حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

حفيدة صدام حسين تكتب مذكراتها

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
TT

حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين

وضعتُ إلى يمين الطاولة كتاب «حفيدة صدام... حرير حسين كامل» الذي انتهيت من قراءته للتو، وعلى غلافه «الداركنس» أنظر إلى الوجه الوسيم للحفيدة حرير، وهو مغطى بقماش مشبّك أسود!
فكرتُ أن سقوط نظام جدها وأبيها جلب لها بعض المنافع ربما، وإلا لم يكن بمقدورها الظهور – على هذه الشاكلة - في أرقى مطبوعات البعث، لو كان جدها وأبوها على قيد الحياة!
يا إلهي... أي ذكرى مخيفة ومرعبة، لصدام حسين ولنسيبه حسين كامل والد السيدة حرير في بالي؟! أنا الذي ولدت بعد عام واحد فقط من ثورة تموز «المجيدة» 1968، التي كان جدها أحد صناديدها! بيد أن ذكريات الخوف الممض والرعب الأليم التي اختبرتها وغيري من العراقيين، ينبغي ألا تحول دون الكتابة بتوازن وقليل من الإنصاف ربما!
ثم قلت: أنت مجرد مراسل صحافي يكتب تقارير سياسية مملة كل يوم، فما شأنك بالكتب والثقافة وذكريات السلطة في العراق ومن يقف وراءها!
ثم فكرت: لكنني أنفقت بـ«همّة» أكثر من عشر ساعات لإتمام ما كتبته السيدة حرير عن الأهوال والأحوال ومآل صدام حسين وأسرته، الذي حكم العراق بـ«النار والحديد» من عام 1979 وحتى عام 2003، إن استطعنا بمضض تجاوز أنه كان الحاكم الفعلي بعد عام 1968!
أن تنفق كل هذا الوقت في قراءة كتاب، فمعنى ذلك أنه أثار لديك، هناك... في أقصى زوايا الذاكرة، شجوناً يمكن أن تكتب!
حكم «النار والحديد» الذي أطلقته على حقبة حكم جدها، تعبير لن تتقبله السيدة حرير! هذا شيء مفهوم ومؤكد، ففي ظنها ويقينها - استناداً إلى ما كتبَت - أن جدها وأباها وعمها وخالاها عدي وقصي صدام حسين، عاشوا وماتوا في «البطولة وخدمة العراق»!
«العيش في البطولة» ليس كل ما سطرته حروف حرير في مذكراتها، إنما كتبت أيضاً أشياء غير قليلة كانت مصفوفة بحزم في خزانة أسرار العائلة الحاكمة الحديدية. على أن إخراج تلك الأسرار بدا في مراحل كثيرة من الكتاب أنه لم يكن دون دراية أو تخطيط مسبقين.
من الواضح، أنه أُريد من خلال المذكرات تحقيق مجموعة أهداف في مرمى الخسارة التي تكبدتها العائلة بعد 2003، سواء تلك الناجمة عن كسر هيبة الجد صدام حسين عبر الإسقاط الأميركي المباشر المدعوم بالرغبة الشعبية المعروفة حينذاك، أو الخسارة الشخصية التي تعرضت لها العائلة ووالدها حسين كامل، على يد أقرب المقربين إليه من آل عبد الغفور.
والمذكرات بعد ذلك، كتبت من حيث الأسلوب والانتقال بالأحداث، بطريقة جيدة تدل على عمل تحريري محترف، ولا يستبعد أن طبع الكتاب (لم يوضع له عنوان أو ذكر لدار النشر التي طبعته) تم بإشراف والدتها رغد صدام حسين، وهناك من يرى أنه كتب رداً على مذكرات منسوبة لبرزان التكريتي (أعدم عام 2007)، وهو أخ لصدام غير شقيق، والذي وجّه اتهامات وانتقادات لاذعة لوالد المؤلفة، حسين كامل.
ثم إنها - المذكرات - وكأي نص على مستوى من الأهمية، يمكن لمن يقرأه، أن يخرج بخلاصات تنسجم مع زاوية نظره لموضوع صدام وأسرته الحاكمة.
فالناقمون على أسرة صدام مثلاً، يمكنهم أن يُشبعوا مشاعر الكراهية والتشفي بتلك العائلة بضوء ما ورد في المذكرات؛ خاصة بالنسبة للخصومات العنيفة بين أجنحتها، حتى أن صدام كان يردد غالباً أن «العراق بجفة (كفة) وعائلتي بجفة»! كما تذكر الكاتبة، إلى جانب الأهوال التي اختبرتها العائلة طوال فترة حكمها، وحالة عدم الاستقرار والتنقل بين البيوت البديلة التي لازمتها تبعاً للدواعي الأمنية، التي بلغت ذروتها مع الهجوم الأميركي على العراق عام 2003.
