يهود دمشق في ثلاث روايات

هل تكون غواية الترجمة إلى لغات أخرى سبيلاً إلى العالمية؟

يهود دمشق في ثلاث روايات
TT

يهود دمشق في ثلاث روايات

يهود دمشق في ثلاث روايات

في سنة 2016، صدرت 3 روايات سورية، هي: «خمارة جبرا» لنبيل ملحم، و«عين الشرق» لإبراهيم الجبين، و«لعنة الكادميوم» لابتسام التريسي، وكان لليهودي في كل منها حضور مركزي. والروايات الثلاث منعقدة على الزلزال السوري الذي تفجر سنة 2011، فلماذا كان هذا الحضور؟ هل هي استجابة فنية لقوة الحضور اليهودي في سوريا ماضياً أو حاضراً؟ وإذا لم يكن هذا صحيحاً، فهل هي غواية الترجمة إلى لغات أخرى كسبيل إلى العالمية؟ ألا تتواتر هذه الغواية على نحو لافت في الرواية العربية بعامة في العقد الأخير؟
عن اليهود في حلب، كتبت رواية «لعنة الكادميوم». أما الروايتان الأخريان، فقد كتبتا عن يهود دمشق. وكانت قد سبقت إلى ذلك رواية «قصر شمعايا» لعلي الكردي.
قصر شمعايا
في حي اليهود في دمشق أقام الثري اليهودي شمعايا قصره عام 1885. وعندما قررت الحكومة السورية في خمسينات القرن الماضي فتح بيوت اليهود الذين غادروا إثر قيام إسرائيل، كان قصر شمعايا من نصيب 50 أسرة من اللاجئين الفلسطينيين. وقد جعل الكاتب الفلسطيني (السوري) علي الكردي من هذا القصر ومن الحي اليهودي فضاء لروايته التي صدرت عام 2010، وتمحورت حول أحمد الشيخ الذي درس في الأليانس، التي كانت واحدة من سلسة مدارس يهودية عالمية، تحولت إلى مدرسة تديرها الأونروا. وتتألق الرواية في رسم ما آل إليه القصر، فبدا غابة من براكيات الخشب والزنكو والإسمنت، لكأنه متاهة غرائبية.
ومن الشخصيات اليهودية في الرواية الطبيب الذي يرفض الهجرة إلى إسرائيل، عكس ابنه الذي يصبح طياراً إسرائيلياً، ويشارك في الحرب، فتسقط طائرته ويؤسر. وإذ تجري مواجهته مع أبيه، ينكره الأب. وثمة أيضاً راشيل التي أحبت فلسطينياً، لكن أسرتيهما تجعلان الزواج مستحيلاً، فيهرب الشاب إلى مصر بدعوى الدراسة، وتهاجر راشيل إلى الولايات المتحدة الأميركية. ومن قصص الحب في الرواية قصة روميو الفلسطيني وجولييت اليهودية، التي يدفع فيها الزواج المستحيل إلى انتحار الشاب حرقاً، فانتحار الشابة بالسم. غير أن للعلاقة الفلسطينية اليهودية صوراً أخرى من التعايش. وإذا كان مثل هذا التعايش هو ما كان في دمشق وحلب والقامشلي قبل قيام إسرائيل، فالأمر تبدل بعد ذلك، إلى أن مضت الهجرة السرية إلى إسرائيل بأغلب اليهود.
عين الشرق
يبدو الرهان الفني الأكبر لهذه الرواية على استراتيجية التشذير والبناء الشذري، وعلى السيرية التي بلغت أن جعلت من الذات مرسلاً ومستقبلاً معاً، كما وصف فيصل دراج لغة الذات المتوحدة، بعامة. وقد حمل الراوي اسم الكاتب الذي يروي أنه كان قد التقى مصادفة باليهودي الدمشقي المهاجر إخاد في نيويورك.
عاد إخاد إلى دمشق إثر زلزال 2011 لإخراج مخطوطات يكتنزها القبو السري: «وحين سيقرأ العالم بعد سنوات أخباراً تتحدث عن نقل مخطوطات تاريخية ذات قيمة دينية من دمشق إلى إسرائيل، في عمليات للكوماندوس الإسرائيلي تمت تحت جناح الليل، وحين تظهر تلك المخطوطات والقطع في متاحف الدولة اليهودية، سيتضح أن الواقع الذي كتبت عنه هو حي، وليس ترميزاً وحسب». وقد حضر إخاد أيضاً ليشهد التحولات على عتبة 2011، وكل ذلك حسب ما يروي إبراهيم الذي يجعل من إخاد قرينه.
وعبر العلاقة بين إبراهيم والقرين، تعري الرواية ما تعري من ديكتاتورية النظام، ويشتبك الماضي بالحاضر في مفاصل شتّى من تاريخ سوريا خلال القرن العشرين، فيكون لليهودي فعله المتواصل، وصورته الروائية التي تتألق في حديثه عن الكتابة (البرجبابلية) مثلاً، لكنها تنوء تحت وطأة الحمولة التي تجعله عليماً بالشأن السوري، من قصيدة سليم بركات السردية إلى حديث ياسين الحافظ عن أن الديمقراطية لا تناسب الأقليات، إذ يرى إخاد ذلك كلاماً دقيقاً وعلمياً، فلا أقليات أو أكثريات دينية أو عرقية في الديمقراطية، بل مشاريع سياسية تتنافس على الصناديق. والأقليات - حسب إبراهيم - لا تريد ذلك. لماذا؟ لأنه يذيبها في الأكثرية، حسب إخاد، فمشروعها -حسب إبراهيم - هو التمايز في المجتمع بناء على الاختلاف، وليس بناء على حقوق المواطنة. وإخاد الخبير بسوريا ثقافياً وسياسياً، لكأنه لم يغادرها يوماً، يجيب عن سؤال إبراهيم له عما إن كانت رابطة العمل الشيوعي - التي صارت حزب العمل الشيوعي - طائفية، فيجيب الخبير بأن اليسار كان يسميها رابطة الأقليات. ويطول الحوار بين إبراهيم وإخاد مراراً، حيث تبهظه التأرخة، والمعلومة غير المسرّدة، كما في الحديث عن حرب القرم بين الروس والأتراك، الذي لم تنفعه معه لعبة التشذير.
وإذا كانت الرواية قد انتهت بلحظة كتابة أطفال درعا على الجدران بأسمائهم الصريحة، ففي النهاية أيضاً أن إبراهيم ظل محبوساً في السرداب، ومن خرج ليس هو، كما ظل إخاد معه حبيساً.
خمارة جبرا
يحضر حي الأمين (حي اليهود) في رواية نبيل الملحم «خمارة جبرا»، ومنه بيت عزرا، صاحب مخزن المخطوطات والكتب المستعملة، وحيث كانت ابنته آنا قبل أن تهاجر إلى إسرائيل، مخلفة الفتى جاد الذي سيسكنه عشقها ما عاش. وتبدأ الرواية بإصابة الثمانيني جاد في تفجيرات دمشق، ثم تتوالى استعادات الماضي، فإذا بآنّا «ذات النظرة العبقرية» التي يوصيها والدها: «إنسي الشام يا آنّا»، ويوصيها: «لكل وطن جديد رجل جديد، وذاكرة جديدة. الحب في معنى من معانيه مكان». ولم تكن الهجرة بعد 1948 تعني لعزرا غير القطع مع ماضي الأجداد، والتجول في متاهة وطن جديد مبني بقوة السلاح والهاجاناه. كما لم تكن إسرائيل تعني لعزرا غير مقبرة ثمينة: «ليست دولة الوعد يا آنّا». ولئن كان يرى رجال اللاهوت اليهودي حشرات، فقد سئم أيضاً من كونه أقلية عليها أن تقدم مبررات يومية لبقائها على قيد الحياة. وإلى أن يهاجر، كما سيخبر في ملخص سردي، يكون هو الباحث عن اللقى، ويكون مخزنه غطاء لنشاطاته الأثرية التي يحمّلها ليهود مهاجرين يكتشف أمزجتهم المريضة، ويراهم متسوّلي يهوه، كما يرى سوراً مرتفعاً من خوف، تعززه فكرة الآخر العدو، وارتهان الوجود على الفكرة. ويتردد جاد على ديار الحبيبة آنّا مستذكراً كيف علمته القراءة والكتابة، ومعايناً الحراس المتحفزين تحت ما كان شرفة آنّا قرب الكنيس المهجور، فأسرار الكُنُس لا بد أن تُحرس، وكل بيوت اليهود تحت حراسة الأمن العسكري، كما يسوق السارد الذي يوالي ظهوره، فيخبر مثلاً بما لا يعرفه جاد من أن آنّا مع والدها صارا في مستوطنة بتاح آرائيل، وأنها رفضت الزواج، وباتت وحيدة صامتة بعد موت عزرا... أو يخبر، مثلاً أيضاً، أن ما همَّ جاد في أثناء معركة بورسعيد عام 1956 هو أن آنّا وعزرا ربما قضيا، كما أن حرب أكتوبر (تشرين الأول)، واجتياح إسرائيل للبنان، وكل حرب، تجعل المسافة عن آنّا أكبر، حتى يستحيل الأمل بعودتها، وإن يكن جاد سيظل يحلم بهذه العودة وهو يحتضر. تلك هي الرسوم الكبرى ليهود دمشق في الروايات الثلاث. ولعل للمرء أن يتساءل عن اشتغال روايتي الجبين والملحم على «تيمة» المخطوطات اليهودية وتهريبها، مما سبقت إليه رواية فيصل خرتش «حمام النسوان». لكن الأهم هو السؤال عن معنى استحضار اليهودي إلى الحاضر السوري بعد 2011، حيث ينتفي الفعل اليهودي في سوريا منذ عقود، بينما يظل فؤاد جاد معلقاً بآنّا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وليس شأن إخاد بأقل!



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.