معرض القاهرة للكتاب... تحديات نصف قرن

عودة قوية وزيادة في العناوين المترجمة ودور نشر جديدة

جانب من المعرض
جانب من المعرض
TT

معرض القاهرة للكتاب... تحديات نصف قرن

جانب من المعرض
جانب من المعرض

يبدو أن معرض القاهرة للكتاب قد نجح في تحديه نصف قرن من الزمن، وسط مد وجزر. والإقبال الجماهيري الكبير على مدار اليوم، من العاشرة صباحاً حتى الثامنة مساءً، حيث تجاوز عدد زوار المعرض المليون خلال أيامه الأولى، دليل ملموس على نجاحه الكبير، بل تحقيقه طفرة نوعية.
وخلال جولتنا في أجنحة المعرض، التقينا عدداً من الكتاب الذين عبروا عن دهشتهم من الإقبال الجماهيري غير المسبوق، وإعجابهم بدقة التنظيم، وتوفر الخدمات، بالإضافة إلى أن المعرض يصدر للمرة الأولى مجلة يومية باسم «مرايا»، يرأس تحريرها الكاتب الصحافي أسامة الرحيمي. لكن هناك أيضاً ما يثير الشجن، خصوصاً غلاء الكتب، كما سنرى في هذا التحقيق.
تقول الكاتبة مي التلمساني: «في الحقيقة، أذهلني حجم الإقبال على المعرض من الجمهور؛ إنه أمر غير متوقع على الإطلاق. أما في ما يخص الفعاليات، فوجدت أن اختيار سهير القلماوي شخصية للمعرض هذا العام أمر يستحق التقدير». واتفق معها الروائي المغربي أنيس الرافعي الذي شارك أيضاً في أمسية السرد العربي، إلى جانب الليبي إبراهيم الكوني، والسوداني حمور زيادة، والمصري وحيد الطويلة.
أما أحمد بدير، مدير النشر بدار الشروق، فيقول: «المعرض في سنواته الخمسين الماضية لم يكن يرقى للمقارنة مع المعارض العالمية، لكنه استقطب شريحة جديدة هذا العام من الشباب الذين لم يقدموا من قبل على زيارة المعرض، رغم أن الكتاب أصبح رفاهية لدى شريحة كبرى من المصريين. وأقترح هنا أن تتم مراعاة المهنية في تنوع تصميمات العرض، لأن لكل دار نشر هويتها التي تعبر عن فلسفتها في النشر. وكانت دار الشروق قد طالبت بتغيير تصميم جناحها ليعكس هويتها».

- أجنحة المعرض
جناح ضيف الشرف، المخصص لجامعة الدول العربية هذا العام، قدم مبادرة طيبة، وهي «كتاب لكل زائر»، هدفها التعريف بدور الجامعة وتاريخها. وتقول هالة جاد، مديرة إدارة المعلومات والتوثيق بالجامعة: «المبادرة أطلقها الجناح، ليحصل كل زائر على كتاب مجاني من الكتب التي تبرعت بها الدول الأعضاء».
وتميز الجناح السعودي في المعرض بما يقدمه من أنشطة وفعاليات وتطور في المعروضات كل عام، وبمشاركة الجامعات السعودية ودارة الملك عبد العزيز، عبر إصدارات تعرف بتاريخ المملكة ونشأتها، نفدت في ثالث أيام المعرض، وفقاً لمسؤول الجناح كريم صلاح، فضلاً عن المقهى الثقافي الذي يقدم يومياً 3 فعاليات كحد أدنى، تتنوع بين الندوات الفكرية والنقاشات الأدبية وحفلات التوقيع، فضلاً عن معرض الفن التشكيلي، مما أعطى زخماً للقاعة رقم (4)، التي تضم أيضاً جناح الأزهر الشريف، بإصداراته التي تخاطفها الزوار، خصوصاً من الدارسين بمصر من مختلف الجنسيات، وتضم عناوين بـ13 لغة، وركن إصدارات الطفل الذي لقي إقبالاً كبيراً. أما جناح مؤسسة الأهرام، وهو من أكبر الأجنحة، فشهد أيضاً إقبالاً ملحوظاً، وتنوعت معروضاته ما بين الكتب والمراجع والمجلات الفكرية.

