أوروبا وطهران تضعان غداً اللمسات الأخيرة على {القناة الخاصة}

توقع بيان أوروبي يدين الصواريخ والأنشطة الإقليمية لإيران بموازاة تدشين الآلية الخاصة... وإرجاء تصويت «تشخيص مصلحة النظام» على «فاتف»

متظاهريين إيرانيين يرفعون لافتة ضد مشروع قانون معايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف)
متظاهريين إيرانيين يرفعون لافتة ضد مشروع قانون معايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف)
TT

أوروبا وطهران تضعان غداً اللمسات الأخيرة على {القناة الخاصة}

متظاهريين إيرانيين يرفعون لافتة ضد مشروع قانون معايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف)
متظاهريين إيرانيين يرفعون لافتة ضد مشروع قانون معايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف)

تعود طهران والدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) إلى طاولة الحوار لوضع آخر اللمسات على القناة المالية الخاصة، بعدما أكدت مصادر غربية أمس تقاسم الثلاثي الأوروبي مسؤوليات تدشين القناة، على أن يصدر بيان أوروبي يطالب طهران بالامتثال لمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي (فاتف)، إضافة إلى وقف تطوير برامج الصواريخ الباليستية ودورها الإقليمي، وهو ما يقابله تحفظ إيراني.
واتفقت الدول الأوروبية الثلاث (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا) على تشغيل القناة المالية الخاصة لضمان التجارة مع إيران، بهدف الالتفاف على العقوبات الأميركية، وقد تدخل حيز التنفيذ اعتباراً من غد (الاثنين)، بحسب ما ذكرت مصادر غربية. ويتوقع وصول وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الاثنين، إلى بروكسل للاجتماع بنظرائه الثلاثة وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، بحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني لبحث التفاصيل النهائية ووضع آخر اللمسات على مسودة الإعلان الرسمي.
وأفادت صحيفة «دير شبيغل» الألمانية أمس، بأن ألمانيا ستتولى إدارة القناة المالية الخاصة، وستقوم بريطانيا بدور المحاسب، فيما تكون فرنسا مقراً للقناة التي ولدت فكرتها عقب انسحاب ترمب من الاتفاق النووي.
وتريد الدول الأوروبية أن تشق طريقاً جديدة لمواصلة التجارة مع إيران والالتفاف على العقوبات الأميركية التي بدأت منذ بداية أغسطس (آب) الماضي، وذلك بعدما انسحبت عشرات الشركات الأوروبية من عقود تجارية بينها وبين طهران عقب التهديد بفرض عقوبات.
وأفادت وكالة «رويترز» قبل أيام قليلة نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني اشترطت تفعيل الآلية المالية الخاصة قبل اتخاذ خطوات لمعاقبة الصواريخ الإيرانية.
وفي حين ترى الحكومة أن القناة المالية من شأنها تخفيف الضغوط عن العقوبات الأميركية، لكن بالوقت نفسه لم تخفِ الأوساط الإيرانية مخاوفها من ضياع فرص التحايل على العقوبات بسبب قوانين مجموعة «فاتف» التي تراقب غسل الأموال ومخاطر الحركة المالية والأنشطة غير القانونية.
وقالت «إذاعة أميركا» على خدمتها الفارسية «راديو فردا» أمس، إنها اطلعت على وثيقة تفيد بأن «أعضاء الاتحاد الأوروبي سيوقعون عقب تدشين القناة المالية، على بيان حول دور إيران الإقليمي وبرنامج الصواريخ الباليستية بموازاة التأكيد على الالتزام بالاتفاق النووي».
