في المبارزة الكلامية الحامية الدائرة منذ أسابيع بين باريس وروما، التي زادت حماوتها في الأيام الأخيرة، تسعى باريس لتهدئة الوضع، ووقف الانجرار إلى جدل يتواجه فيه من جهة الرئيس إيمانويل ماكرون، ومن جهة ثانية، نائبا رئيس الوزراء الإيطالي اللذان هما في الوقت عينه زعيما الحزبين الرئيسيين اللذين يتشكل منهما التحالف الحكومي؛ «حزب الرابطة» اليميني المتطرف، وحزب «خمس نجوم» الشعبوي.
وبالنظر إلى العنف اللفظي والسياسي الذي انحدر إليه الخطاب المتبادل من على جانبي جبال الألب، فإن ناتالي لوازو، وزيرة الشؤون الأوروبية، سعت، أمس، لوضع حد للانزلاق المستمر في العلاقات بين العاصمتين. كذلك فعل من جانبه، رئيس الحكومة الإيطالية جيوزيبي كونتي الذي يجد نفسه «رهينة» بأيدي نائبيه؛ ماتيو سالفيني، وزير الداخلية، وليوجي دي مايو، رئيس حزب «خمس نجوم».
وكلاهما يتصرَّف في ملف العلاقات مع فرنسا، بمعزل عن رئيسهما «النظري». كثيرة هي الملفات التي يتواجه فيها الطرفان، ويتقاذفان بشأنها الاتهامات التي تتطاير من على جانبي الحدود منذ وصول الحكومة الجديدة إلى السلطة في روما. لكن باريس التي لم تتردد في استدعاء السفيرة الإيطالية تيريزا كاستالدو قبل ثلاثة أيام إلى وزارة الخارجية لإبلاغها رسالة مفادها أن ما يصدر عن الوزيرين المشار إليهما «غير مقبول»، خصوصاً بين بلدين جارين، عضوين رئيسيين في الاتحاد الأوروبي، تريد اليوم وضع حد للجدل. وقالت لوازو أمس، عقب اجتماع مجلس الوزراء في قصر الإليزيه إن «لدينا الكثير مما علينا القيام به مع بلد مهم مثل إيطاليا، ونحن راغبون في الاستمرار بالعمل معها».
وتعليقاً على تصريحات سافيني ودي مايو، ردّت الوزيرة الفرنسية بقولها، إن «العبارات التي تغرق في المبالغة إن في الكمّ أو اللهجة تصبح بلا معنى»، وإن باريس «غير راغبة في الدخول في مبارزة لمعرفة من سيكون الأكثر حماقة». كذلك استبعدت تماماً أن يكون لها أي تأثير على «الوضع السياسي في فرنسا»، في ردّ على سالفيني الذي وصف في تغريدة له، أول من أمس، ماكرون بأنه «رئيس بالغ السوء»، وتمنى أن يتخلص منه الشعب الفرنسي بمناسبة الانتخابات الأوروبية المقررة يوم 26 مايو المقبل.
وكما سالفيني، فإن لويجي دي مايو لم يكن أقل عنفاً، ولكن الفرق مع الأول أنه استهدف فرنسا وليس شخص رئيسها، وقد اتهمها بأنها ما زالت تتصرف كـ«قوة استعمارية» في أفريقيا وتنهب ثرواتها، وبسبب ذلك، فإنها مسؤولة عن دفع الأفارقة إلى الهجرة باتجاه أوروبا. ودعا دي مايو الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على فرنسا التي هي «في الأساس» مسؤولة عن رمي عشرات الآلاف من الأفارقة إلى البحر، وتدفقهم على أوروبا.
يريد رئيس الحكومة الإيطالية أن يلعب دور «الإطفائي»، وألا يترك الحريق الذي أشعله وزيران من حكومته يأكل أخضر العلاقة مع فرنسا ويابسها. ورغم اعترافه بوجود خلافات سياسية مع فرنسا ومع الاتحاد الأوروبي في موضوع الهجرات، فإنه لا يريد لها أن تدمر «العلاقات التاريخية مع فرنسا، وخصوصاً مع الشعب الفرنسي».
وخلاصة رئيس الحكومة الإيطالية أن هذه العلاقات «ستبقى قوية وصلبة رغم المجادلات السياسية». تقول المصادر الفرنسية إنه يتعين عدم الفصل بين ما يصدر عن الوزيرين الإيطاليين عن «الحرب السياسية الداخلية» الدائرة في إيطاليا، بما في ذلك بين الحليفين؛ حزب «الرابطة» وحزب «خمس نجوم».
