حقد وعداء ومعارك أدبية والأسباب الحقيقية: الغيرة... أو المرأة

من هوغو وسانت بوف مروراً بسارتر وكامو إلى ماركيز ويوسا

فيكتور هوغو  -  سانت بوف  -  ماركيز  -  كامو  -  سارتر  -  يوسا
فيكتور هوغو - سانت بوف - ماركيز - كامو - سارتر - يوسا
TT

حقد وعداء ومعارك أدبية والأسباب الحقيقية: الغيرة... أو المرأة

فيكتور هوغو  -  سانت بوف  -  ماركيز  -  كامو  -  سارتر  -  يوسا
فيكتور هوغو - سانت بوف - ماركيز - كامو - سارتر - يوسا

كامو وسارتر، غارسيا ماركيز وفرغاس لوزا، هوغو وسانت بوف... كلهم اختلفوا لأسباب آيديولوجية وشخصية ليتحولوا من أعزّ الأصدقاء إلى ألد الأعداء. قصّص خلافاتهم أخذت أبعاداً كبيرة ورسائل الهجوم والنقد اللاذع التي تبادلوها عبر السنين أثارت اهتمام الصحافة المختّصة وأسالت لعاب الناشرين.
في مؤلّفهما «قصّة أحقاد الكتُاب من شاتوبريان إلى بروست» (دار نشر فلماريون) يصف إتيان كارنو وآن بوكل مشاعر الحقد والغيرة التي ميزت العلاقات المضطربة بين بعض الكتاب بأنها جزء لا يتجزأ من وضعهم كرجال أدب وكأنها قانون سماوي. المبدعون يبنون ذاتهم في مواجهة مبدعين آخرين: بلزاك استلّهم روايته الرائعة «زنبقة في الوادي» من «اللّذة» لكاتبها شارل أغوستان سانت بوف بعد أن هاجمه بشّدة واعداً بتلقينه درساً ومعلناً بأنه «سيجعل ريشته تخترق جسّده...» ستندال مضى حياته ينتقد كل ما يفعله شاتوبريان على أمل تجاوزه، كما تشرح فرناند بسان في دراسة بعنوان «شاتوبريان في محكمة ستندال»: «هاجم أسلوبه الأدبي الذي كان يصفه» بالمتّورم، توجهاته السياسية ووضعه الاجتماعي وحتى مظهره الخارجي. كان يحلم بوظيفة «الدبلوماسي» التي نجح فيها شاتوبريان بينما فشل هو وكان يقارن نفسه به كنوع من الإقرار الضمني بأنهما ند لند.
وسواء كان الأمر من باب الغيرة أو المنافسة، فإن الحقد، ويا للغرابة! شكّل عند بعضهم أساس الإبداع الأدبي، ولذا نرى العديد منهم يمجدّ هذا الشعور. يكتب بودلير بلّهجة احترام: «الحقد شراب ثمين... أثمن من سّم البورجيا، لأنه مصنوع من دمنا وصحّتنا ونومنا وثلثي عواطفنا، علينا الاقتصاد فيه...»، أما إيميل زولا فيكتب في مجموعته «أحقادي»: «الضغينة مقدسّة... هي سخط القلوب القوية القادرة... إذا كانت لدي قيمة اليوم، فهذا لأني وحيد وأحقد...».
عندما وصف فيكتور هوغو خصّمه سانت بوف «بالأفعى المجلجّلة» أجابه هذا الأخير بإعلان القطيعة النهائية: «بنفسي يأس وسخط... ورغبة عارمة في قتلك... (...) من الآن فصاعداً نحن أعداء..... أعداء إلى الموت...»، فرغم الصداقة التي ربطت كاتب «البؤساء» بكاتب «اللّذة» لسنوات إلا أن اقتراب هذا الأخير من زوجة صديقه «أديل» وإشاعات العلاقة التي جمعتهما حوّلت الصداقة لخصّومة أدبية وشخصية شرّسة استمرت حتى النهاية. لكن تبقى أشهر قصّص العداوة تلك التي جمعت سارتر وألبير كامو، البداية كانت صداقة جميلة بدأت عام 1943 لدى افتتاح مسرحية «الذباب» لسارتر حين قدم كامو نفسه لسارتر ببساطة قائلاً: «أهلاً..... أنا كامو» وقتها لا شيء كان يجمع الاثنين، الأول كان من أصول شعبية عاش سنوات شبابه في الجزائر وكان يشّق خطواته الأولى في عالم الأدب، أما الثاني فكان مثقفاً وفيلسوفاً من أصول برجوازية ذائع الصيت منذ أواخر ثلاثينيات القرن الماضي بعد صدور «الغثيان». الشغف بالمسرح والقراءة والالتزام السياسي الصرّيح قرّب الإثنين فكانا يتبادلان الثنّاء ويمدحان أعمال بعضهما بعضاً، إلى غاية الاختلاف الأول الذي جاء بعد صدور كتاب كامو «الرجل المتّمرد» عام 1951 والذي هاجم فيه الأنظمة الشمولية بما فيها النظام الشيوعي مما آثار حفيظة سارتر الذي نظم عبر مجلته «الأزمنة الحديثة» هجوماً شديداً على كامو. في أعقاب ذلك كتب كامو الذي جُرح في كبريائه رسالة من عشرين صفحة استهلّها بقوله: «سيدي المدير... أعتذر على الإطالة لكني سأكون أكثر وضوحاً منك (...) لقد تعبت من التعرض للانتقاد من قبل أناس يسعون إلى النجاح بسهولة عن طريق التلاعب بالحسّ التاريخي» رّد عليه سارتر بلهجة ساخرة: «عزيزي كامو، تدعوني بـ(المدير) رغم أن الكل يعلم أن علاقاتنا قد مضى عليها عشر سنوات (...) عندما التقيتك كانت شخصيتك تمثل الأمل... اليوم أصبحت تمثل اليأس (...) ماذا لو أن كتابك يدل ببساطة على انعدام كفاءتك الفلسفية؟». القطيعة دامت لغاية موت كامو عام 1960. كتب سارتر على إثرها رسالة تأبين وصفها الفيلسوف الفرنسي برنار ليفي بأنها أصدق ما كتب سارتر في حق شخص، وجاء فيها ما يلي: «كنت أنا وهو مختلفين إلا أن هذا الخلاف لم يكن غير طريقة أخرى للعيش مع بعض (...) هذا لم يكن ليمنعني من التفكير فيه، عبر استشعار نظراته من خلال صفحات الكتب أو الجرائد التي يطالعها، كأني به يقول: «ماذا تقول عن كل هذا؟ ماذا تقول عنه في هذه اللحظة؟
بعدها بسنوات استيقظ العالم على أخبار حرب أخرى نشبت بين علمين من أعلام الأدب اللاتيني: الكولومبي غبريال غارسيا ماركيز والبيروفي ماريو فارغاس يوسا. كلاهما كان في القمّة. غارسيا ماركيز أذهل العالم برائعته «مائة عام من الوحدة» 1967 أما يوسا فقد حصّد الإعجاب بروايته الأولى «المدينة والكلاب» عام 1963. الخلاف بينهما فاجأ الكل لأن الاثنين كان من أعز الأصدقاء لأكثر من عقدين: أقاما معاً في باريس، كاراكاس، بوغوتا وبرشلونة. وكا يوسا خصّص رسالة دكتوراه من 600 صفحة لأعمال غارسيا ماركيز وجعله عرّاب ابنه الأصغر. اللّقاء الأخير الذي جمع الاثنين كان في العرض الأول لفيلم «ملحمة أنداز»، في فبراير (شباط) عام 1976 في مكسيكو في يوم «عيد الحب». وانتهى بضرب يوسا لماركيز متسبباً في إصابته بكدمة في عينه اليمنى. الأسباب الرسمية اختلاف آيديولوجي: غارسيا ماركيز بمساندته لنظام فيديل كاسترو ضّد يوسا وميّوله الجديد للأنظمة الليبرالية. السبب الحقيقي كما كشف عنه مقربو الكاتبين لاحقاً: «امرأة»، هي باتريسيا زوجة يوسا التي عاشت علاقة مع ماركيز حين كانت منفصلة عن زوجها لفترة. هذا الفصل سبب القطيعة التي دامت ثلاثين سنة، تفادى فيها الاثنان بعضهما بعضاً في المحافل الأدبية والخوض في أسباب حادثة «عيد الحب». بعد موت غارسيا ماركيز بسنوات سُئل يوسا عن سبب الخصّومة فأجاب: «أنا وغارسيا ماركيز أبرمنا اتفاقاً بألا نغذي الإشاعات حول علاقتنا، مات وهو متمسك بوعده وسأموت وأنا متمسك بوعدي أيضاً».



ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

ما مدى مغناطيسية القمر؟ دراسة تفك لغزاً حيّر العلماء طويلاً

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

ظلّ القمر، على مدى عقود، يثير تساؤلاتٍ علمية بدت أحياناً أقرب إلى المفارقة: كيف لجسمٍ صغيرٍ نسبياً، كقمر الأرض، أن يحمل في تاريخه المبكر مجالاً مغناطيسياً قيل إنه يفوق في قوته نظيره الأرضي؟

استند طويلاً هذا التصوّر إلى تحليلات صخورٍ أعادتها بعثات «أبولو»، وأوحت نتائجها بأن القمر عرف، في مرحلة ما، نشاطاً مغناطيسياً شديداً. غير أن دراسة حديثة قدّمت قراءة مختلفة، تكاد تعيد رسم الصورة من أساسها، وتمنح هذا اللغز العلمي تفسيراً أكثر توازناً... وأكثر إنسانية في فهم حدود المعرفة نفسها. وفقاً لصحيفة «الغارديان».

الباحثة كلير نيكولز، وفريقها من جامعة أكسفورد، اتجهوا إلى تفصيلٍ بدا في السابق ثانوياً: محتوى التيتانيوم في صخور القمر.

وبالتحليل، تبيّن أن الصخور الغنية بهذا العنصر نشأت من مواد عميقة داخل القمر؛ حيث أسهمت عمليات الانصهار في توليد مجالاتٍ مغناطيسية قوية، ولكنها كانت موضعية ومؤقتة.

المفارقة أن بعثات «أبولو»، وبمحض الصدفة، جمعت عدداً أكبر من هذه الصخور تحديداً، نظراً لانتشارها في المناطق المستوية التي اختيرت مواقعَ للهبوط. وهو ما أفضى، دون قصد، إلى تحيّزٍ في العينات، ومن ثم إلى استنتاجٍ بدا وكأنه حقيقة عامة.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في مجلة «نيتشر غيوساينس»، إلى أن هذا «التحيّز العيّني» قدّم صورة مضخّمة عن قوة المجال المغناطيسي للقمر، مانحاً إيّاه ما يشبه «سمعة» علمية لا تعكس واقعه بدقة كاملة.

ويرى الباحثون أن الفترات التي شهد فيها القمر مجالاً مغناطيسياً قوياً كانت قصيرة ونادرة، ولم تدم إلا آلافاً قليلة من السنين، في مقابل تاريخٍ أطول ساد فيه مجالٌ ضعيف.

ومع اقتراب بعثات «أرتميس»، يأمل العلماء في اختبار هذه الفرضية بصورة أدق، عبر عيناتٍ أوسع وأكثر تنوّعاً ربما تعيد، مرة أخرى، صياغة فهمنا للقمر... ولكن هذه المرة، تعويضاً مناسباً لسنواتٍ من الاستنتاجات غير المكتملة.


بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)
المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر، التي شُخِّصت بمرض «ألزهايمر» عام 2011، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لما يقرب من 4 عقود على خشبة المسرح في «جزر فارو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن والدته كانت خلال تلك السنوات واحدة من أبرز الوجوه المسرحية في بلدها، وكانت تقدم عروضاً مسرحية بشكل مستمر، إذ اعتادت المشاركة في 4 أو 5 مسرحيات شهرياً، وكانت حياتها كلها مرتبطة بالمسرح والأداء.

وأوضح أن بداية المرض شكّلت صدمة للعائلة؛ خصوصاً بعدما بدأت والدته تفقد قدرتها على تذكر النصوص والتعليمات المسرحية، وهو ما أجبرها على التوقف عن العمل الذي أحبته طوال حياتها، مشيراً إلى أن شغفها بالمسرح لم يتراجع مع مرور الوقت، بل على العكس من ذلك، ازداد حنينها إلى الوقوف مجدداً على خشبة المسرح كلما تدهورت ذاكرتها.

وأكد أن هذه الرغبة دفعت العائلة إلى التفكير في إيجاد طريقة تعيدها إلى المسرح، حتى لو بشكل مختلف عن المعتاد، لتبدأ فكرة الفيلم عندما جلس مع والده لمناقشة إمكانية تصميم عرض مسرحي خاص يتناسب مع ظروفها الصحية، بحيث يمنحها مساحة للوجود على المسرح دون الحاجة إلى حفظ النصوص أو الالتزام بتفاصيل الإخراج التقليدية.

عرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان «كوبنهاغن» (الشركة المنتجة)

وأشار بوي دام إلى أنهما قررا في النهاية تنفيذ هذا المشروع عندما أدركا أن الوقت يمر سريعاً، وأن حالتها الصحية قد تتدهور أكثر، فاختارا المُضي قدماً في التجربة، لافتاً إلى أنه قرر تقديم فيلم وثائقي، لشعوره بأن التجربة تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية مهمة تستحق التوثيق.

وأضاف أن الفيلم بالنسبة له لم يكن فقط عن والدته أو عن مرض «ألزهايمر»، بل عن الطريقة التي يمكن أن يتعامل بها المجتمع مع الأشخاص الذين يفقدون بعض قدراتهم الإدراكية، وكيف يمكن إيجاد مساحة لهم داخل المجتمع بدلاً من عزلهم.

وأوضح أن المسرح في الفيلم يتحول إلى رمز للمجتمع نفسه، إذ إن منح شخص يعاني فقدان الذاكرة مكاناً على خشبة المسرح يُشبه منح مساحة مماثلة له داخل المجتمع، فوالدته كانت طوال حياتها مدافعة عن الأقليات والفئات المهمشة، ولذلك شعر بأن هذا المشروع يُمثل استمراراً لرسالتها الإنسانية، حتى في الوقت الذي فقدت فيه القدرة على التعبير بالكلمات.

وأشار المخرج إلى أن تصوير فيلم عن والدته في هذه المرحلة الحساسة من حياتها لم يكن أمراً سهلاً على الصعيد العاطفي، لكنه بالنسبة لعائلته يُعد امتداداً طبيعياً لأسلوب حياتهم الفني؛ فوالداه ممثلان ومخرجان، وقد نشأ في بيئة اعتادت تحويل التجارب الإنسانية الخاصة إلى مادة فنية تُقدَّم على المسرح، سواء أكانت مؤلمة أم سعيدة.

ويروي الفيلم الوثائقي «بيريتا» الذي عرض ضمن النسخة الحالية من مهرجان «كوبنهاغن الدولي للأفلام الوثائقية» قصة عائلة من صناع المسرح في «جزر فارو» الدنماركية، تُحاول تنفيذ تجربة فنية غير تقليدية تتمثل في تقديم مسرحية «الملك لير» مع إسناد الدور الرئيسي إلى الممثلة المخضرمة بيريتا موهر رغم إصابتها بمرض «ألزهايمر».

