الحرب.. والحداثة

مدارس واتجاهات غيرت ملامح عالمنا المعاصر

تريستان زارا  و تي إس إليوت
تريستان زارا و تي إس إليوت
TT

الحرب.. والحداثة

تريستان زارا  و تي إس إليوت
تريستان زارا و تي إس إليوت

هل بدأت الحداثة، بمعناها الأدبي على الأقل، مع الحرب العالمية الأولى، التي بدأت فعليا في 28 من يوليو (تموز)، وانتهت 11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1918؟ ليس تماما، فما تلك الحرب سوى نتاج لعالم بدا يتداعى منذ نهاية القرن الـ19، إذا استعرنا تعبير دبليو بي. ييتس في قصيدته «العودة الثانية»، التي يتحدث فيها عن «قوة اضطراب جديدة تجتاح العالم» فـ«تتداعى الأشياء»، وهو التعبير الذي اتخذه الروائي النيجيري تشينو أتشيبي عنوانا لروايته الشهيرة التي تدور عن حرب الإنجليز على بلاده واحتلالها نهاية القرن الـ19. إنه عالم بدأت تسوده الفوضى، ويجتاحه «مد مغموس بالدم»، راسما بذلك أجواء جهنمية لما يمكن أن تنتجه أي حرب كونية.
وقبل نشوب الحرب بأربع سنوات، أي في عام 1910، أعلنت الروائية البريطانية فرجينيا وولف عن ميلاد الحداثة! وقبلها، بنحو 20 سنة، كتب الناقد النرويجي جورج براندز سلسلة مقالات نقدية تحمل عنوان «رجال الاختراق الحديث». وسرعان ما أصبحت هذه الصفة، ونستعير هنا، كلام مالكوم برادبري وجيمس ماكفارلن في كتابهما القيم «الحداثة» - ترجمه إلى العربية مؤيد حسن فوزي - صفة لاتجاه متنام لا يقدر أحد على مقاومته.
وبعد سنتين من ذلك، في عام 1885، أصدرت في ألمانيا مجموعة شعراء مختارات شعرية بعنوان «شخصيات شعرية محدثة»، وأصبحت هذه المقدمة البيان الشعري لحركة الحداثة الألمانية، ومن القصائد التي ضمتها المجموعة قصيدة لأرنو هولز يقول فيها:
«ليكن الشاعر محدثا
محدثا من قمة رأسه لأخمص قدميه»
وتنامى هذا التيار بشكل متسارع وقوي ليغطي مختلف أنحاء أوروبا، وإن بأشكال مختلفة حسب التطور الثقافي لكل بلد، أما في إيطاليا، فقد ولدت عام 1909، الحركة المستقبلية التي بشرت بعالم جديد، هو العالم الصناعي بطائراته ومكائنه، ومطابعه، وشاحنات فحمه، وسفنه الضخمة، وانطلاقا من ذلك، طالبوا بأسلوب أدبي جديد «يمجد المعجزات الإنسانية الجديدة». ومؤسس هذا التيار هو الشاعر والروائي الإيطالي فليبو كاتوماسيو مارتينيتي، وواضح أن ممثلي هذا التيار قد افتتنوا بالمخترعات الجديدة افتتانا رومانسيا ساذجا، وكتبوا عنه قصائد أكثر سذاجة، ولذلك لم تبق طويلا، كما في هذا المقطع من قصيدة كتبها مؤسس التيار نفسه:
«وداعا للأرض القذرة
أخيرا سأزود نفسي بمستلزمات الطيران.. لأطير
فوق النجوم المسكرة
لأستقر في السماء».
وجاء في البيان المستقبلي الأول: سنغني للحشود الكبيرة المنهكة في العمل والمتعة والثورة.. سنغني لتيارات الثورة المتعددة الألوان والأنغام، تلك التيارات الموجودة في العواصم المعاصرة. سنغني لجعجعة الليالي وحرارتها في ورشات السفن ومراسيها، السفن التي تشع فيها الأقمار الكهربائية الصاخبة، سنغني لمحطات القطار التي تلتهم الدخان، سنغني للمصانع التي تربطها أعمدة الدخان بالسحب.
أما في البيان الثاني، الذي يمجد فيه مارتينيتي السرعة، فقد أصبحت الطائرة مصدرا للإلهام:
«عندما كنت جالسا فوق خزان الوقود، وأنا ملتصق بالطيار، أدركت بلادة قواعد النحو القديمة المضحكة، التي ورثناها عن هوميروس، أدركت الحاجة الملحة لتحرير الكلمات من سجن الجملة اللاتينية، إن لهذه الجملة، مثلها مثل أي إنسان غبي، رأسا لاذعا ومعدة ورجلين وقدمين مسطحتين، لكن لن يكون لها جناحان، إنها لا تقوى على المشي أو الركض لحظة واحدة من دون أن تتوقف مقطوعة الأنفاس. هذا ما قالته لي مروحة الطائرة عندما كنت أحلق على ارتفاع مائتي متر فوق مداخن ميلانو».
