بوادر مواجهات مسلحة ضد الحوثيين في صنعاء

توالي الضغط على الجماعة الانقلابية عبر «مقاومة ناعمة»

يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

بوادر مواجهات مسلحة ضد الحوثيين في صنعاء

يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون يسيرون أمام المدينة القديمة في صنعاء (إ.ب.أ)

تصاعدت في الأشهر الماضية أصوات المقاومة «الناعمة» في صنعاء ضد الميليشيات الحوثية عبر الناشطين والموظفين الحكوميين والحقوقيين وصولاً إلى قيادات محسوبة على الجماعة بدأت تضجّ من سلوك الميليشيات على صعيد انتهاك الحريات الشخصية ومحاولات «دعشنة» صنعاء.
وعلى وقع تنامي هذه المقاومة «الناعمة» في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة تَلوح نُذُر تحوُّلها في الأيام المقبلة إلى «مقاومة مسلحة» بخاصة مع رصد حوادث غامضة كانت قد أودت بقيادات حوثية في الأشهر الماضية كانت آخرها العملية التي أودت برئيس أركان القوات الجوية المعيّن من قبل الجماعة والمسؤول الفعلي عن طيرانها الإيراني المسير إبراهيم الشامي.
ولفتت مجموعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطلق على نفسها «المقاومة اليمنية في صنعاء»، الأنظار عندما أعلنت تبنيها، أول من أمس، مسؤولية تفجير مخزن صواريخ تابع للميليشيات في منطقة قاع «القيضي» التابع لمديرية سنحان جنوب مدينة صنعاء.
ووفقاً لما تم تداوله عن المجموعة المقاومة فإن عملية الاستهداف للمخزن جرت بواسطة صاروخ موجّه محمول على الكتف، ما أدى إلى تفجير المخزن، من دون ورود أنباء عن عدد القتلى والجرحى الحوثيين الذين سقطوا خلال العملية.
وشاعت حوادث متلاحقة في صنعاء منذ مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح في ديسمبر (كانون الأول) 2017، ذهب ضحيتها عناصر من أتباع الجماعة الحوثية دون معرفة من يقف وراءها، على الرغم من القبضة الحوثية المشددة التي فرضتها على سكان العاصمة وأتباع صالح العسكريين ومن بقي من الموالين له في أجهزة الأمن الخاضعة للجماعة.
ويرجح المراقبون أن حالة الغليان التي تشهدها صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين باتت تشكل أرضية جيدة لنشوء خلايا مسلحة للمقاومة إذا ما استطاعت هذه المجموعات تنظيم نفسها لوجيستيا عبر التواصل مع قيادات الجيش اليمني والتحالف الداعم للشرعية وبخاصة مع وصول السخط الشعبي إلى درجة غير مسبوقة ضد الجماعة.
وفي الوقت الذي طغى على السطح أخيراً أكثر من حادثة تنمّ على وجود صراع مستميت بين أجنحة الجماعة المختلفة، أفرز كل ذلك إلى العلن وجود قيادات موالية تهدد بالانشقاق عن الجماعة كما هو حال عدد من الوزراء في حكومة الانقلاب.
وتسبب لجوء الجماعة الموالية لإيران إلى الوسائل القمعية والأخرى الحادة لإخضاع عناصرها ومراقبة الموالين لها والاشتغال على ورقة «الإغواء» عن طريق «الزينبيات»، فضلاً عن حملات الخطف التي طالت العشرات من النساء، في إحداث ضربة أخلاقية قوية في بنيان الجماعة التي تزعم أنها تكافح ما تطلق عليه «الحرب الناعمة» وفقاً لتوجيهات زعيمها.
وحسب تقديرات المراقبين فإن امتناع الجماعة عن دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها للسنة الثالثة على التوالي، أسهم إلى حدٍّ كبير في تصاعد حدة السخط ضدها، بخاصة مع وجود الأموال الضخمة التي تجنيها الجماعة من موارد المؤسسات وتقوم بتسخيرها لمصلحة المجهود الحربي وإثراء قادتها الطائفيين.
ويرجح الناشط اليمني توفيق المخلافي لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات الحوثية ستكون على موعد مع انفجار شعبي غير مسبوق إذا ما حانت اللحظة المناسبة في صنعاء وغيرها من المدن الخاضعة للجماعة. وأضاف: «في تقديري أن حالة الغليان الكبيرة في صنعاء تشكل مهاداً جيداً لتبلور المقاومة الشعبية وإرباك سكينة الحوثيين وصولاً إلى إسقاط الجماعة وحكمها الطائفي الانقلابي».