وثق المخرج جانباً من دعم والده لوالدته خلال مرضها (الشركة المنتجة)

ويقود المشروع ابنها المخرج بوي دام، الذي يؤمن بأن شغف والدته بالمسرح لا يزال حياً رغم فقدانها القدرة على الكلام، في حين يحاول والدهما الموازنة بين رعاية زوجته ودعم هذا المشروع الفني، وخلال التحضيرات للعرض تُثير التجربة أسئلة أخلاقية حول حدود المشاركة الفنية للأشخاص الذين يعانون فقدان الذاكرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن قوة حضور بيريتا الإنساني والفني، وتأثيرها العميق في كل من يشارك في هذه الرحلة.

وأوضح أن اختيار مسرحية «الملك لير» لويليام شكسبير لم يكن اختياراً عشوائياً، بل جاء لعدة أسباب، منها أنه يعدّها واحدة من أعظم المسرحيات التي كُتبت في تاريخ المسرح، وكان حلماً قديماً بالنسبة له أن يقدمها على المسرح، بالإضافة إلى موضوعها الذي يرتبط بشكل عميق بما عاشته عائلته.

وأضاف أن هذا التشابه بين موضوع المسرحية وتجربة عائلته جعل العمل يبدو كأنه مرآة لما كانوا يعيشونه في الواقع، خصوصاً أن والدته كانت قبل المرض شخصية قيادية داخل العائلة وفي الوسط المسرحي، وكانت بالنسبة لهم أشبه بملكة تقود الجميع، مشيراً إلى أن فقدان هذا الدور القيادي بسبب المرض أحدث تغيراً كبيراً في توازن العائلة، وهو ما يُشبه إلى حد كبير ما يحدث في مسرحية «الملك لير».

وأكد المخرج الدنماركي رغبته في تقديم عمل درامي قوي ومليء بالصراعات لوالدته، بدلاً من تقديم عمل بسيط أو عاطفي، فلم يشأ أن يعاملها بطريقة مفرطة في الحماية، بل أراد أن يمنحها فرصة للوجود داخل عالم مسرحي غني بالتوتر والدراما كما اعتادت طوال حياتها.

المخرج الدنماركي بوي دام (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن الفيلم يسعى إلى تقديم صورة متوازنة للحياة مع المرض تجمع بين الحزن والفرح، وبين فقدان الذاكرة والقدرة على الاستمتاع بالحياة، لقناعته بأن كثيراً من الأفلام التي تتناول مرض «ألزهايمر» تميل إلى التركيز على الجانب المأساوي فقط، في حين أراد هو أن يظهر أيضاً الجانب الإنساني المليء بالحب والضحك واللحظات الجميلة.

ولفت دام إلى أن أكثر ما فاجأه خلال البروفات المسرحية هو التأثير القوي الذي تركه حضور والدته على الممثلين الآخرين، مؤكداً أن وجودها في غرفة البروفات جعل أداء الممثلين أكثر صدقاً وبساطة، لأنهم كانوا يشعرون بصدق اللحظة الإنسانية التي يعيشونها معها، فالممثلون كانوا يؤدون النصوص بطريقة أكثر طبيعية عندما تكون حاضرة، في حين يعودون إلى أسلوبهم المسرحي التقليدي عندما تغادر.

في الختام، أشار المخرج إلى أن هذه اللحظات كانت من الأكثر تأثيراً بالنسبة له؛ إذ أظهرت أن الفن يمكن أن يظل حاضراً حتى مع بدء تلاشي الذاكرة. وأكد أن الفن يعتمد بدرجة كبيرة على العاطفة والإحساس، لا على الذاكرة أو القدرات العقلية وحدها.


عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

عالم خفي تحت القارة القطبية الجنوبية قد يُغرق المدن الساحلية

جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)
جبال جليدية ضخمة في القارة القطبية الجنوبية (أ.ف.ب)

كشفت خريطة حديثة لقارة الأرض الواقعة في أقصى الجنوب عن تفاصيل غير مسبوقة للعالم الكامن تحت الجليد في القارة القطبية الجنوبية، مقدّمةً بيانات جديدة قد تساعد العلماء على فهم التغير المناخي بشكل أعمق والتعامل معه بفاعلية أكبر.