- أسعار الكتب
لكن التردد أمام أرفف الكتب بحثاً عن الأفضل والأرخص خلق حالة زحام في الممرات بين الأجنحة، كما افتقد الزوار غياب مشاركة سور الأزبكية الذي كان يستقطب عشاق البحث عن النوادر وأمهات الكتب بأسعار زهيدة. «شراء الكتب هذا العام عملية مقننة، تستدعي الزيارة عدة مرات، وانتقاء وانتخاب الأفضل من الكتب، وفقاً للحاجة، دون المجازفة باقتناء كتب لأسماء جديدة»، وفقاً لما قالته سها لطفي التي أكدت أنها اعتادت أن تأتي بـ«ميزانية المعرض» التي تدخرها كل عام.
مقابل ذلك، وللالتفاف على غلاء الكتب، لجأ بعض الناشرين للترويج لكتبهم بوسائل مبتكرة، حيث جاب الناشر فتحي المزين المعرض بلافتة يعلن فيها عن توزيع كتب مجانية في ساعات محددة من اليوم، وروايتين بسعر واحدة، لتشجيع القراء، كما حرص الجناح الجزائري على تقليل هامش الربح، لتشجيع القراء على اقتناء الكتب.
ويشير عبد العزيز المهنا، المسؤول عن جناح دار «العربية» للنشر، إلى أنه «هناك زحام كبير، لكن ليس على الكتب»، مؤكداً أن المعرض هذا العام أكثر تنظيماً ورقياً، مع توافر الخدمات، عن الأعوام السابقة، لافتاً إلى أن دار «العربية» تشارك بإصدارات متنوعة تُعين القارئ على فهم طبيعة القرن الحادي والعشرين والثورة التكنولوجية.
وتقول الروائية هالة البدري إن استجابة الجمهور رغم بعد المكان أمر مثير للإعجاب، لكنها انتقدت عدم وجود مساحات كافية أمام أجنحة دور النشر لتجنب التزاحم الذي يعيق انتقاء الكتب، ولفتت إلى أن غلاء أسعار الكتب سيؤدي لأن يعيد الأدباء النظر في أسلوب كتاباتهم الأدبية، لا سيما إذا كانت من الروايات الكبيرة، متخوفة من أن يصبح الكتاب رفاهية! وتساءلت لماذا لا يتم تخصيص طوابير لكبار السن لتسهيل دخولهم لقاعات المعرض؟ واقترحت تجهيز شاشات إلكترونية ضخمة للتعريف بأماكن إقامة الندوات وتوقيتها.
في حين أثار تغيير اسم قاعة الندوات من «المقهى الثقافي» إلى «الصالون الثقافي» علامات استفهام لدى الروائي هشام أصلان، لافتاً إلى أن اسم «المقهى» كان أفضل لأنه يشعر جمهور المعرض بأنه مكان حميم للمثقفين، يمكن فيه لقاء الأدباء ومسامرتهم. أما اسم الصالون، فاعتبر أنه سبب حاجزاً نفسياً بين جمهور المعرض واللقاءات والندوات. واعتبر أصلان أن التنظيم الجيد هذا العام بداية مبشرة، متمنياً تسهيلات أفضل للناشرين والكتاب في الأعوام المقبلة. واقترح فكرة التصويت الجماهيري على الاحتفاء بشخصية المعرض لخلق ترابط وحراك بين الجمهور والمعرض.
أما الروائية هدى أنور، فأكدت أن المعرض هذا العام يرتكز على أسس ومعايير دولية، مع توحيد طرق العرض، ووجود قواعد تمنع بيع الكتب المزورة، وكذلك تنظيم حفلات توقيع الكتب، رغم أن القاعات غير مجهزة لمثل هذه الحفلات.