وفي روسيا، كان أبرز ممثلي التيار المستقبلي هو فلاديمير ماياكوفسكي، لكنه سرعان ما هجره، ووجد ضالته في الشعارات التي طرحتها ثورة أكتوبر الاشتراكية، التي أصبح فيما بعد شاعرها الأول، وسرعان ما ولدت على أنقاض المستقبلية حركة أخرى هي الحركة الدادائية، التي احتفظت ببعض عناصر المدرسة المستقبلية، وخصوصا موقفها من اللغة؛ إذ دعت أيضا إلى كتابة مستقبلية تنسف قواعد المنطق والنحو. ويمكن القول إن الحركة الدادائية هي أول حركة فنية وأدبية ولدت كرد فعل مباشر على الحرب العالمية الأولى وأهوالها. وأساسا، ولدت هذه الحركة عام 1916 في زيوريخ بسويسرا التي كانت ملجأ للكثير من الكتاب والفنانين الهاربين من بلدانهم، احتجاجا على هذه الحرب، وعدم اقتناعهم بالتبريرات التي ساقها السياسيون. ثم امتدت الحركة إلى برلين، ويعتقد البعض أن الحركة قد ازدهرت قبل ذلك في نيويورك عام 1915.
لكن الدادائية عرفت ازدهارها الحقيقي في باريس بعد أن وصلها تريستان تزارا، الروماني الأصل، وأحد أهم عرابي الحركة، وسرعان ما انضم إليها في فرنسا كتاب هم من الأبرز في القرن 20 كأندريه بريتون، ولويس أراغون، وفيليب سوبو، الذين سيؤسسون بعد ذلك الحركة السريالية.
ترافق مع مناهضة الدادائية للحرب، دعوتها لرفض المصالح القومية والكولونيالية، والتمرد على المؤسسات البرجوازية القائمة، والقوانين الاجتماعية والمعتقدات المتعارف عليها باعتبارها جميعها أسبابا رئيسة وراء اندلاع الحرب.
اعتقد كثير من الدادائيين أن الآيديولوجيا البرجوازية هي التي مهدت فكريا ونظريا الأرضية الصالحة لصراعات النفوذ العالمية، وقد عبروا عن رفضهم هذه الآيديولوجيا في أعمال فنية وأدبية سخرت من العقل والمنطق، ومجدت الذات واللاعقلانية والفوضى. لم تكن الدادائية، كما عبر عنها، أحد روادها، جورج كروسز، سوى «احتجاج على التحطيم المشترك».
وعلى أي حال، لم تخلف الدادائية أدبا إنسانيا قيما، بل كانت ذات ضجيج عال على حساب العمل الفني الخلاق، بل إن تزارا نفسه، الذي بدأ شاعرا جيدا، انتهى فعليا بعد تزعم الحركة، وأصدر من البيانات ما يفوق عدد قصائده، ولا غرابة في ذلك، فالدادائية، حسب قول الناقد هيوغو بول، لم تكن بالأساس فنا، بل حركة «ضد الفن»، إنها مثلت نقيضا لكل ما يدعو له الفن، وإذا كان الفن يهتم بالجماليات، فالدادائية نسفت كل الجماليات. وبعد سنوات من تراجع هذه الحركة، وصفها فنانون دادائيون سابقون بأنها «كانت ظاهرة تفجرت وسط الفوضى الاقتصادية والأخلاقية في فترة ما بعد الحرب»، وأنها «رد فعل على مشهد مجنون من القتل الجماعي».
ولعل ميزة الدادائية الوحيدة أنها مهدت لظهور حركة ستترك تأثيرها الكبير على التطور الفني والأدبي في القرن 20 كله، ولا يزال تأثيرها مستمرا إلى الآن بأشكال مختلفة في الكثير من أعمالنا الأدبية والفنية، ونعني بها: الحركة السريالية. الحركة السريالية هي نتاج العالم الذي فقد توازنه بعد أهوال الحرب العالمية الأولى، فمقابل الواقع الذي بدأت قيمه تتهاوى، كان على الكتاب والفنانين أن يجدوا معادلا يعيد التوازن للإنسان على المستوى الفكري والنفسي.
من هنا ولدت السريالية كضرورة أدبية وفنية لإعادة الاعتبار للذات التي طحنتها ماكينة الحرب، أو حولتها إلى مجرد أداة لتدمير الآخر، الذي صورته الماكينة السياسية والإعلامية باعتباره عدوا مجردا، شبحا منزوعا من أية قسمات إنسانية. وعلى مستوى كل بلد من البلدان المتحاربة، انسحبت الذات الإنسانية إلى الخلف وسط الهيجان الجماعي، واستغلال السلطات حالة الحرب لتقييد الحريات الشخصية والعامة. ومن هنا، يمكن تعريف السريالية بكلمة واحدة: الحرية. إنها حركة ضد البوليس الفكري بكل أنواعه، سواء أكان نابعا من دواخلنا أم من الشروط الاجتماعية. لا شيء مقدس عند السرياليين مثل حرية التعبير. لكن هذه الحرية لا يمكن تحقيقها من دون التخلص من الرقابة العامة، والرقابة الذاتية، رقابة الوعي الذي استبطن كل المحظورات التي فرضها المجتمع، وللتخلص من هذه الرقابة، دعا السرياليون إلى تحرير العقل الباطن من كل الشروط التي تحول دون انعتاقه. إن الحقيقة، بالنسبة للسرياليين، تكمن في لا وعينا، والتاريخ الطبيعي يكمن في أعمق أعماقنا إذا استطعنا أن نزيح عنها التراكمات الذاتية والاجتماعية، وتخلصنا من التصنيفات الثابتة والتحليلات المنطقية، أو التي تبدو لنا منطقية.
ومن هنا، اختلفت السريالية عن الدادائية اختلافا جوهريا يكمن في احتفائها بالإنسان وقدراته الخلاقة، وبذلك يمكن القول، إنها كانت برنامجا حياتيا للتغيير وليس مجرد مدرسة أدبية أو فنية، فلا غرابة، إذا انخرط قسم من عرابيها الكبار فيما بعد في النضال السياسي، وخصوصا اليساري، إذ انتمى لويس أراغون وبول إلوار وبيكاسو فيما بعد إلى الحزب الشيوعي. وأقام عرابها الأول أندريه بريتون علاقة جيدة مع اليسار الفرنسي، وارتبط بصداقة وثيقة مع ليون تروتسكي، قائد الجيش الأحمر الروسي آنذاك، قبل أن يصاب، مثل كثيرين غيره، بخيبة أمل كبيرة من المسار الذي اتخذته ثورة أكتوبر الروسية. وربما بسبب الشعور الداخلي العميق بالحرية، وعدم الفصل بين الذاتي والموضوعي، أنجبت السريالية عددا كبيرا من أعظم كتاب وفناني القرن 20 مثل أنطوان آرتو، وبابلو بيكاسو، ولويس بونويل، وألبرتو جياكوميتي، وماكس أرنست، ورينيه شار، ولويس أراغون، وبول إيلوار.
وعلى مستوى النتاج الإبداعي الفردي، لا يمكن أن نغفل عملين، أحدهما شعري والآخر نثري، ربما ما كانا أن يولدا لولا الواقع المفجع الذي ولدته الحرب، وأثرا على مجمل النتاج الأدبي في القرن 20، الأول صدر بعد أربع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في 1922، وبعد 12 سنة من إعلان فرجينيا وولف عن مولد الحداثة في بريطانيا، ونقصد به «الأرض اليباب» لـ تي. إس. إليوت، هذه القصيدة التي أصبحت علامة فارقة كبرى في الحداثة الشعرية، ومنها العربية، عرف عنها د.لويس عوض عام 1968 في مجلة شعر اللبنانية، ثم ترجمت عدة ترجمات، أهمها في رأينا ترجمة د. عبد الواحد لؤلؤة.
أحدثت «الأرض اليباب» ضجيجا هائلا، ربما لم تحدثه مدرسة شعرية كاملة، والحقيقة، أن هذه القصيدة هي مدرسة بحد ذاتها، كل دمار الحرب، اجتماعيا وأخلاقيا ونفسيا، وما نتج عنها من انهيار قيم ظلت راسخة أجيالا طويلة، وعدم اليقين بالحاضر والمستقبل، وتشظ بلا سبب مفهوم، كل ذلك تجسد في هذه القصيدة الطويلة – كان إزرا باوند قد اختصرها إلى أكثر من نصفها - وقد وظف إليوت كثيرا من الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية، والشرقية لتجسيد هذا التشظي، مستفيدا من كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر، بالإضافة إلى إدخال مفردات من لغات أخرى، وخصوصا الإغريقية والرومانية. والقصيدة عبارة عن قطع يبدو أن لا علاقة ظاهرة بينها، ولا نموا عضويا ينتظمها، لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام الذي توحي به القصيدة عبر استخدام ما أسماه إليوت نفسه بـ«المعادل الموضوعي»، ويعني به أن على الشاعر الحديث، بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي، ألا يعبر عن عواطفه بشكل مباشر، بل عبر إيجاد «مجموعة من الأشياء، وضع، سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكون الصيغة الفنية لهذه العاطفة المطلوبة، بحيث تستثار العاطفة مباشرة بمجرد أن تعطى هذه الحقائق الخارجية المحددة في التجربة الشعورية».
والعمل الثاني هو رواية «يوليسيس» لجيمس جويس، التي صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه قصيدة «الأرض اليباب» 1922، وهي الرواية التي أقامت العالم الأدبي ولم تعقده بعد، رغم مرور هذا الزمن الطويل على صدورها، وقد صرف جويس سبع سنين في كتابتها، لكن زمن الرواية لا يتعدى 44 ساعة، ولم تترجم هذه الرواية الصعبة إلى العربية إلا بعد 60 سنة على صدورها، وأنجز الترجمة د. طه محمود طه، وترجمها حديثا د. صلاح نيازي.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.