تقنيات مطورة لتمديد عمر الإنجاب للمرأة في الغرب

«علوم ما بعد الإنسانية» وسيلة للتحرر من قيود الساعة البيولوجية

تقنيات مطورة لتمديد عمر الإنجاب للمرأة في الغرب
TT

تقنيات مطورة لتمديد عمر الإنجاب للمرأة في الغرب

تقنيات مطورة لتمديد عمر الإنجاب للمرأة في الغرب

تقود ساعة المرأة البيولوجية التكاثر البشري، فتتحكم بالتالي في تاريخ البشرية. ويجمع العلماء على أن فترة الخصوبة الطبيعية لدى المرأة تمتد بين عامي 18 و35 من العمر، وتتعاظم بعدها مخاطر الإجهاض، وعدم حدوث الحمل، وإنجاب أطفال غير أصحاء. واليوم، ومع وصول متوسط عمر المرأة في العالم الغربي إلى 80 عاماً، فإن هذا يعني أن فرص الإنجاب الآمن متوفرة في فترة لا تتعدى 25 في المائة من حياتها.
أما الرجال، فيملكون حظاً أوفر في هذا المجال، حيث إنهم يظلون قادرين على ذلك حتى مماتهم مع بعض التداعيات الصحية التي قد تطرأ (لهذا السبب نرى أن رجلاً بعمر الرئيس الأميركي دونالد ترمب (72 عاماً) لديه اليوم ابن في الثانية عشرة من عمره). في المقابل، تملك المرأة العادية ما بين 300 و400 بويضة، مما يعني أنها تشهد العدد نفسه من الدورات الشهرية التي تتيح لها تحقيق حلمها بالإنجاب.

جينات وخلايا معدلة
ولكن هذا الحادث البيولوجي غير المنصف على وشك أن يتغير بفضل علوم ما بعد الإنسانية؛ إذ من المتوقع أن يساهم التعديل الجيني مجتمعاً مع تقنية الخلايا الجذعية، في منح فرصة للإنجاب السليم والآمن لامرأة في الخمسين من عمرها بحلول عام 2028. بمعنى آخر، وفي غضون عقدين من الزمن، قد تصبح المرأة في الخامسة والسبعين من عمرها قادرة على البدء بتكوين عائلة.
لتحقيق هذا الهدف، يعمل العلماء على تحويل الخلايا الجلدية إلى خلايا جذعية، أي الخلايا التي تستطيع التحول إلى أنواع أخرى من الخلايا. ثم، يمكنهم بعدها تحويل الخلايا الجذعية هذه إلى بويضات نسائية. قد تتيح هذه التقنية للنساء امتلاك عشرات آلاف البويضات بدل 300 أو 500 بويضة.
هذا الإنجاز بكامله يعود إلى عود قطني ممسوح على الجهة الداخلية من الخد.
ويمكن مزج هذه البويضات المصنوعة من خلايا جذعية متحولة مع السائل المنوي لتكوين أجنة حية، يعاد زرعها في الرحم لاحقاً. هذه العملية، التي تمت تجربتها حقاً على الفئران، أصبحت تعرف باسم «تكوين الأمشاج المخبري» أو «IVG) in vitro gametogenesis)» وهي الخطوة الأولى في التكاثر الجنسي.
ولكن إن كنتم ترون في تحويل الخلايا الجلدية إلى بويضات مسألة مثيرة للجدل، فإليكم المفاجأة: الخلايا الجلدية يمكن أيضاً تحويلها إلى حيوانات منوية. بهذه الطريقة، قد يصبح الإنسان قريباً قادراً على الإنجاب بمفرده دون الحاجة إلى شريك. هذا الأمر قد يؤدي في النهاية إلى مجتمع تفقد فيه العلاقات؛ جنسية كانت أم عاطفية، دورها المهم في استمرار البشرية.