- الشعر والمجموعات القصصية
تشي العناوين الجديدة بالمعرض هذا العام بأن سوق النشر تحاول التعافي من أزمة ارتفاع سعر الدولار، إضافة لوجود دور نشر جديدة دخلت المعترك الثقافي بكم هائل من الروايات الجديدة، التي تفننت دور النشر في إبرازها بطرق عرض جمالية، هرمية تارة، وهندسية تكوينية تارة، فأعطت بعداً فنياً في العرض لم يكن ملموساً من قبل. وتتراوح أسعار الروايات ما بين 50 و150 جنيهاً، مع حضور قوي للروايات التاريخية الضخمة، والكتب التراثية، وكتب المذكرات والسير الذاتية، وطبعات حديثة من كلاسيكيات الرواية لكبار الأدباء العرب. أيضاً حققت الدواوين الشعرية حضوراً قوياً، وكذلك المجموعات القصصية التي زحزحت الرواية عن عرشها.

- حركة الترجمة إلى العربية
مؤشرات مهمة في المعرض تدل على انتعاش حركة الترجمة من العربية وإليها، وتحديداً في جناحي مشروع «كلمة» أبوظبي، الذي حفل بترجمات من اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، وجناح «بيت الحكمة» المختص في الترجمة من الصينية، الذي يلعب دوراً ملموساً في التبادل الثقافي بين العالم العربي والصين. ويقول الدكتور أحمد السعيد، مؤسس «بيت الحكمة» للترجمة والصناعات الثقافية: «لمست هذا العام نقلة حضارية في معرض القاهرة للكتاب، فقد تحول من سوق للكتب إلى معرض مهني جماهيري في آن واحد، بل تفوق على معرض بكين، حيث أطلقت الوفود الصينية التي استقبلتها هذا العام عليه «معرض الشغف»، وتحققت مبيعات أفضل من العام الماضي. ولكن علينا أن نشير لبعض السلبيات لتفاديها، منها: عدم توفر تطبيق إلكتروني يعين الزائرين على التجول بأريحية في المعرض، ويرشدهم لدور النشر والكتب التي يريدون الحصول عليها، وهناك حاجة أكبر لتنظيم دخول الزوار للقاعات، لكن هذا أمر يمكن التغاضي عنه، خصوصاً أن توافد أكثر من مليون زائر في 5 أيام أمر ليس هيناً»، ولفت إلى أن هناك حركة ترجمة نشطة من العربية وإليها، ومن الصينية وإليها، مؤكداً أن الإقبال على الكتب الصينية نابع من كونها دولة مؤثرة في العالم.

- منافسة للكتب الصوتية والإلكترونية
ما بين القاعتين الأولى والثانية، ظهر الكتاب الصوتي والإلكتروني منافساً للكتاب الورقي على أرض المعارض، إذ تنتشر كبائن مخصصة لعرض تطبيقات إلكترونية تزخر بالكتب لقيت إقبالاً كبيراً من زوار المعرض، لخوض تجربة الاستماع للكتب عبر سماعات مجسمة. وتجربة «الكتاب الصوتي» تتيح للمشترك، بمبلغ شهري بسيط، الاستماع لأكثر من 1500 كتاب متنوع في شتى المجالات باللغة العربية. ويقول مصطفى زيادة، منسق منصة كتاب صوتي: «التطبيق تم إطلاقه منذ عامين، ويوجد إقبال يومي على استخدام التطبيق. أما مكتبة التطبيق، فتضم أكثر من 120 كتاب أطفال، ومجموعة كبيرة من الروايات التي تلقى الاهتمام. وسيتم إطلاق مجموعة جديدة من الكتب باللغة العربية، فضلاً عن ملخصات صوتية للكتب، تعين المتلقي على الاستفادة من أكبر عدد من الكتب في وقت قصير».


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً