آلاف المدنيين يغادرون الباغوز مع اشتداد المعارك ضد «داعش»

«الشرق الأوسط» ترصد خروجهم إلى مناطق آمنة

نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
TT

آلاف المدنيين يغادرون الباغوز مع اشتداد المعارك ضد «داعش»

نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)
نازحون من الباغوز آخر معاقل «داعش» شرق الفرات (الشرق الأوسط)

بوجوههم المتعبة، وملابسهم المهترئة، وحقائب شبه خاوية وُضّبت على عجل، احتوت على قليل من اللوازم الشخصية وكثير من القهر والحزن والانكسار، يروي سكان قرية الباغوز الواقعة أقصى شرق سوريا أيامهم الأخيرة على وقع اشتداد المعارك العنيفة، المترافقة بقصف الطيران الحربي وسقوط قذائف الهاون والمدفعية.
ذاك النزوح الصعب، حيث لم يتوقع سكان تلك القرية المحاصرة من جهاتها الأربع، «النجاة»، وتمنوا لو أنه كان مجرد كابوس شتوي سيمر عليهم؛ دون أن ينخر البرد عظامهم في الواقع ويجبرهم على المبيت في العراء، ولم يسلم الذين فروا من الباغوز من قسوة الشتاء؛ إذ فتكت كثبان الرمال والرياح الشديدة الممتزجة بغبار الصحراء، بأجسادهم النحيلة وبنيتهم الهزيلة وأطرافهم المشدوّدة من البرد، وكانت بشرتهم الجافة الشاحبة تروي تفاصيل فرارهم من قبضة تنظيم داعش الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تقول فاطمة (45 سنة) المتحدرة من مدينة البوكمال التابعة لمحافظة دير الزور وتقع أقصى شرق سوريا، حيث وصلت للتو إلى نقط آمنة تقع على بعد ثلاثة كيلومترات شمال شرقي الباغوز: «حقيقة كان كابوساً مخيفاً، عندما خرج مئات الناس كان أشبه بيوم الحشر، فالرصاص كان فوق رؤوسنا والطائرات كانت تحلق بالسماء، كان الموت بيننا وفوقنا وبكل مكان».
التفتت حولها لتتفقد بناتها وطفلها الرضيع وجارتها العراقية شيماء، وكانت تبلغ من العمر خمسين عاماً، والتي أوصتها الاهتمام بها طوال رحلة العبور، لتقول: «من يومين ما عرفنا طعم النوم والراحة»، طلبت المياه للشرب ثم رفعت نقابها الأسود ليظهر وجهها الشاحب الممتلئ بالتجاعيد من قسوة الظروف، وعند حديثها اغرورقت عيونها بالدموع، لتضيف: «حرمنا من مياه الشرب لأيام بسبب القتال وخوفنا من قناصة (داعش)».
وفرَ المئات ليل الاثنين - الثلاثاء الماضي من الأمتار الأخيرة المتبقية تحت سيطرة تنظيم داعش، وتواصل: «قوات سوريا الديمقراطية» المرحلة الأخيرة من هجومها الهادف لإنهاء وجود التنظيم.
ونقلت عتاب، وهي سيدة في بداية عقدها الرابع، المتحدرة من مدينة الأنبار العراقية، كيف تمكنت من الفرار رفقة زوجها وأطفالها الخمسة، وقالت: «زوجي يعمل في تجارة المواد الغذائية وقرر المجيء إلى سوريا، افتتح محلاً في بلدة الشعفة، وبعد اندلاع المعارك هناك، نزحنا للباغوز، خفنا نهرب لأن الدواعش قالوا إن الطريق مزروعة بالألغام».
توقفت عن الكلام، نظرت إلى أطفالها وتابعت حديثها بصوت ممزوج بالقهر والحزن لتقول: «خوفي على أطفالي دفعني للهروب، لم أتمكن من اصطحاب أي شيء معنا، حتى ثيابهم التي يحبونها لم أجلبها معي، تركنا كل شيء خلفنا ونجونا بأرواحنا».
وتمكن البعض من الفرار إما سيراً على الأقدام قاصدين المنطقة المحرمة بين سوريا والعراق المجاور، أو نحو الممر الآمن الذي تمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» من فتحه بداية معركة الباغوز المستمرة منذ 9 يناير (كانون الثاني) الماضي.
وقال مصطفى بالي، مسؤول المكتب الإعلامي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، إنهم تمكنوا من فتح ممر آمن لإجلاء المدنيين من الباغوز، والمعبر يقع على بعد 3 كيلومترات شمال شرقي قرية الباغوز بمحاذاة المنطقة المحرمة بين سوريا والعراق، «يومياً هناك مدنيون يعبرون ومنذ فتحه خرج أكثر من 30 ألفاً، لكن اللافت خروج نحو 1500 مدني»، مشيراً إنّ الفارين يتحدثون عن وجود الآلاف من المدنيين محاصرين جراء المعارك المستعرة، وأضاف: «سيؤثر هذا بشكل مباشر على سير المعركة وحسمها، قواتنا ملتزمة أخلاقياً بعزل المدنيين عن الاشتباكات، وتتعاطى بحذر مع هذه المعركة، ونعلم أن (داعش) يحتمي بالمدنيين ويتخذهم دروعاً بشرياً»، على حد تعبير مصطفى بالي. ويقول عبد الجبار، الرجل الأربعيني المتحدر من حلب شمالي سوريا، كيف أجبر على ترك مدينته بداية عام 2014 بعد اشتداد المعارك وانقسامها بين شطر خاضع للقوات الحكومية الموالية للأسد، وآخر تسيطر عليه فصائل الجيش السوري الحر وتنظيمات إسلامية، وقال: «قصدت بلدة هجين وبعد اشتداد المعارك فيها، نزحت إلى الباغوز، أنا أعمل في مجال تصليح الدراجات النارية والهوائية، كنت مطلوباً للنظام وأجبرت على ترك مدينتي».
ويروي عبد الجبار الصور المثقلة التي رافقت فراره من الباغوز والمشي وسط الانفجارات الشديدة، وعن طريق رحلته المحفوفة بالمخاطر يقول: «بالبداية الدواعش أرعبونا، قالوا لنا إن كل الطرق مفخخة والطيران يقصف بشدة، خرج مئات المدنيين وقررنا المسير معهم، وين ما يروحوا نروح معهم، والحمد لله نجونا ولم يصب أحد بأذى».
وكشف مصدر مطلع، أن وجهاء عشائر من أبناء الباغوز وناحية السوسة، عرضوا وساطة بين الطرفين للتوصل إلى هدنة، تفضي بتحييد المدنيين من المعارك العنيفة والإفراج عن جميع الأسرى والمعتقلين لدى «داعش»، إلا أن عناصر التنظيم طلبوا ممراً أمناً لنقل مقاتليه إلى مدينة إدلب غربي سوريا والخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام – جبهة النصر سابقاً – وتعد الفرع السوري لتنظيم القاعدة المحظور.
وبحسب المصدر، كانت طلبات «قوات سوريا الديمقراطية» الإفراج عن كافة الأسرى والرهائن والسماح للمدنيين الراغبين في الخروج بالعبور نحو مناطقهم، وقال: «سيما مقاتليه الذي سقطوا خلال المعارك الأخيرة، وجميع المختطفين والرهائن الذين في قبضة التنظيم ولا يزالون على قيد الحياة، وطلبوا الكشف عن أسمائهم ومصيرهم»، مشيراً إلى أن عناصر التنظيم أصروا على فتح طريق إلى إدلب: «لكن (قسد) رفضت ذلك، وفي الجولة الثانية تنازل التنظيم عن شروطه وطلب الطعام ومياه الشرب فقط، لكن (قسد) أعلنت استئناف القتال وقررت المضي في المعركة».
وقال ياسر (35 سنة) ويعمل سائق سيارة نقل، إن أكثر من 20 سيارة قامت بإجلاء المدنيين.
وقالت ليلوى العبد الله المتحدثة باسم حملة «عاصفة الجزيرة» للقضاء على آخر جيب خاضع لسيطرة التنظيم، إن معركة «دحر الإرهاب» باتت قاب قوسين لحسمها، وأوضحت أن اشتباكات مباشرة تدور بين قواتها وعناصر «داعش» في شوارع الباغوز، وعن المساحة الخاضعة لسيطرة عناصر التنظيم، قالت: «لا توجد مساحة محددة لديه، الاشتباكات تدور في الجهة الشرقية ولا تفصلنا سوى أمتار قليلة»، وكشفت أنّ جنسيات هؤلاء المقاتلين من الأجانب ولديهم خبرة كافية في قتال الشوارع والمناورة لكسب عامل الزمن،. وقال سعدون المتحدر من مدينة القائمة العراقية المواجهة لقرية الباغوز: «هربنا من الحشد الشعبي الشيعي إلى بلدة السوسة، وبعد اشتداد المعارك واقتراب قوات قسد أجبرنا التنظيم تحت قوة السلاح الخروج إلى الباغوز وكانوا يقول لنا إن الكفار سيقتلون الجميع»، وفي نقطة قريبة من خطوط الجبهة تبعد نحو 3 كيلومترات شمال الباغوز، قال عمر المكنى بـ«أبو زهرة»، وهو قيادي عسكري ميداني من «قوات سوريا الديمقراطية» إنّ الهجوم المضاد مستمر منذ إعلان استئناف الحملة السبت الماضي، «تدور اشتباكات عنيفة شرقي الباغوز ونحن حالياً نتقدم لتمشيط آخر الأمتار الخاضعة لسيطرتهم»، مشيراً إلى أن أقل من ربع القرية لا تزال تحت سيطرة المتشددين، لافتاً: «يصدون الهجمات بالقناصة وعبر التنقل بين الأنفاق التي حفروها، كما عمدوا إلى زرع الألغام والمفخخات والتي تبطئ من حسم المعركة».
وتستغرق رحلة العبور من قرية الباغوز حتى مخيم الهول التابع لمدينة الحسكة أكثر من 48 ساعة، بسبب إجراءات التفتيش والتدقيق في هويات الأشخاص الفارين خشية من تسلّل المقاتلين المتطرفين بين المدنيين.
وفي نقطة بالجانب الحدودي السوري، تبعد أمتار قليلة عن ساتر ترابي بالمنطقة الفاصلة بين سوريا والعراق المجاور، يقف مجموعة من الجنود الأميركيين ومسؤولين من قوات التحالف الدولي وقادة عسكريين من «قوات سوريا الديمقراطية»، يبدو أنها نقطة تفتيش.



مصر تحذر من خطورة اتساع العمليات العسكرية بالمنطقة وتدعو لـ«التهدئة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تحذر من خطورة اتساع العمليات العسكرية بالمنطقة وتدعو لـ«التهدئة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

حذرت مصر من خطورة اتساع دائرة العمليات العسكرية، مما يضع أمن واستقرار المنطقة بأسرها أمام تحديات جسيمة، ودعت إلى تغليب مسارات التهدئة، والدبلوماسية، لمنع انجراف الإقليم نحو مواجهات أوسع.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين بالمملكة الأردنية أيمن الصفدي، ووزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

وبحسب بيان صادر عن الخارجية المصرية، الأربعاء، فإن الاتصالات «تأتي في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها مصر لخفض التصعيد، والدفع بالتهدئة في المنطقة مع الأطراف الإقليمية المختلفة».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، إن الوزير أكد في اتصالاته على «ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، والاحتكام للحوار، والدبلوماسية، لاحتواء الموقف المتصاعد، وعدم اتساع رقعة الصراع»، محذراً من خطورة اتساع دائرة العمليات العسكرية.

وطالب عبد العاطي بضرورة الدفع نحو تغليب مسارات التهدئة، والدبلوماسية، والحوار، للحيلولة دون انجراف الإقليم نحو مواجهات أوسع، مشدداً على إدانة «الاعتداءات على أمن وسيادة دول شقيقة وصديقة»، وعلى أنه لا يوجد أي مبرر أو ذريعة لهذه الاعتداءات.

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، إن هذه الاتصالات تأتي في سياق «مساعٍ حميدة» يبذلها عدد من دول المنطقة بشأن وقف التصعيد تمهيداً لوقف القتال، والعودة إلى المفاوضات، مشيراً إلى أن الاتصالات «لا ترقى إلى مستوى الوساطة بعد، لكن القلق من أن يتحول الصراع القائم إلى حرب إقليمية ممتدة يفسر تكثيف الاتصالات».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تخشى من تداعيات أكثر سلبية على إمدادات الطاقة، وتأثيراتها على دول المنطقة، إلى جانب التأثيرات السلبية على لبنان الذي شهد تصعيداً خلال الأيام الماضية؛ مشيراً إلى أن الاتصالات مع الجانب الإيراني يجب أن توازيها أيضاً اتصالات مماثلة مع الجانب الأميركي.

وبحسب بيان صادر عن الخارجية المصرية، فإن الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي ونظيره الروسي لافروف يأتي في «إطار التشاور، والتنسيق المستمر بين البلدين إزاء التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد، والدفع نحو التهدئة».

وشدد الوزير المصري خلال الاتصال على ضرورة «العمل بشكل عاجل للحيلولة دون انزلاق الإقليم نحو مواجهات أوسع قد تنعكس تداعياتها السلبية على أمن واستقرار المنطقة بأسرها».

وكان مصدر مصري قد أكد في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة لم توقف اتصالاتها بأطراف الأزمة العسكرية الحالية، والأطراف ذات الصلة القادرة على معالجة هذه الأزمة.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن الاتصالات ما زالت جارية مع إيران رغم المعارك، وأن معظم الجهود المصرية تركز على فكرة الوصول إلى مائدة التفاوض، وإيقاف التصعيد، وعدم توجيه ضربات للدول العربية، باعتبار أن هذا الأمر ستكون له انعكاسات سلبية على مستقبل العلاقات بين الجانبين».


العراق: غارة جوية تستهدف معسكراً لـ«الحشد الشعبي» في قضاء الصويرة

أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق: غارة جوية تستهدف معسكراً لـ«الحشد الشعبي» في قضاء الصويرة

أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية يُشرف على برج دفاعي أثناء حراسته لجنازة أحد عناصر الحشد الشعبي العراقي في بغداد (أ.ف.ب)

أفادت مصادر أمنية اليوم (الأربعاء) بوقوع غارة جوية كانت تستهدف معسكراً لقوات الحشد الشعبي العراقية في قضاء الصويرة على بعد 60 كيلومتراً جنوب بغداد، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وهيئة الحشد الشعبي هي تحالف فصائل تأسس في عام 2014 لمحاربة تنظيم «داعش»، قبل أن ينضوي رسمياً ضمن المؤسسة العسكرية العراقية، وبات يتبع للقوات المسلحة.

ويضم الحشد في صفوفه أيضاً ألوية تابعة لفصائل مقاتلة موالية لإيران. وتتحرك تلك الفصائل في شكل مستقل، وتنضوي أيضاً ضمن ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق»، والتي استهدفت مراراً قوات أميركية في العراق والمنطقة.

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تبنَّت «المقاومة الإسلامية في العراق» تنفيذ هجمات بالمسيَّرات والصواريخ على «قواعد العدو» في العراق والمنطقة، من دون تحديد طبيعة أهدافها، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

تمديد ولاية المؤسسات الصومالية وتأجيل الانتخابات... انقسام جديد بلا أفق حل

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي مجلس المستقبل للمشاركة في جلسات التشاور التي نظمتها الحكومة الفيدرالية (وكالة الأنباء الصومالية)

أثارت تعديلات الدستور الصومالي، بعد اعتمادها رسمياً في الرابع من مارس (آذار)، خلافات سياسية بين الحكومة التي قالت إن ذلك يترتب عليه مد عمل مؤسسات البلاد عاماً ما يعني تأجيل انتخابات 2026، والمعارضة التي ترفض إقرار الدستور على هذا النحو.

ذلك المشهد الذي ترى المعارضة الصومالية أنه يحمل «نذر اضطرابات سياسية وأمنية بالبلاد» المثقلة بهجمات «حركة الشباب» المتشددة، يعتقد خبراء في الشأن الأفريقي أنه يقود لانقسام سياسي عميق بلا أفق حل في المدى القريب.

وحذر ائتلاف المعارضة الصومالية المعروف باسم «مجلس مستقبل الصومال»، الاثنين، من أي «محاولة لتمديد ولاية مؤسسات الحكومة الفيدرالية في ظل التعديلات الأخيرة التي أُدخلت على الدستور الفيدرالي وجعلت مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات».

وقال المجلس المعارض في بيان إن مدة ولاية البرلمان الفيدرالي، وفق الدستور المؤقت لعام 2012، تنتهي في 14 أبريل (نيسان) 2026 فيما تنتهي ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو (أيار) من العام نفسه، مضيفاً أنه يرفض «بشكل واضح وصريح أي محاولة لتمديد فترة الولاية بعد المواعيد المحددة في الدستور المؤقت لعام 2012».

ولفت إلى أن الصومال «سبق أن شهد تداعيات سلبية نتيجة محاولات تمديد الولاية»، مشيراً إلى الأزمة السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021، عندما أدى مقترح لتمديد ولاية المؤسسات إلى مواجهات مسلحة بين فصائل من قوات الأمن في شوارع العاصمة مقديشو.

وأكد المجلس أن تلك التجربة تمثل تحذيراً واضحاً من العودة إلى مسار قد يقود إلى اضطرابات سياسية وأمنية جديدة في البلاد.

وكان رئيس مجلس النواب، آدم محمد نور مدوبي، قد أعلن عقب إقرار الدستور قبل نحو أسبوع تمديد ولاية المؤسسات الدستورية لمدة عام بموجب الدستور الجديد المعتمد يوم الأربعاء الماضي.

وأوضح أن جميع المؤسسات الدستورية ستعمل وفق الدستور المعدل الذي وقّعه الرئيس، وينص على أن تكون مدة ولاية الرئيس والبرلمان خمس سنوات بدلاً من أربع.

وقال الخبير في الشؤون الأفريقية ومدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، عبد الله أحمد إبراهيم، إنه رغم عدم صدور قرار رسمي من الرئاسة، فإن إعلان رئيس البرلمان تمديد فترة الرئاسة والبرلمان على حسب الدستور الذي تم إقراره يُعد تأكيداً رسمياً، معتقداً أن الخلافات الحالية ستثير «انقساماً وتباعداً أكبر بين الحكومة والمعارضة».

ويشير الخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، إلى أن الدستور الجديد يتضمن تعديلات جوهرية في بنية النظام السياسي في البلاد، مثل تعزيز صلاحيات الحكومة الفيدرالية المركزية على حساب بعض الصلاحيات التي كانت تتمتع بها الولايات الفيدرالية، وتقليص أو إلغاء بعض السلطات التي كانت بأيدي حكومات الولايات، إضافة إلى تمديد مدة الولاية الدستورية لكل من رئيس الجمهورية والبرلمان من أربع إلى خمس سنوات.

ونبه إلى أن «هذه التعديلات تمثل تحولاً مهماً في شكل العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات، كما تعكس توجهاً نحو مركزية أكبر في إدارة الدولة، وهو ما يكشف سبب الخلافات».

وفي حال استمرار هذا الخلاف السياسي من دون التوصل إلى تسوية، فإن ذلك قد ينعكس سلباً على العملية السياسية في البلاد، ومن أبرز السيناريوهات المحتملة أن تجد حكومة الرئيس حسن شيخ محمود مبرراً لتمديد ولايتها، وهو ما تخشاه قوى المعارضة، بحسب كلني، الذي لم يستبعد احتمال انقسام المعارضة نفسها مع مرور الوقت نتيجة طول أمد الأزمة.

وعقب إقرار الدستور، خاطب الرئيس الصومالي السياسيين المعارضين الذين أعربوا عن مخاوفهم من آلية مراجعة الدستور، داعياً إياهم إلى احترام النتائج والحفاظ على الدستور الجديد، مؤكداً أن أي تعديلات مستقبلية ستتم من خلال الإجراءات الدستورية المعتمدة.

وشدد شيخ محمود على حل أي نزاعات سياسية مستقبلية وفقاً للأطر الدستورية، بدلاً من اللجوء إلى اتفاقات سياسية خارج الدستور، مؤكداً أن الدستور هو اتفاق اجتماعي يحدد صلاحيات السياسيين ويضع قواعد إدارة الدولة.

وفي ضوء تمسك الحكومة والمعارضة بموقفيهما، لا يرى إبراهيم، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا»، بوادر أي تحرك دبلوماسي أو مبادرة لحل المشكلة، خاصة أن المعارضة هددت بالاجتماع في غاروى عاصمة بونتلاند في 10 أبريل، وهو موعد انتهاء عمل المؤسسات، للمشاورة واحتمال إجراء انتخابات موازية وتشكيل حكومة موازية.

في حين يرى كلني أن الحل الأكثر واقعية للأزمة يتمثل في التزام الحكومة الحالية بإنهاء ولايتها الدستورية في مايو القادم، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات في موعدها المحدد دون تأجيل، وإرجاء تطبيق الدستور الجديد إلى عهد الحكومة القادمة التي ستنبثق عن الانتخابات.

ومن دون ذلك، فهناك احتمال حدوث اضطرابات أمنية وسياسية إذا تم اللجوء إلى التمديد أو استخدام القوة لقمع المعارضة، وفق تقديرات كلني.