أقمار صناعية صغيرة لحقبة جديدة من عصر الفضاء

أقمار صناعية صغيرة تزداد انتشاراً في الفضاء
أقمار صناعية صغيرة تزداد انتشاراً في الفضاء
TT

أقمار صناعية صغيرة لحقبة جديدة من عصر الفضاء

أقمار صناعية صغيرة تزداد انتشاراً في الفضاء
أقمار صناعية صغيرة تزداد انتشاراً في الفضاء

عندما نجح المسؤولون بولاية كاليفورنيا الأميركية في احتواء حريق «كامب فاير» الأقوى في تاريخ الولاية، أعلنوا أن هذا الإنجاز تمَّ بتضافر جهود الإطفائيين على الأرض، مع بعض المساعدة من الفضاء قدمها بعض من الأقمار الصناعية الصغيرة، التي تمثِّل الحقبة القادمة من عصر الفضاء.

شبكة أقمار صغيرة
تشغِّل هذه الأقمار الصناعية شركة «بلانيت لابز» في سان فرنسيسكو، والتي تدير أكبر أسطول من الأقمار الصناعية التي تراقب كوكبنا في العالم. ويصل عدد هذه الأقمار إلى 140، وتحمل جميعها كاميرات ومناظير. أما حجمها، فلا يكاد يتعدى حجم رغيف الخبز. وكمجموعة، يمكن لهذه الأقمار الصناعية رؤية البقعة نفسها على الأرض مرة أو مرتين في اليوم. وحتى اليوم، فإن الأقمار الصناعية التجارية تستطيع مراقبة موقع معين مرَّة في الأسبوع أو الشهر، هذا إذا تمكنت من مراقبته.
ويتيح تسارع وتيرة عمل هذه الأقمار مراقبة أكبر للتغير البيئي السريع، الذي يشمل الحرائق والفيضانات والثورات البركانية والهزات الأرضية والأعاصير، وتأثيرات هذه الأحداث على المناطق المدنية.
واعتبر ويل مارشال، الرئيس التنفيذي للشركة، في حديث لوسائل الإعلام، أنه «لا يمكن إصلاح ما لا يمكننا رؤيته». وكان حريق «ذا كامب فاير» قد اندلع في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني). وفي اليوم التالي، بدأ فريق من شركة «بلانيت لابز» في سكرامنتو ببثِّ بيانات المراقبة لـ«غرفة المعارك» التي أدار منها المسؤولون الاستجابة للكارثة.

أحلام كبيرة
يمثّل أسطول «بلانيت لابز» جزءاً من اتجاه أكبر نحو التصغير. وبينما تصغر الأقمار الصناعية في حجمها، فإنها تتسع في طموحها. ومع تصغير حجمها، تصبح هذه المركبات أقلّ كلفة وأكثر استخداماً لمجموعة أوسع من المصالح. كما أنها تتيح، إلى جانب تطورات أخرى، مراقبة البيئة الأرضية بشكل كامل ومنتظم، أكثر من أي وقت مضى.
شكَّل ظهور الـ«آيفون» لأول مرة عام 2007 إشارة لجيل جديد من صناع الأقمار الصناعية، على إمكانية تقليص حجم أجهزتهم أيضاً. وحملت النماذج الأولى من هذه الأقمار الصناعية الصغيرة اسم «فون ساتس - PhoneSats» (الأقمار الهاتفية)؛ لأن نواتها الإلكترونية كانت تتألف من هواتف ذكية. بلغت كلفة القطعة الواحدة من هذه الأقمار 7000 دولار. واليوم، تطلق صواريخ صغيرة نسبياً أقماراً صناعية بحجم حقيبة اليد، وحقيبة الظهر، وعلبة البيتزا، إلى مسافات بعيدة.
وتأتي هذه الأقمار محمَّلة بأجهزة الاستشعار الصغيرة والدوائر الكهربائية والعدسات والمحركات والبطاريات والهوائيات. وقد شهد العام الماضي وضع 104 أقمار صناعية في المدار الأرضي من صاروخ واحد أطلق من الهند، حطَّم الرقم القياسي السابق لنشر الأقمار.
أما مصدر الأقمار الصناعية فكانت دول مثل الهند، وكازاخستان، وهولندا، وسويسرا، والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب شركتين أميركيتين، إحداهما «بلانيت لابز». كما دخلت غانا، وهي دولة من غرب أفريقيا، إلى عصر الفضاء العام الماضي، بقمر صناعي بحجم علبة فاصوليا، أي أن الفضاء الخارجي أصبح متاحاً وبحرية للجميع.

أقمار زهيدة
إنّ كلفة بناء هذا النوع من الأقمار الصناعية الصغيرة وإرسالها بعيداً زهيدة جداً، إلى درجة أتاحت للجامعات والمدارس الثانوية الدخول في هذا المجال. في العاشر من نوفمبر، هلَّل ستة طلاب بالمرحلة الثانوية من مدرسة في إرفاين، بكاليفورنيا، لسفينتهم التي انطلقت إلى المدار، ومهمتها دراسة كوكب الزهرة.
وحتى وكالة «ناسا» الفضائية، صاحبة مبدأ «الأكبر أفضل»، انضمَّت إلى الموجة الجديدة. ففي مايو (أيار) الماضي، أطلقت الوكالة الأميركية قمرين صناعيين بحجم حقيبة صغيرة، عرفا باسم «مارس كيوب وان» واتجها إلى المريخ، فكانا أوَّل مسبارين مصغَّرين يطيران إلى ما بعد المدار الأرضي. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعد رحلة دامت ستة أشهر تقريباً، التقط أحد المسبارين الصورة الأولى لوجهته.
لا شكّ في أنَّ الأقمار الصناعية الكبيرة لا تزال تسافر وبانتظام إلى المدار، وخاصة تلك المخصصة لأغراض التجسس والأمن القومي. هذه السفن العملاقة صنعها بعض من أكبر الشركات حول العالم، ويمكن أن تصل كلفتها إلى مليارات الدولارات، الأمر الذي يشكِّل برأي نقَّاد صناعة الفضاء على حافز صناعتها بأحجام كبيرة. ولكنَّ صناعة الأقمار الصناعية الأصغر حجماً أقلُّ كلفة. فبعد مرورها بمرحلة تجريبية من التطوير، أخذت أعداد الأقمار الصناعية المصغَّرة في الارتفاع، بحسب ما أفاد جوناثان ماك دويل، رائد فضاء من جامعة «هارفارد» يعمل في متابعة الإطلاقات العالمية، وينشر تقارير جوناثان الفضائية.

انتشار فضائي
نما عدد السفن الفضائية التي يبلغ وزنها 10 كيلوغرامات أو أقل، من 12 عام 2011 إلى 89 عام 2013، وإلى 125 عام 2015، وإلى 291 في 2017. ويتوقّع ماك دويل أن يستمر هذا العدد في الارتفاع مع انضمام مزيد من المجموعات والشركات إلى هذه النزعة. تقوم غالبية المركبات الجديدة بالمهمات التقليدية، كتقييم المحاصيل، ورسم خرائط للمدن، وتلقي وتمرير الإشارات وإدارة الموارد الطبيعية، ولكن بكلفة أقلّ. كما يستخدم محللو «وول ستريت» مصدر المعلومات الجديد هذا لإصدار تقييمات أفضل للأسواق المستقبلية.
ترغب شركات كـ«بلانيت لابز» بالقيام بمراقبات تجسسية أقلّ، وتفضل التركيز أكثر على مساعدة العلماء والمجتمعات في تعزيز المراقبة البيئية بهدف تحسين الإدارة والمعالجة.
في الثالث من ديسمبر (كانون الأول)، أرسل صاروخ «سبيس إكس» في كاليفورنيا، 64 قمراً صناعياً من صناعة «بلانيت لابز» و17 دولة، من بينها أستراليا والبرازيل وفنلندا وإيطاليا والأردن وبولندا وكوريا الجنوبية وتايلاند، إلى الفضاء البعيد. كما حمل الصاروخ القمر الصناعي المصغَّر الثاني «IRVINE02» الذي بناه طلاب من مدرسة في مقاطعة إرفاين.

قمر رادار مصغر
وفي مهمة استثنائية تقوم بها سفينة مصغرة للمرة الأولى، من المخطط أن تعمل سفينة بحجم الحقيبة مصنوعة في الولايات المتحدة، على إرسال وتلقي إشارات رادار خارج الأرض.
تستطيع الرادات التقليدية الموجودة في الفضاء الرؤية في الليل وعبر الغيوم، ولكنها تتطلَّب هوائيات كبيرة. ولكن شركة «كابيلا سبيس» ومقرها سان فرنسيسكو، استعانت بخبير في مجسمات الأوريغامي لإيجاد طريقة لطي هوائي بمساحة تقارب 31 متراً مربعاً، في رزمة ضيقة. وقال بايام بانازاده، الرئيس التنفيذي للشركة: «هذه المحاولة هي الأولى من نوعها. فمن علبة صغيرة سيخرج هيكل كبير».
لا تصلح الأقمار الصناعية المصغَّرة لجميع المهام الفضائية. فالتصغير قد لا ينفع في المناظير المدارية المستخدمة في علم الفلك، أو في الأقمار الصناعية العالية الطاقة التي ترسل إشارات القنوات التلفزيونية للهوائيات الموجودة على الأسطح، وإلى المشاهدين في منازلهم.
ولكن من المرجَّح أن يشهد الطلب على التصغير ازدياداً مطرداً. فالبعثة الفضائية الكبيرة تصبح أقلَّ عرضة للفشل التام إذا ما تمَّ تقسيمها إلى عدَّة أجزاء صغيرة. وقال ماك دويل: «يمكنكم تعزيز المتانة. جرى الحديث في هذا الأمر منذ زمن طويل، ولكنَّه الآن يتحقق فعلاً».



مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
TT

مخاطر المسؤولية والقرار الطبي في أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية

حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب
حين يتكلم النظام ويصمت الطبيب

في غرفة الطوارئ الحديثة، قد يسبق الذكاء الاصطناعي الطبيب أحياناً إلى قراءة الأشعة أو تقدير خطر التدهور السريري خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يبقى السؤال الأول الذي يحمله المريض - بصمت - أبسط بكثير من كل الحسابات الخوارزمية: هل رآني أحد فعلاً؟

هذه المفارقة تختصر التحول الذي يعيشه الطب اليوم. فالأنظمة الذكية قد تبلغ دقة تنبؤية غير مسبوقة، لكنها لا تدرك السياق الإنساني الذي يمنح القرار الطبي معناه الأخلاقي... قد يكون القرار صحيحاً إحصائياً، لكنه يبدو بارداً إنسانياً، لأن الطريق الذي أوصل إليه لم يُصمَّم أصلاً لاحتواء هشاشة الإنسان لحظة المرض.

ولهذا لم يعد السؤال المطروح في الطب المعاصر هو مدى ذكاء الخوارزمية، بل كيف صُمِّم النظام الذي يسمح لها بالمشاركة في القرار السريري.

هندسة القرار

وهم «الضمير الاصطناعي»

يتكرر في النقاش العام سؤال جذاب إعلامياً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك ضميراً؟ لكن السؤال - رغم انتشاره - يقود النقاش في الاتجاه الخطأ. فالآلة لا تحمل نية، ولا تشعر بالندم، ولا تختبر التردد الأخلاقي الذي يسبق القرار الطبي الصعب... إنها نظام رياضي يحسّن احتمالات ويتعلم أنماطاً ضمن أهداف يحددها البشر مسبقاً.

الضمير ليس خاصية برمجية يمكن إضافتها عبر تحديثٍ تقني، بل تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية وتحمل العواقب. ومنذ أبقراط وابن سينا، لم يكن الطب مجرد حساب احتمالات، بل علاقة أخلاقية يتحمل فيها الطبيب تبعات قراره أمام إنسان حي، لا أمام نموذج بيانات.

حين يصبح الخطأ غير مرئي

المشكلة الحقيقية في الذكاء الاصطناعي الطبي لا تظهر عندما يخطئ النظام، بل عندما لا نعرف أنه بدأ يخطئ.

وفي دراسة حديثة نُشرت مطلع عام 2026 في مجلة الطبيعة للطب الرقمي (Nature Medicine)، قادها الباحث الدكتور مارشال تشينغ (Marshall Chin) من كلية الطب في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة، حذّر الباحثون من ظاهرة تُعرف بـ«انجراف النماذج السريرية» (Model Drift)، حيث تتراجع دقة أنظمة الذكاء الاصطناعي تدريجياً مع تغيّر خصائص المرضى أو البيئات الصحية دون أن يلاحظ الأطباء ذلك فوراً.

وأظهرت الدراسة أن الأنظمة قد تستمر في إعطاء توصيات تبدو موثوقة، رغم أن الواقع السريري الذي دُرّبت عليه لم يعد موجوداً بالكامل. وهنا يتحول الخطأ من حادثة واضحة إلى انحراف صامت داخل منظومة القرار.

الخطر إذن ليس في فشل الخوارزمية، بل في نجاحها الظاهري أثناء فقدانها الدقة الفعلية.

القيم الخفية داخل الأنظمة الذكية

وفي تحليل نُشر عام 2026 في مجلة الذكاء الاصطناعي لمجلة (نيو إنغلاند) الطبية (NEJM AI)، ناقش باحثون بقيادة الدكتورة سوتشي سريا (Suchi Saria) من جامعة جونز هوبكنز كيف تحمل أدوات الذكاء الاصطناعي السريرية ما أسموه «القيم الضمنية المدمجة» فالخوارزمية لا تتنبأ فقط، بل تعكس أولويات جرى اختيارها مسبقاً أثناء التصميم:

- هل الهدف تقليل مدة بقاء المريض في المستشفى؟

- أم خفض التكلفة التشغيلية؟

- أم تقليل المخاطر القانونية على المؤسسة؟

هذه القرارات لا تظهر للطبيب أو المريض، لكنها تحدد اتجاه القرار الطبي بصمت. وعندما تُزرع القيم داخل النظام دون شفافية، تتحول التقنية إلى سياسة علاجية غير معلنة.

من تحسين الأداء إلى هندسة الحدود

لهذا السبب، لم يعد السؤال العلمي اليوم كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر دقة فحسب، بل كيف نجعله أكثر أماناً حين يفشل. ويدعو الاتجاه البحثي الأحدث في 2026 إلى تصميم أنظمة قادرة على الاعتراف بحدودها، بحيث يستطيع النظام أن يقول: لا أعلم عندما يرتفع مستوى عدم اليقين.

ويشمل ذلك:

- مراقبة الأداء بمرور الزمن لا عند الإطلاق فقط.

- جعل التوصيات قابلة للتفسير السريري.

- وإبقاء القرار النهائي ضمن مسؤولية بشرية واضحة.

فالذكاء الاصطناعي قد يتفوق في سرعة الحساب، لكنه لا يقف أمام المريض لتحمل نتائج القرار.

الطب داخل المعادلة

الإنسان في مركز المعادلة

دخل الذكاء الاصطناعي الطب بالفعل، ولم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان ينبغي استخدامه، بل حول الشروط التي يجب أن يُستخدم ضمنها. فإذا صُمِّمت الأنظمة الصحية حول الكفاءة وحدها، فإنها تميل تدريجياً إلى اختصار الإنسان في رقم. وإذا بُنيت حول خفض التكلفة فقط، فقد يُعاد تعريف المريض كأنه مؤشر اقتصادي داخل منظومة تشغيلية واسعة. أما عندما يُصمَّم الذكاء الاصطناعي لحماية الحكم السريري البشري، فإنه يتحول إلى أداة تعزز الطبيب بدل أن تستبدل دوره الأخلاقي.

التحول الحقيقي إذن لا يحدث داخل الخوارزمية، بل في الفلسفة التي تحكم تصميمها. فالطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع، بل نحو القرار الأكثر مسؤولية.

* الطب لم يكن يوماً سباقاً نحو القرار الأسرع بل نحو القرار الأكثر مسؤولية*

التصميم الأخلاقي... الطب في عصر الخوارزميات

تشير الاتجاهات البحثية الحديثة في حوكمة الذكاء الاصطناعي الطبي خلال عام 2026 إلى مفهوم يُعرف بـ«التصميم الأخلاقي المسبق» (Ethics-by-Design)، وهو توجه تعمل عليه فرق بحثية في معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد بقيادة الباحث البروفسور لوتشيانو فلوريدي (Luciano Floridi)، حيث تُدمج مبادئ المساءلة والشفافية وحدود القرار منذ مرحلة بناء النظام، لا بعد وقوع الخطأ. والفكرة بسيطة لكنها عميقة: الأخلاق لا تُضاف بعد التشغيل، بل تُبنى داخل (architecture) هندسة القرار نفسه.

وعندما يصبح النظام قادراً على كشف عدم اليقين، وتنبيه الطبيب إلى حدوده، وإبقاء الإنسان داخل دائرة المسؤولية، فإن الذكاء الاصطناعي لا يقلل إنسانية الطب - بل يحميها.

السؤال الذي سيحدد مستقبل الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي احتمالاً مستقبلياً في الممارسة الطبية، بل أصبح جزءاً من البنية اليومية لاتخاذ القرار السريري. والسؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الآلة قادرة على التفكير، بل ما إذا كنا قد صممنا الأنظمة التي تستخدمها بطريقة تحمي المعنى الإنساني للطب.

فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى ضمير، لأنه لا يعيش عواقب قراراته، ولا يقف أمام المريض حين تسوء النتائج. ما يحتاج إليه حقاً هو تصميمٌ يضع حدوداً واضحة بين التوصية والمسؤولية، وبين الحساب والحكم السريري.

تشير تجارب الأنظمة الطبية الذكية التي يجري تطويرها عالمياً في عام 2026 إلى أن مستقبل الطب لن يتحدد بمدى تطور الخوارزميات، بل بقدرتنا على إبقاء الإنسان داخل دائرة القرار، لا على هامشها.

ولهذا قد لا يكون السؤال الأهم في السنوات المقبلة: كم أصبح النظام ذكياً؟بل السؤال أبسط من ذلك... وأكثر جوهرية: هل أصبح الطب أكثر إنسانية بحكم التصميم؟


التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول
TT

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

التحرير الجيني يمنح أملاً في علاج نهائي لارتفاع الكوليسترول

في تطور علمي واعد يستكشف العلماء طريقة جديدة وجريئة لمحاربة أمراض القلب، تعتمد على تقنية تحرير الجينات التي قد تقدم يوماً ما حلاً دائماً لمشكلة ارتفاع الكوليسترول. لكن الباحثين يشددون على أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، ويفصله سنوات عن الاستخدام الواسع، وأن على المرضى الاستمرار في تناول أدويتهم الموصوفة حالياً.

«كريسبر» لتعديل خلايا الكبد

تعتمد التجارب على تقنية «كريسبر» (CRISPR) الشهيرة التي تعدل الحمض النووي «دي إن إيه» في خلايا الكبد لخفض مستويات كوليسترول البروتين الدهني منخفض الكثافة الضار(LDL). ويعتبر هذا النوع من الكوليسترول المسؤول عن تراكم اللويحات في الشرايين، ما يؤدي إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

وأصدرت شركتان هما «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPR Therapeutics و«فيرف ثيرابيوتكس» Verve Therapeutics دراستين صغيرتين تشيران إلى أن هذا النهج يمكن أن يقلل مستويات الكوليسترول بشكل كبير بجرعة واحدة فقط.

كيف تؤثر الجينات على الكوليسترول؟

يحتاج الجسم إلى كمية معينة من الكوليسترول، لكن الكمية الزائدة منه ضارة. ورغم أن النظام الغذائي يلعب دوراً، فإن الكبد هو المصدر الأساسي لإنتاج الكوليسترول. وتلعب الجينات دوراً حاسماً في تحديد مدى كفاءة الجسم في التعامل معه.

طفرات جينية نادرة لـ«المحظوظين»

ووجد الباحثون أن بعض الأشخاص المحظوظين يحملون طفرات جينية نادرة تعطل جينات معينة، ما يمنحهم مستويات منخفضة للغاية من الكوليسترول، ومناعة شبه كاملة ضد أمراض القلب. فعلى سبيل المثال، الأشخاص الذين لديهم طفرات تعطل جين ANGPTL3، أو جين PCSK9 لديهم مستويات منخفضة جداً من الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية. وقد ألهمت هذه التجارب الطبيعية العلماء محاولة تكرار هذا التأثير الوقائي باستخدام تقنية «كريسبر».

التجارب الأولية: نتائج واعدة

في دراسة «كريسبر ثيرابيوتكس» تلقى 15 بالغاً يعانون من مخاطر شديدة لارتفاع الكوليسترول حقنة واحدة تحتوي على أدوات التحرير الجيني التي تستهدف الكبد لتعطيل جين ANGPTL3. وفي غضون أسبوعين شهد المشاركون الذين تلقوا أعلى جرعة انخفاضاً في مستويات الكوليسترول الضار، والدهون الثلاثية إلى النصف.

وبالمثل أعلنت شركة «فيرف ثيرابيوتكس» أن التحرير الذي استهدف جين PCSK9 أنتج تخفيضات مماثلة في الكوليسترول الضار.

تحذير الخبراء

وكانت النتائج واعدة، لكن الخبراء يحذرون من أن تحرير الجينات لا يزال في مراحله المبكرة جداً. وقال الدكتور لوك لافين طبيب القلب الوقائي في كليفلاند كلينك في الولايات المتحدة إنه بعد مشاركته في تأليف دراسة واعدة نُشرت في مجلة نيوإنغلاند الطبية «the New England Journal of Medicine». في 5 فبراير (شباط) 2026 يريد الناس حلاً جذرياً لا مجرد حل مؤقت. وأضاف أنه بعد نشر الدراسة تلقى سيلاً من الاستفسارات من مرضى يأملون في المشاركة في التجارب المستقبلية، مما يعكس الرغبة الشديدة في التخلص من عبء تناول الأدوية اليومية.

جوانب السلامة وتغييرات غير مرغوب فيها في الجينوم

في حين أن الأفراد الذين لديهم هذه الجينات معطلة بشكل طبيعي لا تظهر عليهم آثار ضارة، يؤكد الخبراء على ضرورة إجراء المزيد من الأبحاث للإجابة عن أسئلة السلامة الحرجة.

وأشار الدكتور جوزيف وو من جامعة ستانفورد، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى أن الجسيمات المستخدمة لنقل أدوات «كريسبر» يمكن أن تهيج الكبد. كما أن التأثيرات طويلة المدى لا تزال غير معروفة، ولا يوجد تأكيد كافٍ على أن التحرير الجيني يصيب الهدف المقصود بدقة دون التسبب في تغييرات غير مرغوب فيها في أماكن أخرى من الجينوم.

من جانبه قال الدكتور كيران موسونورو من جامعة بنسلفانيا المؤسس المشارك لشركة «فيرف» إن بعض المشاركين في دراسة سابقة للشركة تمت متابعتهم لمدة عامين مع استمرار انخفاض الكوليسترول لديهم. وفي الفئران أثبتت الدراسات أن هذه التعديلات استمرت مدى الحياة. ومع ذلك فإن هذه البيانات الأولية لا تغني عن الحاجة إلى دراسات أكبر تمتد لسنوات عديدة على البشر.

خطوات لصحة القلب

في الوقت الحالي تؤكد جمعية القلب الأميركية على أهمية الالتزام بالاستراتيجيات المثبتة لصحة القلب والوقاية من الأمراض:

*النظام الغذائي: تناول طعام صحي غني بالفواكه، والخضراوات، والحبوب الكاملة، والدهون الصحية.

*النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام، لتعزيز الكوليسترول الجيد (HDL).

*الوزن والنوم: الحفاظ على وزن صحي، والحصول على قسط كافٍ من النوم.

*الفحوصات: التحكم في ضغط الدم، وسكر الدم، وتجنب التدخين.

وبخصوص الكوليسترول تحديداً يجب على البالغين الأصحاء استهداف مستوى كوليسترول ضار (LDL) أقل من 100 ملغم/ديسيلتر. أما الذين يعانون من أمراض القلب، أو ارتفاع الكوليسترول فيجب أن يستهدفوا مستوى 70 ملغم/ديسيلتر أو أقل.

تناول الأدوية

وتظل أدوية الستاتين مثل «ليبيتور» Lipitor و«كريستور» Crestor، أو بدائلها العامة الرخيصة، الخيار الأول الفعّال والآمن لخفض الكوليسترول. كما تتوفر أدوية إضافية للحالات التي لا تستجيب بشكل كافٍ للستاتين، أو لمن لا يستطيعون تحملها.

