حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

حفيدة صدام حسين تكتب مذكراتها

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
TT

حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين

وضعتُ إلى يمين الطاولة كتاب «حفيدة صدام... حرير حسين كامل» الذي انتهيت من قراءته للتو، وعلى غلافه «الداركنس» أنظر إلى الوجه الوسيم للحفيدة حرير، وهو مغطى بقماش مشبّك أسود!
فكرتُ أن سقوط نظام جدها وأبيها جلب لها بعض المنافع ربما، وإلا لم يكن بمقدورها الظهور – على هذه الشاكلة - في أرقى مطبوعات البعث، لو كان جدها وأبوها على قيد الحياة!
يا إلهي... أي ذكرى مخيفة ومرعبة، لصدام حسين ولنسيبه حسين كامل والد السيدة حرير في بالي؟! أنا الذي ولدت بعد عام واحد فقط من ثورة تموز «المجيدة» 1968، التي كان جدها أحد صناديدها! بيد أن ذكريات الخوف الممض والرعب الأليم التي اختبرتها وغيري من العراقيين، ينبغي ألا تحول دون الكتابة بتوازن وقليل من الإنصاف ربما!
ثم قلت: أنت مجرد مراسل صحافي يكتب تقارير سياسية مملة كل يوم، فما شأنك بالكتب والثقافة وذكريات السلطة في العراق ومن يقف وراءها!
ثم فكرت: لكنني أنفقت بـ«همّة» أكثر من عشر ساعات لإتمام ما كتبته السيدة حرير عن الأهوال والأحوال ومآل صدام حسين وأسرته، الذي حكم العراق بـ«النار والحديد» من عام 1979 وحتى عام 2003، إن استطعنا بمضض تجاوز أنه كان الحاكم الفعلي بعد عام 1968!
أن تنفق كل هذا الوقت في قراءة كتاب، فمعنى ذلك أنه أثار لديك، هناك... في أقصى زوايا الذاكرة، شجوناً يمكن أن تكتب!
حكم «النار والحديد» الذي أطلقته على حقبة حكم جدها، تعبير لن تتقبله السيدة حرير! هذا شيء مفهوم ومؤكد، ففي ظنها ويقينها - استناداً إلى ما كتبَت - أن جدها وأباها وعمها وخالاها عدي وقصي صدام حسين، عاشوا وماتوا في «البطولة وخدمة العراق»!
«العيش في البطولة» ليس كل ما سطرته حروف حرير في مذكراتها، إنما كتبت أيضاً أشياء غير قليلة كانت مصفوفة بحزم في خزانة أسرار العائلة الحاكمة الحديدية. على أن إخراج تلك الأسرار بدا في مراحل كثيرة من الكتاب أنه لم يكن دون دراية أو تخطيط مسبقين.
من الواضح، أنه أُريد من خلال المذكرات تحقيق مجموعة أهداف في مرمى الخسارة التي تكبدتها العائلة بعد 2003، سواء تلك الناجمة عن كسر هيبة الجد صدام حسين عبر الإسقاط الأميركي المباشر المدعوم بالرغبة الشعبية المعروفة حينذاك، أو الخسارة الشخصية التي تعرضت لها العائلة ووالدها حسين كامل، على يد أقرب المقربين إليه من آل عبد الغفور.
والمذكرات بعد ذلك، كتبت من حيث الأسلوب والانتقال بالأحداث، بطريقة جيدة تدل على عمل تحريري محترف، ولا يستبعد أن طبع الكتاب (لم يوضع له عنوان أو ذكر لدار النشر التي طبعته) تم بإشراف والدتها رغد صدام حسين، وهناك من يرى أنه كتب رداً على مذكرات منسوبة لبرزان التكريتي (أعدم عام 2007)، وهو أخ لصدام غير شقيق، والذي وجّه اتهامات وانتقادات لاذعة لوالد المؤلفة، حسين كامل.
ثم إنها - المذكرات - وكأي نص على مستوى من الأهمية، يمكن لمن يقرأه، أن يخرج بخلاصات تنسجم مع زاوية نظره لموضوع صدام وأسرته الحاكمة.
فالناقمون على أسرة صدام مثلاً، يمكنهم أن يُشبعوا مشاعر الكراهية والتشفي بتلك العائلة بضوء ما ورد في المذكرات؛ خاصة بالنسبة للخصومات العنيفة بين أجنحتها، حتى أن صدام كان يردد غالباً أن «العراق بجفة (كفة) وعائلتي بجفة»! كما تذكر الكاتبة، إلى جانب الأهوال التي اختبرتها العائلة طوال فترة حكمها، وحالة عدم الاستقرار والتنقل بين البيوت البديلة التي لازمتها تبعاً للدواعي الأمنية، التي بلغت ذروتها مع الهجوم الأميركي على العراق عام 2003.
