الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

معرض استعادي في لندن لأعمال المصور البريطاني دون ماكالين يسجل لقطاته في فيتنام وبيروت والعراق

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
TT

الحياة كمصور حربي... رؤية ما لا يتحمله الآخرون

المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب)  -  الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)
المصور البريطاني سير دون ماكالين في افتتاح معرضه اللندني (أ.ب) - الصورة التي أطلقت مشوار ماكالين مصوراً صحافياً في عام 1958 (تيت)

المصوّر البريطاني سير دون ماكالين جاب أنحاء العالم حاملاً كاميرته العتيقة، والتقط آلاف الصور التي سجّلت فيما بينها أهم الصراعات السياسية في العام، استحق بجدارة أن تحتفل به بريطانيا بمعرض استعادي لصوره يقام حالياً بمتحف «تيت بريتان»، وببرنامج حافل يصاحبه يضمّ لقاءات مع المصوِّر الشهير وندوات حول عمله. وربما لأن المصور المخضرم استطاع بلقطات كاميرته نقل صراعات العالم وأمراضه لجمهور عريض تعدى بلده الأصلي بريطانيا، فمن الطبيعي أن يكون الإقبال على المعرض الضخم كثيفاً جداً، وأن تنفد كل تذاكر اللقاءات الخاصة معه.
في فيلم خاص أنتجته محطة «بي بي سي» الرابعة، خرج ماكالين من معطفه كمصور متخصص في الحروب، ليتجول بشوارع المدن البريطانية التي سجل مشاهد الحياة فيها في الستينات والسبعينات. خلال الفيلم رافقت الكاميرا المصور الشهير وهو يزور الحي الذي نشأ فيه، وهو فينزبري بارك بلندن، وسجلت انطباعاته على التغيرات التي شهدها الحي منذ أن تركه. كان لافتاً في الفيلم وأيضاً معبراً جداً طريقة ماكالين في التعامل مع الناس العاديين، فهو يتمتع بأدب إنجليزي جمّ، وفي الوقت ذاته هو سهل المعشر يعشق الناس ويتحدث مع كل من يراه في الشارع؛ يتحدث مع باعة ومع مشردين، ويجلس إلى جانب رجل عجوز يطعم الطيور ويتجاذب معه أطراف الحديث الذي يفضي لتكوين «بورتريه» سريع للشخصية الجالسة لجواره، لقطة حوارية تماثل تماماً اللقطة الفوتوغرافية التي يلتقطها على التوّ للرجل، وفي الحال نرى أن الصورة تعبّر عن كل الحديث الذي دار مسبقاً وتتضح لنا موهبة هذا المصور المخضرم في تركيز الحالة البشرية من خلال لقطة بالأبيض والأسود.
خلال الفيلم أيضاً يقول ماكالين إنه تعب من حياته كمصور للحروب، وإنه هرب منها ومن الحياة في لندن إلى الحياة في الريف، أصبح يهتم بتصوير مشاهد الطبيعة الريفية حوله، معتبراً ذلك بمثابة علاج لمشوار عمر حافل بالألم والحزن عاصرهما خلال تغطيته للحروب والنزاعات المسلحة. يقول: «للأسف دائماً ما يُطلق على (مصوّر الحروب) وهو أمر لا أحبه».
ويقول في تقديمه لمعرضه إن «الرؤية والنظر إلى ما لا يتحمل الآخرون رؤيته هما تعريف لحياة الصحافي الذي يغطي الحروب».
- البداية صورة لشباب في مبنى مهدم
