صراعات صغيرة بين عمالقة الأدب والفكر

لا تخلو منها بيئة في العالم

شوبنهاور
شوبنهاور
TT

صراعات صغيرة بين عمالقة الأدب والفكر

شوبنهاور
شوبنهاور

الصراعات بين الأدباء والشعراء والفلاسفة قديمة قدم التاريخ، ولا توجد بيئة واحدة في العالم تخلو منها. يكفي أن نلقي نظرة على المثقفين العرب أو الفرنسيين مثلاً. إنهم يحسد بعضهم بعضاً، ويكره بعضهم بعضاً، ولا يطيق بعضهم بعضاً، تماماً كالسيدات الجميلات. هل سمعتم يوماً ما امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ انظروا ما يقوله شوبنهاور عن هيغل؛ شيء يشيب الرأس، شتائم مقذعة لا مثيل لها، والسبب هو أن هيغل كان مشهوراً جداً، ويجذب مئات الطلاب إلى درسه، في حين أن شوبنهاور كان مغموراً، ولم يكن يحظى بأكثر من أربعة أو خمسة طلاب. ومعلوم أنهما كانا يعطيان دروسهما في الجامعة نفسها، وفي الساعة نفسها! (برلين). فيجن جنونه، ويغلي الحسد في عروقه تجاه زميله هيغل، فيصب عليه شتائم مقذعة من النوع التالي: «هذا الشخص التافه المدعو هيغل! هذا الدجال العديم الروح، المقزز، المنفر، الجاهل، هل يستحق كل هذا الاهتمام؟ فلسفته عبارة عن خديعة هائلة أو أكذوبة كبرى، إنها عبارة عن تشدق لفظي فارغ، وهي عبارة عن هراء أو سفسطة، وهي الفلسفة الأكثر غباء في التاريخ. وعدا بيوت المجانين أو المصحات العقلية، فلن تجدوا كلاماً فارغاً أكثر من كلام هذا الدجال... إلخ». حقد هائل، وحسد رهيب يأخذ عليه أقطار نفسه، فلا يعود يتمالك أعصابه. الرجل يفقد صوابه فعلاً عندما يتحدث عن واحد من أكبر فلاسفة التاريخ. فهيغل هو أرسطو العصور الحديثة باعتراف الجميع. ومع ذلك، يقول عنه هذا الكلام. وكلاهما فيلسوف عبقري، ولكن شوبنهاور لم يشتهر إلا بشكل متأخر، على عكس هيغل. ولكن ماذا كان يقول الشعراء عن المتنبي في بلاط سيف الدولة؟ الشيء نفسه! لكن قبل أن نغادر شوبنهاور، دعوني أعطيكم رأيه فقط في الصداقة والزواج وأنا أكاد أموت من الضحك، وربما الإعجاب. يقول عن الصداقة: «الأصدقاء يقولون إنهم مخلصون كل منهم للآخر، ولكن في الواقع المخلصين الحقيقيين كل منهم للآخر هم الأعداء». وأما عن الزواج الذي كان يكرهه كره النجوس، ويهرب منه بأي شكل، فيقول ما يلي: «إصرارك على عدم الزواج من دون حب حماقة هائلة سوف تندم عليها ندماً مراً، وبأسرع مما تتوقع»، ثم يردف: «في الواقع، إن إصرارك على الزواج بحب ومن دون حب خطيئة كبرى لا تغتفر». أنا شخصياً لكي أشبع من الضحك، ما عدت أذهب إلى السينما أو المسرح، وإنما فقط أفتح كتب شوبنهاور أو فولتير أو الجاحظ. في هذه اللحظة بالذات، أضع كتاب «البخلاء» تحت المخدة، لكي أفتح عيني عليه في أي لحظة من اللحظات، كلما أصابتني غمة أو أطبقت عليّ ظلمة.
وبالمناسبة، فالشيء بالشيء يذكر: في إحدى المرات، قال لي شاعر كبير عن شاعر كبير آخر (لا أستطيع ذكر الأسماء لكيلا تنهال عليّ صواريخ «سكود» من كل الجهات): «يعني... عنده بعض القصائد... ولكن في المحصلة هو شاعر وسط لن يبقى منه شيء يذكر في نهاية المطاف». وهذا الشاعر الوسط هو مؤسس الحداثة الشعرية العربية، وصاحب قصائد عبقرية خارقة غيرت خريطة الشعر العربي. ولكن لا يستطيع الرجل الاعتراف بعبقرية أخرى غير عبقريته، وهذا شيء إنساني في الواقع، أو «بشري جداً»، كما يقول نيتشه. فنحن إذ نعترف بإبداعية شخص آخر غيرنا، كأننا نلغي أنفسنا أو نخفض منها ومن قيمتها. على أي حال، فالغيرة أو الحسد بين الشعراء لا يقل خطورة عن الحسد الضاري بين النساء الفاتنات.