أطفال الأنابيب
إن عملية «تكوين الأمشاج المخبرية» لن تلغي أهمية الإنجاب الطبيعي فحسب، بل ستشجع أولئك الذين يستخدمونها على تبني مبدأ «أطفال الأنابيب» وتقنيات التعديل الجيني. ففي حال نجحنا في إنتاج حملٍ في المختبر، فلمَ لا نعمل على السيطرة على فرضيات أخرى أثناء العمل عليه؟ إن تقنية «تكوين الأمشاج المخبرية» ستتيح لنا فرصة رصد الأمراض التي قد تصيب الأجنة، لاختيار أكثرهم صحة.
في أواخر العام الماضي، ادّعى عالم جينات صيني أنه استخدم تقنيات التعديل الجيني «CRISPR» أو ما يعرف بـ«التعديل الجيني ذي التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد»، للتلاعب بالمواصفات الجينية لطفلين. تعرض هذا العالم لموجات إدانة واسعة، ولكن أعماله كانت البداية فحسب لعصر سينجب فيه البشر أطفالا خاضعين للتصميم. ففي الوقت الذي نستطيع فيه اليوم اختيار مواصفات تحددها جينات معينة، مثل لون العينين أو نوع الشعر، بالإضافة إلى القضاء على احتمال الإصابة ببعض الأمراض، يأمل كثير من علماء «ما بعد الإنسانية» في المستقبل، النجاح في تكوين أطفال بمعدل ذكاء أعلى وأجسام أقوى وميول نفسية أفضل ربما، كالوفاء والطيبة مثلاً.

تعطيل الساعة البيولوجية
ولكن ماذا تعني هذه التقنية الجديدة بالنسبة للنساء؟ إنها لا تعني أن النساء سيتمكنّ من الانتظار فترة أطول للإنجاب فحسب، بل أيضاً إن تحسن تقنيات الإنجاب والعناية الطبية، سيمكنهن من الانتظار لعقود قبل الإنجاب لحمل أكثر أماناً وليس خطراً.
أعتقد أن هذه الظاهرة التي أسميها «فضل الخصوبة المتأخرة» ستغير مشهد الرومانسية والعلاقات العاطفية، والحياة المهنية بالنسبة للرجال والنساء من خلال إضعاف تأثير الساعة البيولوجية.
تبدو بعض فوائد تأخير الإنجاب واضحة، وأهمها الفرص التي يتيحها لحياة المرأة المهنية؛ فمن دون سطوة الساعة البيولوجية، ستكون النساء قادرات على التركيز بشكل كامل على حياتهن المهنية دون الخوف من فكرة خسارة فرص الأمومة. هذا الأمر قد يشكل أيضاً خطوة إضافية نحو تحقيق المساواة في الدخل، على اعتبار أن مسائل إجازة الأمومة لم تعد خاضعة لسيطرة القوى الرأسمالية.
ولكن هذه التقنيات لا تخلو من المخاطر أيضاً. فمن أهم المسائل الشائكة التي تحيط بعلم الخصوبة، هي ما إذا كان سيصبح متوفراً للجميع أم لا؛ إذ إن غياب المساواة المتنامي في جميع أنحاء العالم ستكون له تأثيرات رهيبة على الإنسانية في حال كانت فوائد الإنجاب المتأخر وتقنيات التعديل الجيني محصورة في الأغنياء فحسب.
ومن المشكلات الأخرى التي قد تحيط بالحمل المتأخر لدى النساء الصعوبة والتعب اللذان يحيطان بعملية الولادة، والتي ستكون دون شك أصعب على أجساد النساء الأكبر سناً. ورداً على هذه المخاوف، توقع خبراء «علوم ما بعد الإنسانية» أن حل هذه المسألة سيكون في انتشار الأرحام الصناعية خلال السنوات العشرين المقبلة، الأمر الذي قد يساهم أيضاً في انتفاء الحاجة إلى الأرحام الطبيعية.
وقد بدأ العلماء فعلاً اختبار هذه الفكرة؛ فدعماً لتقنية تطوير الأجنة في بيئة صناعية أو ما يعرف بالـ«إيكتوجينيسيس» (دراسة الإنجاب الصناعي)، نجح باحثون قبل 18 شهراً في استخدام أرحام صناعية للحفاظ على حياة عدد من أجنة الخواريف، لمدة تقارب العام. ويرتكز الهدف الحالي لمجال إحياء الأجنة في محيط صناعي، على الحفاظ على حياة أجنة بشر ولدوا في الأسبوع 23 أو 24 واستمرار نموهم. وأخيراً، ستؤدي هذه التطورات إلى عصر يولد فيه الأطفال دون الحاجة إلى رحم الأم على الإطلاق.
إنه لمستقبل جدلي دون شك. ولكنه أيضاً مستقبل لن يخاف فيه الناس، وتحديداً النساء، من ساعتهم البيولوجية وقرب موتها، لأن العلم سيمنح الناس ساعة جديدة لا نهاية لصلاحيتها.
- «كوارتز» - خدمات
«تريبيون ميديا»

