مادورو يتهم واشنطن بمحاولة انقلاب

بوادر تصدّع في جبهة القوات المسلحة الموالية للرئيس الفنزويلي

أنصار غوايدو يوزعون نسخا من إجراءات العفو على عسكريين أمس في كراكاس (أ.ف.ب)
أنصار غوايدو يوزعون نسخا من إجراءات العفو على عسكريين أمس في كراكاس (أ.ف.ب)
TT

مادورو يتهم واشنطن بمحاولة انقلاب

أنصار غوايدو يوزعون نسخا من إجراءات العفو على عسكريين أمس في كراكاس (أ.ف.ب)
أنصار غوايدو يوزعون نسخا من إجراءات العفو على عسكريين أمس في كراكاس (أ.ف.ب)

رفض الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مقابلة أمس المهلة التي حددتها دول أوروبية له للدعوة لانتخابات في غضون ثمانية أيام، مصرا على أن بلاده «غير مرتبطة» بأوروبا. وقال مادورو في المقابلة التي أجرتها معه «سي إن إن تورك»، وتمت دبلجتها إلى اللغة التركية من الإسبانية: «عليهم سحب هذه المهلة. لا يمكن لأحد أن يعطينا مهلة». وأضاف أن «فنزويلا غير مرتبطة بأوروبا. هذه وقاحة تامة»، واصفا تحركات الدول الأوروبية بأنها «خطأ».
وحذرت قوى أوروبية، بينها فرنسا وهولندا وألمانيا السبت من أنها قد تعترف بزعيم المعارضة خوان غوايدو كرئيس إلا إذا دعا مادورو لإجراء انتخابات في غضون ثمانية أيام بينما منحته كل من بريطانيا وإسبانيا مهلة مشابهة، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأعلن غوايدو، رئيس الجمعية الوطنية (البرلمان)، نفسه رئيسا بالوكالة لفنزويلا الأربعاء الماضي خلال مظاهرة حاشدة نظمتها المعارضة ضد مادورو. ومنذ ذلك الحين، دعمت الولايات المتحدة وكندا والكثير من دول أميركا الجنوبية بما فيها البرازيل وكولومبيا إعلان غوايدو.
لكن مادورو قال في المقابلة إن غوايدو «ينتهك الدستور»، واتّهم واشنطن بـ«محاولة الانقلاب» على حكمه. ورأى أن «كل ما يجري مرتبط بأميركا. إنهم يهاجموننا ويعتقدون أن فنزويلا حديقتهم الخلفية». وأكد أنه سيتجاوز التحدي الذي تواجهه سلطته، مشيرا إلى أنه «منفتح على الحوار». لكنه استبعد عقد لقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقال إن «الأمر ليس مستحيلا، لكنه مستبعد. بعثت رسائل كثيرة إلى دونالد ترمب».
ووطّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤخرا علاقته بمادورو، حيث زاره الشهر الماضي في كراكاس.
وزار مادورو تركيا العام الماضي بعد فوز إردوغان في الانتخابات الوطنية والرئاسية، حيث وصف الرئيس التركي بأنه «صديق» لكراكاس.
في سياق متصل، وبعد المواجهة العنيفة بين الولايات المتحدة وروسيا في الجلسة الاستثنائية التي عقدها مجلس الأمن الدولي يوم السبت لمناقشة الأزمة الفنزويلية، والتي أعادت إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، بدأت تظهر العلامات الأولى على التصدّع في جبهة القوات المسلحة الموالية للرئيس نيكولاس مادورو بعد إعلان الملحق العسكري الفنزويلي في العاصمة الأميركية انشقاقه عن النظام، وولاءه لرئيس البرلمان وزعيم المعارضة خوان لغوايدو الذي أعلن تولّيه رئاسة الجمهورية بالوكالة قبل أربعة أيام.
وكان العقيد خوسيه لويس سيلفا قد أدلى بتصريحات إلى صحيفة «ميامي هيرالد»، دعا فيها رفاقه في القوات المسلحة إلى «التخلّي عن مصادرة السلطة التنفيذية بصورة غير شرعية بعد أن جمع القادة ثروات طائلة على حساب الشعب». ثم نشر شريط فيديو جرى تصويره في مكتبه بالسفارة الفنزويلية في واشنطن جاء فيه: «أتوجّه إلى الشعب الفنزويلي، وبخاصة إلى أشقّائي في القوات المسلحة الوطنية، للاعتراف بخوان غوايدو كرئيس وحيد وشرعي للبلاد». كما دعا عناصر الجيش وأجهزة الأمن إلى عدم مهاجمة المدنيين، والعمل على إعادة الديمقراطية إلى البلاد.
وليس واضحاً بعد ما إذا كانت خطوة سيلفا ستفتح باب الانشقاقات التي يراهن عليها غوايدو، أم أنها معزولة وليست ثمرة تنسيق مع قيادات أخرى في صفوف القوات المسلحة التي أكّدت دعمها لمادورو منذ يومين. وقال سيلفا إنه يتبنّى خارطة الطريق التي أعلنها غوايدو للخروج من الأزمة على مراحل ثلاث: إنهاء «اغتصاب» السلطة التنفيذية، والشروع في مرحلة انتقالية لتشكيل حكومة جديدة، ثم إجراء انتخابات حرّة ونزيهة.
وكان سيلفا قد رفض تنفيذ الأوامر التي صدرت بعودة الطاقم الدبلوماسي الفنزويلي في واشنطن إلى كراكاس، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بغوايدو. وقال إن غالبية الدبلوماسيين الفنزويليين ليسوا راضين عن اغتصاب السلطة على يد مادورو، «لكنهم يخشون أن تتعرّض عائلاتهم للانتقام». وكانت الولايات المتحدة قد سحبت موظفيها الدبلوماسيين من كراكاس، ثم توصّلت إلى اتفاق مع فنزويلا للتفاوض حول إقامة مكتبين لرعاية المصالح في العاصمتين قبل نهاية الشهر المقبل.
