سعيدة بنت خاطر: الفضاء النسوي في عمان أكثر رحابة من غيره

الشاعرة العمانية ترى أن الشعر الحالي أعاد «العربية» إلى نصاعتها

سعيدة بنت خاطر
سعيدة بنت خاطر
TT

سعيدة بنت خاطر: الفضاء النسوي في عمان أكثر رحابة من غيره

سعيدة بنت خاطر
سعيدة بنت خاطر

أصدرت الشاعرة العمانية الدكتورة سعيدة بنت خاطر إلى الآن ثماني مجموعات شعرية، منها: «مد في بحر الأعماق»، و«أغنيات للطفولة والخضرة»، و«إليها تحج الحروف»، و«موسومة تحت الجلد»، و«ما زلت أمشي على الماء»، بالإضافة إلى ثماني دراسات نقدية. وهي تحمل شهادة ماجستير عن دراستها «الشعر العماني في عصر النباهتة» ودكتوراه عن أطروحتها «الاغتراب في شعر المرأة الخليجية». هنا حوار معها عن تجربتها الشعرية، والمشهد الثقافي العماني عموما، أجري معها أثناء زيارتها للرياض أخيرا:
* أصدرت أكثر من ثمانية دواوين شعرية، غير أن ديوانك «ما زلت أمشي على الماء» مثل نقلة تحول في تجربتك.. هل تتفقين مع هذا الرأي؟
- ديوان «ما زلت أمشي على الماء»، يقترب من الكتابات الفلسفية قليلا، ويتضح ذلك من خلال اسمه؛ حيث بدأت التجربة بالفعل تأخذ منحى فكريا فلسفيا نوعا ما.
* يلاحظ حشدك صورا كثيفة في شعرك من أبرزها النخلة والجبل.. ما السر في ذلك؟
- أؤمن أنه لا بد أن تكون للمكان بصمته الواضحة في المنتج الإبداعي؛ حيث إنني أحتفي بالمكان، ذلك لأنني ولدت في مكان بحري، فلي عدة قصائد بعنوان «زرقاء»، وهي عبارة عن مدينة في صور. وبلدي عمان زاخر بصور التراث والتاريخ بشكل عام على مدى العصور، ولكن تجدني أحتفي أيضا بالنخلة والجبل بشكل أكثر، ذلك لأنها من السمات العمانية البارزة، فتجدها دائما متغلغلة في أشعاري خلسة من دون أن أدري.
* يبدو أن عودتك إلى صُور العمانية من الكويت بعد إقامة استغرقت 20 عاما فجرت شاعريتك..
- (مقاطعة).. لأن صور بجانب أنها مسقط رأسي، فهي أيضا أصل الحضارة الفينيقية. لقد ارتحل قسم من أهل صور العمانية منها وأسسوا مراكز مختلفة في الخليج، وانتقل قسم آخر إلى جنوب لبنان، وهناك شكلوا مدينة طبق الأصل من صور العمانية سميت «صور» أيضا، ومنها انتشرت الحضارة إلى المدن المجاورة. ومن مميزات هذه المدينة أن أهلها يحبون الترحال وبيئتها بحرية، فكانت ملتقى لتبادل الثقافات؛ مما جعل إنسان تلك البيئة واسع الأفق، كما أنها ذات شخصية طاغية، فحينما يهاجر أحد سكانها تهاجر معه المدينة بشخصيتها. وحينما هاجرنا إلى الكويت هاجرت معنا بلهجتها، وملابسها، واحتفالاتها، وفنونها، وعاداتها، وانتقلت معنا أعداد كبيرة من الصور، فكنا في المهجر وسط أهلنا حتى أطلق على المنطقة التي نسكن فيها «الصوارة»، وهذا شكل شخصيتي العمانية إلى جانب أن والدي غرس فينا الوطنية بشكل مكثف.
* يلاحظ أن المرأة العمانية تحاول البوح عن قضيتها الإنسانية بتحفظ، حالها حال المرأة العربية..
- لا، أبدا. المرأة في عمان لا تعاني من «العنصرة» و«الإسقاط» لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا من أي سدود أو معوقات؛ إذ هي حاضرة منذ أمد بعيد، وحاليا نسبة المرأة في التعليم والتعليم العالي متساوية تقريبا مع نسبة الذكور، ونتيجة لذلك، أصبح الفضاء النسوي أكثر رحابة وتنوعا ونضجا.
* وإبداعيا؛ هل نستطيع أن نتحدث عن أدب «نسوي» وآخر «ذكوري»؟
- تظل النسوية موجودة بوصفها خصيصة وسمة من سمات النص الأنثوي، ولكن ليس هناك فاصل بين الأدب النسائي والذكوري؛ إذ ليس الغرض هو التقسيم إلا بمقدار ما يحمل من الخصيصة الأنثوية، ويحمل روح الذكورة في الجانب الآخر.
* بعض الشعراء لجأ إلى كتابة الرواية والقصة.. هل تفكرين في ذلك؟
- أبقى دائما على رأيي أن موقع الشعر يظل راسخا من بين المنتجات الأخرى من الإبداع، ولكن أعتقد أن الرواية تتصدر قائمة الإبداع، ربما من حيث القراءات، أما من حيث الاستماع، فإن الشعر يبقى فاكهة الإبداع القولي، فمثلا على المستوى الشخصي عندما أقرأ رواية أجلس منفردة، ولكن عندما أستمع أو أقرأ شعرا، أحس، بل أجد حقيقة أن هناك روحا جماعية في الشعر فيها نوع من التجاذب والتخاطب بين الشاعر والجمهور، وهي مؤشر بوصلة الشاعر.
* كيف تقيمين المشهد الشعري في عمان؟