وبحسب المصدر، فإن دول الاتحاد ستؤكد أن القناة الخاصة تأتي في سياق مساعي الدول الأوروبية لحفظ الاتفاق النووي، وإن المبادرة الأوروبية «كيان خاص» من شأنها تحسين أوضاع حياة الإيرانيين، إضافة إلى تأثيرها الإيجابي في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيران وأوروبا.
والقناة المالية هي عبارة عن تعويض مالي للشركات التي تبيع السلع إلى إيران مقابل إمدادات النفط إلى أوروبا. وتسمى القناة المالية SVP)) أو قناة التعامل بغير الدولار.
كما يحث بيان أعضاء الاتحاد الأوروبي على ضرورة التقدم في الموافقة على سلسلة الإصلاحات المطلوبة في الأنظمة المالية وتشريع قوانين، وفقاً لمعايير «فاتف». وتعرب الدول بالوقت نفسه عن جاهزيتها للتعاون مع إيران عبر تقديم الاستشارة الفنية.
وتقول المصادر إن البيان الأوروبي يسلط الضوء بوضوح على قلق دول الاتحاد تجاه الأنشطة الإيرانية وفق فقرات من المسودة المسربة. وتشير إلى أن أوروبا قلقة للغاية من تفاقم التوتر الإقليمي وإسهام إيران بسبب دورها في سوريا.
وتقول تفاصيل الوثيقة الأوروبية المسربة إن دول الاتحاد ستعبر عن «قلق بالغ» حيال الأنشطة الصاروخية الإيرانية وتطالب إيران بوقف الأنشطة، خصوصاً البرنامج الذي لا يتسق مع القرار الأممي 2231. وتضيف المفوضية الأوروبية في البيان أن أنشطة إيران على هذا الصعيد «ستعمق عدم الثقة وتسهم في عدم الاستقرار الإقليمي».
وكانت فرنسا على لسان وزير الخارجية جان إيف لودريان، وجهت تحذيراً صريحاً إلى طهران بشأن فرض عقوبات على طهران بسبب برنامجها للصواريخ الباليستية ونفوذها في الشرق الأوسط.
وقال لودريان إن فرنسا ستتجه لخطوة العقوبات إذا لم يسفر الحوار مع هذا البلد حول نشاطاته الباليستية ونفوذه الإقليمي عن نتيجة. وقال لودريان: «لدينا مطلبان (...) أن تتخلى إيران عن إنتاج الصواريخ، خصوصاً عن تصديرها بما في ذلك إلى فصائل مسلحة في الشرق الأوسط وكذلك إلى الحوثيين» في اليمن. وأضاف أن إيران «يجب أن تكف أيضاً عن أعمالها لزعزعة استقرار المنطقة بأسرها»، معتبراً أنه بموجب القرار الدولي 2254 حول سوريا، لا يمكن أن تكون هناك «قوات أجنبية على الأراضي السورية». وتابع: «أطلقنا حواراً صعباً مع إيران يفترض أن يستمر، ونحن مستعدون في حال فشله إلى فرض عقوبات صارمة. وهم يعرفون ذلك».
ورد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي في وقت متأخر ليلة الجمعة، وقال إن «قدرات إيران في مجال الصواريخ جزء من قوتها الدفاعية الشرعية (...) وبرنامج إيران للصواريخ غير قابل للنقاش (...) وتم إبلاغ ذلك للفرنسيين».
ولوحظ من موقف الخارجية الإيرانية أن المتحدث حاول التنصل من وجود مفاوضات بشأن الصواريخ في وقت أشار فيه إلى وجود مشاورات سياسية مستمرة بين طهران وباريس.
وحذرت الخارجية الإيرانية في الوقت نفسه من أن «أي عقوبات أوروبية جديدة ستؤدي إلى مراجعة لعلاقاتنا معهم». وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية، أمس، بأن إيران اتهمت فرنسا «بزعزعة استقرار» المنطقة رداً على تهديدات باريس بفرض عقوبات على طهران.
وقالت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان نشر في وقت متأخر من الجمعة، إن «الجمهورية الإسلامية دعت دائماً إلى تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة». وأضافت أن إيران «تعتبر المبيعات الكبيرة للأسلحة الحديثة والهجومية من قبل (...) فرنسا عاملاً يزعزع توازن المنطقة».
وتنتظر طهران تفعيل الآلية الأوروبية في وقت تشهد فيه نقاشاً محتدماً حول امتثالها لمعايير مجموعة «فاتف» لمراقبة العمل المالي. وتريد حكومة روحاني الانضمام إلى «فاتف» قبل نهاية فرصة الانضمام وعودة إجراءات على نظامها المالي بسبب المخاطر من قبيل التزامها بالانضمام إلى اتفاقية مكافحة الجريمة الدولية المنظمة (باليرمو) واتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال (CFT).
وأعلن مجلس تشخيص مصلحة النظام أمس، إرجاء القرار بشأن مصير لائحتي الانضمام إلى اتفاقية مكافحة الجريمة الدولية (باليرمو) واتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT). وكانت تقارير أشارت إلى رفض اللائحتين في لجنتي «القانون - القضاء» و«الدفاع - العسكرية» بسبب معارضتهما المصالح القومية الإيرانية.
وترأس وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الوفد الممثل للحكومة في اجتماع مجلس تشخيص مصلحة النظام للأسبوع الثاني على التوالي.
وكان البرلمان الإيراني أقر 4 لوائح قدمتها الحكومة، وهي تفتح الباب لامتثال إيران لمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي بناء على تعهدات قطعتها أثناء مفاوضات الاتفاق النووي، وذلك من بين الشروط لتطبيع العلاقات مع البنوك الإيرانية. ومن بين اللوائح الأربع لم يتوصل مجلس صيانة الدستور، الجهاز المشرف على قرارات البرلمان إلى اتفاق مع النواب، وهو ما تطلب إحالته إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي يفصل في البرلمان والجهاز الرقابي. وتقول الحكومة الإيرانية إن امتثالها للاتفاقيات الدولية «لن يؤثر» في أنشطة الحرس الثوري وذراعه الخارجية «فيلق القدس». وتقول الأوساط المقربة من «الحرس الثوري»، إن امتثال إيران «من شأنه أن يعرقل أنشطة فيلق القدس وحماس وحزب الله».
ونقلت وكالة «تسنيم» المقربة من جهاز استخبارات «الحرس الثوري» عن أمين عام مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضايي، أن سبب تأخر القرار يعود إلى خلافات عميقة بين أعضاء المجلس الذي «يعد آخر حصن للمصالح القومية»، بحسب رضايي الذي قاد «الحرس الثوري» في سنوات الحرب مع العراق.
وأشار رضايي إلى «غموض كثير» في شروط إيران على اتفاقية الجريمة المنظمة. ونقلت وكالات عن محسن مجتهد شبستري، أن «كثرة الآراء حالت دون إتمام عملية التصويت هذا الأسبوع».
بدوره، قال النائب حسن بيغي، إن أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني «أعلن صراحة أن الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب ليست في صالح إيران». وقال النائب لوكالة «مهر» الحكومية إن «الانضمام من الجانب الأمني والقانوني والاقتصادي سيؤدي إلى انتصار الشعب الإيراني على الولايات المتحدة، لكن من جانب آخر سيؤدي إلى إخضاعنا للولايات المتحدة ويسبب لنا صعوبات مختلفة تؤدي إلى انكسار إيران».



حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
TT

حرب إيران تعمّق نزيف الذخائر الأميركية والجاهزية أمام الكبار

نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)
نظام الدفاع الصاروخي «ثاد» خلال معرض «صنع في أميركا» في الساحة الجنوبية للبيت الأبيض 15 يوليو 2019 (أرشيفية - أ.ب)

تتناول تقارير أميركية حديثة استنزاف مخزونات الذخائر في الحرب مع إيران؛ ما قد يؤدي إلى معضلة أكبر من مجرد حسابات عسكرية آنية في الشرق الأوسط. فالمسألة لم تعد محصورة في قدرة الولايات المتحدة على مواصلة حملة جوية وصاروخية مكثفة ضد إيران، بل باتت تتصل مباشرة بجاهزية الجيش الأميركي لمواجهة طارئة في مسارح أخرى، خصوصاً في غرب المحيط الهادئ إذا قررت الصين التحرك ضد تايوان، أو في أوروبا إذا تصاعد التهديد الروسي.

وفي خلفية هذا النقاش، يبرز سؤال سياسي لا يقل حساسية، وفق ما يطرحه محللون، وهو: هل تعكس التسريبات قلقاً حقيقياً داخل المؤسسة العسكرية، أم أنها تتحول أيضاً أداةَ ضغطٍ على الكونغرس لتمرير ميزانية دفاعية ضخمة وطلب تمويل إضافي للحرب؟

وتستند هذه المخاوف إلى تقارير نشرتها صحف أميركية عدة، إضافة إلى تقديرات من مركز دراسات استراتيجية ودولية، تشير إلى أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى واعتراضات دفاعية باهظة التكلفة.

وعلى سبيل المثال، تحدثت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن إطلاق أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» وما بين 1500 و2000 صاروخ دفاع جوي اعتراضي، بينها «ثاد» و«باتريوت» و«ستاندرد»، مع تقديرات بأن تعويض بعض المخزونات بالكامل قد يستغرق حتى ست سنوات.

أما صحيفة «نيويورك تايمز»، فأشارت إلى استخدام نحو 1100 صاروخ «جاسم - إي آر» وأكثر من 1200 صاروخ «باتريوت»، فضلاً عن أكثر من ألف صاروخ أرضي من طرازات دقيقة؛ ما جعل المخزون العالمي الأميركي تحت ضغط شديد.

مخزون يتآكل سريعاً

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس أركان القوات المشتركة الجنرال دان كاين خلال مؤتمر صحافي في البنتاغون 24 أبريل (أ.ف.ب)

وتكمن خطورة هذه الأرقام في أن كثيراً من الذخائر المستهلكة ليست من النوع الذي يمكن استبداله سريعاً. فصواريخ «توماهوك» و«جاسم - إي آر» و«باتريوت» و«ثاد» ليست ذخائر عادية، بل هي جزء من العدة الأساسية لأي مواجهة مع قوة كبرى، خصوصاً في بيئة بحرية وجوية معقدة كالتي يتوقعها المخططون الأميركيون في حال نشوب حرب حول تايوان مثلاً. لذلك؛ لا يقاس الاستنزاف بعدد الصواريخ وحده، بل بموقع هذه الصواريخ داخل خطط الحرب الأميركية.

وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن بعض المسؤولين في الإدارة باتوا يقدّرون أن الولايات المتحدة قد لا تستطيع، في المدى القريب، تنفيذ خطط الدفاع عن تايوان بالكامل إذا وقع غزو صيني مفاجئ.

ويكمن جوهر القلق في أن الحرب مع إيران استهلكت ذخائر كان يُفترض أن تبقى جزءاً من «مخزون الردع» في آسيا. فالصين، بخلاف إيران، تملك قوة صاروخية وبحرية وجوية ضخمة، وتستند عقيدتها العسكرية في أي حرب محتملة إلى منع القوات الأميركية من الاقتراب، عبر كثافة نيران وصواريخ مضادة للسفن والطائرات.

في مثل هذا السيناريو، تصبح الاعتراضات الدفاعية والصواريخ البعيدة المدى سلعة استراتيجية لا يمكن تعويض نقصها بمجرد نقل وحدات أو حاملات إضافية.

تايوان وحرب إيران

تجربة صاروخ باليستي لكوريا الشمالية في موقع غير محدد 19 أبريل (أ.ف.ب)

من جانبها، تؤكد الإدارة الأميركية أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن خوض حرب كبرى. فالبيت الأبيض نفى بشدة خلاصات التقارير التي تتحدث عن ضعف القدرة العسكرية؛ إذ قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن فرضية النقص «خاطئة»، مؤكدة أن الولايات المتحدة تملك أقوى جيش في العالم ومخزونات كافية لتنفيذ أي عملية يوجه بها الرئيس.