مفهوم «ما بعد الإنسانية»
لندن: «الشرق الأوسط»
- «ما بعد الإنسانية Transhumanism»، وفقا لموسوعة «ويكيبيديا»، هي حركة فكرية ودولية تدعم استخدام العلوم والتكنولوجيا الجدية لتعزيز القدرة الإنسانية العقلية والفيزيائية وقدرة تحمل الإنسان وحتى إلغاء ما يعدّ غير مرغوب في معظم الأحيان مثل الغباء، والمعاناة، والمرض، والشيخوخة... وأخيرا التخلص من الموت.



روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة
TT

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم نصائح طبية مضللة

كشفت دراسة جديدة أن روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدِّم للمستخدمين نصائح طبية خاطئة في نحو نصف الحالات، ما يسلط الضوء على المخاطر الصحية لهذه التقنية التي باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

تقييم 5 نماذج ذكية

وأجرى باحثون من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة تقييماً لـ5 منصات شائعة: «تشات جي بي تي»، و«جيميناي»، و«ميتا إيه آي»، و«غروك»، و«ديب سيك» من خلال طرح 10 أسئلة على كل منها، ضمن 5 فئات صحية.

نصف الإجابات خاطئة

ووفقاً للنتائج المنشورة هذا الأسبوع في المجلة الطبية «BMJ Open»، اعتُبر نحو 50 في المائة من إجمالي الإجابات خاطئاً، بما في ذلك ما يقرب من 20 في المائة كانت إجابات خاطئة للغاية، وفقاً لتقرير نشرته وكالة «بلومبرغ».

وأظهرت الدراسة أن أداء روبوتات الدردشة كان أفضل نسبياً في الإجابة عن الأسئلة المغلقة، والأسئلة المتعلقة باللقاحات والسرطان، بينما كان أداؤها أسوأ في الإجابة عن الأسئلة المفتوحة وفي مجالات مثل الخلايا الجذعية والتغذية.

إجابات بثقة... من دون مراجع

أفاد الباحثون بأن الإجابات كانت تُقدَّم غالباً بثقة ويقين، مع أن أياً من برامج الدردشة الآلية لم يُقدِّم قائمة مراجع كاملة ودقيقة استجابةً لأي سؤال. ولم يُسجَّل سوى رفضين للإجابة عن سؤال، وكلاهما من نموذج «ميتا».

افتقار النماذج للخبرة الطبية

تُسلِّط هذه النتائج الضوء على القلق المتزايد بشأن كيفية استخدام الناس لمنصات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي لا تملك ترخيصاً لتقديم المشورة الطبية، وتفتقر إلى الخبرة السريرية اللازمة للتشخيص.