ويبدو أن الجماعة الموالية لإيران، تنبهت إلى الخطر الذي يتهددها جراء وجود هذه المقاومة، فعملت على التخفيف منها عبر حملات الملاحقة والاعتقالات التي امتدت إلى عشرات من ضباط الجيش والأمن والمخابرات السابقين ممن رفضوا الانخراط في برامجها الطائفية وتأدية قَسَم الولاء لزعيم الجماعة. ويعتقد مراقبون للشأن اليمني أن حالة الخوف التي كانت سائدة في صنعاء من القمع الحوثي أخذت في الآونة الأخيرة تتراجع، بخاصة مع قيام الموظفين في صنعاء بالمساهمة في فضح فساد الجماعة على صعيد نهب المساعدات الإنسانية والتشهير بانتهاكاتها ضد المدنيين.
ويرجح المراقبون أن حالة السخط الشعبي العارمة ضد الجماعة الحوثية لا يمكن السيطرة عليها من قِبل الجماعة في ظل سلوكها الرامي إلى تدمير الهوية المجتمعية للسكان وإرغامهم على اعتناق الثقافة الإيرانية الخمينية.
وفي الأيام الماضية تمكّن المعلمون في المدارس الحكومية في صنعاء من شلّ العملية التعليمية بعدما رفضوا مواصلة التدريس دون رواتب، وهو الأمر الذي فشلت معه تهديدات الجماعة لهم بالفصل والطرد من الوظيفة.
ويرفض أغلب سكان صنعاء الذهاب إلى الصلاة في المساجد الخاضعة لمعمَّمي الميليشيات في حالة تعبّر عن الرفض الكبير للوجود الحوثي، كما يحرص أغلب السكان في مناسباتهم الاجتماعية على استدعاء الروح الجمهورية الوطنية وبدء هذه المناسبات (أعراس، حفلات تخرج) بالنشيد الجمهوري لليمن، في مقابل ما تكرسه الجماعة في مثل هذه المناسبات من ترديد «الصرخة الخمينية» الدالّة على الهوية الجديدة التي تحاول فرضها على المجتمع المقاوم. وعلى الرغم من تمكن الجماعة الحوثية من احتواء قيادات حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضعين لها في صنعاء منذ مقتل الرئيس السابق علي صالح، فإن أغلبية هذه القواعد، لا تزال تجاهر بخصومتها للجماعة سراً وعلناً، وتقود عملية رفض ناعمة للوجود الحوثي الموالي لإيران.
وإن صحت الأنباء الواردة عن إصابة الرجل الثالث في الجماعة محمد علي الحوثي، قبل يومين في حادث سير مدبَّر في أثناء وجوده في إحدى مناطق عمران، فإن ذلك يعني دخول المقاومة اليمنية في مناطق الجماعة الحوثية طوراً متقدماً على صعيد استهداف العناصر البارزة في سلم الهرم الحوثي الانقلابي.
ولعل حالة الرعب هذه هي التي جعلت رئيس مجلس حكم الجماعة مهدي المشاط، المعيّن خلفاً لصالح الصماد بعد مقتل الأخير في عملية للتحالف الداعم للشرعية في الحديدة، يتوارى عن الحضور الميداني والجماهيري، فضلاً عن التنقل لحضور الفعاليات التي تقيمها الجماعة في صنعاء والمحافظات المجاورة، كما أنها هي المسؤولة عن استحداثه أكثر من 20 مكتباً سرياً لعقد لقاءاته مع عناصر الجماعة ومسؤولي حكومة الانقلاب.
وفي حال ما إذا نجحت المقاومة في صنعاء خلال الفترة المقبلة في تنفيذ أي عمليات جديدة، سواء عبر الاستهداف المباشر أو عبر التنسيق مع الشرعية والتحالف الداعم لها، فإن ذلك سيشكل كرة الثلج التي يمكن أن تتنامى للتعجيل بإسقاط الحكم الانقلابي للجماعة.
غالبية خصوم الجماعة في صنعاء كانوا يراهنون في الفترة الماضية على سقوط الحديدة وموانئها وانكسار الجماعة عسكرياً إلى جانب رهانهم على اقتراب قوات الجيش اليمني من الأطراف الشمالية للعاصمة، من أجل أن تتاح لهم حرية التحرك فعلياً لإشعال فتيل المواجهة داخل العاصمة صنعاء، عبر العمليات النوعية. ويتحدث بعض المصادر في صنعاء عن وجود مئات من الضباط والعسكريين السابقين المدربين تدريباً جيداً، والذين يمكن أن يشكّلوا نواة صلبة للمواجهة مع الحوثيين في صنعاء، بأسلحتهم الشخصية في البداية، بخاصة أنهم باتوا يملكون معلومات قيمة عن تحركات الجماعة وقادتها ومخازن أسلحتها.
ومع ابتداء العملية العسكرية الواسعة لتحرير الحديدة، في أبريل (نيسان) الماضي، كان عدد من هؤلاء الضباط -حسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»- قد عرضوا على العميد طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الراحل، الالتحاق به، غير أنه أوعز إليهم بالبقاء في صنعاء، تحيناً للفرصة السانحة لقيادة عمليات المقاومة من داخل كتلة الوجود الحوثي.


مقالات ذات صلة

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

العالم العربي غارة لطيران الجيش اليمني في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء (إكس)

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

الجيش اليمني يباغت الحوثيين في محاور جديدة ويحكم سيطرته على مواقع استراتيجية وتعزيزات ضخمة بالبيضاء وتعز والجوف وسط تقهقر وانهيار للجماعة بالتزامن مع تحرك قبلي.

«الشرق الأوسط» (تعز)
تحليل إخباري تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

تحليل إخباري البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص الدكتور الحسن طاهر محافظ الحديدة (تسجيل مرئي متداول)

خاص محافظ الحديدة لـ«الشرق الأوسط»: قواتنا تتقدم وعازمون على تحرير كامل الساحل الغربي

كشف الدكتور الحسن طاهر، محافظ الحديدة، عن تقدم القوات الحكومية اليمنية في جميع المحاور العسكرية، خصوصاً محوري الساحل الغربي وتعز.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي: استعادة مؤسسات الدولة اليمنية خيار لا رجعة عنه

أكد رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، مضي القوات المسلحة نحو الهدف الوطني الجامع في استعادة مؤسسات الدولة، بوصفه خياراً لا رجعة عنه مهما بلغت التضحيات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حراسة الفعاليات والتظاهرات إحدى الوسائل الحوثية لاستدراج الأطفال للقتال (غيتي)

جثث متراكمة وتجنيد في المدارس يعكسان نزيف الحوثيين

تشهد صنعاء أزمة صحية تتمثل في اختناق ثلاجات حفظ الجثث بقتلى الحوثيين ومراكز العناية المركزة بجرحاهم، بينما لجأت الجماعة إلى حيل جديدة للتجنيد من المدارس.

وضاح الجليل (عدن)

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
TT

معارك اليمن... فتح محاور جديدة يربك التحصينات الحوثية

وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)
وقفة احتفالية لمقاتلي الجيش اليمني بعد تحقيق تقدم على حساب الحوثيين في الجوف (إكس)

حقق الجيش اليمني والمقاومة الوطنية، اليوم الاثنين، تقدماً نوعياً في جبهات محافظات تعز والبيضاء والجوف، وسط انكسارات متتالية وتقهقر في صفوف الجماعة الحوثية، في حين تشهد محافظة الجوف تحركاً قبلياً مسانداً للقوات الحكومية بعد تحقيقها تقدماً ميدانياً.