كان يطلب من «عوائل» صدام دائماً إخلاء منازل سكنهم خلال 7 دقائق فقط! وهو الوقت الذي يستغرقه سقوط الصاروخ الأميركي على الهدف بعد عبوره الحدود العراقية، ولعل الأكثر دلالة على حافة المخاطر التي سارت عليها العائلة، ما قالته السيدة حرير في أحد أسطر مذكراتها: «عشت سنوات عمري منذ الولادة وإلى الزواج تحت ظل رشاشات الحراسة!».
يستطيع كذلك، أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى صدام كـ«زعيم أوحد للأمة» أن يدعموا تلك القناعة ببعض ما ورد في الكتاب من أفعال وسلوكيات، قام بها صدام في مواقف مختلفة، باعتبار أن الكتاب برمته مخصص لهذا الغرض، ومن تلك السلوكيات حب جدها للناس البسطاء، وطريقة ترحيبهم به عبر ترديدهم أهزوجة: «هلا بيك هلا»، كما تذكر الحفيدة في المتن.
غير أن من يتعامل مع النص بـ«برود محتمل»، فإنه سيجد كثيراً مما يثير الفضول والدهشة في عالم صدام حسين السري وعائلته.
«كل فتاة معجبة بأبيها»، هذه مسألة طبيعية، لذلك نجد أن المذكرات تتمحور بمعظمها حول «أبطالها» كما تسميهم، وهم كل من جدها صدام حسين (أعدم عام 2006) وأبيها حسين كامل، وأخيه صدام كامل (قتلا عام 1995 بعد عودتهما من الأردن) وأمها رغد صدام حسين، وخاليها عدي وقصي صدام حسين، وابن الأخير مصطفى (قتل الثلاثة على يد الأميركان بعد العثور عليهم مختفين في أحد المنازل بالموصل عام 2003).
لعل أبرز ما تكشفه المذكرات بالنسبة للحياة الداخلية لصدام وعائلته، هو إصرار الأخير على تزويج بناته وحفيداته في سن مبكرة، وقبل أن يبلغن سن الرشد المحدد في القانون العراقي، وهو 18 عاماً! فابنته الكبرى رغد، والدة الكاتبة، تزوجت من حسين كامل وهي بسن لا تتجاوز الـ15 عاماً، وكذلك بقية البنات.
كان صدام، وخلافاً للمعلن من توجهاته العلمانية، شديد التمسك بالقيم العشائرية، خاصة حين يصل الأمر لقضايا الزواج؛ حيث يُبلَّغ بسن الفتيات اللائي بلغن سن الـ15 عاماً، ليختار لهن ما يناسبهن من فتيان أبناء العمومة في العشيرة حصراً! مع ملاحظة أن صدام لم يكن يعنى العناية المناسبة بمستوى التعليم الذي تحصل عليه بنات العائلة، حتى أنه أنشأ مدرسة عادية؛ لكنها خاصة، لأبناء وبنات العائلة والمقربين منها فقط.
لم تشر المذكرات إلى عناية الأسرة الحاكمة بتعليم أبنائها أو بناتها، شأن الأسر الحاكمة والثرية، بعض اللغات الأجنبية أو الموسيقى؛ لكنها تشير في أكثر من موضع إلى عناية الأسر بالأكل والعطور والملابس وفق آخر صيحات الموضة العالمية، إضافة طبعاً إلى الاهتمام اللافت بتعليم فن الرماية واستخدام الأسلحة! وتذكر الكاتبة أن عطر صدام المفضل كان «أولد سبايس» قبل أن يتخلى عنه بسبب حساسية ألمت به.
يستطيع القارئ أيضاً أن يكتشف التناقض الصارخ فيما تذكره الكاتبة عن جدها وأفراد الأسرة من «مآثر»، وبين ما عرف لدى عامة العراقيين من سلوكيات لأفراد تلك الأسرة.
ففي مطلع الكتاب (صفحة 10) تقول الكاتبة إن جدها كان لا يسمح لعائلته بشرب «البيبسي» أيام حقبة الحصار الاقتصادي، في تسعينات القرن الماضي؛ لأن «من المعيب أن يمنع صدام (البيبسي) عن الشعب العراقي، ثم يكون حاضراً على مائدة صدام حسين»؛ لكنها لم تفسر لنا – مثلاً - كيف كان صدام حسين يسمح لنفسه بركوب عربة من الذهب الخالص في يوم الاحتفال بعيد ميلاده؟!
كذلك تقول الكاتبة إن خالها عدي صدام حسين كان يصلي ويصوم يومي الاثنين والخميس، وهو المعروف بنزقه وحفلاته الليلية الصاخبة، التي كانت السبب في هروب زوجته وابنة عمه برزان، وعودتها إلى عائلتها في سويسرا!
تبدأ حرير، المصابة بربو ولادي، مذكراتها بما تسميه «العصر الذهبي»، وتقصد به منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ حين ولدت وسماها جدها وحملها بين يديه. وتقول: «كان له طقس لم يكسره منذ أول حفيده له وحتى (استشهاده)، الرجال يسميهم آباؤهم وأمهاتهم والنساء(الحفيدات) يسميهن هو بنفسه». وعملية التسمية تتم دائماً بأن «يفتح المصحف الكريم على أي صفحة، ويبدأ القراءة، وإذا صادفه اسم يرى أنه يصلح وتنطبق عليه المواصفات، سمَّى به الحفيدة».
وتستمر في سرد تفاصيل العصر الذهبي لصدام وأسرته، وكيف كان ينادي زوجته، ساجدة خير الله «سجيدات». وتذكر أنه كان يوجد في «كل قصر وكل بيت مسبح خاص... لا يفرغ إلا نادراً».
في الفصل الثاني من الكتاب، تتحدث عن طفولتها المبكرة وخاليها قصي وعدي، وكيف أن تطلعات الأخير لم تكن متوافقة مع تطلعات أبيه صدام «ما أدى إلى صدامات بشكل مباشر بينهما». وتعترف أن خالها «كان ابناً مدللاً، وقد أثَّر ذلك بشكل أو بآخر على سمعته في المجتمع العراقي».
تحلو للحفيدة المقارنة على طول خط المذكرات بين عهد جدها «الذهبي» وعهد «العملاء» بعد 2003، وفاتها أن العقل العربي عموماً ومنه العراقي، عقل مقارنة وليس عقل تجريد، لذلك كان العراقيون، زمن جدها، ينظرون بإكبار ومحبة للعهود التي سبقته، خاصة عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، ويعتبرونه عهد بساطة وتسامح، مقارنة بعهد جدها شديد القسوة والتوحش.
في الفصل الرابع تتحدث عن الخلافات داخل أسرة صدام وبقية العوائل من أبناء عمومته، وأغلبها لا تتجاوز حدود الخلاف على تزويج النساء، والمصالح المالية، والأطماع المتعلقة بالمنصب، والقرب من شخص الرئيس.
ثم تتحدث في الفصل الخامس عن بنات صدام الثلاث، رغد ورنا وحلا، وكيف أن الأخيرة ساءت علاقتها بالاثنتين بعد هروبهما وزوجيهما إلى الأردن عام 1995.
وفي الفصول اللاحقة تتحدث عن حادث الهروب، ولا تذكر الكاتبة السبب الحقيقي وراءه؛ لأنها تريد المحافظة على صورة علاقة التضامن الوردية التي رسمتها لـ«أبطالها»، لذلك نراها تقول: «مع ازدياد الحقد والغيرة من والدي، خاصة من الحلقة الأقرب إلى جدي، لم تعد الأمور كما كانت، والطعنة الحقيقية جاءت من أعمامه ومن أقاربه» وتقصد أعمام أبيها آل عبد الغفور، الذين أصدروا بياناً كذبوا فيه ما ورد في المذكرات من طعن بهم.
ثم بعد ذلك تتحدث عن العيش في الأردن، ورعاية الملك الراحل الحسين بن طلال، وزياراته المنتظمة لهم. وتذكر أن جدها كان يحبه، وأن «العراق خصص راتباً ثابتاً للعائلة المالكة الأردنية» في تلك السنوات. ثم تتحدث عن عودتهم إلى العراق، والمجزرة التي ارتكبتها عشيرة صدام ضد أبيها بمنزل في بغداد، وبإشراف مباشر من خالها عدي صدام حسين، وعلي حسن المجيد، عم أبيها الذي قتل في الحادث، ومعه شقيقه صدام كامل، وأبوهما كامل حسن المجيد، وجميع أفراد أسرة عمها الآخر حكيم كامل، زوجته وأبناؤه وبناته، وضمنهم طفل في سن الرضاعة!
ثم تصل إلى لحظة عام 2003، والصعوبات التي وجدتها أمها وخالتها في الفرار من بغداد، وصولاً إلى سوريا رفقة 9 من الأبناء والبنات، وكيف أنهم نجوا أكثر من مرة من الموت بأعجوبة، وكيف كانوا لا يثقون بحماية جدتها ساجدة خير الله: «لم نكن نحب الحرس الخاص بجدتي ساجدة، ولا نحس بلحظة من الأمان معهم!» وتذكر أن جدتها تعيش حالياً في دولة قطر.
الخلاصة، أن أغلب فصول المذكرات تزخر بـ«مديح مبالغ لعهد جدها» وبحالة الخوف المتواصل الذي كان يشعر به صدام وعائلته، والاحترازات الأمنية المتشددة، وذلك يكشف بداهة عن أن الحاكم الخائف لا يمكن إلا أن يحكم بلداً وشعباً خائفين.


مقالات ذات صلة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

ثقافة وفنون نبوءة جورج أورويل المخيفة

نبوءة جورج أورويل المخيفة

السيطرة على البشر وتوجيههم عن طريق التحكم في الخلايا العصبية والشرائح الذكية نبوءة رأيناها تتحقق في أفلام الخيال العلمي، بل قرأنا عنها في أدب وأفلام الديستوبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية.

د. ماهر شفيق فريد
كتب رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

مستقبل القرار الطبي في زمن الذكاء الاصطناعي

يقدم الكتاب مفهوم «السلطة السريرية» بوصفه إطاراً يحافظ على الدور القيادي للطبيب في اتخاذ القرار

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون هشاشة الرحيل المفاجئ عن الحياة

هشاشة الرحيل المفاجئ عن الحياة

في المجموعة القصصية «مقطوعات على الحب والخوف» للكاتبة والروائية المصرية إيمان عبد الرحيم تبدو الطفولة أقرب إلى قبعة تتقافز منها المشاهد

منى أبو النصر (القاهرة)

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية
TT

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

الهجرة إلى الخليج في روايات عربية

كثيرة، منذ القرن التاسع عشر، هي الأعمال الأدبية العربية وكتب الرحلات والمذكرات التي تتمحور حول موسم الهجرة إلى الشمال، أوروبا أو القارة الأميركية الشمالية. والأمثلة ليست بحاجة إلى تذكرة: رفاعة الطهطاوي، توفيق الحكيم، يحيى حقي، الطيب صالح، سهيل إدريس.. إلخ. لكن ماذا عن موسم الهجرة من الجنوب إلى الجنوب، من بلد عربي أفريقي أو آسيوي إلى دول الخليج؟

سؤال يجيب عنه كتاب صادر باللغة الإنجليزية هذا الصيف هو كتاب «الهجرة إلى الخليج في الرواية العربية» (Migration to the Gulf in the Arabic Novel) (مطبعة جامعة إدنبرة 2026، 271 صفحة) من تأليف نادين دقاق (Nadeen Dakkak) المحاضرة في قسم اللغة الإنجليزية والكتابة الإبداعية في جامعة إكستر البريطانية. والكتاب هو أحدث إصدارات سلسلة «دراسات إدنبرة في الأدب العربي الحديث» التي يشرف عليها الدكتور رشيد العناني. وقد صدر منها حتى الآن - اعتباراً من عام 2013 - أكثر من 30 كتاباً.

كان انبثاق النفط من رمال الصحراء - وما تبعه من تحديث متسارع الخطى - إيذاناً بتغيرات جيو - سياسية واجتماعية واقتصادية مهمة طالت الحياة في دول الخليج وجعلتها محط أنظار ومعقد آمال آلاف يحلمون بـ«عقد عمل» يعودون بعده إلى بلادهم وقد غدوا أقدر على مواجهة تكاليف العيش والضغوط الاقتصادية الواقعة عليهم وعلى من يعيلون.

عالج موضوع الهجرة، خلال سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، كتاب مصريون وفلسطينيون، أو فلسطينيون أردنيون، ولبنانيون، وأريتري. من هذه الأعمال خماسية «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، «رسالة البصائر في المصائر» لجمال الغيطاني، «اهبطوا مصر» و«صمت الرمل» لمحمد عبد السلام العمري، ثلاثية «أطفال بلا دموع» لعلاء الديب، «مسك الغزال» وأقصوصتان من المجموعة القصصية «وردة الصحراء» لحنان الشيخ، «بيع نفس بشرية» لمحمد المنسي قنديل وغيرها.

من الأعمال التي يتوقف عندها كتاب نادين دقاق رواية «براري الحمى» (1985) لإبراهيم نصر الله وهي عن مدرس شاب يعمل في بلد عربي بعقد مؤقت. ونحن نراه ممدداً في فراشه في حالة هلاس متولد من الحمى عقب لدغة بعوضة. إنها رؤية كافكاوية ناجمة عن شعور بالعجز والاضطهاد.

وهناك رواية إبراهيم عبد المجيد «البلدة الأخرى» (1991) وبطلها خريج قسم فلسفة يعمل في وظيفة إدارية بإحدى الشركات في بلدة عربية. تروى الأحداث بضمير المتكلم على لسانه. وإذ يفدحه الشعور بركود حياته يحاول كتابة يوميات ويصبح مدمناً على برامج تافهة ومسلسلات أميركية على شاشات التلفزيون. ولكن عودته إلى مصر بعد عام من الاغتراب لا تنبئ بما هو أفضل. ويعدد الدكتور محمد بدوي تقنيات الروائي هنا، وهي التشويق ولغة السرد التي تركز على تفاصيل دون أخرى ومنظور المراقب للأحداث.

و«سمراوية» (2012) رواية للقاص الأريتري حاجي جابر تصور حيرة الجيل الثاني من المهاجرين. إن عمر يلتقي في مقهى بأسمرة فتاة تدعى سمراوية، ويقع في حبها من أول نظرة. وتتحرك الرواية في نقطة وسط بين الخيال والواقع مجسدة اقتلاع الأريتري من أرضه. فوالد عمر وأجداده يضطرون إلى الهجرة من بلدهم عقب الصراعات السياسية العنيفة في حرب استقلال أريتريا عن إثيوبيا. والحكي في الرواية لا يتخذ شكل خط مستقيم وإنما يمثل تنقلاً بين الطفولة والرشد وسفراً عبر عدة مدن.

وفي خلفية هذه الأعمال تتخايل رواية الأديب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» (1962) التي تعزف نغمة مأسوية، إذ تصور محنة الاقتلاع من الوطن السليب والحلم الذي يتحول إلى كابوس وذلك من خلال ثلاثة فلسطينيين يحاولون الوصول إلى الكويت عبر صحراء العراق فيكون مآلهم الموت اختناقاً داخل صهريج الشاحنة التي تقلهم في وقدة القيظ.

وإذا كان من الممكن أن نعتبر روايات الهجرة إلى الخليج جنساً أدبياً قائماً بذاته - وإن يكن على نطاق محدود - فما هو المستقبل الذي ينتظر هذا الجنس الأدبي؟ تختم نادين دقاق كتابها بأن تقول: من الصعب أن نرجم بالظنون عن المستقبل المنظور، وهل سيشهد مزيداً من الإضافات إلى هذا الجنس، ولكن المؤشرات تومئ لأن الاتجاه نحو التعددية قد يكون الاتجاه الغالب على المدى الطويل، بما يعكس التعدد على أرض الواقع وتشابك خيوطه. تشهد بهذا كثير من الكتابات في المجلات الأدبية الصادرة في دول الخليج ومدونات الفضاء الإلكتروني.

ما من كتاب واحد يمكنه أن يغطي كل ما يمكن أن يقال في موضوعه. وليس من العدل أن نطالب نادين دقاق بأن تذكر كل ما كتب عن الخليج. ولكني افتقدت عملاً واحداً أحسب أنه لا يمكن إغفاله في هذا السياق، حيث إنه يقع من موضوع المؤلفة في الصميم. إنه رواية «الخليج» للروائي المصري محمد جبريل. بطل الرواية رؤوف العشري صحافي يعمل في منطقة الخليج إبان الغزو العراقي للكويت. وتنتقل بنا المشاهد بين الكويت ومسقط والإسكندرية، فللمكان حضور بارز في هذا العمل، حيث تتجاور نقائض الحداثة والتراث، وتنهض أحدث مخترعات الغرب التكنولوجية في مواجهة قيم تقليدية تراثية تحكم دوافع السلوك وأنماط العيش. وفيما عدا هذا النقص ليس لدى إلا الثناء على كتاب يجمع - مثل سائر كتب السلسلة التي تضمه - بين دقة البحث العلمي ونفاذ البصر النقدي وإتقان الإخراج الطباعي.


رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ
TT

رحلة باني نهضة الصين نحو المستقبل

شي جينبينغ
شي جينبينغ

صدر حديثاً للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة كتاب جديد بعنوان «شي جينبينغ: 101 قصة من الطفولة إلى القيادة العالمية»، يحمل عنواناً فرعياً هو «رحلة الإنسان والقائد وباني نهضة الصين نحو المستقبل»، ويقدّم سيرة فكرية وإنسانية للرئيس الصيني شي جينبينغ من خلال مائة قصة وقصة، تجمع بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي والتحليل السياسي.

لا يقدّم الكتاب سيرة تقليدية تكتفي بتسجيل المحطات الزمنية أو استعراض الإنجازات، بل يسعى إلى الاقتراب من التجربة الإنسانية التي أسهمت في تكوين شخصية شي جينبينغ، وتتبع العوامل المختلفة التي رافقت انتقاله من طفولة اتسمت بالتحديات، إلى تجربة قاسية في الريف الصيني، ثم إلى مواقع المسؤولية، وصولاً إلى قيادة الصين في مرحلة تشهد تحولات واسعة.

ينطلق قميحة من أن الكتابة عن القادة الكبار ليست أمراً يسيراً؛ لأنها تتطلب محاولة لفهم روح التجربة الإنسانية والظروف التي صنعتها. ويرى أن الكتابة عن شي جينبينغ تضع الكاتب أمام تحديين متلازمين: تحدي الفهم وتحدي الإنصاف، ولا سيما أن تجربته القيادية نشأت في سياق صيني خاص، يختلف في جذوره الفكرية والتاريخية والسياسية عن النماذج الغربية السائدة.

ومن هنا، يعود الكتاب إلى البدايات الأولى في حياة شي جينبينغ، وإلى البيئة العائلية التي نشأ فيها والقيم التي تلقاها، قبل أن يتوقف عند تجربة إبعاده في سنوات شبابه إلى قرية ليانغجياخه الريفية. وهناك واجه الفقر والعمل الشاق وقسوة الظروف الطبيعية والاجتماعية، واختبر بصورة مباشرة تفاصيل حياة المزارعين وتطلعات الفئات الأكثر احتياجاً.

وتكشف القصص كيف أسهمت سنوات الطفولة والشباب في بناء إرادة قوية مكّنت شي جينبينغ من مواجهة الصعوبات والاستمرار في مسيرته السياسية. كما تتناول انخراطه المبكر في العمل العام، وبدايات مسيرته داخل الحزب الشيوعي الصيني، والتجارب الإدارية التي خاضها في المناطق المحلية، حيث تعرّف عن قرب إلى تحديات التنمية والفقر والبنية التحتية والتعليم والإدارة العامة.

ويتابع الكتاب انتقال شي جينبينغ بين مواقع المسؤولية في عدد من المقاطعات الصينية، مستعرضاً كيف تطورت رؤيته للإدارة والإصلاح من خلال العمل الميداني والتواصل المباشر مع المزارعين والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغيرة.