200 مليون يستشيرون «الطبيب جي بي تي» أسبوعياً

وقد أدى النمو الهائل لبرامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي إلى تحويلها لأداة شائعة للأشخاص الذين يبحثون عن إرشادات بشأن أمراضهم. وصرَّحت شركة «أوبن إيه آي» بأن أكثر من 200 مليون شخص يطرحون أسئلة حول الصحة والعافية على منصة «تشات جي بي تي» أسبوعياً.

وكانت المنصة قد أعلنت في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أدوات صحية لكل من المستخدمين العاديين والأطباء. وفي الشهر نفسه أعلنت شركة «أنثروبيك» عن إطلاق منتجها «كلاود» كخدمة جديدة للرعاية الصحية.

تضخيم المعلومات المضللة

وأشار مؤلفو الدراسة إلى أن أحد المخاطر الرئيسية لنشر برامج الدردشة الآلية دون توعية عامة ورقابة، هو أنها قد تُضخِّم المعلومات المضللة. وكتب الباحثون أن النتائج «تُسلِّط الضوء على قيود سلوكية مهمة، وعلى ضرورة إعادة تقييم كيفية استخدام روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في التواصل الصحي والطبي الموجَّه للجمهور». وأضافوا أن هذه الأنظمة قد تُنتج «ردوداً تبدو موثوقة، ولكنها قد تكون معيبة».


حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب
TT

حين يقترح الذكاء الاصطناعي الدواء… مَن يقرر فعلاً؟

بين الشاشة والطبيب
بين الشاشة والطبيب

في الطب، لم يكن القرار يوماً مجرد اختيار بين خيارات متاحة، بل لحظة مسؤولية معقدة، يقف فيها الطبيب بين ما تقوله البيانات وما يعيشه الإنسان. فالتشخيص قد يكون علماً، لكن القرار ظل دائماً فعلاً إنسانياً يقوم على مزيج من الخبرة والحدس والقدرة على قراءة ما بين السطور.

عندما يصبح القرار احتمالاً

وفي الطب النفسي تحديداً، يزداد هذا التعقيد. فالمريض ليس رقماً ولا عضواً يمكن قياسه، بل تجربة إنسانية كاملة: مشاعر، ذاكرة، وعلاقات. لذلك؛ كان اختيار الدواء أقرب إلى محاولة فهم... لا إلى تطبيق معادلة.

لكن هذا التوازن بدأ يتغير مع دخول الذكاء الاصطناعي التنبؤي، حيث لم يعد القرار يبدأ من الفهم فقط، بل من الاحتمال.

الدواء تحت مجهر الخوارزمية

من«أي دواء أختار؟» إلى «ما احتمال النجاح؟»

في دراسة حديثة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «جاما للطب النفسي» (JAMA Psychiatry)، حلّل باحثون بيانات أكثر من 300 ألف مريض لتقدير احتمالية الاستجابة لمضادات الاكتئاب من نوع مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وأظهرت النتائج أن النماذج التنبؤية بلغت دقة تقارب 74 في المائة، مقارنة بما يقابل نحو 48 في المائة في الممارسة التقليدية.

لكن الأهم من الأرقام هو ما تعكسه من تحول في طريقة التفكير الطبي. فبدلاً من أن يبدأ الطبيب من خبرته ليختار الدواء، يبدأ الآن من تقدير احتمالي مسبق يوجه القرار منذ البداية... وهنا لا تتغير الإجابة فقط... بل يتغير السؤال نفسه.

مثال من العيادة... حيث يبدأ التردد

في عيادة نفسية، يحضر مريض يعاني اكتئاباً متوسطاً. في النموذج التقليدي، يختار الطبيب الدواء بناءً على خبرته، ثم يراقب الاستجابة ويعدّل العلاج عند الحاجة.

أما مع الذكاء الاصطناعي، فيمكن إدخال بيانات المريض للحصول على تقدير لاحتمال نجاح كل خيار. قد يشير النظام إلى أن دواءً معيناً يملك فرصة نجاح أعلى بنسبة 68 في المائة. في هذه اللحظة، لا يختفي دور الطبيب... لكنه يتغير.

ويظهر سؤال جديد: هل يتبع خبرته... أم الاحتمال؟

هل أصبح القرار حسابياً؟

رغم دقة هذه النماذج، فإنها لا «تفهم» المريض كإنسان، بل تحلل أنماطاً إحصائية مستخلصة من بيانات واسعة. فهي لا تدرك التاريخ النفسي أو السياق الاجتماعي أو التعقيد الشخصي للحالة. وما تقدمه هذه الأنظمة ليس قراراً، بل هو احتمال مبني على تشابه الحالات. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الخيار أكثر احتمالاً للنجاح... ليكون الخيار الأنسب؟

تعاون طبي بعقل واحد

بين الدقة والإقناع

كلما ازدادت دقة الخوارزميات، ازدادت قدرتها على إقناع الطبيب بنتائجها. لكن هذا الإقناع قد لا يعكس الحقيقة دائماً، بل قوة العرض الرقمي. ففي بيئة تعتمد على السرعة والكفاءة، قد يميل الطبيب إلى الوثوق بالنتيجة، لا لأنه تحقق من دقتها، بل لأنها تبدو منظمة وواثقة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تخطئ الأنظمة... بل في أن تُقنعنا بأنها لا تخطئ.

الطب النفسي الشخصي... إلى أي مدى؟

تقود هذه التطورات إلى ما يُعرف بـ«الطب النفسي الشخصي»، الذي يسعى لتخصيص العلاج وفق خصائص كل مريض. لكن الاكتئاب ليس مجرد خلل كيميائي، بل حالة معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، مثل التجارب الحياتية والعلاقات والضغوط اليومية - وهي عناصر يصعب قياسها بالكامل. لذلك؛ تظل النماذج التنبؤية محدودة بقدرتها على تمثيل هذا التعقيد الإنساني.

ما الذي يتغير فعلاً؟

التغيير الأهم ليس في دقة اختيار الدواء، بل في دور الطبيب. فلم يعد الطبيب المصدر الوحيد للقرار، بل أصبح مفسراً لتوصيات خوارزمية، ومقيّماً لمدى توافقها مع واقع المريض. وهذا يعيد تعريف دوره: من صانع قرار مباشر... إلى حارس للمعنى الإنساني داخل القرار. لكن هذا التحول يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: من يتحمل المسؤولية؟ الطبيب... أم النظام؟

الخلاصة: القرار ليس رقماً

قد تساعد الخوارزميات في توجيه القرار، لكنها لا تتحمل مسؤوليته. فالطب لم يكن يوماً مجرد اختيار الخيار الأكثر احتمالاً، بل كان دائماً تحملاً لنتائج هذا الاختيار في سياق إنساني معقد. ولهذا؛ قد لا يكون السؤال:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار الدواء؟ بل: هل يمكن اختزال القرار الطبي... في رقم؟


مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
TT

مرض وهمي ابتدعه العلماء... ينشر الذكاء الاصطناعي دراساته

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لحالة مرض «بيكسونيمانيا» الوهمي

ابتكر العلماء مرضاً وهمياً زعموا أنه ينتج من تأثيرات الضوء الأزرق – وهم يرصدون اليوم مدى انتشار الأخبار عنه في الأبحاث الطبية، كما كتبت لوسيا أورباخ (*).

حيلة علمية

انطلت حيلة مرض غير موجود على نظم الذكاء الاصطناعي، وانتشرت أخباره على أنه حقيقة طبية. ويشرح الباحثون الذين ابتدعوه كيف حدث ذلك، ولماذا يكشف فعلاً عن ثغرة خطيرة في النماذج الذكية الحالية.

مرض «بيكسونيمانيا»

سميت الحالة المبتدعة بمصطلح «بيكسونيمانيا» bixonimania، ووصفت بأنها حالة شائعة، ربما تعانيها إذا كنت تعاني احمراراً وتهيجاً في العينين نتيجة التعرض المفرط للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات. لكن إليك معلومة طريفة: «بيكسونيمانيا» ليست مرضاً حقيقياً.

اختبار تفسيرات الذكاء الاصطناعي

ابتداءً من مطلع عام 2024، بدأ العلماء بنشر دراسات زائفة على الإنترنت حول هذا المرض الوهمي، بهدف اختبار كيفية تفسير الذكاء الاصطناعي لهذه المعلومات المضللة، وما إذا كان سينشرها على أنها نصائح صحية موثوقة.

قادت ألميرا عثمانوفيتش ثونستروم، الباحثة الطبية في جامعة غوتنبرغ بالسويد، هذه التجربة، إذ قامت هي وفريقها بابتكار حالة جلدية وهمية، ثم قام الفريق بتحميل دراستين وهميتين عنها إلى خادم ما قبل النشر في أوائل عام 2024.

وقالت أوسمانوفيتش ثونستروم: «أردتُ أن أرى ما إذا كان بإمكاني ابتكار حالة طبية غير موجودة في قاعدة البيانات».

وقد نجحت التجربة، ففي غضون أسابيع، بدأت كبرى شركات الأدوية في تقديم هذه الحالة بصفته تشخيصاً لمن يبحثون عن أعراضهم.

* نموذج «مايكروسوفت كوبايلوت» ذكر أن «هوس الانعكاسات» ليس تشخيصاً طبياً معترفاً به على نطاق واسع حتى الآن، ولكن الكثير من الأبحاث والتقارير الحديثة تناقشه بوصفه حالة حميدة يتم تشخيصها بشكل خاطئ، وترتبط بالتعرض المطول لمصادر الضوء الأزرق مثل الشاشات.

* نموذج «تشات جي بي تي» ذكر أن «هوس الانعكاسات» هو نوع فرعي جديد مقترح من التصبغ حول العينين (الهالات السوداء حول العينين) يُعتقد أنه مرتبط بالتعرض للضوء الأزرق المنبعث من الشاشات الرقمية.

أخبار مقلقة

ونشر الكاتب كريس ستوكل-ووكر تقريراً عن هذا التزييف في مجلة «نتشر». وفي مقابلة له علل متحدث باسم «أوبن إيه آي» هذا بالقول إن «النماذج التي تُشغّل الإصدار الحالي من (تشات جي بي تي) مثل (جي بي تي-5) أفضل الآن بكثير من النماذج السابقة، في توفير معلومات طبية آمنة ودقيقة».

والمشكلة الأكثر إثارة للقلق هي أن هذه الأبحاث المزيفة قد استُشهد بها الآن في أدبيات علمية مُحكّمة. وقد أخبرت أوسمانوفيتش ثونستروم ستوكل-ووكر أن هذا يُشير إلى أن الباحثين كانوا «يعتمدون على مراجع مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي دون قراءة الأبحاث الأصلية».

كيف نجحت هذه الخدعة؟

أطلقت أوسمانوفيتش ثونستروم على الحالة اسم «بيكسونيمانيا»، وقالت إن الاسم «يبدو سخيفاً... لأني أردت أن أوضح تماماً لأي طبيب أو أي فرد من الطاقم الطبي أن هذه حالة مُختلقة؛ لأنه لا يُمكن تسمية أي حالة عين، بالهوس mania - فهذا مصطلح نفسي».

إشارات خفية وصريحة لجمهور القراء

كما وُضعت عشرات الإشارات الخفية التي تُشير إلى أن الحالة مُختلقة، مثل أن الباحث الرئيسي، لازليف إزغوبليينوفيتش- وهو اسم مستعار- يعمل في جامعة وهمية تُدعى جامعة أستيريا هورايزون، في مدينة وهمية تُدعى نوفا سيتي، في كاليفورنيا.