وأعلن المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن القوات الحكومية حققت اختراقاً ميدانياً في جبهة البيضاء (وسط البلاد)؛ إذ تمكنت من «تحرير مواقع حيد الخزان ومواقع الفليحان وصولاً إلى عزلة الناصفة وأول قراها قرية ذي امخشب»، في خطوة تمنح القوات تفوقاً جغرافياً لقطع إمدادات الحوثيين بين المحافظات الوسطى والجنوبية.

ويأتي هذا التقدم بالتزامن مع فرض السيطرة على كافة التلال والهضاب المطلة على مديرية الزاهر.

وأكد مدير إعلام محافظة البيضاء، عارف العمري، أن القوات المسلحة أحكمت سيطرتها على المرتفعات الاستراتيجية المطلة على مديرية الزاهر، وتباشر حالياً تمشيط عزلة الناصفة تمهيداً للتقدم نحو منطقة «ذي ناعم»، في تطور يعزز موقف القوات الحكومية بالمحافظة.

غارة لطيران الجيش اليمني في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء (إكس)

من جانبه، أشار المتحدث باسم القوات اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إلى أن القوات المسلحة تحقق تقدماً وانتصارات متزامنة في جبهتي الجوف والبيضاء، «في إطار العمليات الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي»، داعياً عناصر الجماعة إلى مغادرة محاور التقدم وترك مواقعهم مع أسلحتهم الخفيفة حفاظاً على أرواحهم.

وفي المحور الغربي، تمكنت القوات المشتركة من تأمين شريان حيوي يربط مدينة تعز بالساحل الغربي، عقب دحر الجيوب الحوثية المتمركزة في المرتفعات الحاكمة؛ حيث أكد المركز الإعلامي «إحكام السيطرة على نقيل وجبل الكورة بجبهة الكدحة غرب تعز».

كما استهدفت القوات الحكومية تعزيزات عسكرية حوثية ضخمة قرب مدرسة الروض بمفرق شرعب ومنطقة الربيعي غرب المدينة، تضم أكثر من 21 عربة عسكرية كانت متجهة لدعم جبهات البرح ومقبنة ومهاجمة «جبل هان»، مما أسفر عن خسائر فادحة في الأفراد والعتاد.

وبدأت في محافظة الجوف تحركات لمساندة القوات المسلحة اليمنية في عملياتها العسكرية ضد الجماعة الحوثية بالتزامن مع التقدم الميداني المتواصل للقوات في عدد من جبهات المحافظة، في تطور ميداني موازٍ للعمليات العسكرية الحكومية.

طبقاً لمصادر محلية، فإن القبائل باشرت التحرك باتجاه مديرية اليتمة شمال المحافظة لمساندة القوات الحكومية عقب سيطرتها على عدة مناطق ومواقع ومعسكرات استراتيجية خلال العملية العسكرية الجارية هناك، لزيادة الضغط على مواقع الجماعة التي بدأت بالانكسار.

وتقدمت القوات المسلحة اليمنية في المحافظة، الاثنين، باتجاه مدينة الحزم، وسيطرت على مواقع استراتيجية في محيطها، إلى جانب التقدم في معسكر اللبنات ومواصلة العمليات لتأمين المناطق المحررة.

وتأتي جميع هذه التطورات غداة إعلان القوات اليمنية تحرير مديرية حيس بمحافظة الحديدة بالكامل، وبدء التحرك شمالاً نحو مديرية الجراحي، لتضع الملف اليمني أمام منعطف ميداني يعيد رسم خريطة النفوذ، بعد نجاح القوات الحكومية والمشتركة في تحويل مسار الهجوم الحوثي بالساحل الغربي إلى هجوم مضاد استعاد زمام المبادرة.

Your Premium trial has ended


العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
TT

العراق يطّلع على التجربة المصرية في معالجة المياه وإعادة استخدامها

وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)
وزير الري المصري هاني سويلم يستقبل وفداً فنياً رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات (الري المصرية)

يستهدف العراق الاستفادة من التجربة المصرية في مجال معالجة وإعادة استخدامات المياه؛ إذ بحث وفد فني عراقي نظم وتطبيقات الري الحديث المطبقة في مصر.

وأكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها للأشقاء في العراق، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه العراقي»، مضيفاً حسب إفادة لوزارة الري المصرية، أن «تبادل الخبرات يمثل أحد محاور التعاون المهمة مع بغداد».

وزار وفد فني رفيع المستوى من وزارة الموارد المائية العراقية مصر، وضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين العراقيين. ووفق بيان «الري المصرية»، تأتي الزيارة لـ«تعزيز التعاون الفني وتبادل الخبرات بين القاهرة وبغداد، والتعرف على التجربة المصرية في إدارة الموارد المائية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في هذا المجال».

الوفد العراقي يضم ثمانية من كبار الخبراء والمهندسين (وزارة الري المصرية)

وتمتلك مصر خبرات عديدة في نظم الري الحديث، وإعادة استخدامات المياه، وفق خبراء مياه مصريين، أشاروا أيضاً إلى أن «العراق يواجه تحديات عديدة في مجال المياه خلال السنوات الأخيرة، تتعلق بعجز مائي وإشكاليات تتعلق بصعوبات في خدمات الصرف الزراعي».

وخلال الزيارة عرض مسؤولون في وزارة الري المصرية للوفد العراقي نظم وتطبيقات الري الحديث، ومشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها.

وحسب البيان المصري، زار الوفد العراقي متحف الري بالعاصمة الجديدة، والمركز القومي لبحوث المياه في القناطر الخيرية، ومحطة الدلتا الجديدة لمعالجة مياه الصرف الزراعي، ومنظومة المراقبة المركزية للتعرف على أحدث النظم المستخدمة في متابعة وتشغيل منظومات المياه.

وشدد وزير الري المصري على أن «تبادل الخبرات أحد المحاور المهمة لتعزيز التعاون» بين بلاده والعراق، وأشار إلى حرص بلاده على «إتاحة خبراتها وتجاربها الناجحة للأشقاء العرب والأفارقة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه»، وأكد أهمية «الاستفادة من التجارب والحلول الناجحة في تطوير منظومات إدارة الموارد المائية».

وفد فني عراقي يتفقد نظم الري المصرية (وزارة الري المصرية)

ونقل البيان عن الجانب العراقي «إشادته بما حققته الدولة المصرية من نجاح كبير في مجال معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وخاصة من خلال محطات المعالجة الكبرى (الدلتا الجديدة وبحر البقر والمحسمة)»، وأكد «الرغبة في الاستفادة من هذه التجربة المصرية الناجحة ونقل الخبرات والتطبيقات المناسبة منها إلى العراق».

ويرى خبير المياه المصري ضياء القوصي أن «الخبرات المصرية يمكنها أن تساعد في مواجهة تحديات المياه التي يواجهها العراق خلال السنوات الأخيرة»، وأشار إلى أن «الجانب العراقي يبحث عن حلول لتحلية المياه وإعادة استخدامها، واستصلاح الأراضي الصحراوية في ظل إشكاليات العجز المائي».

وأوضح القوصي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر لديها خبرات في إدارة الموارد المائية، والصرف الزراعي، وإعادة استخدامات المياه»، إلى جانب «تجربة تحلية المياه واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «الجانب العراقي في حاجة إلى أنظمة ومعدات الري الحديث إلى جانب الدعم الفني في مجال المياه، وكلها جوانب يمكن أن توفرها الخبرات المصرية».

وزار الوفد العراقي إحدى المزارع النموذجية التي تعتمد على الري الحديث، حسب «الري المصرية».

وتتشابه التحديات المائية لدى العراق مع مصر، من حيث العجز في الموارد المائية، مع وجود خلافات على منابع نهرَي دجلة والفرات، بسبب مشروعات تركية على النهرين، وفق أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي، الذي قال إن «الحكومة العراقية تريد التعرف على التجربة المصرية في التعامل مع هذه التحديات».

وأوضح شراقي أن «هناك تعاوناً قائماً بين القاهرة وبغداد في مجال المياه»، وأشار إلى أن «مصر حققت نقلات في جوانب الإدارة الذكية للمياه، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، وتحلية مياه البحر، واستخدامها في الزراعة»، وقال إن «هذه التجارب يمكن تصديرها للجانب العراقي».


البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
TT

البيضاء... «المفتاح المنسي» في خريطة الحرب اليمنية

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)
تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

​في قلب الخريطة اليمنية، وبعيداً عن جبهات مأرب وتعز والساحل الغربي التي استحوذت طوال سنوات على الاهتمام العسكري والسياسي، تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العقد الجغرافية في الصراع، ونقطة قد يكون لتحرك خطوط القتال فيها تأثير يتجاوز حدودها إلى 8 محافظات يمنية.

تبرز محافظة البيضاء بوصفها واحدة من أهم العُقد الجغرافية في الصراع (مركز عناوين للدراسات)

وتشير دراسة استراتيجية أعدَّها «مركز عناوين للبحوث ودراسة التحولات» إلى أن أهمية البيضاء لا تنبع من ثقل اقتصادي ولا سكاني استثنائي، وإنما من موقعها الذي يجعلها «عقدة وصل عملياتية واجتماعية» بين مناطق شمال اليمن وشرقه وجنوبه.

العميد الركن ياسر صالح، المحلل العسكري والاستراتيجي، يرى أن الأهمية الكبرى لمحافظة البيضاء تكمن في أنها تحولت إلى منصة لاستهداف الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر العربي.

وقال صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «نحو 90 في المائة من الهجمات الحوثية باتجاه البحر العربي كانت من البيضاء، مستغلة الطبيعة الجغرافية، وبالتالي استماتة (الحرس الثوري) الإيراني على تحصين هذه المحافظة لاستمرار تهديد الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن».

وتجاور البيضاء محافظات مأرب وشبوة وأبين ولحج والضالع وإب وذمار وصنعاء، وهو وضع جغرافي نادر يجعل السيطرة عليها قادرة على التأثير في شبكة واسعة من الجبهات وخطوط الإمداد والمناورة.

ومع ارتفاع منسوب التوتر العسكري أخيراً، وعودة الحديث عن جاهزية الجبهات الحكومية لأي تصعيد محتمل، تطرح الدراسة سؤالاً يتجاوز حدود المحافظة: هل يمكن أن تصبح البيضاء إحدى ساحات الاختبار الرئيسية لأي انتقال من حالة الاستنزاف الراهنة إلى مواجهة أوسع مع الحوثيين؟

«عقدة وصل» بين 8 محافظات

حسب دراسة «مركز عناوين»، لا ينبغي النظر إلى البيضاء بوصفها مساحة جغرافية واحدة مركزها مدينة البيضاء، وإنما شبكة من المرتفعات والأودية والعقبات والطرق التي تتجه نحو محاور مختلفة.

فشمال المحافظة وشمالها الغربي يرتبطان برداع وقيفة وصولاً إلى ذمار وصنعاء، بينما يتصل شمالها الشرقي بردمان وناطع ونعمان، وصولاً إلى جنوب مأرب وبيحان في شبوة.

ومن الجنوب، يمتد محور مكيراس وعقبة ثرة باتجاه لودر في أبين، بينما يتصل جنوبها الغربي بالزاهر ويافع ولحج والضالع.

هذه الجغرافيا -وفق الدراسة- تمنح البيضاء قيمة تفوق وزنها الاقتصادي؛ إذ تستطيع القوة المسيطرة عليها تحريك الضغط العسكري بين جبهات عدة، أو منع خصومها من استخدام تلك المسارات.

ماذا تعني خسارتها للحوثيين؟

من منظور الحوثيين، توفر البيضاء عمقاً دفاعياً يحمي المداخل الجنوبية باتجاه ذمار وصنعاء، كما تسمح بنقل القوات والمعدات، والمناورة بين جبهات مأرب وشبوة والضالع وإب.

ويشير «مركز عناوين» إلى أن السيطرة على المرتفعات في ناطع ونعمان والزاهر ومكيراس تمنح الحوثيين أيضاً قدرة على الضغط على الوديان والمناطق المنخفضة المجاورة.

قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري خلال زيارة حديثة لمحور تعز العسكري (القوات المسلحة)

ولذلك ترجح الدراسة ألا يتعامل الحوثيون مع أي تهديد جدي للبيضاء بوصفه معركة محلية؛ بل قد يلجأون إلى دفاع متعدد الطبقات، مع إمكانية فتح جبهات أخرى لتشتيت خصومهم ومنعهم من تركيز قوتهم في محور واحد.

بدوره، يعتقد العميد ياسر صالح أن أي عمليات عسكرية في البيضاء من شأنها «ليس فقط تشتيت الضغط على جبهات الجماعة الحوثية؛ بل تستطيع أن تعزل المحافظات الوسطى في البلاد بالسيطرة عليها والتقدم إلى محافظة ذمار، وقد تُسقط كل ما تبقى من أيدي الجماعة في محافظة الضالع، ومحافظتي تعز وإب، دون الحاجة لعمليات عسكرية واسعة؛ لأن ذلك يقطع خطوط الإمداد تماماً»، على حد تعبيره.

وأضاف: «كذلك تؤمن المحافظات الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية لمحافظة البيضاء ومأرب، إلى جانب فتح الطرق وخطوط الإمداد باتجاه شبوة وحضرموت».

ويمكن لاستعادة البيضاء -حسب الدراسة- أن تمنح القوات الحكومية مجموعة من المكاسب المتزامنة، من بينها تأمين بيحان وشمال أبين وأجزاء من الضالع، وإبعاد جزء من الضغط عن جنوب مأرب، وتهديد خطوط الحوثيين باتجاه ذمار وإب.

والأهم أن فتح جبهة فاعلة في البيضاء قد يجبر الحوثيين على توزيع قواتهم على نطاق أوسع، بدلاً من حشدها في جبهة رئيسية واحدة.

لكن الدراسة تحذِّر من أن وجود قوات متعددة بقيادات متوازية، أو ضعف التنسيق والإمداد والاستخبارات المحلية، يمكن أن يعيد إنتاج إخفاقات مراحل سابقة، عندما حققت القوات المناهضة للحوثيين تقدماً في أطراف المحافظة، من دون القدرة على تحويله إلى مكسب استراتيجي دائم.

نجاح أي عملية في البيضاء

وتخلص الدراسة إلى أن نجاح أي عملية محتملة في البيضاء لن يقاس بعدد المديريات التي يمكن السيطرة عليها، وإنما بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض، وتأمين خطوط الإمداد، وإيجاد قيادة عمليات موحدة، وبناء تفاهمات مع القوى المحلية، ثم إدارة المناطق وتوفير الخدمات بعد انتهاء المعارك.

تؤكد الدراسة أن نجاح أي عملية في البيضاء تقاس بالقدرة على الاحتفاظ بالأرض وتأمين خطوط الإمداد وإيجاد قيادة عمليات موحدة (القوات المسلحة اليمنية)

وبذلك، قد لا تكون البيضاء «المفتاح السحري» لإنهاء الحرب، ولكنها تبقى إحدى أكثر قطع الخريطة اليمنية قدرة على تغيير اتجاهها.

وتصفها الدراسة بأنها «عقدة وصل وميزان»؛ السيطرة عليها لا تحسم الحرب وحدها، ولكنها يمكن أن تعيد توزيع الضغط على 8 محافظات، وتفرض على أطراف الصراع حسابات عسكرية مختلفة تماماً.