كان يطلب من «عوائل» صدام دائماً إخلاء منازل سكنهم خلال 7 دقائق فقط! وهو الوقت الذي يستغرقه سقوط الصاروخ الأميركي على الهدف بعد عبوره الحدود العراقية، ولعل الأكثر دلالة على حافة المخاطر التي سارت عليها العائلة، ما قالته السيدة حرير في أحد أسطر مذكراتها: «عشت سنوات عمري منذ الولادة وإلى الزواج تحت ظل رشاشات الحراسة!».
يستطيع كذلك، أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى صدام كـ«زعيم أوحد للأمة» أن يدعموا تلك القناعة ببعض ما ورد في الكتاب من أفعال وسلوكيات، قام بها صدام في مواقف مختلفة، باعتبار أن الكتاب برمته مخصص لهذا الغرض، ومن تلك السلوكيات حب جدها للناس البسطاء، وطريقة ترحيبهم به عبر ترديدهم أهزوجة: «هلا بيك هلا»، كما تذكر الحفيدة في المتن.
غير أن من يتعامل مع النص بـ«برود محتمل»، فإنه سيجد كثيراً مما يثير الفضول والدهشة في عالم صدام حسين السري وعائلته.
«كل فتاة معجبة بأبيها»، هذه مسألة طبيعية، لذلك نجد أن المذكرات تتمحور بمعظمها حول «أبطالها» كما تسميهم، وهم كل من جدها صدام حسين (أعدم عام 2006) وأبيها حسين كامل، وأخيه صدام كامل (قتلا عام 1995 بعد عودتهما من الأردن) وأمها رغد صدام حسين، وخاليها عدي وقصي صدام حسين، وابن الأخير مصطفى (قتل الثلاثة على يد الأميركان بعد العثور عليهم مختفين في أحد المنازل بالموصل عام 2003).
لعل أبرز ما تكشفه المذكرات بالنسبة للحياة الداخلية لصدام وعائلته، هو إصرار الأخير على تزويج بناته وحفيداته في سن مبكرة، وقبل أن يبلغن سن الرشد المحدد في القانون العراقي، وهو 18 عاماً! فابنته الكبرى رغد، والدة الكاتبة، تزوجت من حسين كامل وهي بسن لا تتجاوز الـ15 عاماً، وكذلك بقية البنات.
كان صدام، وخلافاً للمعلن من توجهاته العلمانية، شديد التمسك بالقيم العشائرية، خاصة حين يصل الأمر لقضايا الزواج؛ حيث يُبلَّغ بسن الفتيات اللائي بلغن سن الـ15 عاماً، ليختار لهن ما يناسبهن من فتيان أبناء العمومة في العشيرة حصراً! مع ملاحظة أن صدام لم يكن يعنى العناية المناسبة بمستوى التعليم الذي تحصل عليه بنات العائلة، حتى أنه أنشأ مدرسة عادية؛ لكنها خاصة، لأبناء وبنات العائلة والمقربين منها فقط.
لم تشر المذكرات إلى عناية الأسرة الحاكمة بتعليم أبنائها أو بناتها، شأن الأسر الحاكمة والثرية، بعض اللغات الأجنبية أو الموسيقى؛ لكنها تشير في أكثر من موضع إلى عناية الأسر بالأكل والعطور والملابس وفق آخر صيحات الموضة العالمية، إضافة طبعاً إلى الاهتمام اللافت بتعليم فن الرماية واستخدام الأسلحة! وتذكر الكاتبة أن عطر صدام المفضل كان «أولد سبايس» قبل أن يتخلى عنه بسبب حساسية ألمت به.
يستطيع القارئ أيضاً أن يكتشف التناقض الصارخ فيما تذكره الكاتبة عن جدها وأفراد الأسرة من «مآثر»، وبين ما عرف لدى عامة العراقيين من سلوكيات لأفراد تلك الأسرة.
ففي مطلع الكتاب (صفحة 10) تقول الكاتبة إن جدها كان لا يسمح لعائلته بشرب «البيبسي» أيام حقبة الحصار الاقتصادي، في تسعينات القرن الماضي؛ لأن «من المعيب أن يمنع صدام (البيبسي) عن الشعب العراقي، ثم يكون حاضراً على مائدة صدام حسين»؛ لكنها لم تفسر لنا – مثلاً - كيف كان صدام حسين يسمح لنفسه بركوب عربة من الذهب الخالص في يوم الاحتفال بعيد ميلاده؟!
كذلك تقول الكاتبة إن خالها عدي صدام حسين كان يصلي ويصوم يومي الاثنين والخميس، وهو المعروف بنزقه وحفلاته الليلية الصاخبة، التي كانت السبب في هروب زوجته وابنة عمه برزان، وعودتها إلى عائلتها في سويسرا!
تبدأ حرير، المصابة بربو ولادي، مذكراتها بما تسميه «العصر الذهبي»، وتقصد به منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ حين ولدت وسماها جدها وحملها بين يديه. وتقول: «كان له طقس لم يكسره منذ أول حفيده له وحتى (استشهاده)، الرجال يسميهم آباؤهم وأمهاتهم والنساء(الحفيدات) يسميهن هو بنفسه». وعملية التسمية تتم دائماً بأن «يفتح المصحف الكريم على أي صفحة، ويبدأ القراءة، وإذا صادفه اسم يرى أنه يصلح وتنطبق عليه المواصفات، سمَّى به الحفيدة».
وتستمر في سرد تفاصيل العصر الذهبي لصدام وأسرته، وكيف كان ينادي زوجته، ساجدة خير الله «سجيدات». وتذكر أنه كان يوجد في «كل قصر وكل بيت مسبح خاص... لا يفرغ إلا نادراً».
في الفصل الثاني من الكتاب، تتحدث عن طفولتها المبكرة وخاليها قصي وعدي، وكيف أن تطلعات الأخير لم تكن متوافقة مع تطلعات أبيه صدام «ما أدى إلى صدامات بشكل مباشر بينهما». وتعترف أن خالها «كان ابناً مدللاً، وقد أثَّر ذلك بشكل أو بآخر على سمعته في المجتمع العراقي».
تحلو للحفيدة المقارنة على طول خط المذكرات بين عهد جدها «الذهبي» وعهد «العملاء» بعد 2003، وفاتها أن العقل العربي عموماً ومنه العراقي، عقل مقارنة وليس عقل تجريد، لذلك كان العراقيون، زمن جدها، ينظرون بإكبار ومحبة للعهود التي سبقته، خاصة عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، ويعتبرونه عهد بساطة وتسامح، مقارنة بعهد جدها شديد القسوة والتوحش.
في الفصل الرابع تتحدث عن الخلافات داخل أسرة صدام وبقية العوائل من أبناء عمومته، وأغلبها لا تتجاوز حدود الخلاف على تزويج النساء، والمصالح المالية، والأطماع المتعلقة بالمنصب، والقرب من شخص الرئيس.
ثم تتحدث في الفصل الخامس عن بنات صدام الثلاث، رغد ورنا وحلا، وكيف أن الأخيرة ساءت علاقتها بالاثنتين بعد هروبهما وزوجيهما إلى الأردن عام 1995.
وفي الفصول اللاحقة تتحدث عن حادث الهروب، ولا تذكر الكاتبة السبب الحقيقي وراءه؛ لأنها تريد المحافظة على صورة علاقة التضامن الوردية التي رسمتها لـ«أبطالها»، لذلك نراها تقول: «مع ازدياد الحقد والغيرة من والدي، خاصة من الحلقة الأقرب إلى جدي، لم تعد الأمور كما كانت، والطعنة الحقيقية جاءت من أعمامه ومن أقاربه» وتقصد أعمام أبيها آل عبد الغفور، الذين أصدروا بياناً كذبوا فيه ما ورد في المذكرات من طعن بهم.
ثم بعد ذلك تتحدث عن العيش في الأردن، ورعاية الملك الراحل الحسين بن طلال، وزياراته المنتظمة لهم. وتذكر أن جدها كان يحبه، وأن «العراق خصص راتباً ثابتاً للعائلة المالكة الأردنية» في تلك السنوات. ثم تتحدث عن عودتهم إلى العراق، والمجزرة التي ارتكبتها عشيرة صدام ضد أبيها بمنزل في بغداد، وبإشراف مباشر من خالها عدي صدام حسين، وعلي حسن المجيد، عم أبيها الذي قتل في الحادث، ومعه شقيقه صدام كامل، وأبوهما كامل حسن المجيد، وجميع أفراد أسرة عمها الآخر حكيم كامل، زوجته وأبناؤه وبناته، وضمنهم طفل في سن الرضاعة!
ثم تصل إلى لحظة عام 2003، والصعوبات التي وجدتها أمها وخالتها في الفرار من بغداد، وصولاً إلى سوريا رفقة 9 من الأبناء والبنات، وكيف أنهم نجوا أكثر من مرة من الموت بأعجوبة، وكيف كانوا لا يثقون بحماية جدتها ساجدة خير الله: «لم نكن نحب الحرس الخاص بجدتي ساجدة، ولا نحس بلحظة من الأمان معهم!» وتذكر أن جدتها تعيش حالياً في دولة قطر.
الخلاصة، أن أغلب فصول المذكرات تزخر بـ«مديح مبالغ لعهد جدها» وبحالة الخوف المتواصل الذي كان يشعر به صدام وعائلته، والاحترازات الأمنية المتشددة، وذلك يكشف بداهة عن أن الحاكم الخائف لا يمكن إلا أن يحكم بلداً وشعباً خائفين.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.