وعلى الرغم من أن مساحة القارة تعادل ضعف مساحة أستراليا، فإن ما يوجد تحت الطبقة الجليدية السميكة التي تغطيها لا يزال مجهولاً إلى حد كبير. بل إن العلماء يعرفون عن سطح كوكب المريخ الذي يبعد نحو 140 مليون ميل أكثر مما يعرفونه عن تضاريس القارة القطبية الجنوبية. وفقاً لمجلة «نيوزويك».

وتحتوي الصفيحة الجليدية في القارة القطبية الجنوبية على نحو 70 في المائة من المياه العذبة على كوكب الأرض، ما يجعلها أكبر كتلة جليدية في العالم. ويختلف سُمك هذه الطبقة الجليدية، إذ يبلغ متوسطه نحو كيلومترين، وقد يتجاوز خمسة كيلومترات في أعمق مناطقها.

الموقع «ليتل دوم سي» في القارة القطبية الجنوبية (أ.ب)

لكن ماذا يكمن تحت هذا الغطاء الجليدي الهائل؟

نظراً لصعوبة الرصد بسبب الامتداد الواسع للجليد، تمكن فريق دولي من الباحثين بقيادة جامعة إدنبرة من إعداد أدق خريطة حتى الآن للمناظر الطبيعية المخفية تحت الجليد في القارة.

واعتمد الفريق على تقنية تُعرف باسم «تحليل اضطراب تدفق الجليد» (IFPA)، التي تستخدم فيزياء حركة الجليد لاستنتاج شكل التضاريس أسفله، من خلال تتبّع الأنماط السطحية التي تتكوّن عندما يتحرك الجليد فوق التلال والوديان. ثم دمجوا هذه البيانات مع أحدث صور الأقمار الاصطناعية للكشف عن ملامح القارة بأكملها.

وقال أستاذ علوم الأرض وأحد مؤلفي الدراسة، البروفسور أندرو كيرتس: «تتيح هذه الطريقة، التي تسقط معلومات سطح الجليد الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية إلى قاعدته، أسلوباً جديداً تماماً لرؤية ما تحت الصفائح الجليدية. وعلى مدار عدة سنوات أثبتنا فاعليتها من خلال اختبارات دقيقة، ويؤكد تطبيقها على مستوى القارة بأكملها قوتها الكبيرة».

وكشفت الدراسة عن تفاصيل جغرافية في مناطق لم تُستكشف سابقاً، بما في ذلك سلاسل جبلية ضخمة، وأودية عميقة، وسهول واسعة، إضافة إلى عشرات الآلاف من التلال والوديان التي لم تكن معروفة من قبل.

وقالت الباحثة هيلين أوكيندن، المشاركة في إعداد الدراسة: «بسبب صعوبة إجراء القياسات العلمية عبر الجليد، فإن معرفتنا بالمناظر الطبيعية المخفية تحت القارة القطبية الجنوبية أقل من معرفتنا بأسطح كوكبي المريخ أو الزهرة. لذلك، من المثير للغاية أن تتيح لنا هذه الطريقة الجديدة استخدام قياسات الأقمار الاصطناعية لسطح الجليد لسد الفجوات في خرائطنا، والكشف عن تفاصيل جديدة للسلاسل الجبلية والأودية والحدود الجيولوجية».

وقد أظهرت دراسات سابقة أن المناطق الوعرة تحت الجليد مثل المنحدرات الصخرية الحادة وسلاسل الجبال يمكن أن تُبطئ تراجع الصفائح الجليدية في القارة، إذ توفّر مقاومة احتكاكية تحدّ من اندفاع الجليد نحو البحر.

وتُعد هذه الخريطة الجديدة دليلاً مهماً للعلماء، إذ تساعد في تحديد المناطق التي ينبغي التركيز عليها في الدراسات المستقبلية، كما تدعم تطوير توقعات أكثر دقة بشأن ارتفاع مستويات سطح البحر ومقدار هذا الارتفاع في المستقبل.