وتوجهت الدراسة بالشكر، وهمياً، إلى «الأستاذة ماريا بوم من أكاديمية ستار فليت على لطفها وكرمها في المساهمة بمعرفتها ومختبرها على متن سفينة (يو إس إس إنتربرايز)». وذكرت أن التمويل جاء من «مؤسسة البروفسور سايدشو بوب لعملها في مجال الخدع المتقدمة».

لكن، حتى ولو لم يصل القراء إلى هذه الفقرة، فإنهم كانوا سيكتشفون زيف كل الحالة من خلال التصريحات الصريحة في المقدمة، مثل «هذه الدراسة بأكملها من نسج الخيال» و«تم اختيار خمسين شخصاً وهمياً تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عاماً لمجموعة الدراسة».

ما هي تداعيات مشروع بيكسونيمانيا؟

منذ نشر مقال ستوكل-ووكر في 7 أبريل (نيسان) 2026، بدأت الكثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي في إنتاج مخرجات مصححة. سابقاً، كانت مختبرات التعلم الآلي تعتمد على أربعة مصادر رئيسية للمعلومات: منشوران على مدونة Medium بتاريخ 15 مارس (آذار) 2024، وورقتان بحثيتان منشورتان مسبقاً على SciProfiles بتاريخ 26 أبريل و6 مايو (أيار) من العام نفسه.

تأثير متواصل

لكن تأثير التجربة لا يزال قائماً. إذ لم تُجرَ هذه الدراسة لمجرد المزاح. كان هدف عثمانوفيتش ثونستروم هو تحديد مشكلة جوهرية خطيرة في اعتماد المجتمع المتزايد على الذكاء الاصطناعي.

يقول أليكس رواني، باحث دكتوراه في المعلومات الصحية المضللة في «يونيفرسيتي كوليدج لندن»: «إذا كانت العملية العلمية نفسها والأنظمة الداعمة لها ماهرة، ولا تستطيع رصد وتصفية أجزاء كهذه، فنحن محكوم علينا بالفشل. هذه دورة متقدمة في كيفية عمل المعلومات المضللة والمغلوطة».

ذكاء اصطناعي بوتيرة سريعة

تتطور تقنية الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة للغاية؛ ما يُعجِز الباحثين عن وضع ضمانات وبروتوكولات اختبار فعّالة. يقول محمود عمر، الطبيب والباحث المتخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، ماساتشوستس، إن سرعة طرح النماذج الجديدة في السوق تجعل من الصعب التوصل إلى «إجماع أو منهجية لاختبار كل نموذج تلقائياً». عثمانوفيتش ثونستروم ليست أول من أشار إلى ذلك.

معلومات علمية مزيفة

لم تكن عثمانوفيتش ثونستروم أول من اختبر ما يمكن أن ينتجه الذكاء الاصطناعي من تغذية معلومات أكاديمية زائفة. فقد صرّحت إليزابيث بيك، عالمة الأحياء الدقيقة الهولندية ومستشارة النزاهة العلمية، بأن باحثين قاموا حتى بتأليف كتب وأوراق بحثية مزيفة لزيادة عدد الاستشهادات بها على «غوغل سكولار». ويكمن القلق الأكبر في تغذية نماذج الذكاء الاصطناعي بهذه المعلومات الزائفة، التي بدورها تعيد إنتاج هذه المعلومات المغلوطة، ما يُبعد المستخدمين أكثر فأكثر عن الواقع.

ويعمل العلماء وخبراء الأخلاقيات حالياً على قدم وساق لإيجاد حلول عملية لهذه النتائج. ومن المقلق أن تمر ادعاءات علمية ذات مصادر مشكوك فيها عبر منصات التعلم الإلكتروني دون أي رقابة. وقال رواني: «علينا حماية ثقتنا كما نحمي الذهب. الوضع فوضوي للغاية الآن».

* «إنك» - خدمات «تريبيون ميديا»