وقال أيضاً المتحدث باسم وزارة الحرب (البنتاغون) شون بارنيل، إن الجيش يملك ما يحتاج إليه لتنفيذ المهمة في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس.

لكن النفي السياسي لا يلغي جوهر المشكلة العملياتية. فقائد القوات الأميركية في المحيطين الهندي والهادئ، الأدميرال صامويل بابارو، حاول خلال شهادته في الكونغرس، الموازنة بين دعم العمليات الجارية في الشرق الأوسط والطمأنة إلى أن الردع ضد الصين لم يتضرر. غير أنه أقرّ ضمناً بوجود حدود في «المخزن»، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة في النقاش العسكري الأميركي، مفادها أن القضية ليست فقدان القدرة، بل ارتفاع المخاطر إذا جاءت الأزمة التالية قبل إعادة ملء المخازن.

وتتعمق هذه المخاوف مع نقل منظومات وذخائر من آسيا وأوروبا إلى الشرق الأوسط. فالتقارير تتحدث عن إرسال رادارات من كوريا الجنوبية، وتحريك صواريخ اعتراضية من منظومة «ثاد»، وتحويل وحدات من مشاة البحرية من المحيط الهادئ إلى المنطقة.

كما سبقت ذلك إعادة توجيه حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» من بحر الصين الجنوبي إلى الشرق الأوسط.

هذه التحركات لا تعني انسحاباً أميركياً من آسيا، لكنها تمنح بكين مادة دعائية وسياسية للقول إن واشنطن مشتتة بين حروب متعددة، وإن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الحلفاء ليست بلا حدود، وفق ما يقول عدد من المحللين.

امتحان الزمن والتكلفة

حاملة طائرات أميركية من طراز «نيميتز» خلال مناورات تدريبية في تشيلي 18 أبريل (رويترز)

تكشف الحرب مع إيران عن فجوة مزمنة في قاعدة التصنيع الدفاعي الأميركية. فقد اعتادت الولايات المتحدة على خوض حروب ضد خصوم أضعف بتكلفة عسكرية يمكن احتواؤها، لكنها تجد نفسها الآن أمام معادلة مختلفة، وهي استخدام ذخائر بملايين الدولارات لاعتراض صواريخ أو مسيّرات أرخص بكثير، أو لضرب أهداف كثيرة ومتفرقة في مسرح واسع.

وإذا صح أن تكلفة الحرب حتى الآن تراوح بين 25 و35 مليار دولار، حسب تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز»، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالنفقات، بل بوتيرة الاستهلاك مقارنة بوتيرة الإنتاج.

تقول بعض التقارير إن إنتاج «باتريوت» في عام كامل لا يعادل تقريباً نصف ما استُهلك في الحرب. وتضيف أن تعويض «توماهوك» و«ثاد» و«ستاندرد» قد يستغرق سنوات، حتى لو ضُخت أموال جديدة. فالمال يشتري العقود، لكنه لا يبني فوراً خطوط إنتاج ولا يؤمّن سلاسل توريد معقدة ولا يضاعف العمالة المتخصصة خلال أسابيع.

لهذا؛ يضغط «البنتاغون» على شركات مثل «لوكهيد مارتن» و«آر تي إكس» لزيادة الإنتاج، بل ويفتح قنوات مع شركات السيارات والمصانع المدنية لاختبار إمكان تحويل جزء من القدرة الصناعية الأميركية إلى نمط أقرب إلى «اقتصاد حرب».

غير أن هذا التحول يصطدم بواقع سياسي واقتصادي. فشركات الدفاع تريد عقوداً طويلة الأجل قبل توسيع مصانعها، والكونغرس يريد رقابة على التكلفة، والرأي العام قد لا يتقبل بسهولة إنفاقاً إضافياً ضخماً على حرب لا تزال نهايتها غير واضحة.

وبينما تطلب الإدارة ميزانية دفاعية تصل إلى 1.5 تريليون دولار، وتطرح في الوقت نفسه حاجة إلى تمويل إضافي بنحو 200 مليار دولار للحرب مع إيران، تصبح أرقام الذخائر جزءاً من معركة داخل واشنطن حول حجم الدولة الأمنية والعسكرية في عهد ترمب.

إنذار أم ضغط على الكونغرس؟

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

ويتفق المراقبون على أنه من الصعب فصل البعد العسكري عن البعد السياسي في توقيت هذه التقارير. فالتسريبات تخدم، من جهة، وظيفة إنذارية حقيقية: تنبيه صناع القرار إلى أن الحروب الإقليمية الطويلة قد تستهلك بسرعة ذخائر مخصصة أصلاً لمنافسة القوى الكبرى. لكنها، من جهة أخرى، تمنح «البنتاغون» وحلفاءه في الكونغرس حجة قوية لطلب اعتمادات إضافية، تحت عنوان أن عدم التمويل لا يهدد حملة إيران وحدها، بل يضعف الردع في تايوان وأوروبا وكوريا الجنوبية.

هنا تتبدى المفارقة في خطاب الإدارة. فترمب يقول إن لدى الولايات المتحدة إمدادات تكاد تكون «غير محدودة» من بعض الذخائر، بينما تطالب مؤسسته العسكرية بزيادة تاريخية في الإنفاق وتسريع الإنتاج.

وينفي البيت الأبيض أن تكون الجاهزية قد تضررت، لكنه يدفع في الوقت نفسه باتجاه استثمارات ضخمة في القاعدة الصناعية الدفاعية. هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الأميركية: الطمأنة مطلوبة للحلفاء والخصوم، أما التهويل المدروس فمفيد داخل الكونغرس.

الخلاصة، أن حرب إيران لا تختبر القوة الأميركية في الشرق الأوسط وحده، بل تختبر نموذج القوة الأميركية عالمياً. فإذا كانت واشنطن قادرة على ضرب آلاف الأهداف، فإن السؤال الأعمق هو: كم مرة تستطيع أن تفعل ذلك، وفي كم مسرح، وبأي تكلفة، ومن دون أن تفتح نافذة إغراء أمام خصومها؟ تلك هي المعضلة التي تجعل نقص الذخائر قضية استراتيجية لا لوجستية فحسب.


نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو يعلن خضوعه لاستئصال «ورم خبيث» صغير من البروستاتا

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو (رويترز)

أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الجمعة أنه خضع لاستئصال «ورم خبيث في مرحلة مبكرة» من البروستاتا، وذلك في إطار نشر تقريره الصحي السنوي.

وفي منشور على منصة «إكس»، أوضح نتنياهو (76 عاما) الذي يخضع لمتابعة طبية منذ عملية في البروستاتا قبل نحو عام ونصف العام، أنه «خلال الفحص الأخير، تم العثور على كتلة صغيرة لا يتجاوز حجمها سنتيمترا واحدا في البروستاتا. وأكدت الفحوص أنها ورم خبيث في مرحلة مبكرة، من دون انتشار».

ولم يحدّد موعد العملية، لكنه أشار إلى «علاج موجّه أتاح إزالة المشكلة من دون أن يترك أثرا». وأضاف أنه أرجأ نشر تقريره الصحي السنوي «لمدة شهرين» لتجنّب صدوره خلال الحرب مع إيران التي اندلعت أواخر فبراير (شباط)، وكذلك لتفادي ما وصفه بـ«الدعاية المضللة» التي قد تستغلها طهران.

ومنذ عودته إلى السلطة في (كانون الأول) 2022، أُدخل نتنياهو إلى المستشفى مرات عدة، بينها لإجراء تنظير قولون روتيني في مايو (أيار) 2025، وفق مكتبه. وفي يوليو (تموز) 2023، أي قبل أقل من ثلاثة أشهر على هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) وبداية الحرب في غزة، خضع لزرع جهاز لتنظيم ضربات القلب.

كما أُجريت له عملية جراحية بسبب فتق في مارس (آذار) 2024.


تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
TT

تركيا: السفير الأميركي يدافع عن تصريحات أثارت غضب المعارضة

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك أثار غضباً لدى المعارضة التركية وانتقادات أميركية بسبب تصريحات في منتدى «أنطاليا الدبلوماسي» (أ.ف.ب)

قدم السفير الأميركي لدى تركيا توم براك توضيحات لتصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الأسبوع الماضي، دفعت المعارضة إلى المطالبة بإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

ودافع براك عن تصريحاته، التي أدلى بها خلال «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» بجنوب تركيا في 18 أبريل (نيسان) الحالي، والتي قال فيها إن «الأنظمة ذات القيادة القوية» فقط هي التي نجحت في الشرق الأوسط، إنْ الأنظمة الملكية المستنيرة أو نوع من الجمهوريات الملكية، وما عدا ذلك تلاشى واختفى بعد الربيع العربي.

واستخدم أيضاً عبارة «الدول التي تتستر برداء الديمقراطية والتي نستهدفها بحجة حقوق الإنسان»، والتي قال إنها فشلت أيضاً، لافتاً إلى أنه يعلم أنه سيتعرض للانتقاد لقوله هذا؛ لأنه سيُعدّ مناهضاً للديمقراطية.

هجوم من المعارضة التركية

وفي رد مكتوب على أسئلة من «فوكس نيوز ديجيتال»، نقلته وسائل إعلام تركية، الجمعة، قال براك إننا «نؤمن بالسلام من خلال القوة، والتقييم الصادق للحقائق، والنتائج التي تحمي مصالح الولايات المتحدة دون جرها إلى حروب لا نهاية لها».

براك متحدثاً خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» في 18 أبريل (إعلام تركي)

وأضاف: «إنني عندما قلت إن الحكومات الوحيدة التي استطاعت البقاء في الشرق الأوسط هي الأنظمة الملكية ذات القيادة القوية، لم أكن أتحدث من منطلق آيديولوجي، بل من واقع عقود من الملاحظة الدقيقة».

وتابع براك، موضحاً وجهة نظره، قائلاً إن الدول التي تبنت ديمقراطيات على النمط الغربي بعد انتفاضات «الربيع العربي»، سقطت في الغالب في براثن «الفوضى والحرب الأهلية وأشكال جديدة من الاستبداد».

ولفت إلى أنه، في المقابل، فإن الحكومات «التي تركز على النتائج»، كتلك الموجودة في دول الخليج، التي تحكمها الملكيات، قد ازدهرت. وضرب براك مثلاً بتركيا وإسرائيل على الدول التي تنمو تحت قيادة «قادة أقوياء»، مشيراً إلى أنهما أحرزا تقدماً رغم الانتقادات الموجهة إليهما بشأن القيم الديمقراطية.

أشاد براك بـ«القيادة القوية» لإردوغان لتركيا (الرئاسة التركية)

وواصل براك: «تُظهر تركيا، التي يحكمها نظام جمهوري رئاسي مع انتخابات دورية متعددة الأحزاب، استقراراً وديناميكية اقتصادية ونفوذاً إقليمياً طموحاً بفضل القيادة القوية والمركزية للرئيس رجب طيب إردوغان؛ ومع ذلك، يصف النقاد نظامها بأنه نظام هجين ذو نزعات استبدادية قوية».

وتعرض براك لهجوم عنيف من جانب أحزاب المعارضة التركية على اختلاف توجهاتها، بسبب تصريحاته التي اعتبرت مناهضة للديمقراطية، إلى حد المطالبة بطرده من البلاد وإعلانه «شخصاً غير مرغوب فيه».

زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل طالب بطرد براك بعد تصريحاته التي عدّها إخلالاً بالديمقراطية (حساب الحزب في إكس)

وقال زعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، إن «تصريحات السفير الأميركي لا تليق في بلد أقامه مصطفى كمال أتاتورك على أساس الديمقراطية، ومن الوقاحة أن يأتي شخص إلى هنا ويتحدث بهذه الطريقة... ينبغي ألا يبقى في هذا البلد دقيقة أخرى ما لم يتراجع عن كلامه. لقد أصبح الآن (شخصاً غير مرغوب فيه) في ظل الديمقراطية التركية».

رفع العقوبات عن تركيا

من ناحية أخرى، جدد براك تأكيده أن تركيا قد تعود إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلات الأميركية «إف - 35» في غضون أشهر، قائلاً إن تركيا لا تزال حليفاً رئيسياً، حيث تستضيف عناصر أميركية حيوية، وتساهم في مهام حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتواجه التهديدات المشتركة».

وأشار إلى أن العقوبات الأميركية المفروضة على تركيا واستبعادها من برنامج المقاتلات «إف - 35» بسبب حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس - 400» أدت إلى توتر العلاقات بلا داعٍ، وأن روسيا استفادت من هذا الوضع.

يؤكد براك أن تركيا ستعود خلال أشهر إلى برنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية «إف - 35» (موقع شركة لوكهيد مارتن الأميركية)

وعدّ براك أنه «يمكن، بل يجب، حل مسألة (إس – 400) في غضون أشهر من خلال دبلوماسية دقيقة يقودها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو»، لافتاً إلى أن هذا الحل سيرتكز على «العلاقة الشخصية المتينة» بين الرئيسين إردوغان ودونالد ترمب.

وقال إن ما قصده هو أن اختراقات حقيقية ستحدث قريباً، تتمثل في إعادة ترسيخ دور تركيا في برنامج «إف - 35»، وتعزيز قابلية التشغيل البيني لحلف الناتو، ودعم الصناعة الأميركية، ومواجهة النفوذ الروسي، مضيفاً أن أي حل لقضية «إف - 35» سيتوافق مع التشريعات الأميركية ذات الصلة، وهذا يعني التأكيد على انتهاء وضع امتلاك واستخدام منظومة «إس - 400» الروسية، والمصادقة رسمياً من وزيري الدفاع والخارجية التركيين على عدم وجود أي خطر يهدد تكنولوجيا «إف - 35» الحساسة.

انتقادات أميركية

ولم يتعرض براك للهجوم والانتقادات من جانب المعارضة التركية فحسب، لكنه واجه أيضاً انتقادات لاذعة في الصحافة الأميركية بسبب تصريحاته في أنطاليا؛ إذ قالت صحيفة «وول ستريت جورنال»، في مقال رأي، الثلاثاء الماضي: «ينبغي على السفراء الأميركيين الدفاع عن سياسات الولايات المتحدة في البلدان التي يوجدون فيها، لا الدفاع عن تلك البلدان ضد هذه السياسات».

منظومة «إس - 400» الروسية حصلت عليها تركيا وتسببت لها في عقوبات أميركية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وأضافت: «دافع السيد براك عن بيع تركيا طائرات (إف – 35)، وفصل هذه المسألة عن حصول تركيا على منظومات الدفاع الجوي الروسية (إس – 400) رغم اعتراضات واشنطن، وخلط بين هذا وحصول اليونان على منظومات (إس – 300) الروسية في التسعينات لحل نزاع قبرص قبل وقت طويل من بدء العمل بقانون مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات (كاتسا)».

كما انتقدت الصحيفة تصريح براك بشأن احتمال نشوب صراع بين تركيا وإسرائيل، قائلاً إن تركيا ليست دولة يستهان بها، متسائلة: «ماذا يعني هذا؟». وأضافت: «من الأجدر نصح السيد إردوغان بالكف عن مدح حركة (حماس) الفلسطينية».