ويقول المؤلف إن الكتاب، رغم تركيزه على سيرة قائد، لا ينظر إلى القيادة بوصفها فعلاً فردياً معزولاً، ولا إلى التاريخ بصفته صناعة شخص واحد. فالتجربة التي يتناولها نشأت داخل إطار جماعي واسع، كان فيه الحزب الشيوعي الصيني القوة التنظيمية والفكرية التي رافقت مسيرة التحديث، في حين كان الشعب الصيني شريكاً فاعلاً في البناء والتحول، لا مجرد متلقٍ للسياسات.

وعلى هذا الأساس، يقدّم المؤلف مسيرة الصين بوصفها نتيجة تفاعل مستمر بين القيادة والرؤية، وبين التنظيم الحزبي والإرادة الشعبية.

ولا تتوقف القصص عند سيرة شي جينبينغ، بل تنتقل إلى دراسة أبرز ملامح فكره في الحكم وإدارة الدولة، وفي مقدمتها مفهوم الحلم الصيني والنهضة الوطنية والازدهار المشترك والعدالة الاجتماعية. كما تتناول رؤيته لتحديث الحوكمة، وتعزيز الانضباط داخل الحزب، ومكافحة الفساد.

ويرصد الكتاب حرص شي جينبينغ على الجمع بين عناصر من الفكر الصيني التقليدي ومتطلبات الدولة الحديثة. ففي خطابه السياسي تبرز مفاهيم مستمدة من التراث الحضاري الصيني، مثل الانسجام والمسؤولية الأخلاقية واحترام المعرفة وأولوية المصلحة العامة، إلى جانب مقاربات حديثة في الإدارة والاقتصاد والتكنولوجيا والتخطيط الاستراتيجي.

ويضيء المؤلف على العلاقة بين حكمة التراث الصيني وروح الثورة ومقتضيات العصر، موضحاً كيف حافظت القيادة الصينية على عناصر الهوية الثقافية الوطنية، بالتوازي مع الانفتاح على الابتكار العلمي والتكنولوجي وتطوير أدوات الحوكمة.

ويخصص الكتاب مساحة واسعة للتحولات التي شهدتها الصين في العصر الجديد، وفي مقدمتها مكافحة الفقر وتحسين الأوضاع المعيشية، وتنمية المناطق الريفية، وتحديث البنية التحتية، ودعم التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الابتكار والتحول الرقمي، وتطوير الصناعات والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.

كما يتناول تجربة الصين في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن والأرياف، ودعم المشاريع المحلية، وتحديث الزراعة والصناعة، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، والمحافظة على البيئة. ويربط الكتاب هذه التحولات بفكرة أساسية مفادها أن التنمية لا ينبغي أن تُقاس بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وتعزيز شعورهم بالأمان والاستقرار.

ويتوقف قميحة عند التحول الذي قاد الصين من «ورشة عمل عملاقة» إلى قوة علمية وتكنولوجية ومختبر لتجربة تنموية وحضارية تسعى إلى تقديم رؤيتها الخاصة للعالم. ولا يتعامل الكتاب مع هذه التجربة بوصفها نموذجاً يجب استنساخه، بل بوصفها مساراً تشكل خارج النموذج الغربي التقليدي ويستحق أن يُقرأ ويُفهم ضمن سياقه التاريخي والثقافي.

ويتناول الكتاب كذلك المكانة المتنامية للصين، وكيف انتقلت في ظل قيادة شي جينبينغ إلى دور أكثر حضوراً في مناقشة مستقبل النظام العالمي. ويعرض في هذا السياق المبادرات الخمس الكبرى التي طرحها الرئيس الصيني، وهي مبادرة الحزام والطريق، ومبادرة التنمية العالمية، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، ومبادرة الحوكمة العالمية.

ومن خلال هذه المبادرات، يبرز الكتاب رؤية شي جينبينغ إلى مستقبل الصين ودورها الدولي، ليس بوصفها دولة تبحث عن تنميتها الخاصة فقط، بل قوة تدعو إلى التعاون والمنفعة المتبادلة وتقاسم فرص التنمية مع العالم، ولا سيما مع دول الجنوب العالمي.

وفي موازاة صورة القائد وصانع السياسات، يقترب الكتاب من شي الإنسان، من خلال قصص تتناول علاقته بالشعب وأسرته، وزياراته الميدانية، وشغفه بالقراءة والتاريخ، وطريقته في التواصل مع المواطنين والمسؤولين.

وتعتمد القصص على وقائع موثقة وخطابات رسمية وشهادات. وقد أعاد المؤلف صياغة هذه المادة بأسلوب قصصي وتأملي، محافظاً على التوازن بين جاذبية السرد الأدبي ومتطلبات الدقة التوثيقية.


«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية
TT

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

«الأديب الثقافية»: العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية

صدر العدد السادس عشر- من مجلة «الأديب الثقافية»، وقد تضمّن موضوعات عدة، منها: محور «التحولات الرقمية ما بعد المعلوماتية »، ابتداءً من إنترنت الأشياء، وصولاً إلى «الروبوت المفكر»، ومروراً بالمعلوماتية الفائقة ما بعد الافتراضية، بما في ذلك التحديات الجديدة في طور المجتمع الخامس، ومجتمع السايبر، واتجاهات المستقبل في التحوّلات الرقمية، والبودكاست في الخطاب الرقمي المعاصر، ومن بحوث هذا المحور:

«العقل الخوارزمي وتحوّلات الممارسة النقدية العربية المعاصرة» للدكتورة وسن عبد المنعم ياسين، و«ما بعد الافتراضية: رقمنة الأدب وتشكيل الوعي الجديد» للدكتورة إيمان عبد دخيل، و«الحداثة السائلة وسلطة التأويل في عصر الذكاء الاصطناعي» للدكتورة أوراد محمد كاظم، و«السرد البصري وتحولات المعنى الرقمي» للدكتور عمر رعد أسعد، و«أزمات البحث عن الذات في زمن الحب السائل» للدكتورة إنصاف سلمان، و«الروبوت المفكر - الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة» للناقد عباس عبد جاسم.

وفي حقل «بحوث» قدّمت الدكتورة سنا صباح علي أستاذة الفلسفة المعاصرة في جامعة البصرة دراسة عن «جدل الفضاء والمعنى في العمارة المعاصرة عند جان بودريارد»، وكتب الباحث المغربي حمزة بومليك عن «ضفاف النظر، لغة بصرية مشتركة في البحر المتوسط»، وقدّم الناقد الدكتور سمير الخليل «رؤية في مصطلح - ما وراء التجنيس - الميتاتجنيس»، وبحث الدكتور علي محمد ياسين في «الحداثة الشعرية -والخروج على سلطة النموذج - بنية التعليق في الجملة الشعرية»، وقدّمت الباحثة الدكتورة تبارك عمار حسن العزاوي دراسة عن «أنطولوجيا النص وتحولات الوعي» واتخذت من «الوعي الشقي» محوراً لدراستها الأنطولوجية.

وفي حقل «حوار» حاور الدكتور أحمد ضياء - المُنَظِّرة النسوية والأستاذة الجامعية التونسية الدكتورة آمال قرامي.

وتضمن حقل «قراءات» قراءة للدكتورة إنصاف سلمان لكتاب «الذات والدواة» للمفكر والروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي.

وكتب الناقد الدكتور حاتم الصكر عن «عطايا الماضي المستقبلية» من خلال قراءة في ديوان «ألواح الطين وأسرار القصيدة» للشاعرة العراقية المغتربة دنيا ميخائيل.

وقدَّم الدكتور قيس عمر محمد قراءة في «المرجعيات الثقافية» لرواية «يوليانا» لنزار عبد الستار.

وقدَّمت الدكتورة رغد محمد جمال البياتي «قراءة في النسق المتعالي» لكتاب «اللامفكر فيه في الفكر النقدي».

وفي حقل «نقطة ابتداء» كتبت الشاعرة والكاتبة العراقية المغتربة أمل الجبوري عن «أبي البركات البغدادي وفوكو - هل أزمتنا أزمة معرفة أم أزمة ضمير؟».

تصدر «الأديب الثقافية» عن «مركز تنوير للبحوث والدراسات التنموية» بطبعتين ورقية وإلكترونية.