- الشعر في عمان متوهج، ومتنوع، ومكثف، وكما يقال: خلف كل صخرة ستجد شاعرا، فعمان بالفطرة شاعرة، وشعراؤها كثر، ومن ليس بشاعر فهو مستمع جيد، ويحمل جينات الشاعرية بداخله، ويتذوقه بنهم. والميزة في المشهد الشعري العماني أنه شديد الثراء والبذخ؛ حيث تجد كل التيارات متواكبة ومتواصلة بعضها مع بعض؛ إذ هناك المدرسة الكلاسيكية، والمدرسة الحداثية، وقصيدة النثر، والقصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وهناك تجارب جديدة ما بعد الحداثة، وبالتالي، فإن كل التجارب موجودة ومتجانسة.
* تجارب جديدة ما بعد الحداثة؟
- أعتقد أن الميدان الإبداعي يتسع لكل التجليات. وعلى المستوى الشخصي، كتبت القصيدة العمودية، وكتبت قصيدة التفعيلة، وكتبت قصيدة النثر؛ مما يعني أن المجال مفتوح لكل التجارب، والسؤال الذي يطرح نفسه: لما لا نجرب كل هذه المذاهب الشعرية؟ هذا يعني أنه لا يمكن إمالة كفة الغلبة لأي منها؛ إذ قد يوجد الشعر في قصيدة النثر كما هي الحال في القصيدة العمودية الفخمة، فأينما وجدت روح الشعر في أي نفس إبداعي، فإن هناك شعرا، وأينما اختفت الشاعرية، فليس هناك شعر في قالب أيا كان، حيث لا ميزة للأشكال.
* و«الشعر الشبابي» في عمان؟
- الأجيال يرفد بعضها بعضا على الدوام، ولذلك أعتقد أن الشاعر الشاب في عمان محظوظ، فقد استطاع أن يرتكز على أسس متينة سارت عليها الأجيال التي سبقته وأضافت إليها ما يناسب زمانها، ثم أخذ من المحدثين ومن مختلف التيارات الأخرى، مستفيدا من وسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت له هي الأخرى مجالا كبيرا لتنمية تجربته الشعرية مبكرا، وبالتالي فالإنتاج الشعري الشبابي بخير.
* حضرت عددا من المهرجانات الثقافية العربية.. هل تضيف مثل هذه المهرجانات شيئا للمبدع؟
- كل المهرجانات العربية بلا استثناء تعد فرصة مهمة، فهي تجمع مبدعين من مختلف البلاد العربية؛ الذي من شأنه أن يخلق نوعا مهما من الاحتكاك والتلاقح الفكري والثقافي والإبداعي المطلوب، خصوصا ونحن أمة واحدة تتبادل التجارب الإبداعية والإنسانية. وما يجري على هامش الملتقيات من حوارات وهموم هو برأيي أهم من البرامج المعدة لفعاليات المهرجانات نفسها، ولذلك أكون سعيدة جدا عندما تجمعنا مناسبة مثل مهرجان «الجنادرية» في الرياض، وهو من أهم المهرجانات العربية، أو «أصيلة» في المغرب أو «جرش» بالأردن، وغيرها من المهرجانات العربية الثقافية والفنية.
* ما مشروعك المقبل؟
- حاليا أعد كتابا مهمّا في مسيرتي يتحدث عن الشعر في العصر النبهاني، الذي يعد العصر الذهبي للشعر والفن والعمارة في عمان، وأهمية هذا الكتاب تأتي من أن ذلك العصر لم يجد حظه من الانتشار والمعرفة لدى كثير من العمانيين، لأسباب ربما سياسية أو ربما مذهبية. ويتحدث الكتاب عن أبرز خمسة شعراء في ذلك العصر، ومنهم سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني، وهو ملك شجاع، يقترب في شعره وحياته من تجربة الشاعر الأندلسي الصاحب بن عباد. وكذلك أبو بكر أحمد بن سعيد الخروصي الستالي من بداية شعراء العصر النبهاني، الذي عن طريق شعره أخذنا الكثير من سمات العصر في ظل غياب التاريخ والأدلة والشواهد. وأيضا الشاعر موسى بن حسين بن شوال الذي يلقب بـ«الكيزاوي»، لعذوبة شعره، الذي يشبه رائحة الكيزاوي (زهرة فواحة لنبات عطري)، بالإضافة إلى الشاعر اللواح الخروصي، الذي يمتاز شعره بقيمة تاريخية، وهو لم يكن شاعرا فحسب، بل كان لغويا، وفقيها، وعارفا أيضا، وتتجلى لنا مشاعره في عذوبة ألفاظه الرائعة البليغة التي تبرز شخصيته المرهفة.
* كيف وجدت الفرق بين ذلك العصر والعصر الحاضر شعريا؟
- لعل ما يميز شعر هذا العصر، أنه استطاع الإفلات من ظاهرة الضعف اللغوي التي كانت سائدة آنذاك في الشعر العربي. كتابي يغطي الفترة من القرن الخامس الهجري وحتى القرن الحادي عشر الهجري، على مدى ستة قرون هجرية، وفي هذه الفترة ساد في البلاد والعواصم العربية والحواضر المهمة، مثل: بغداد، والقاهرة، ودمشق، نوع من التلاعب اللفظي والمحسنات والزخارف، فضاعت القيمة الفنية للشعر. وميزة هذا العصر أنه بث الروح في اللغة العربية، وعاد بها إلى متانتها وقوتها ونصاعتها التي كانت عليها في العصر الجاهلي.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.