بدأ ماكالين حياته مصوراً بالصدفة العابرة إذا التقط صورة لمجموعة من الشباب من زملائه في المدرسة وهم يقفون للتصوير مرتدين بدلاتهم على نوافذ مبنى مهدم. وتحولت الصورة إلى دليل على تورط أعضاء المجموعة في جريمة قتل، وهو ما لفت أنظار إحدى المجلات الأسبوعية لموهبته. ومن تلك الصورة انطلق المصوّر الشاب ليغطي بعدسته حرب فيتنام، وفترة التوتر بين ألمانيا الشرقية والغربية، وسجل بدايات إقامة الجدار الفاصل بينهما. كما ذهب لكمبوديا والكونغو وإثيوبيا وبنغلاديش وبيروت والعراق وسوريا.
- عشرة غرف وستين عاماً من التصوير
المعرض ضخم جداً وينقسم إلى عشرة غرف امتلأت بالزوار من مختلف الأعمار، الصمت كان مسيطراً على المعرض، فيما عدا همهمات بين الزوار أو أحاديث خافتة، بدا وكأن لقطات الحروب المختلفة قد تسللت إلى كل زائر، وألقت بظلالها القاتمة على الحاضرين، ولكن هناك ما هو أكثر من مناظر الحروب والتدمير والقتلى هنا، فعبر صور من حرب فيتنام تتجاور الصور التي تعبر عن فظاعة الحروب والعنف الذي يمارسه الجنود الأميركيون على ضحاياهم، نجد صورة لقسّ من الجيش وهو يحمل امرأة عجوزاً لينقذها من وابل النيران. الإنسان يتبدى هنا في مختلف جوانبه.
- تعاطف وحرفية
لقطات ماكالين كما يقول منسق المعرض «شجاعة وواثقة» أمام أصعب المواقف، ولكنها أيضاً تحمل تعاطفَ وإحساسَ المصوِّر بالموضوع أمامه. سُئِل ماكالين مرة لماذا اختار أن يصوّر أناساً قسَتْ عليهم ظروف الحياة؟ فأجاب قائلاً: «لأني أعرف أحاسيس هؤلاء الناس». التعاطف والتماثل مع الأشخاص أمامه أيضاً يظهر في لقطات لأشخاص مشردين في أحياء شرق لندن، فيها ينظرون إلى الكاميرا دون خوف، نظرات صريحة وقوية ومعبرة، وهو ما يقول عنه المصور إنه يعود إلى كونه ينظر لهؤلاء الناس مباشرة ويكسب ثقتهم بالنظرة المباشرة المتعاطفة التي تقول لهم: «أنا في صفكم».
يستعين العرض بجمل من ماكالين يشرح فيها خلفيات بعض الصور وفيها تتضح رؤيته في الحياة؛ فهو ضد الرأسمالية التي حرمت مرضى حي وايت تشابل في لندن من مستشفى للأمراض النفسية في السبعينات، لتتركهم مشردين في الشوارع، التقط صورهم وسجَّل باللقطات معاناتهم وأيضاً إهمال المجتمع لهم، في صورة معبرة بشكل جارح نرى مجموعة من هؤلاء المشردين وقد غلبهم التعب فناموا وقوفاً... صورة موجعة بحق.
- ما يفعله البشر بغيرهم
يقول علن رحلته للكونغو في عام 1964 حيث أرسلته مجلة ألمانية: «القتال الذي شهدته كان متوحشاً وقاسياً وعموماً انتصر الرجال الأشرار». في 1986، ذهب إلى بيافرا وهي جمهورية انفصالية سابقة استمرت من 30 مايو (أيار) 1967 حتى 15 يناير (كانون الثاني) 1970 نشأت عندما حاول سكان إقليم بيافرا الانفصال عن نيجيريا، وتكوين دولة مستقلة خاصة بعرقية الإيبو. يصف ما رآه هناك بقوله: «لم تكن حرباً، وتجاوزت الصحافة والتصوير... لا نستطيع ويجب ألا يُسمح لنا بأن ننسى الأشياء المقيتة التي نستطيع (كبشر) اقترافها في حق أناس مثلنا». غطَّى ماكالين الكارثة الإنسانية هناك لصالح مجلة «صنداي تايمز»، لقطاته من هناك صادمة ومحزنة ولكنها نجحت في نقل بشاعة الموقف للرأي العالمي، من المعروض صورة لجنود يعذبون بعض الانفصاليين قبل إعدامهم، النظرات على وجوه الضحايا لا يمكن تجاوزها بسرعة، وتحل محلها بعد ذلك صور لضحايا آخرين.