وفي سياق متصل، يجري عدد من القيادات السياسية الفنزويلية المعارضة المقيمة في إسبانيا لقاءات مكثّفة في مدريد منذ أيام مع أعضاء في حكومة سانشيز، ومع رئيسي الوزراء الأسبقين الاشتراكي فيليبي غونثاليث واليميني خوسيه ماريّا آثنار. وتعوّل المعارضة الفنزويلية كثيراً على الدور الإسباني من حيث تأثيره على الموقف الأوروبي المشترك، الذي بات قاب قوسين من الاعتراف برئاسة غوايدو بعد تجاوز تحفظات اليونان والنمسا بعد أن أمهلت بروكسل نظام مادورو حتى نهاية الأسبوع للإعلان عن إجراء انتخابات عامة قبل الإقدام على الخطوة.
وتُعتبر مدريد «عاصمة» المعارضة السياسية الفنزويلية، على غرار ما هي ميامي بالنسبة للمعارضة الكوبية. ويُقدّر عدد الفنزويليين الذين هربوا من فنزويلا خلال السنوات الأخيرة بنحو ٣٠٠ ألف، بينهم قياديّون معروفون مرشّحون لأدوار بارزة في حال سقوط نظام مادورو. ويتحدّر كثيرون من أبناء الجالية الفنزويلية في إسبانيا من أصول إسبانية أو برتغالية أو إيطالية، هاجر أهلهم إلى فنزويلا طلباً للثروة في النصف الثاني من القرن الماضي.
وتجدر الإشارة إلى أن الأحزاب السياسية اليمينية في إسبانيا تستخدم الأزمة الفنزويلية منذ سنوات في معاركها الانتخابية، وتقيم اتصالات دورية مع قادة المعارضة الذين غالباً ما ينتقدون الأحزاب والقوى اليسارية لعدم ممارستها الضغوط الكافية ضد نظام مادورو. لكن الحكومات الإسبانية، بغض النظر عن لونها السياسي، تواجه صعوبة في التعاطي مع الأزمة الفنزويلية نظراً لأهميّة المصالح الاقتصادية والتجارية والمالية الإسبانية في فنزويلا، وما قد تتعرّض له من انتكاسات بسبب القرارات السياسية.
وفيما يمارس الغرب ضغوطا على حكومة مادورو، يكثّف غوايدو ضغطه لإجراء انتخابات جديدة، بدعوة إلى مظاهرة جديدة ومنحه العفو للعسكريين الذين ينشقون عن نظام مادورو. وكتب رئيس البرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة في تغريدة: «نواصل التقدم، اليوم تم الإصغاء إلى أصوات الشعب من جانب العالم الذي يؤمن ويناضل مثلنا من أجل الحرية والديمقراطية».
وسيعلن غوايدو (35 عاماً) المطمئنّ بعد اتخاذ العديد من الدول مواقف لصالحه، موعد المظاهرة الكبيرة الجديدة المرتقبة خلال أيام وسيدعو أنصاره إلى المشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو عبر نسخ مطبوعة، في نشر قانون العفو الذي وُعد به الموظفون والعسكريون الذين يقبلون دعمه.
وينصّ القانون على أن «العسكريين والشرطيين الذين يساهمون في استعادة النظام الديمقراطي يمكنهم الاندماج مجدداً في الحياة السياسية في البلاد». ويقدّم هذا القانون «كل الضمانات الدستورية إلى الموظفين المدنيين والعسكريين» الذين يقومون بهذا الخيار.
وترى الخبيرة في الشؤون العسكرية، روسيو سان ميغيل، أنه من المنطقي أن يطلق غوايدو «نداء إلى الملحقين العسكريين الفنزويليين في الخارج، كي يكفّوا رسمياً عن الاعتراف بمادورو (رئيساً) عبر وصفه بمغتصب (السلطة)، مقابل فرصة البقاء في مناصبهم وبدء التعاون مع عملية الانتقال» إلى انتخابات جديدة. فيما كتب النائب المعارض خوليو بورجيس الموجود في المنفى في كولومبيا، في تغريدة «العالم مع فنزويلا»، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
على خط مواز، يعمل غوايدو على جبهة أخرى. فقد طلب في رسالة وجهها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش «استجابة دولية لحالة الطوارئ الإنسانية في فنزويلا». وكتب «حالة الطوارئ في بلادنا تسفر عن ملايين الضحايا الذين يعانون من عدم الوصول إلى (خدمات) الصحة والأمن الغذائي والتعليم والأمان، وبسبب المستوى العالي للعنف المزمن». وأضاف: «نطالب بإلحاح بتعاون التضامن الدولي، الذي ينسّقه نظام الأمم المتحدة ووكالاته».
وفنزويلا الغنية بالنفط تشهد أزمة اقتصادية مع نسبة تضخم يتوقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ 10 ملايين في المائة في العام 2019 ونقص في المواد الغذائية والأدوية. وأسفرت حركات الاحتجاج ضد حكومة مادورو عن 29 قتيلاً منذ الاثنين الماضي، بحسب المرصد الفنزويلي للنزاعات الاجتماعية.
وأوقف أكثر من 350 شخصاً هذا الأسبوع أثناء المظاهرات، «بينهم 320 في يوم 23 يناير (كانون الثاني) وحده»، بحسب الأمم المتحدة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.