وتستهدف دراسات التحرير الجيني في الوقت الراهن المرضى الأكثر عرضة للخطر، والذين فشلت معهم العلاجات التقليدية.

وإلى أن تثبت الأبحاث الجديدة فعاليتها وسلامتها على المدى الطويل، يحث الأطباء المرضى على عدم التخلي عن العلاجات الحالية المتوفرة. يخلص الدكتور لافين إلى القول: «هذا علم مثير، لكن في الوقت الحالي تناول دواءك».


علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

علماء يكتشفون بكتيريا عمرها 5 آلاف عام مقاومة لمضادات حيوية حديثة

عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)
عُثر على البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا برومانيا (أرشيفية - رويترز)

اكتشف علماء أن بكتيريا احتُجزت داخل كهف جليدي لمدة خمسة آلاف عام تُظهر مقاومة لعدة مضادات حيوية حديثة.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، عُثر على هذه البكتيريا في كهف الجليد سكاريسوارا في رومانيا، حيث حفر الباحثون لبّاً جليدياً بعمق 25 متراً يمثل نحو 13 ألف عام من التاريخ المتجمّد.

ونُشرت نتائج البحث في مجلة «Frontiers in Microbiology».

ولمنع التلوّث، حُفِظت عينات الجليد بعناية ونُقلت إلى المختبر، وهي لا تزال متجمّدة. ومن داخل الجليد، عزل العلماء سلالة من البكتيريا تُعرف باسم «Psychrobacter SC65A.3».

وعلى الرغم من أن عمر هذه السلالة يعود إلى آلاف السنين، فقد تبيّن أنها تقاوم عشرة مضادات حيوية تُستخدم على نطاق واسع اليوم لعلاج العدوى الخطيرة.

وشملت هذه الأدوية، حسب الدراسة، ريفامبيسين وفانكوميسين وسيبروفلوكساسين.

وقالت كريستينا بوركاريا، كبيرة العلماء في معهد الأحياء في بوخارست التابع للأكاديمية الرومانية، في بيان صحافي: «المضادات الحيوية العشرة التي رصدنا مقاومة لها تُستخدم على نطاق واسع في العلاجات الفموية والحقنية لمعالجة مجموعة من الالتهابات البكتيرية الخطيرة في الممارسة السريرية».

اختبر الباحثون السلالة القديمة في مواجهة 28 مضاداً حيوياً تنتمي إلى 10 فئات دوائية، وحددوا أكثر من 100 جين مرتبط بمقاومة المضادات الحيوية.

وأضافت بوركاريا: «دراسة ميكروبات مثل Psychrobacter SC65A.3 المستخرجة من ترسّبات كهوف جليدية عمرها آلاف السنين تكشف كيف تطوّرت مقاومة المضادات الحيوية طبيعياً في البيئة، قبل وقت طويل من استخدام المضادات الحيوية الحديثة».

وأشار الباحثون إلى أن النتائج تشير إلى أن مقاومة المضادات الحيوية كانت موجودة في الطبيعة قبل زمن طويل من تطوير الأدوية الحديثة.

كما أظهرت السلالة مقاومة لأدوية تشمل تريميثوبريم وكليندامايسين وميترونيدازول، وهي تُستخدم لعلاج التهابات الرئتين والمسالك البولية والجلد والجهاز التناسلي.

قيود الدراسة

لفت الباحثون إلى أن الدراسة فحصت سلالة بكتيرية واحدة فقط من عينة واحدة في كهف واحد، ولا يوجد دليل على أن هذا الميكروب القديم يُصيب البشر حالياً أو ينتشر بينهم.

كما لفت خبراء إلى أن «Psychrobacter» بكتيريا بيئية لا تملك «حدود مقاومة» سريرية للمضادات الحيوية، وهي أرقام فاصلة واضحة يستخدمها الأطباء لتحديد ما إذا كانت البكتيريا تُعد رسمياً مقاومة لمضاد حيوي معين.

ولأن هذه البكتيريا البيئية لا توجد لها معايير اختبار سريرية معتمدة، فلا يمكن تفسير مقاومتها المقاسة في المختبر بالطريقة نفسها التي يصنّف بها الأطباء الجراثيم الخطيرة المقاومة للمضادات في المستشفيات.