المهم كانوا ثلاثة في القرن التاسع عشر: دوستويفسكي، وتولستوي، وتورغينيف. ولكن إذا كنا نسمع جميعاً بالاسمين الأولين، فإن القليلين يعرفون الاسم الثالث. ولد تورغينيف عام 1818، ومات عام 1883، عن عمر يناهز الخامسة والستين. وقد عاش معظم حياته في الخارج، أي في ألمانيا وفرنسا على وجه الخصوص. واشتهر بحبه لمغنية فرنسية تدعى باولين فياردو. ورغم أنها كانت متزوجة، فإنه ظل يلاحقها لمدة أربعين سنة متواصلة دون جدوى، رافضاً أن يعيش إلا في كنفها أو ظلها، حتى ولو بشكل ذليل في أحيان كثيرة، فالحب يعمي ويصم، الحب يذل. أليس هو كاتب قصة رائعة بعنوان «الحب الأول»؟ ما الحب إلا للحبيب الأول!
لا أعرف لماذا أشعر بانسجام عميق وألفة كبيرة عندما أغطس في نصوص أدباء روسيا ومشاكلهم وقضاياهم. لا أعرف لماذا أشعر وكأني في بيتي وهمومي ومشاكلي. هل لأننا نحن العرب نعيش الحالة التاريخية نفسها؟ أقصد التذبذب نفسه، أو الحيرة والضياع والتمزق نفسها بين الماضي والحاضر، بين الغرب والشرق، بين الأصالة والمعاصرة، بين التراث والحداثة، ربما. على أي حال، نحن أيضاً لم نحسم أمورنا بعد، ونحن أيضاً ندفع ثمن العبور التاريخي الكبير، ثمن الماضي الذي لا يمضي، والمستقبل الذي لا يجيء. ونحن أيضاً لم نتوصل بعد إلى إيجاد تلك الحلقة المفرغة، تلك المعادلة المستحيلة التي توفق بين تراثنا العربي الإسلامي من جهة، والحداثة العالمية من جهة أخرى. في الواقع، إننا كالروس، أصحاب تراث عريق، تراث طويل عريض يستعصي على الانسحاق أمام الحداثة الغربية، كما تفعل الأمم الأخرى التي لا تراث عظيماً لديها. لهذا السبب، فإن قصتنا طويلة وعذابنا كبير. ولهذا السبب، فإننا ننقسم عادة إلى قسمين كبيرين، كمثقفي روسيا: قسم يريد الالتحاق بالغرب بأي شكل، ويخجل من دينه وتراثه، وقسم يرفض ذلك رفضاً قاطعاً مفتخراً بدينه وتراثه، زاهداً في هذه الحضارة الفاسدة المفسد. قد أكون أقدم كاريكاتيراً هنا عن كلا الموقفين، ولكن ألا يمكن القول إن هناك قسماً ثالثاً هو الأكبر والأكثر عدداً: قصدت أولئك الذين يريدون المحافظة على شخصيتهم التاريخية، في الوقت الذي يفتحون فيه قلوبهم وعقولهم على مصراعيها لكي تستقبل الوافد الجديد؟ كان دوستويفسكي قد عبّر عن ذلك أفضل تعبير في خطابه الشهير أمام تمثال بوشكين، وبحضرة كبار أدباء روسيا وشخصياتها، وكان خطاب الوداع الأخير. اللهم قد بلغت! وفيه عرف كيف يجد همزة الوصل بين الكونية والخصوصية، بين المحلية والعالمية، بطريقة ناجحة موفقة. عندئذ، عرف كيف يجد تلك الحلقة المفرغة، تلك الحلقة الضائعة التي يبحث عنها الجميع دون أن يجدوها. عندئذ، حسم المسألة مرة واحدة، وإلى الأبد. وقد أبكى الجميع عندئذ، بمن فيهم عدوه اللدود تورغينيف الذي هجم عليه لكي يقبله ويعانقه ويعترف بعبقريته التي لا تقاوم. لكن العلاقة بين الرجلين لم تكن دائماً هكذا في الواقع. فقبل ذلك، حصلت بينهما أشياء وأشياء. وقد آن الأوان بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة أن نطرح السؤال التالي:
كيف كانت علاقات تورغينيف مع تولستوي ودوستويفسكي، منافسيه على عرش الآداب الروسية؟ لا نستطيع هنا الإجابة على سؤال واسع كهذا، وإنما سوف نكتفي بالتلميح لعلاقته مع دوستويفسكي. في الواقع، إنها كانت متقلبة غامضة معقدة. فبقدر ما كان تورغينيف سيداً أرستقراطياً مرفهاً، لم يعرف الحاجة المادية في حياته أبداً، كان دوستويفسكي فقيراً معذباً معقداً نفسياً، يركض وراء لقمة العيش باستمرار.
وبقدر ما كان تورغينيف معجباً بأوروبا الغربية، راغباً في أن تلحق روسيا بها بأي شكل، كان دوستويفسكي معتزاً بسلافيته، متمسكاً بمذهبه المسيحي الأرثوذكسي، أو قل بالروحانية الدينية، دون أن يعني ذلك أنه لم يكن معجباً ببعض إنجازات الحضارة الأوروبية. وقد حصل اللقاء الأول بينهما في مدينة «بادن بادن»، بألمانيا، حيث كان يقيم تورغينيف في فيلا فخمة تشبه القصر المنيف. ثم كتب دوستويفسكي لأصدقائه هذه الرسالة بعد اللقاء: «لقد قال لي إنه ملحد بالكامل، وهو يفتخر بذلك متبجحاً. ولكن لماذا يكون ملحداً إذا كان الله قد أعطانا الصورة الكاملة والخالدة للإنسان متجسدة بالسيد المسيح؟ وماذا نتج عن هؤلاء الملاحدة من أمثال تورغينيف وهيرزن وأوتين وتشيرنشفسكي... إلخ؟ إنهم جميعاً متكبرون صلفون متعجرفون. في ماذا يأملون؟ ومن سيتبعهم في روسيا؟ إنهم واهمون. وما يزعجني أكثر لدى تورغينيف هو احتقاره لروسيا، بحجة أنها متخلفة عن أوروبا. إنه يخجل من بلاده أمام الأوروبيين. وقد قال لي بالحرف الواحد: ينبغي أن نتبع الألمان، ونزحف وراءهم زحفاً ببطوننا، لأنه لا يوجد إلا خط واحد لجميع الشعوب، هو: خط الحضارة. والحضارة الآن أوروبية، ولا شيء غيرها. وبالتالي، فإن من يدعون إلى اتباع خط الأصالة الروسية أغبياء ليس إلا. وقال لي إنه يكتب مقالة كبيرة عن عَبَدة الأصالة الروسية والأصالة السلافية، لكي يكشف عن نواقصهم وأخطائهم. وهكذا، اكتشفت أنه خائن لروسيا، يركع أمام الألمان كالعبد الذليل. لا أستطيع أن أتحمل هذا الشخص أبداً». هكذا انتهت رسالة دوستويفسكي، لكن ماذا كان موقف تورغينيف من هذا الاتهام الخطير؟
لقد رد عليه برسالة مضادة شديدة العنف قائلاً: «أولاً، أجد نفسي مضطراً للتصريح بما يلي: من غير المعقول أن أتحدث عن قناعاتي الحميمة عن روسيا والشعب الروسي أمام السيد دوستويفسكي، لسبب بسيط: هو أني أعتبره شخصاً مريضاً من الناحية النفسية. فبسبب الهزات السيكولوجية التي تصيبه، بسبب العُصاب والصرع وما إلى ذلك، بسبب أوضاعه المعيشية المزرية، فإنه لا يتمتع بجميع ملكاته العقلية. وهذا ليس رأيي فقط، وإنما رأي كثيرين من الناس. ينبغي العلم بأني لم أرَ السيد دوستويفسكي في حياتي إلا مرة واحدة، عندما زارني في بيتي، وأخذ يشتم الألمان ويشتمني لمدة ساعة كاملة، ثم انصرف. هذا كل ما حصل. ولم أرد عليه أبداً لأني أعتبره، كما قلت لكم، شخصاً مريضاً بالفعل».
هكذا، نجد أن المعارك الفكرية لا تحصل فقط بين المثقفين العرب، حيث تنحدر أحياناً إلى أدنى مستوى، وإنما تحصل أيضاً بين المثقفين الروس، وكذلك الفرنسيين، وغيرهم. ولا تُستخدم فيها فقط الكلمات المهذبة، وإنما الأسلحة كافة، من مشروعة وغير مشروعة. فتورغينيف لم يتوانَ عن الإشارة إلى المشاكل النفسية لدستويفسكي، من أجل أن يسدد له الضربة القاضية. ومعلوم أن الإشاعات حول هذه النقطة كانت رائجة منتشرة جداً آنذاك، بل وكان هناك أناس مختصون فيها يغذونها باستمرار. ولكن يبدو أنه نسي كلمة فرويد الشهيرة، أو قل لم يعش بما فيه الكفاية لكي يسمعها: قد تجد في دوستويفسكي «الشخص» كل عقد الأرض ومشاكلها. ولكن أمام دوستويفسكي الكاتب العبقري، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، غير شيء واحد: أن تركع وتنحني!



مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي
TT

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي، تنتصب الخيمتان العملاقتان اللتان تختصران نبض سوق الفن العالمي وذاكرته، حيث تلتئم نسختا هذا العام من معرَضي «فريز لندن» و«فريز ماسترز» لتؤكدا مجدداً أن العاصمة البريطانية ليست مجرد سوق تداول، بل مختبر نقدي حي يتلمس تحولات الجمال والسياسة والهوية. خيمتا الفن العملاقتان هذا العام ليستا مجرد مساحات لعرض السلع البصرية الفارهة، بل تحولت تحت أقدام الزوار والقيّمين إلى ساحة اشتباك فكري عالي النبرة، تتصارع فيها السرديات الكولونيالية الموروثة مع أصوات الهامش والجسد والمادة، مانحةً النقاد فرصة نادرة لتشريح أين يتجه الفن المعاصر، وكيف ينظر إلى ماضيه بعيون لا ترحم ولا تكتفي بالزخرفة والتزيين.

إذا تجولنا أولاً في أروقة «فريز لندن»، سنرى كيف انشغل 172 غاليري من مختلف أصقاع الأرض بتفكيك الحاضر وتشريح الجسد المعاصر، ففي جناح «ليسون غاليري» مثلاً، يقدم الفنان البرازيلي دالتون باولا مرافعته التشكيلية الصامتة والعميقة عبر لوحات تعيد الاعتبار لشخصيات تاريخية من ذوي البشرة السمراء ممن محتهم الذاكرة الاستعمارية بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، مستخدماً ضربات فرشاة رقيقة وسطوحاً حليبية تمنح شخوصه طابعاً طيفياً يرفض النسيان.

وإلى جوار هذه الصرامة التاريخية، تقتحم الفنانة الأميركية لوسي دود، عبر غاليري «سبروث ماغرز»، فضاء التجريب المادي البحت مستبدلة بالصبغات التقليدية تركيبات عضوية وطبيعية تنفتح على الموت والتآكل والتشكل، لاغية الحدود الفاصلة بين اللوحة ككائن جمالي مستقل وبين الطبيعة في صيرورتها الحية، وهو ما يعيدنا برهافة تشكيلية إلى «فن الأرض» Land art، ولا يقل عنها حضوراً الفنان الأميركي خليف طاهر طومسون مع غاليري «فيكتوريا ميرو»، حيث يمزج بحرفية عالية بين الجلد والأقمشة والخشب في بورتريهات حميمية تحتفي باليومي والمهمش من حياة الأفارقة الأميركيين، مؤكداً أن الملمس المادي للعمل الفني هو جزء لا يتجزأ من حمولته السياسية والنفسية.

وعلى الضفة المقابلة للحديقة، حيث يعيد «فريز ماسترز» كتابة التاريخ الفني بعيون واعية نقدياً، تتجلى بوضوح رغبة المعرض في تفكيك المركزية الغربية والاحتفاء بالحداثات البديلة والمهمشة. ولعل الجناح المشترك بين غاليري «ديفيد زورنر» وغاليري «فيكتوريا ميرو» قد شكل العلامة الفارقة الأبرز عبر استعادة أعمال الرسامة الأميركية أليس نيل وهي تعيد تعريف الحداثة الجندرية والإنسانية النيئة؛ حيث تصرخ الأجساد العارية والمأزومة بشجاعة نادرة في وجه القواعد الأكاديمية الكلاسيكية.

وفي الاتجاه نفسه، يبرز حضور غاليري «لوفت آرت» مسلطاً الضوء على ريادة الحداثة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، من خلال التكثيف البصري الساحر لأعمال الفنان المغربي الراحل محمد المليحي وموجاته الشهيرة التي تختزل روح مدرسة الدار البيضاء وتلاحمها العضوي مع التراث الحرفي الأمازيغي. ولا يغفل المعرض رد الاعتبار لنسوة الحركات التجريدية كفنانات نادي الشارع الثامن (The 8th Street Club) وهن مجموعة رائدة من الفنانات اللاتي سكنّ وابتكرن في قلب مشهد التجريدي التعبيري في نيويورك خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل إلين دي كويينغ وجوان ميشيل وغيرهن، واللائي ظَللن لعقود طويلة محجبات بظل أقرانهن الرجال، لتأتي أجنحة مثل غاليري «بيري كامبل» وتكشف عن عبقريتهن البصرية المكبوتة.

لغة الأرقام الفنية

أمّا على صعيد لغة أرقام المبيعات الصاخبة خلف الستار الجمالي، فقد برزت صفقات ثقيلة الوزن تجسد صدارة القطع المتحفية عالمياً؛ إذ بيعت لوحة الطبيعة الساكنة التاريخية للرسام الفلمنكي جان بروغيل الأكبر لدى غاليري «هاوزر أند ويرث» بمبلغ ناهز 6.5 مليون دولار، تليها لوحة الفنان البلجيكي ميكائيل بوريمانس بـ1.5 مليون دولار. كما بيعت لوحة للفنان المفاهيمي جورج كوندو بـ600 ألف دولار بالتساوي مع عمل برونزي لأنطوني غورملي، بينما بيعت لوحة للفنانة كارا ووكر بـ400 ألف دولار.

جغرافيا الفن العربي

ولم يكن الوجود العربي في هذا الحدث الاستثنائي مجرد مشاركة شرفية أو هامشية، بل امتداداً لقوة حوارية تفرض حضورها الجمالي والمفهومي بثبات؛ حيث وضعت الصالات العربية بصمتها التأسيسية من خلال مشاركات نوعية شقت قنوات جديدة للرؤية. فتألق غاليري «صفير زملر/ بيروت - هامبورغ» بطرحها المفاهيمي العميق عبر استعادة صياغة الأرشيفات السياسية والبصرية في المنطقة مع أعمال لورنس أبا حمدان ووليد رعد ورايان تابت، بينما نجحت صالة أثر (جدة/ الرياض) في لفت الأنظار إلى التحولات المعاصرة في المشهد السعودي عبر مقاربات فنية ومفاهيمية للفنانين مثل أحمد ماطر ورامي فاروق ومحمد الفرج وسارة أبو عبد الله وأميرة موصلي، واستكشافهم الشاعري للبيئة والمادة.

وعلى صعيد «فريز ماسترز»، فرض غاليري «لوري شبيبي» (دبي) حضوره عبر عرض أعمال الفنانة الفلسطينية الإيرانية الراحلة مليحة أفنان مستعرضا آثارها الخطية والتجريدية التي تتقاطع فيها الكتابة والذاكرة والنزوح بشاعرية مكثفة.

وسجل غاليري «المرسى» حضوراً لافتأ عبر الاحتفاء بالأعمال الإيقاعية والتجريدية الفريدة للفنان التونسي-الفرنسي محجوب بن بله ليقدم من خلالها جسراً بصرياً يمزج بين الذاكرة الأفريقية-العربية والتقاطعات الخطية المعاصرة لتؤكد أن الجغرافيا العربية أضحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل المشهد البصري المعاصر.


«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي
TT

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر، المفضل لدى بطلها «طارق العايق»، الذي يبدو كأنه خرج من عالم الأغنية نفسها، محملاً بخيبات عاطفية وأحلام صغيرة لم تتحقق.

من هذه العتبة يمتد الطابع الشعبي عبر سطح العالم الروائي، المعبأ بأصوات الباعة الجائلين، وأغاني «الضمة» البورسعيدية، وصولاً إلى مدرجات النادي المصري لكرة القدم، في عالم يستدعي ذاكرة السينما المصرية في تكويناتها الشعبية الصاخبة، وشخصياتها التي تتأرجح ما بين الاستعراض والهزيمة.

ومن خلال قصة حب تبدو عادية، تجمع طارق بابنة جيرانه «ميرفت» تتسع أسئلة الخديعة لتطال تصوّرات البطل عن نفسه، وعن النجاح والمكسب والخسارة، وعن حدود إنسانيته داخل المدينة التي ينتمي إليها.

يستعيد طارق حكايته مع ميرفت بوصفها خسارته الكبرى، كأن حياته انقسمت إلى ما قبل هذه العلاقة وما بعدها، غير أن الخسارة العاطفية تأتي ضمن سلسلة من الإخفاقات؛ فالرجل الذي لم ينجح في الاحتفاظ بوهج قصته مع حبيبته، لم ينجح كذلك في تحقيق وعود الصعود الاقتصادي التي أغرته بها تجارة الملابس المستعملة في سوق «البالة»، لتعيد تساؤلات المكسب والخسارة تدوير نفسها، فيما يواصل البطل البحث عن تفسير لما جرى له، وعن طرف آخر يحمّله مسؤولية الهزيمة.

وهكذا تتجاوز مفردة «انخدعنا» دلالتها الغنائية المباشرة، لتتشعب عبر شبكة من الأسئلة التي تضعها دينا شحاتة داخل بناء سردي يستعير منطقه من لعبة «الدومينو»، لتتوزع الرواية عبر أربع جولات، تتخللها فواصل تعيد ترتيب قطع اللعبة، وصولاً إلى «قفلتها» الأخيرة.

لتصبح لعبة الدومينو هنا وسيلة لتنظيم العلاقات بين الشخصيات والأصوات، حيث تتغير مواقع اللاعبين «الأبطال» وتتبدل احتمالات الفوز والخسارة، بينما تظل كل قطعة مرهونة بما يسبقها وما يليها.

من خلال هذا الترتيب، تسحبنا الرواية من النظر إلى طارق بعين الراوي العليم، إلى الإصغاء لصوته نفسه، قبل أن تضع الصوتين في مواجهة صوت سردي ثالث هو صوت المدينة، لتكتسب «بورسعيد» حضوراً سردياً مستقلاً، بوصفها ذاتاً تمتلك ذاكرة خاصة، وتعيد قراءة حكاية طارق في ضوء تاريخها.

حدود الراوي العليم

تبلغ هذه الندية ذروتها في تحدي المدينة لمعرفة الراوي العليم نفسه، ووصفه بأنه «الراوي ناقص المعرفة»، لتشمل لعبة الرواية تحدي سلطة السارِد العليم، ويفتح صوت المدينة حكاية طارق على تاريخ أقدم من علاقته بميرفت، يبدأ من لحظة ميلاد بورسعيد مع حفر قناة السويس عام 1859.

في هذا الانتقال، تضع الرواية الذاكرة الشخصية للبطل في مواجهة ذاكرة جمعية مثقلة بالتحولات، فبورسعيد، المدينة التي ارتبط اسمها في الوجدان المصري بالبسالة والمقاومة، تحمل أيضاً تاريخاً من المعاناة البشرية والخسائر؛ من العمال الذين قضوا في أعمال حفر القناة، إلى مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956، ثم تجربة الحرب والتهجير عقب عام 1967، وصولاً إلى التحولات الاقتصادية التي أعادت تشكيل حياتها الاجتماعية وصورتها عن نفسها.

ويتيح استدعاء هذا التاريخ قراءة ما يقع خلف الروايات الكبرى عن المجد والانتصار، بما فيها الأجساد التي دفعت الثمن، والوعود التي لم تتحقق، والحيوات الصغيرة التي توارت خلف التحولات السياسية والاقتصادية، وتستعيد المدينة تاريخ ميلادها بوصفه جرحاً جسديّاً، تتجاور فيه صورة الشريط الساحلي الذي شقته الفؤوس مع أجساد العمال الذين احتضنتهم الرمال، لتصبح نشأتها نفسها محملة بمفارقة التقدم والخسارة.

تتبدى أنسنة المدينة في نديتها للبطل عبر تشبيه مصيرها بمصيره: «مثلك أنا يا طارق، عشر سنوات لم تكفِ الأيادي عن الحفر، تمنيت لو يتم مسحها من ذاكرتي»، لتمنح خساراته الفردية عمقاً أبعد في ذاكرة المكان، فكما يتمنى طارق نسيان سنوات عمله في التهريب وتجارة الملابس، تتمنى المدينة محو سنوات الحفر التي شهدت ميلادها، وما ارتبط بها من استغلال وموت.

وتتعمق هذه الأنسنة عبر الصورة التي ترسمها المدينة لنشأتها، حين تتشكل لها عينان قبل أن تمتلك القدرة على الاعتراض، فيصبح النظر إلى المأساة أول أفعالها، وتتحوّل الذاكرة إلى عبء ملازم لوجودها، وتكتسب عبارة «هل تدرك قسوة أن تتشكل لك عينان أولاً. قسوة أن ترى دون فعل؟ وما رأته عيناي في ولادتي، ما كان يجب أن يُرى» دلالتها من هذا العجز المبكر، الذي يجعل شهادة المدينة على التاريخ مشوبة بإحساس مستمر بالفقد.

ومن هنا تتجاوز الموازاة بين البطل «طارق العايق» ومدينة «بورسعيد» مجرد التشابه في الخسارة؛ فبينما يرى طارق أن خديعته بدأت مع ميلاد ميرفت، تعيد المدينة قصته إلى تاريخ أسبق، حيث تتشكل مصائر الأفراد في امتداد الشروط الاجتماعية والاقتصادية للأمكنة التي نشأوا فيها.


بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»
TT

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛ مستوى السيرة ومستوى الرواية، وإن تغلب المنحى الروائي في النهاية على الطبعة النهائية للنص.

وهذه الرواية تجمع أيضاً بين السيرة الذاتية (الأوتوبيوغرافيا) والسرد الروائي المبأر التي يرويها سارد أو مشاهد داخلي أو خارجي، فالرواية لا تخلو من كونها رواية «بيوغرافية» عن شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، لكنها لا تلتزم بسياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية إنما بعطاء المخيلة السردية، فالروائي سيكتب، أساساً، سيرة بيوغرافية عن شخصية الزعيم، لكنه أيضاً يكشف عن بعدٍ (أوتو بيوغرافي) من خلال المرويات التي يقدمها الزعيم عن نفسه أسرته ومجتمعه، أو من خلال مرويات تخييلية وافتراضية وسردية ليس إلا.

والرواية ليست عن حياة الزعيم فقط، بل ربما أساساً عن الناس، وعن العراق بصورة عامة، وبشكل خاص المحطات التاريخية التي صنعها، وتلك التي ساهم في صنعها، ولذا فالرواية لا تخلو إلى حدٍ كبيرٍ من سرد تاريخي موثق ودقيق، على الرغم من بنيتها التخييلية الافتراضية، كما أنها تنطوي على مقاطع تأريخية وتسجيلية واقعية مما يجعلها رواية «ميتا سردية»، وتتحول أحياناً إلى فسيفساء سردية ملونة وعلى الرغم من كون الرواية تدور حول شخصية تأريخية معينة هي شخصية الزعيم لكنها لا تعتمد على ملاحقة حبكة أو حكاية واحدة، بل على مجموعة حبكات ومرويات وحكايات. ولذا فهي لا تنمو خطياً، وإنما تنتقل بين أزمنة وأماكن وتواريخ متعددة وتمتد إلى بداية القرن العشرين، والاحتلالين العثماني والإنجليزي للعراق.

وبسبب تعدد الروايات والمتطورات السردية، تتحول الرواية تدريجياً إلى رواية بوليفونية تتميز بظهور عدد كبير من الأصوات الرواة والشهود الرئيسيين والثانويين الذين يسردون صفحات مطوية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي منذ نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، التي أسفرت عن هزيمة العثمانيين واحتلال الإنجليز للعراق عام 1917، وهي تدون وقائع مركزية من تاريخ العراق الحديث.

ويمكن القول إن الكثير من مرويات الرواية عن مخطوطات ووثائق شفاهية أو مكتوبة، وهي تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على الجوهر الواقعي للسرد، الذي يخلو من مقاطع تسجيلية أو وثائقية، وبشكل خاص في وصف وقائع الثورة التي تم غالباً عبر طراز الصحافة الاستقصائية التي تلاحق الحدث المركزي منذ بدايته كاشفة عن جذوره ومساراته وعوامل القوة والتقهقر فيه، إلا أن الروائي يعمد بين آونة وأخرى لاختلاق شخصيات غير واقعية مثل شخصية جورج إلياس الذي يروي نيابة عن والد الزعيم الكثير من جوانب الحياة في العراق آنذاك.

هذه الرواية رواية عن التاريخ العراقي الحديث، لكنها ليست رواية تسجيلية أو تاريخية تقليدية، إنما هي سرد تاريخي تخيلي وافتراضي لا يخلو من التلفيق أحياناً، ويستحق تقدير الجهد الذي بذله المؤلف في نبش التاريخ والجغرافيا والسياسة في العراق، وإعادة تقديم تصوره الشخصي لما يدور، وما يمكن أن تسير إليه الأمور مستقبلاً.

والرواية من الناحية الفنية، تنهض على بنية سردية تشكل من تقنيتي المونتاج والكولاج، ومن المعروف أن تقنية المونتاج ترتبط أساساً بفن السينما، حيث الانتقاء المدروس للمشاهد والأحداث لتحقيق هدف السرد السينمائي، أما تقنية الكولاج فترتبط أساساً بالفن التشكيلي حيث التداخل شبه العشوائي بين المنظورات والمشاهد، ولعل الحركة الروائية كانت أفضل من وظف هذه التقنية لإنتاج اللوحة التشكيلية الحديثة.

ويستطيع القارئ أن يلاحق بهدوء تشكيلات الكولاج والمونتاج في بناء المشاهد الروائية، بعيداً عن المنظور الخطي المتصاعد للحدث أو لبناء الشخصية.

ويمكن أن نعدّ شخصية الزعيم بمثابة البنية الإطارية في الرواية، بوصفها البؤرة المولدة للأحداث الروائية، لكنها لن تكون البؤرة الوحيدة، فهناك عدد غير قليل من البؤر الثانوية المولدة للأحداث الروائية.

وتبدأ الرواية، من النهاية تقريباً، تحديداً بعد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في انقلاب الثامن من فبراير 1963 الذي دبره القوميون والبعثيون بقيادة العقيد عبد السلام عارف، ثم تعود الرواية، ربما عبر تقنية التقريب والتكبير (الكلوز آب) السينمائية إلى الماضي، الذي يمتد إلى مطلع القرن العشرين عندما رزق النجار قاسم ولداً سماه عبد الكريم، الذي تدور الرواية حوله.

والرواية لا تتماشى والمسار الخطي المتصاعد من الماضي إلى الحاضر، بل تبدأ من صورة الزعيم المدني وجدته التي قيل إنها ألقيت في نهر دجلة آنذاك، ومن خلال تشبيه وجه الزعيم النحيف هذا يعود الروائي إلى العام الذي التقطت له فيه صورته الوحيدة عام 1917، عندما كان عمره ثلاث سنوات لا غير، طويل القامة، له منظر سقيم وأذنان كبيرتان تشبهان الفطر، يقف أمام المنزل في محلة المهدية مع شقيقه حامد، هو أكبر سناً منه، ومعهما شقيقته أمينة، بأسمالها ووجهها الذي سوّده الدخان (ص 10). ويقارن الروائي بين صورة الزعيم هذه عندما كان طفلاً بصورته عندما قتل بين الانقلابين عام 1963 و«صورة وجهه يوم مقتله، بالأبيض والأسود، والمنشورة في مجلة (التايم)، البريطانية، تشبه صورته وهو طفل... عندما كان له من العمر ثلاث سنوات فقط» (ص 1).

تدور الرواية حول شخصية الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسمrnلكنها لا تلتزم سياقات التاريخ الرسمي والسجلات الرسمية وإنما عطاء المخيلة السردية