وترى هذه المصادر أن بينهما سباقاً في «المزايدة» لكسب الشعبية من خلال التهجم على فرنسا، وعلى سياستها إزاء ملف الهجرة الذي لم ينطلق الخلاف بشأنه مع فرنسا مع قيام الحكومة الإيطالية الحالية، بل يعود إلى عدة سنوات، حيث كانت الحكومة الإيطالية تأخذ على «أوروبا»، خصوصاً على فرنسا غياب تضامنها مع إيطاليا، وتركها تواجه ملف الهجرات وحيدةً دون سند.
وفيما تتذرَّع باريس بـ«اتفاق دبلن» الذي يرمي مسؤولية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين على بلد حلّ فيه هؤلاء أولاً (وهنا إيطاليا)، فإن روما تنتقد إقفال فرنسا لحدودها مع إيطاليا وإعادة الذين انتقلوا إليها إلى نقطة انطلاقهم، الأمر الذي يحول إيطاليا إلى «خزان» لهذه الجماعات ويحملها أعباء كبيرة دون أن تحظى بدعم من الجارة الفرنسية، أو من دول الاتحاد الأوروبي.
وتأخذ روما على باريس «ازدواجيتها»: «من جهة تغلق حدودها، ومن جهة ثانية تعطي دروساً في الإنسانية والأخلاق والمساعدة».
ليس هذا الملف الوحيد الذي يسمم العلاقات بين العاصمتين؛ فالحكومة الفرنسية اغتاظت من دعم إيطالي لحركة «السترات الصفراء» الاحتجاجية، ولتدخل رسمي إيطالي في شؤون فرنسا الداخلية، وهو أمر غير مألوف، أقلُّه بين الدول الأوروبية الجارة والصديقة.
وينظر في إيطاليا لهذا الأمر على أنه «الرد» على تنديد ماكرون بالتيار القومي (ومنه في إيطاليا) المناهض للبناء الأوروبي، ثم هناك الملف الليبي، الذي يبزّ برأسه ليظهر التنافس الفرنسي الإيطالي بخصوص هذا البلد، ومستقبله وثرواته النفطية، وموقع كل منهما فيه.
وفي العامين الأخيرين، استعر «التسابق الدبلوماسي» بين باريس وروما، وأغاظت الأولى الثانية، عندما جمع ماكرون صيف عام 2017، المشير خليفة حفتر وفائز السراج في قصر قريب من باريس بعيداً عن عيون روما، التي شعرت بأنها مستبعدة، وأن باريس تريد أن تهيمن على ثروة ليبيا النفطية.
كذلك عاودت باريس الكرّة الربيع الماضي عندما جمعت أصحاب القرار في قصر الإليزيه بحضور المبعوث الدولي غسان سلامة، ودفعتهم إلى قبول ورقة للحل بين بنودها إجراء انتخابات قبل نهاية العام الماضي.
وجاء الردُّ الإيطالي أخيراً من خلال الاجتماع الدولي في مدينة باليرمو، عاصمة صقلية. لكن في مطلق الأحوال، لم تنجح أي من العاصمتين في الدفع إلى تطبيع الوضع في ليبيا علماً بأن كل طرف يؤيد جهة مختلفة في ليبيا (فرنسا حفتر، وإيطاليا السراج). ولم يتردّد سالفيني في اتهام باريس بالسعي للهيمنة على النفط الليبي، ولذا فإنها تعرقل التهدئة هناك.
هل سينجح الطرفان في «تطبيع» علاقاتهما؟ الأمر مطروح وثمة مؤشرات تدل على ذلك لعل آخرها «استعداد» باريس لتفحّص طلب وزير الداخلية الإيطالي باستعادة «14 إرهابياً» إيطالياً يعيشون في فرنسا، وهو ما أشارت إليه وزيرة العدل نيكول بالوبيه في حديث أمس إلى إذاعة «فرانس أنتير».
باريس تريد تهدئة الجدل مع روما ووضع حد للاتهامات المتبادلة
الجانب الإيطالي يسعى إلى مكاسب سياسية من خلال استهداف فرنسا
باريس تريد تهدئة الجدل مع روما ووضع حد للاتهامات المتبادلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة