حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

حفيدة صدام حسين تكتب مذكراتها

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
TT

حرير حسين كامل: عشت سنوات عمري في ظل رشاشات الحراسة

صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين
صدام حسين وعائلته. ويبدو حسين كامل أقصى اليسار ورغد الثالثة من اليمين

وضعتُ إلى يمين الطاولة كتاب «حفيدة صدام... حرير حسين كامل» الذي انتهيت من قراءته للتو، وعلى غلافه «الداركنس» أنظر إلى الوجه الوسيم للحفيدة حرير، وهو مغطى بقماش مشبّك أسود!
فكرتُ أن سقوط نظام جدها وأبيها جلب لها بعض المنافع ربما، وإلا لم يكن بمقدورها الظهور – على هذه الشاكلة - في أرقى مطبوعات البعث، لو كان جدها وأبوها على قيد الحياة!
يا إلهي... أي ذكرى مخيفة ومرعبة، لصدام حسين ولنسيبه حسين كامل والد السيدة حرير في بالي؟! أنا الذي ولدت بعد عام واحد فقط من ثورة تموز «المجيدة» 1968، التي كان جدها أحد صناديدها! بيد أن ذكريات الخوف الممض والرعب الأليم التي اختبرتها وغيري من العراقيين، ينبغي ألا تحول دون الكتابة بتوازن وقليل من الإنصاف ربما!
ثم قلت: أنت مجرد مراسل صحافي يكتب تقارير سياسية مملة كل يوم، فما شأنك بالكتب والثقافة وذكريات السلطة في العراق ومن يقف وراءها!
ثم فكرت: لكنني أنفقت بـ«همّة» أكثر من عشر ساعات لإتمام ما كتبته السيدة حرير عن الأهوال والأحوال ومآل صدام حسين وأسرته، الذي حكم العراق بـ«النار والحديد» من عام 1979 وحتى عام 2003، إن استطعنا بمضض تجاوز أنه كان الحاكم الفعلي بعد عام 1968!
أن تنفق كل هذا الوقت في قراءة كتاب، فمعنى ذلك أنه أثار لديك، هناك... في أقصى زوايا الذاكرة، شجوناً يمكن أن تكتب!
حكم «النار والحديد» الذي أطلقته على حقبة حكم جدها، تعبير لن تتقبله السيدة حرير! هذا شيء مفهوم ومؤكد، ففي ظنها ويقينها - استناداً إلى ما كتبَت - أن جدها وأباها وعمها وخالاها عدي وقصي صدام حسين، عاشوا وماتوا في «البطولة وخدمة العراق»!
«العيش في البطولة» ليس كل ما سطرته حروف حرير في مذكراتها، إنما كتبت أيضاً أشياء غير قليلة كانت مصفوفة بحزم في خزانة أسرار العائلة الحاكمة الحديدية. على أن إخراج تلك الأسرار بدا في مراحل كثيرة من الكتاب أنه لم يكن دون دراية أو تخطيط مسبقين.
من الواضح، أنه أُريد من خلال المذكرات تحقيق مجموعة أهداف في مرمى الخسارة التي تكبدتها العائلة بعد 2003، سواء تلك الناجمة عن كسر هيبة الجد صدام حسين عبر الإسقاط الأميركي المباشر المدعوم بالرغبة الشعبية المعروفة حينذاك، أو الخسارة الشخصية التي تعرضت لها العائلة ووالدها حسين كامل، على يد أقرب المقربين إليه من آل عبد الغفور.
والمذكرات بعد ذلك، كتبت من حيث الأسلوب والانتقال بالأحداث، بطريقة جيدة تدل على عمل تحريري محترف، ولا يستبعد أن طبع الكتاب (لم يوضع له عنوان أو ذكر لدار النشر التي طبعته) تم بإشراف والدتها رغد صدام حسين، وهناك من يرى أنه كتب رداً على مذكرات منسوبة لبرزان التكريتي (أعدم عام 2007)، وهو أخ لصدام غير شقيق، والذي وجّه اتهامات وانتقادات لاذعة لوالد المؤلفة، حسين كامل.
ثم إنها - المذكرات - وكأي نص على مستوى من الأهمية، يمكن لمن يقرأه، أن يخرج بخلاصات تنسجم مع زاوية نظره لموضوع صدام وأسرته الحاكمة.
فالناقمون على أسرة صدام مثلاً، يمكنهم أن يُشبعوا مشاعر الكراهية والتشفي بتلك العائلة بضوء ما ورد في المذكرات؛ خاصة بالنسبة للخصومات العنيفة بين أجنحتها، حتى أن صدام كان يردد غالباً أن «العراق بجفة (كفة) وعائلتي بجفة»! كما تذكر الكاتبة، إلى جانب الأهوال التي اختبرتها العائلة طوال فترة حكمها، وحالة عدم الاستقرار والتنقل بين البيوت البديلة التي لازمتها تبعاً للدواعي الأمنية، التي بلغت ذروتها مع الهجوم الأميركي على العراق عام 2003.
كان يطلب من «عوائل» صدام دائماً إخلاء منازل سكنهم خلال 7 دقائق فقط! وهو الوقت الذي يستغرقه سقوط الصاروخ الأميركي على الهدف بعد عبوره الحدود العراقية، ولعل الأكثر دلالة على حافة المخاطر التي سارت عليها العائلة، ما قالته السيدة حرير في أحد أسطر مذكراتها: «عشت سنوات عمري منذ الولادة وإلى الزواج تحت ظل رشاشات الحراسة!».
يستطيع كذلك، أولئك الذين ما زالوا ينظرون إلى صدام كـ«زعيم أوحد للأمة» أن يدعموا تلك القناعة ببعض ما ورد في الكتاب من أفعال وسلوكيات، قام بها صدام في مواقف مختلفة، باعتبار أن الكتاب برمته مخصص لهذا الغرض، ومن تلك السلوكيات حب جدها للناس البسطاء، وطريقة ترحيبهم به عبر ترديدهم أهزوجة: «هلا بيك هلا»، كما تذكر الحفيدة في المتن.
غير أن من يتعامل مع النص بـ«برود محتمل»، فإنه سيجد كثيراً مما يثير الفضول والدهشة في عالم صدام حسين السري وعائلته.
«كل فتاة معجبة بأبيها»، هذه مسألة طبيعية، لذلك نجد أن المذكرات تتمحور بمعظمها حول «أبطالها» كما تسميهم، وهم كل من جدها صدام حسين (أعدم عام 2006) وأبيها حسين كامل، وأخيه صدام كامل (قتلا عام 1995 بعد عودتهما من الأردن) وأمها رغد صدام حسين، وخاليها عدي وقصي صدام حسين، وابن الأخير مصطفى (قتل الثلاثة على يد الأميركان بعد العثور عليهم مختفين في أحد المنازل بالموصل عام 2003).
لعل أبرز ما تكشفه المذكرات بالنسبة للحياة الداخلية لصدام وعائلته، هو إصرار الأخير على تزويج بناته وحفيداته في سن مبكرة، وقبل أن يبلغن سن الرشد المحدد في القانون العراقي، وهو 18 عاماً! فابنته الكبرى رغد، والدة الكاتبة، تزوجت من حسين كامل وهي بسن لا تتجاوز الـ15 عاماً، وكذلك بقية البنات.
كان صدام، وخلافاً للمعلن من توجهاته العلمانية، شديد التمسك بالقيم العشائرية، خاصة حين يصل الأمر لقضايا الزواج؛ حيث يُبلَّغ بسن الفتيات اللائي بلغن سن الـ15 عاماً، ليختار لهن ما يناسبهن من فتيان أبناء العمومة في العشيرة حصراً! مع ملاحظة أن صدام لم يكن يعنى العناية المناسبة بمستوى التعليم الذي تحصل عليه بنات العائلة، حتى أنه أنشأ مدرسة عادية؛ لكنها خاصة، لأبناء وبنات العائلة والمقربين منها فقط.
لم تشر المذكرات إلى عناية الأسرة الحاكمة بتعليم أبنائها أو بناتها، شأن الأسر الحاكمة والثرية، بعض اللغات الأجنبية أو الموسيقى؛ لكنها تشير في أكثر من موضع إلى عناية الأسر بالأكل والعطور والملابس وفق آخر صيحات الموضة العالمية، إضافة طبعاً إلى الاهتمام اللافت بتعليم فن الرماية واستخدام الأسلحة! وتذكر الكاتبة أن عطر صدام المفضل كان «أولد سبايس» قبل أن يتخلى عنه بسبب حساسية ألمت به.
يستطيع القارئ أيضاً أن يكتشف التناقض الصارخ فيما تذكره الكاتبة عن جدها وأفراد الأسرة من «مآثر»، وبين ما عرف لدى عامة العراقيين من سلوكيات لأفراد تلك الأسرة.
ففي مطلع الكتاب (صفحة 10) تقول الكاتبة إن جدها كان لا يسمح لعائلته بشرب «البيبسي» أيام حقبة الحصار الاقتصادي، في تسعينات القرن الماضي؛ لأن «من المعيب أن يمنع صدام (البيبسي) عن الشعب العراقي، ثم يكون حاضراً على مائدة صدام حسين»؛ لكنها لم تفسر لنا – مثلاً - كيف كان صدام حسين يسمح لنفسه بركوب عربة من الذهب الخالص في يوم الاحتفال بعيد ميلاده؟!
كذلك تقول الكاتبة إن خالها عدي صدام حسين كان يصلي ويصوم يومي الاثنين والخميس، وهو المعروف بنزقه وحفلاته الليلية الصاخبة، التي كانت السبب في هروب زوجته وابنة عمه برزان، وعودتها إلى عائلتها في سويسرا!
