زواج عبر «سكايب» وتعازٍ على «فيسبوك»... عادات جديدة في دمشق

«الشرق الأوسط» ترصد حياة أهالي العاصمة السورية

زواج عبر «سكايب» وتعازٍ على «فيسبوك»... عادات جديدة في دمشق
TT

زواج عبر «سكايب» وتعازٍ على «فيسبوك»... عادات جديدة في دمشق

زواج عبر «سكايب» وتعازٍ على «فيسبوك»... عادات جديدة في دمشق

أحدثت الحرب انقلاباً سلبياً في الحياة الاجتماعية لسكان دمشق، وغيرت عادات وتقاليد قديمة توارثها الدمشقيون آلاف السنوات عن الآباء والأجداد. ومن العادات الجديدة أن تتم حالات زواج عبر «سكايب»، وتقديم التعازي عبر «فيسبوك».
وبعد أن اعتاد المارة في شوارع دمشق في سنوات ما قبل الحرب، على إلقاء التحية على أغلب من يصادفونه، يلفت الانتباه حالياً عدم إقدام الغالبية على ذلك، في مقابل عدم رد التحية من قبل البعض على من يبادر إلى إلقائها.
«أبو إياد» (70 عاماً)، يعرب عن استغرابه من انحدار مستوى العلاقات بين الناس إلى هذه الدرجة، بعد أن كان السوريون مثالاً يحتذى في المحبة، ويعزو الأمر إلى «الحساسية الكبيرة» التي تولدت في نفوس الناس، من جراء «ممارسات طائفية» أقدم عليها البعض «في بداية الأحداث وتراجعت نوعاً ما حالياً».
العجوز الذي عكست تجاعيد وجهه إنهاكاً كبيراً يعيشه السكان، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «نعيش في آخر الزمان».
ولا يقتصر التراجع في العلاقات الاجتماعية على الأفراد؛ بل طال العائلات، بحسب «أم محمد» التي اعتادت قبل الحرب على تناوب شرب القهوة في كل صباح عند جاراتها، والسهر معهن بشكل شبه يومي؛ لكنها ومنذ اشتداد الحرب باتت تشكو من «عزوف معظم جاراتها» عن هذه العادة. وتقول لـ«الشرق الأوسط» باستغراب: «ما من أحد يدق باب الآخر. لا أعرف ما الذي جرى للناس!»؛ لكنها تضيف: «الحال ضيقة. الله يكون بعون الناس. الناس صارت تحسبها من جميع الجهات»، في إشارة إلى حالة الفقر التي باتت تعاني منها معظم العائلات.
ومع تشتت الملايين والعائلة الواحدة بين من هم داخل البلاد واللاجئين خارجها، بسبب النزوح واللجوء هرباً من الموت، حُرم أفراد العائلة الواحدة من الجلسات الجماعية التي اعتادوا عليها مرة في الأسبوع على الأقل.
وتتحدث «أم مروان» التي فضل خمسة من أبنائها السبعة اللجوء إلى بلدان أوروبية على العيش في أجواء الحرب، لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «لم تجتمع بهم منذ خمس سنوات، ويقتصر الأمر على سماع أصواتهم ومشاهدتهم من خلال الهاتف!».

عزاء «فيسبوكي»

منعكسات الحرب طالت أيضاً عادة أداء واجب العزاء؛ حيث كانت مجالسه بدمشق تعج بالأقارب والأصدقاء وأهالي الحي لمواساة ذوي الفقيد؛ لكن هذا الأمر تراجع إلى درجة كبيرة خلال الحرب، وبات كثير من المجالس يبدو شبه فارغ.
«أبو يزن» (50 عاماً) معروف بحب مشاركة الناس مناسبتهم، سواء منها الأفراح والأحزان، يعرب عن أسفه لما وصلت إليه أحوال الأهالي، ويرى أن السبب في ذلك هو كثرة الهموم. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل واحد لديه من الهم ما يكفيه»، على حين يعتبر الشاب «محمود»، أن العامل الأبرز في تراجع هذه العادة هو «العناء الكبير» للوصول إلى مكان العزاء؛ خصوصاً إذا كان في حي آخر، وذلك بسبب الوضع الأمني، وبالتالي «بات كثيرون يقومون بهذا الواجب عبر (فيسبوك)».
لكن «معتز» وهو شاب في العقد الثالث من العمر، يذكر لـ«الشرق الأوسط»، أنه لم يقم مراسم عزاء في والده عند وفاته قبل عام؛ لأنه مهجر من جنوب العاصمة، ويقطن في ريف دمشق الشمالي الغربي، في حي لا يعرفه أحد فيه. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «اقتصر الأمر علينا نحن الإخوة والأخوات في المنزل، وقلة قليلة من الجيران».

«زواج السكايب»

تقاليد الزواج السائدة منذ عقود في المجتمع السوري، التي طالما تفاخر بها السوريون، كان لها نصيب كبير من تأثيرات الحرب. فبعد أن كان أهل العريس يقيمون الأفراح لعدة أيام قبل موعد يوم الفرح، ويعقدون حلقات «الدبكة»، ويولمون لضيوفهم الذين يهرعون إليهم من كل حدب وصوب، طغى ما يسمى «زواج السكايب» على هذه التقاليد، مع تشتت ملايين العائلات بين داخل البلاد وخارجها.
وغالباً ما يتم «زواج السكايب» عن طريق أهل أو أقارب «العريس» الذين يوجدون داخل البلاد، عبر زيارة يقومون بها لأهل العروس لطرح الأمر، وإن تمت الموافقة المبدئية بين العائلتين تتبعها خطوات رسمية أخرى، وتعارف أكثر بين العروسين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن تتم الموافقة النهائية وعقد القران عبر «سكايب».
وتتلخص الطريقة في أن يرتدي الشاب بدلة أنيقة، والفتاة فستان العرس أو فستاناً أبيض على أقل تقدير. ويفتح الشاب في بلاد اللجوء «سكايب»، وحيداً أو مع عدد من الأصدقاء، بينما تكون العروس في سوريا، أو العكس، جالسة مع أهلها وأهله في كثير من الأحيان. يقرأ الشيخ في سوريا الفاتحة، فيرد الشاب عبر «سكايب» بـ«آمين»، ويحادثه الشيخ عبر «سكايب»، ويسأل الفتاة هل هي موافقة، وتعلن الفتاة موافقتها، ثم يرتدي الشاب محبسه وحده، وكذلك الفتاة، لتنطلق الزغاريد.

سرقة

ومع زيادة عمليات السرقة التي تقوم بها عناصر موالية للنظام للمنازل والمحال التجارية، لدى استعادتها السيطرة على المناطق، انتشرت في مناطق سيطرة النظام أسواق لبيع الأدوات المستعملة (تعرض أجهزة كهربائية بمختلف أنواعها، وأثاثاً منزلياً، ونوافذ، وأبواباً، وسجاداً وأحذية، وقطع السيارات...) ويطلق عليها بعض الأهالي: «أسواق الغنائم»، في استعادة لحروب العصر الجاهلي.
وينتهز البعض ممن يجاهرون بموالاة النظام، الفرصة لاقتناص صفقات من تلك المحلات، لاعتقادهم بأن «مصدرها مقبول؛ لأننا في حرب مع إرهابيين»، في حين يتردد عدد من النازحين إلى تلك المناطق وبعض السكان الأصليين، في الإقدام على الشراء من تلك المحال رغم صعوبة الأوضاع المعيشية، لاعتقادهم بأن مصدرها «حرام». وتقول امرأة تعمل مدرسة لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف قلبوا الأحكام، ولكن ذلك في أوساطهم فقط. بالنسبة لنا الحلال مبيّن حلال والحرام مبيّن حرام».

تراجع العمل الخيري

بخلاف ما كان سائداً في فترة ما قبل الحرب، من كثرة المتبرعين والتبرعات للمحتاجين، تراجع بشكل كبير العمل الخيري حالياً، رغم الفقر الذي تعانيه معظم العائلات، وانتشار ظاهرة التسوّل إلى حدّ كبير في شوارع دمشق، ووصول الأمر إلى مشاهدة أطفال ونساء وشيوخ يبحثون في أكياس القمامة والحاويات عن بقايا طعام.
«سوسن» أم لثلاثة أطفال من مدينة داريا بريف دمشق الغربي، أفقدتها الحرب زوجها وبيتها، وتقطن في شقة بريف دمشق الشمالي، واتخذت من أمام منزلها بسطة لبيع علب السجائر لتأمين معيشة أطفالها، وتؤكد أنه «حالياً، نادراً ما يطرق بابنا أحد المتبرعين. الناس كلها تعبت وكل إنسان همه نفسه».
ويلفت خبراء اقتصاديون إلى «تراجع كارثي» في الطبقة الوسطى السورية، التي كانت تشكل نحو 60 في المائة من السكان لتصبح أقل من 15 في المائة، فيما تشير تقديرات أممية إلى أن طبقة الفقراء باتت أكثر من 80 في المائة. أما الخمسة في المائة الباقية فيقول الخبراء إنها «طبقة أثرياء الحرب التي التفت على عنق الاقتصاد السوري خلال سنوات الحرب».

طغيان أنثوي

وفي ظل موت أعداد كبيرة من الرجال خلال الحرب، وعمليات الخطف، والاعتقال، والهجرة، وفقدان أعداد كبيرة من العائلات في مناطق سيطرة النظام للمعيل زوجاً وولداً، اندفع كثير من النساء إلى ممارسة مهن وأعمال كانت حكراً على الرجال، والقيام بدور الأب المعيل والأم بآن واحد، وهي ظاهرة لم تكن مألوفة في سوريا قبل الحرب، علماً بأن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» كشف في مارس (آذار) الماضي، أن حصيلة ضحايا الحرب مع دخولها عامها السابع تقدر بـ511 ألف قتيل.
وفي أسواق دمشق التجارية، بات من المألوف مشاهدة فتيات يعملن في محال بيع الألبسة الجاهزة الرجالية والنسائية، و«السوبر ماركت» والحلوى و«البوظة». ويصل الأمر إلى مشاهدة نساء يعملن في النظافة وامور اخرى لترتيب امور العيش. ووفق ما نقلت تقارير عن خبير اقتصادي من دمشق، فإن نسبة طغيان الطابع الأنثوي على الذكوري في الأسواق والأماكن العامة تصل إلى 80 في المائة. ويشير إلى أن عمالة النساء ساهمت في رفع نسبة الأنشطة التي تقوم بها المرأة السورية مقارنة بالرجل، بما يقارب 40 في المائة كحد وسطي، وأن هذه النسبة ارتفعت إلى 90 في المائة نهاية عام 2017، نتيجة لظروف فرضتها الحرب على الرجال.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.