه قائلا: «أنا الآن بصدد تأليف كتاب سوف يجعل اعترافات جان جاك روسو باهتة»! ومعلوم أن اعترافات روسو رائعة أدبية عقدت كل أدباء فرنسا ومعظمهم حاول تقليدها أو الارتفاع إلى مستواها ولكن هيهات.. وحده شاتو بريان خرج من عملية المحاكاة بشكل مشرف إذ ألف كتابه الشهير: «مذكرات ما وراء القبر». ومع ذلك تبقى اعترافات روسو الخالدة أعظم وأهم.
بعد قراءة رسائل بودلير نخرج بالانطباع التالي: لقد كان شخصا محبطا إلى أقصى الحدود. كان يريد ما لا يستطيع. وربما كان يستطيع ما لا يريد: تدمير نفسه مثلا أو الإغراق في الشرب والمخدرات ثم الندم على ذلك وتبكيت الضمير حيث لا ينفع الندم.. باختصار كان يتمنى لو أنه شخص آخر: أي شخص إيجابي ناجح في الحياة. ولكنه كان ينتكس في كل مرة. كل محاولاته باءت بالفشل الذريع. إنها محاولات سيزيفية بالمعنى الحرفي للكلمة. من هنا ذلك التشاؤم الأسود الذي يطغى على عالمه أو أجوائه النفسية. بودلير شخص محبط، فاشل، مهزوم سلفا. وعن هذا الإحباط والفشل نتج الشعر كأعظم ما يكون! هل يعني ذلك أنه لكي تنجح في الأدب ينبغي أن تفشل في الحياة؟ هذا ما يعتقده جان بول سارتر وربما التحليل النفسي كله. فهو كان يريد أن يشتغل ولكنه لا يجد عملا. ثم على فرض أنه وجده لا يستطيع الدوام في الإدارات قبل الظهر وبعد الظهر كما يفعل معظم الناس. فاضطر إلى أن يعيش حياة البطالة والعطالة والتسكع في الشوارع. هذه هي وظيفته الوحيدة. ولكن هل كان سيصبح شاعرا لولا تلك التسكعات المجانية في شوارع باريس؟ كان بودلير يشعر بالحاجة إلى تبرير نفسه أمام أمه بشكل خاص. وكانت امرأة تقليدية بورجوازية تخجل به أمام الناس لأنه شخص فاشل لم يصل إلى أي مركز مرموق في المجتمع. لقد خيب كل الآمال التي علقتها عليه. لم تكن تعرف من هو. لم تكن تعرف أن ابنها أكبر شاعر في تاريخ فرنسا. أو قل بأنها عرفت ذلك ولكن بعد فوات الأوان. بعد عمره القصير (47 سنة) ووفاته شعرت فجأة بقيمته فبكته دما مرا. وكانت شهرته قد ابتدأت تنطلق وتشق الآفاق.. بودلير لم يشتهر في حياته ولذلك تنطبق عليه كلمة نيتشه: «هناك أناس يولدون بعد موتهم». كان الإحساس بالذنب يلاحق شارل بودلير باستمرار فيئن تحت وطأته. وفي أثناء ذلك كان يكتب أشعاره الخالدة. كان الحظ العاثر يلاحقه باستمرار إلى درجة أنه راح يتماهى مع واحد أتعس منه: إنه الكاتب الأميركي الشهير ادغار آلان بو. ومعلوم أنه أمضى قسما كبيرا من حياته في ترجمة مؤلفاته إلى اللغة الفرنسية وتقديمها والتعليق عليها. بودلير اشتهر كمترجم أولا قبل أن يعرف كشاعر لاحقا. في بعض رسائله كان يقول: «أعتقد أنه من الأفضل أن يعاني الناس الطيبون، الناس الأبرياء».. فالمعاناة هي كنزهم الوحيد الذي يتمايزون به عن بقية البشر. في الواقع أن تجربته في الحياة أثبتت له أن الإنسان الطيب تدوسه الناس في الغالب وتتآلب عليه. وبالتالي فينبغي أن يتحمل مسؤوليته ويقبل قدره ومصيره كإنسان مغلوب ومقهور. بمعنى من المعاني كان بودلير يقول في قرارة نفسه: اللهم اجعلني مظلوما لا ظالما. وذلك لأن المظلوم يتفوق على الظالم في نقطة أساسية: وهي أن ضميره مرتاح. ثم إن أعماقه الإنسانية أغلى من الذهب. ما معنى شخص مفرغ من المشاعر الإنسانية؟ ولذلك فإن بودلير كان يشعر بالانسحاق عندما يرى امرأة فقيرة تقف على أبواب المطاعم وعلى ذراعها طفل صغير جائع. كان يتمنى لو انشقت الأرض وابتلعته ولا يرى هذا المشهد. كان يتمنى لو أنه غني لكي يعطيها كل فلوسه ويشعر بسعادة ما بعدها سعادة. هنا تكمن أعماق بودلير الحقيقية. كان إنسانا شارل بودلير!

بودلير والأكاديمية الفرنسية!

هل تريدون أن تضحكوا؟ هل تريدون أن تموتوا من الضحك؟ إذن اقرأوا قصة ترشحه للأكاديمية الفرنسية. لا أحد يعرف ما الذي «دعس على ذنبه» ودفعه إلى ترشيح نفسه وحظه يساوي الصفر أو أقل من الصفر! فقط الرغبة في الاستهزاء بأدباء فرنسا الرسميين التافهين في ذلك الزمان وفي كل زمان. بودلير، ككل مبدع كبير، كان يشعر بالخواء العدمي يكتسحه من الداخل اكتساحا. كان يكتب على حافة الهاوية ويعاني معاناة قاتلة. كان يعرف أنه مدان سلفا ولا منفذ ولا نجاة. اللهم إلا القصيدة عندما تنفجر من أعماقك انفجارا.. وهذا شيء لا يعرفه الكتاب الصغار أو أعضاء الأكاديميات الفارغون. ولذا فقد كان يشعر بالحاجة إلى التسلية، إلى الترفيه عن نفسه.. نعم كان يتحول أحيانا إلى شخص عبثي أو ساخر متهكم بالمؤسسات والوجاهات والمقامات. كان يجد متعة كبيرة في الاستهزاء بأولئك الذين يأخذون أنفسهم على محمل الجد وهم ليسوا شيئا في نهاية المطاف. وإلا فكيف يمكن أن نفهم سر ترشحه إلى الأكاديمية الفرنسية التي لا تضم إلا المستحاثات والديناصورات؟ هناك استثناءات بالطبع. فقد رشح نفسه وهو لا يزال كاتبا مغمورا وغير معترف به من قبل الأوساط الأكاديمية «المحترمة» بين قوسين. هذا أقل ما يمكن أن يقال. بل إن سمعته كانت «حامضة» إذا جاز التعبير. فهو مؤلف ديوان شعر مدان من قبل محاكم باريس بتهمة «الإساءة إلى الدين والأخلاق والقيم الحسنة». وهو مترجم لشاعر أميركي منبوذ مجرد ذكر اسمه يثير القرف والذعر في الأوساط الراقية.. وهو كاتب لا يجد ناشرا إلا بشق النفس. ومع ذلك فإنه يتجرأ على ترشيح نفسه إلى قدس الأقداس: الأكاديمية الفرنسية! في الواقع أنه فعل ذلك على سبيل الاستفزاز والإثارة ليس إلا. وقد كتب رسالة إلى فلوبير يخبره فيها بهذا الترشيح ويقول له «بأنه ارتكب حماقة جنونية فعلا ولكنه لا يستطيع التراجع عنها». ربما كان يريد أن يثير فضيحة في الأوساط الأدبية الباريسية. ربما كان يريد تحريك المستنقع الآسن ليس إلا. فالنتيجة معروفة سلفا: الرفض القاطع لشخص مثله يقف خارج كل الأعراف والتقاليد، شخص هامشي منبوذ لا هم له إلا التسكع في شوارع العاصمة والتردد على حاناتها ومواخيرها.. ولكن الشيء الذي يذكر هو أن معظم أعضاء الأكاديمية الفرنسية نسيت أسماؤهم الآن وكأنهم لم يوجدوا قط. هل سمعتم باسم شخص يدعى آبيل فيلمان؟ أو يوجين سكريب؟ أو جول ساندرو؟ أو إميل أوجيه؟ إلخ.. أتحداكم أن تجدوا لهم ذكرا حتى في أكبر القواميس والموسوعات. إنهم لا شيء، إنهم نكرة أو نكرات. ومع ذلك فهم الذين كانوا يتربعون على عرش الأكاديمية وليس شارل بودلير: مجد الآداب الفرنسية! بالمناسبة من شاء أن يطلع على القصة بحذافيرها ويقضي صيفا ولا أروع فليقرأ تلك الرواية «البوليسية» المكرسة كليا لهذا الموضوع: «كتاب التهريج: بودلير في الأكاديمية الفرنسية». تأليف ألين س. ويس.. منشورات سوي. باريس 2009.
أخيرا هل كان بودلير يريد أن يخسر الحياة، أن يفشل في الحياة، أن ينتحر، أن يجن، لكي يخلص لقضية واحدة هي: قضية الأدب والشعر؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال، بل وينبغي أن نطرحه. فميوله إلى تدمير ذاته واضحة وليست بحاجة إلى برهان. وبهذا الصدد يمكن أن نؤلف كتابا ضخما بعنوان: «بودلير والتدمير الذاتي للذات». ولكنه ينطبق على آخرين. ماذا فعل نيتشه؟ ماذا فعل دوستيوفسكي؟ أو كيركيغارد؟ أو.. أو كافكا؟ إلخ.. يمكن القول بأن بودلير فعل كل شيء لكي يفشل، لكي يصبح مرفوضا ومنبوذا من قبل المجتمع. يقول في رسالة كتبها إلى أمه عام 1848: «الآن عمري ثمانية وعشرون عاما إلا أربعة أشهر. أشعر بأني أمتلك طموحا شعريا هائلا. ولكن في ذات الوقت أشعر بأني منفصل إلى الأبد عن المجتمع، عن العالم (المحترم). تفصلني عنه مذاقاتي ومبادئي ولكن لا يهم.. فأنا أجسد أحلامي الأدبية وبتجسيدي لها أحقق واجبا، أو ما أعتقد أنه واجب، وذلك على حساب تلك الأفكار السوقية المتمثلة بالوجاهات والمقامات والثروة والحظوة إلخ..».
الأمور واضحة إذن منذ البداية بالنسبة لبودلير: إنه لا يستطيع أن يرضي المجتمع من جهة، ثم الأدب والشعر من جهة أخرى. عليه أن يختار. وقد حسم أمره واختار قضية الشعر كأعظم قضية في الوجود. أو قل بأنها هي التي اختارته.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».