تبدأ حرير، المصابة بربو ولادي، مذكراتها بما تسميه «العصر الذهبي»، وتقصد به منتصف ثمانينات القرن الماضي؛ حين ولدت وسماها جدها وحملها بين يديه. وتقول: «كان له طقس لم يكسره منذ أول حفيده له وحتى (استشهاده)، الرجال يسميهم آباؤهم وأمهاتهم والنساء(الحفيدات) يسميهن هو بنفسه». وعملية التسمية تتم دائماً بأن «يفتح المصحف الكريم على أي صفحة، ويبدأ القراءة، وإذا صادفه اسم يرى أنه يصلح وتنطبق عليه المواصفات، سمَّى به الحفيدة».
وتستمر في سرد تفاصيل العصر الذهبي لصدام وأسرته، وكيف كان ينادي زوجته، ساجدة خير الله «سجيدات». وتذكر أنه كان يوجد في «كل قصر وكل بيت مسبح خاص... لا يفرغ إلا نادراً».
في الفصل الثاني من الكتاب، تتحدث عن طفولتها المبكرة وخاليها قصي وعدي، وكيف أن تطلعات الأخير لم تكن متوافقة مع تطلعات أبيه صدام «ما أدى إلى صدامات بشكل مباشر بينهما». وتعترف أن خالها «كان ابناً مدللاً، وقد أثَّر ذلك بشكل أو بآخر على سمعته في المجتمع العراقي».
تحلو للحفيدة المقارنة على طول خط المذكرات بين عهد جدها «الذهبي» وعهد «العملاء» بعد 2003، وفاتها أن العقل العربي عموماً ومنه العراقي، عقل مقارنة وليس عقل تجريد، لذلك كان العراقيون، زمن جدها، ينظرون بإكبار ومحبة للعهود التي سبقته، خاصة عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، ويعتبرونه عهد بساطة وتسامح، مقارنة بعهد جدها شديد القسوة والتوحش.
في الفصل الرابع تتحدث عن الخلافات داخل أسرة صدام وبقية العوائل من أبناء عمومته، وأغلبها لا تتجاوز حدود الخلاف على تزويج النساء، والمصالح المالية، والأطماع المتعلقة بالمنصب، والقرب من شخص الرئيس.
ثم تتحدث في الفصل الخامس عن بنات صدام الثلاث، رغد ورنا وحلا، وكيف أن الأخيرة ساءت علاقتها بالاثنتين بعد هروبهما وزوجيهما إلى الأردن عام 1995.
وفي الفصول اللاحقة تتحدث عن حادث الهروب، ولا تذكر الكاتبة السبب الحقيقي وراءه؛ لأنها تريد المحافظة على صورة علاقة التضامن الوردية التي رسمتها لـ«أبطالها»، لذلك نراها تقول: «مع ازدياد الحقد والغيرة من والدي، خاصة من الحلقة الأقرب إلى جدي، لم تعد الأمور كما كانت، والطعنة الحقيقية جاءت من أعمامه ومن أقاربه» وتقصد أعمام أبيها آل عبد الغفور، الذين أصدروا بياناً كذبوا فيه ما ورد في المذكرات من طعن بهم.
ثم بعد ذلك تتحدث عن العيش في الأردن، ورعاية الملك الراحل الحسين بن طلال، وزياراته المنتظمة لهم. وتذكر أن جدها كان يحبه، وأن «العراق خصص راتباً ثابتاً للعائلة المالكة الأردنية» في تلك السنوات. ثم تتحدث عن عودتهم إلى العراق، والمجزرة التي ارتكبتها عشيرة صدام ضد أبيها بمنزل في بغداد، وبإشراف مباشر من خالها عدي صدام حسين، وعلي حسن المجيد، عم أبيها الذي قتل في الحادث، ومعه شقيقه صدام كامل، وأبوهما كامل حسن المجيد، وجميع أفراد أسرة عمها الآخر حكيم كامل، زوجته وأبناؤه وبناته، وضمنهم طفل في سن الرضاعة!
ثم تصل إلى لحظة عام 2003، والصعوبات التي وجدتها أمها وخالتها في الفرار من بغداد، وصولاً إلى سوريا رفقة 9 من الأبناء والبنات، وكيف أنهم نجوا أكثر من مرة من الموت بأعجوبة، وكيف كانوا لا يثقون بحماية جدتها ساجدة خير الله: «لم نكن نحب الحرس الخاص بجدتي ساجدة، ولا نحس بلحظة من الأمان معهم!» وتذكر أن جدتها تعيش حالياً في دولة قطر.
الخلاصة، أن أغلب فصول المذكرات تزخر بـ«مديح مبالغ لعهد جدها» وبحالة الخوف المتواصل الذي كان يشعر به صدام وعائلته، والاحترازات الأمنية المتشددة، وذلك يكشف بداهة عن أن الحاكم الخائف لا يمكن إلا أن يحكم بلداً وشعباً خائفين.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».