مهمة ماكالين في تصوير حرب فيتنام التي زارها 16 مرة خلال مشواره مصوراً، تعرض الغرفة الرابعة في المعرض مجموعة من الصور التي التقطها في عام 1986 حين كان ملحقاً بالجيش الأميركي. من الصور هنا صورة لجندي فيتنامي مقتول وحوله تناثرت أغراضه الخاصة، صور شخصية ربما لوالدته وأخته، علبة سجائره ملقاة ومبعثرة محتوياتها، تبدو الصورة وكأنها معدة مسبقاً، وهو ما يعترف به المصور قائلاً: «لم أعبث بالحقيقة سوى مرة واحدة، رأيت جنديين أميركيين يعبثان بأغراض جندي مقتول من شمال فيتنام، عندما انتهيا من فعلتهما، التي اعتبرتُها سرقةً وكنت مشمئزاً بالفعل من ذلك، كرهتهما، ومع ذلك فأنا كنتُ مثلهما، أشاركهما الطعام وأرتدى الزي العسكري نفسه... عبثا بممتلكاته وبعثرا صور أمه وأخته وأطفاله. كان يستحق أن يُسمع ولم يكن يستطيع الحديث فقررت أن أتحدث نيابة عنه وأن أنقل قصته للناس، قمت بجمع أغراضه ووضعتُها بجانبه والتقطتُ الصورة، وكانت هي الصورة الوحيدة التي أعددتها بنفسي».
صورة أخرى التقط فيها وجه جندي أميركي تبدو عليه معالم الصدمة، يقول ماكالين إن الجندي مصاب بصدمة أو ما يُطلق عليه «اضطراب ما بعد الصدمة»، وإنه التقط له كثيراً من الصور، ولكن الجندي لم «يرمش» ولم يتغير التعبير على وجهه، بشاعة الحرب كانت محفورة في كل نقطة على وجه الشاب المذعور.
- بيروت والعراق وسوريا
خلال مشواره الطويل مع الكاميرا، ذهب ماكالين إلى بيروت لتسجيل وقائع الحرب الأهلية، وبالفعل تمتد الصور التي تعكس الصراع والكراهية والعنف على جدران غرفة بأكملها؛ صورة لمجموعة من المراهقين الذين بدت عليهم السعادة يقفون في شارع متهدّم، أحدهم يحمل آلة عود يعزف عليها، وبدا رفاقه مبتهجين وكأنهم يحتفلون، بينما نرى أمامهم جثة لفتاة ميتة. يروى ماكالين شعوره بالخوف من التقاط صورة لما اعتبره مشهداً مروعاً، ولكن الصبية طلبوا منه التقاط الصورة فالتقط صورتين فقط وهو متعجل للابتعاد عنهم.
زار ماكالين العراق في عام 1991 في مهمة من صحيفة «إندبندنت» لتغطية نزوح الأكراد من العراق، والتقط صوراً عبَّر فيها عن الألم والمعاناة والشتات التي عانى منها المهجرون.
ورغم سنه المتقدمة (تعدى الثمانين من العمر) فقد ذهب ماكالين إلى سوريا لتصوير آثار تدمير «داعش» لآثار مدينة تدمر.
- البحث عن السلام في الطبيعة
في نهاية المعرض وفي الحجرة الأخيرة نرى صوراً وادعة للقطات من الريف الإنجليزي، هنا نرى ماكالين وقد قرر الابتعاد عن عالم الحرب المجنون، فهو ينشد «السلام في المناظر الطبيعية»، كما يقول. ويلخص بجملة مؤثرة ما عاناه خلال عمله مصوراً للحروب: «هناك إحساس بالذنب دائماً، الذنب لأنني مشيتُ بعيداً بينما كان هناك رجل يُحتضر من الجوع، أو لأن شخصاً آخر كان يمسك بمسدس ليقتله. تعبت من ذلك الإحساس وتعبت من القول لنفسي: (أنا لم أقتل ذلك الرجل الذي صورته، أنا لم أتسبب في جوع ذلك الطفل). لهذا أريد الآن أن أصور المناظر الطبيعية والأزهار، قررت أن أمنح نفسي السلام».



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».