الجيش اليمني يعلن استعادة ما يسمى «إمارة القطن» بوادي حضرموت

{الشرق الأوسط} تستطلع آراء السكان.. وقادة قبليون يحذرون من فوضى * قائد المنطقة العسكرية الأولى يؤكد السيطرة على الموقف

قائدان من «القاعدة» داخل مدينة القطن
قائدان من «القاعدة» داخل مدينة القطن
TT

الجيش اليمني يعلن استعادة ما يسمى «إمارة القطن» بوادي حضرموت

قائدان من «القاعدة» داخل مدينة القطن
قائدان من «القاعدة» داخل مدينة القطن

أعلن الجيش اليمني، أمس، سيطرته على ما كان يسمى «إمارة القطن الإسلامية»، وسط وادي حضرموت، في حين أكد تصديه لهجمات متفرقة نفذها مسلحون متشددون من جماعة «أنصار الشريعة» التابعة لتنظيم القاعدة، خلال الساعات الـ48 الماضية، في المحافظة الواقعة جنوب شرقي البلاد، نتج عنها سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، أغلبهم من التنظيم الأصولى.
وكانت «الشرق الأوسط» نشرت قبل أيام أنباء عن سيطرة «القاعدة» على وادي حضرموت، وتنقلهم فيها بحرية، استنادا إلى تصريح ضابط رفيع في الجيش اليمني، وتأكيدات من سكان المنطقة بظهور علني لمسلحي «القاعدة» في الشوارع، وفرضهم لإجراءات تمنع النساء من التجول في الأسواق وممارسة الرياضة. لكن قائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء عبد الرحمن الحليلي أكد أن وادي حضرموت وجميع مناطق المحافظة تحت سيطرة الدولة، مشيرا إلى وجود فلول من العناصر الإرهابية في بعض المناطق، ولكن ليس بتلك الصورة التي «يحاول البعض تضخيمها».
وعادت وزارة الدفاع اليمنية لتعلن أمس سيطرتها على مدينة القطن، الواقعة جنوب غربي سيئون، (وسط وادي حضرموت)، وذكر مصدر عسكري في تصريح نشره موقع الوزارة الإلكتروني، أن «أبطال القوات المسلحة والأمن تمكنوا من إسقاط ما سمي (إمارة القطن)، في عملية نوعية مساء (الخميس)»، مشيرا إلى أن «الجيش والأمن وجهوا ضربة قاصمة للإرهابيين، وتمكنوا من تطهير مدينة القطن من العناصر الإرهابية التي تكبدت خسائر فادحة».
وبعد ساعات من إعلان الجيش تحريرها، هاجم مسلحو «أنصار الشريعة» المدينة، واستهدفوا مقرات حكومية وأمنية، إضافة إلى اقتحام عدة بنوك ونهبوا ما فيها بحسب المصادر الرسمية. ونشرت الجماعة في «تويتر»، صورا لأميرها جلال بلعيد الزنجباري، وسط المدينة بعد اقتحامها، وأكدت أنها استحوذت على جميع الأسلحة في مقرات قوات الأمن الخاصة والأمن العام. وقالت الجماعة، إنها «نفذت هذا الهجوم دفاعا عن أبناء المنطقة، ضد الحملة الجائرة التي يشنها الجيش اليمني على أهل السنة في ولاية حضرموت»، بحسب ما جاء في بيانها الصحافي.
وكانت السلطات اليمنية دفعت أخيرا بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وسط توقعات بشن حملة عسكرية وأمنية ضد معاقل عناصر «القاعدة» بعد فرارهم من محافظتي أبين وشبوة في مايو (أيار) الماضي.
وتحولت محافظة حضرموت شرق اليمن، إلى منطقة صراع جديد بين جماعة «أنصار الشريعة» وهي التسمية الجديدة لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب وبين الجيش اليمني الذي يخوض حربا طويلة مسنودا بتحالف دولي في مكافحة الإرهاب، ولا يبدو أن هناك نهاية لهذه الحرب التي تنتقل من مدينة إلى أخرى بجنوب ووسط البلاد.
وبحسب مصادر عسكرية ومحلية فقد أسفرت الهجمات في مدينة القطن، وسيئون، بحضرموت عن مقتل 12 شخصا، منهم ثمانية من «القاعدة»، وأربعة جنود، إضافة إلى ستة جرحى من الجيش، وخمسة من «القاعدة».
وذكر مصدر عسكري بالمنطقة العسكرية الأولى لوكالة الأنباء الحكومية (سبأ) أن عناصر إرهابية هاجمت صباح أمس، معسكر أمن الوادي والصحراء في سيئون، ومدينة القطن وسط حضرموت في هجمات متزامنة. وأكد المصدر، أن «قوات الجيش والأمن، قتلت جميع المهاجمين وعددهم ثمانية عناصر، في حين قتل جنديان اثنان وجرح ثلاثة آخرون في سيئون، إضافة إلى ثلاثة جنود جرحى في القطن. واعترفت الجماعة، بمقتل ثمانية من عناصرها في هجوم سيئون، ونشرت على حسابها الخاص في «تويتر»، أسماءهم، مشيرة إلى أن «عناصرها هاجموا بالأحزمة الناسفة والأسلحة الخفيفة، معسكر قوات الأمن الخاصة، وقتلت عشرات الجنود، قبل أن يقتل منفذو العملية جميعهم». وتأتي هجمات «القاعدة» يوم أمس بعد 48 ساعة من تأكيدات لقائد المنطقة العسكرية الأولى اللواء الركن عبد الرحمن الحليلي عن سيطرة الدولة، على جميع مناطق محافظة حضرموت، ونفى اللواء الحليلي ما نشرته «الشرق الأوسط» نقلا عن مصدر عسكري في الجيش اليمني، موضحا أنه «لا صحة لذلك». ونجا اللواء الحليلي من محاولة اغتيال يوم الثلاثاء الماضي، وقال في تصريح لإذاعة محلية، إن «الجيش تمكن من قتل 20 مهاجما إثر تعرض موكبه لكمين مسلح وهو في طريقه من لواء 37 مدرع بالخشعة إلى مدينة سيئون في منطقة تدعى (بروج) بين مدينة القطن ومفرق ابن عيفان».
ومنذ سنوات كان تنظيم القاعدة يركز في تحركاته على المناطق الممتدة من الجوف إلى مأرب وشبوة وأبين، والبيضاء، وكانت تمثل قوس «القاعدة»، لكن الحملة التي شنها الجيش اليمني على معاقل التنظيم في شبوة وأبين، في أبريل (نيسان)، أجبرت قيادات وعناصر التنظيم على الفرار إلى مناطق أكثر أمنا لهم، وتمكنوا بحسب سكان محليين من التغلغل في أوساط تجمعات قبلية في الصحارى والمناطق الشرقية للبلاد.
وبحسب رئيس تحالف أبناء قبائل وعشائر حضرموت الشيخ عبد الهادي التميمي، فإن الأجهزة الأمنية في حضرموت ضعيفة جدا، محذرا من فوضى في المنطقة. وحول وجود تنظيم القاعدة، في حضرموت، يرى التميمي أن «هناك غموضا في موقف الجيش والأمن تجاه ذلك.. من غير المعقول أن يأتي عشرات المسلحين من مسافات بعيدة، ويدخلوا إلى قلب وادي حضرموت ويخرجوا دون أن يعترضوهم أحد». وتساءل: «أين أجهزة الدولة، الشرطة، والمخابرات والجيش من كل ذلك؟». وعد تزايد الانفلات الأمني بأنه يهدد كيان الدولة، ويفقد الناس ثقتهم بها، وهناك سخط وغضب يعم المواطنين.
ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه ومنذ 2011.. «ظللنا نطالب بإجراء تغييرات جوهرية في أجهزة الدولة، لكن دون جدوى، هناك من يريد أن تبقى حضرموت كما هي عليه من الضعف الإداري الحكومي». ويتابع التميمي: «حضرموت وعدن هما أقرب النماذج التي يمكن أن تنطلق منهما الدولة المدنية الحديثة، ونظام الأقاليم، فسكان حضرموت بطبعهم يميلون إلى السلام، ورفض العنف والفوضى»، لكنه يتهم قوى مستفيدة من الوضع الحالي، من أجل من أجل نشر الفوضى والعنف، لمنع تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، التي أجمع عليها اليمنيون». ويقول: «هؤلاء ينظرون إلى أن إقامة دولة اتحادية لن تكون في مصلحتهم»، مشيرا إلى أن «هذه الشخصيات النافذة، كانت تستفيد من النظام المركزي السابق، من حيث استغلال الثروات والموارد الخاصة بحضرموت، ولذا فهم يسعون إلى إضعاف الدولة لإبقاء الانفلات الأمني كما هو».
ويرفض الشيخ عبد الهادي التميمي تشكيل لجان شعبية لمساندة الجيش في حربهم ضد «القاعدة»، كما حصل في كل من أبين وشبوة، مؤكدا رفضهم هذا المقترح بعد أن عرض من شخصيات عسكرية بالدولة، مطالبا بتنفيذ توجيهات عليا بتجنيد أبناء حضرموت في الجيش والأمن، لأن مؤسسات الدولة هي المعنية بذلك.
ويرى راضي صبيح وهو صحافي وناشط شبابي من سكان مدينة تريم، أن «وجود تنظيم القاعدة في وادي حضرموت، كبير خاصة بعد الحملة العسكرية في محافظتي شبوة وأبين»، وذكر صبيح لـ«الشرق الأوسط» أن «القاعدة»، وجدت في وادي حضرموت ملاذا آمنا لها نظرا للانهيار شبه الكامل للمؤسسات الأمنية، واستمرار عمليات الاغتيال لقيادات عسكرية أمنية. ويضيف: «أصبحت عمليات (القاعدة) تنطلق من داخل المدن، واستطاع التنظيم أن يوجه ضربات قوية لمؤسسات الدولة، عبر الظهور العلني، وإلقاء خطابات وسط تجمعات سكانية داخل المدن». ويشكك رئيس شبكة «مراقبون» الإعلامية، عماد الديني وهو من أبناء حضرموت، في حقيقة الجماعات المسلحة في المحافظة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «(القاعدة) الموجودة في حضرموت مسيسة لمصلحة نفوذ شركات نفطية، وتدار باسم شركات عالمية، لكنها في الأصل مسيطر عليها من قبل شخصيات كبيرة في النظام السابق والنظام الحالي». ويتابع: «(القاعدة) تظهر في الليل وتختفي في النهار، وتتحرك بحرية مطلقة، وتقتل وتقتحم في وضح النهار، فهل تعجز الحكومة وأجهزتها عن مراقبة ورصدهم والقبض عليهم»، مشيرا إلى أنه «وعلى الرغم من أن السلاح منتشر بين قبائل حضرموت، ويكاد لا يخلو بيت إلا وفيه سلاح، لكنهم سلميون ويرفضون العنف والإرهاب والخراب». ويتابع: «حضرموت تعيش في لا دولة، فالدولة غير جدية في ضبط الانفلات الأمني»، عادا أن اعتزام الدولة تشكيل لجان شعبية في حضرموت، يقوض من هيبة مؤسسات الجيش والأمن، ويفقد المواطن ثقته بها». ويقول: «أبناء حضرموت يطالبون بتنفيذ توجيهات الرئيس هادي في تجنيد 1500 شخص في الجيش والأمن، فالدولة قادرة على ضبط الأمور متى ما وجدت العزيمة والقرار الوطني والإخلاص». ويشير الديني إلى أن «فرض الأمن والاستقرار، لا يحتاج إلى تعزيزات عسكرية، لأن ذلك يمكن توفيره في أي وقت، الإشكالية تكمن في قوة الدولة وتطبيقها للنظام، والقانون، وإيقاف الجريمة قبل وقوعها»، مستبعدا إعلان تنظيم «القاعدة حضرموت»، إمارة إسلامية، بسبب البيئة التي ترفض ذلك، فالسكان واعون ومسالمون، ولن يجدوا أي تعاطف معهم».
من جانبه، ينفي الإعلامي مثنى باظريس سيطرة «القاعدة» على أي جزء من حضرموت أو من مدينة سيئون، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الحياة طبيعية في مناطق وادي حضرموت والحركة التجارية تسير بشكل عادي، وأن (القاعدة) لا تدير حياة الناس، وما ينشر عن ذلك هو إقلاق للسكينة العامة»، عادا أن «(القاعدة) هي لعبة سياسية يراد بها النيل من مقدرات حضرموت وخيرها التي عرفت بالتسامح والهدوء والسكينة»، ويؤيد باظريس تشكيل لجان شعبية لمساندة الجيش في نشر الأمن والاستقرار.
ويقول الباحث في شؤون تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، عبد الرزاق الجمل لـ«الشرق الأوسط»، إن «لدى أنصار الشريعة في حضرموت نشاطين هما نشاط عسكري، ونشاط دعوي، من خلال توزيع مطويات دعوية ومقاطع فيديو خاصة بهم». ويضيف: «قد يلتقون بالناس بشكل مباشر في بعض المناطق، لكنهم لا يتدخلون في يوميات الناس وخصوصياتهم، لكنهم يقومون ببعض ما يرون أنه يندرج في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كاستهداف السحرة وغيرهم». ويربط الجمل بين ما يحدث في شمال البلاد، وبين تزايد التعاطف مع «القاعدة» في وسط وجنوب البلاد، وسيطرة جماعة الحوثيين على محافظات بأكملها، وسط صمت الدولة، عادا أن «تعامل الدولة مع جماعة الحوثي في شمال الشمال، مثل بوابة يعبر منها أنصار الشريعة إلى عقول الناس وقلوبهم في تلك المناطق السنية بشكل عام». ويؤكد: «هم بذلك يهيئون الناس لهم في جنوب وشرق ووسط اليمن».



العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
TT

العليمي يقدم ملف اليمن في ميونيخ باعتباره قضية أمن دولي

العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)
العليمي خلال لقائه مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

سعى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، عبر سلسلة لقاءات مكثفة على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن، إلى إعادة تعريف الأزمة اليمنية باعتبارها تحدياً مباشراً للأمن الدولي، ترتبط مباشرة بأمن الملاحة العالمية واستقرار الطاقة ومكافحة الإرهاب، وليست مجرد نزاع داخلي.

وخلال اجتماعاته مع مسؤولين أوروبيين وأميركيين وقادة دول، ركّز العليمي على فكرة مركزية مفادها أن دعم الدولة اليمنية لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار الإقليمي والعالمي.

في هذا السياق، شدد العليمي خلال لقائه مع الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على ضرورة انتقال المجتمع الدولي من مرحلة «إدارة الأزمة» في اليمن إلى مرحلة «إنهائها».

وفي حين رأى أن استمرار الوضع الحالي يمنح الجماعة الحوثية مساحة لإعادة إنتاج التهديدات الأمنية، أكد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي باتت ذات بعد استراتيجي؛ نظراً لتقاطعها مع أمن الملاحة الدولية واستقرار سلاسل الطاقة والتجارة العالمية.

العليمي مجتمعاً مع رئيس فنلندا على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن (سبأ)

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن التهديد الحوثي لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى أداة ضغط إقليمية تستخدم البحر الأحمر كورقة ابتزاز سياسي وأمني، محذراً من أن أي تراخٍ دولي قد يؤدي إلى تمدد المخاطر نحو بحر العرب وممرات مائية أخرى. وفي هذا السياق، أشاد بالدور الأوروبي في حماية الملاحة، معتبراً أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الاحتواء إلى إنهاء التهديد بشكل كامل.

كما ربط العليمي بين استقرار اليمن وتقليص نفوذ إيران في المنطقة، مؤكداً أن الأذرع المسلحة المدعومة من طهران تمثل التهديد المركزي للأمن الإقليمي، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب دعماً مؤسسياً للدولة اليمنية وليس التعامل مع كيانات موازية.

دعم الدولة

في لقاءاته مع المسؤولين الأميركيين وعدد من القادة الدوليين، قدم العليمي سردية سياسية تقوم على أن نجاح الدولة اليمنية يمثل أفضل استثمار طويل الأمد لأمن الخليج والبحر الأحمر والسلام العالمي.

وأكد أن التحولات الأخيرة داخل اليمن، بدعم سعودي، شملت توحيد القيادة الأمنية والعسكرية، وتشكيل حكومة جديدة، وإطلاق برنامج إصلاحي يركز على الانضباط المالي وتحسين الخدمات واستعادة الثقة المحلية والدولية.

اجتماع العليمي مع مسؤول أميركي رفيع لبحث دعم استقرار اليمن ومكافحة الإرهاب (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن إنهاء تعدد مراكز القرار الأمني أسهم في دحض مزاعم وجود فراغ أمني، موضحاً أن الخطر الحقيقي ينشأ عندما تتنازع جهات متعددة سلطات الدولة. وقال إن توحيد القرار الأمني لا يعزز فقط مكافحة الإرهاب، بل يسهم أيضاً في تجفيف بيئة التطرف وتحسين أوضاع حقوق الإنسان، بما في ذلك إغلاق السجون السرية.

وخلال لقائه بكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، شدد العليمي على أهمية استمرار الدعم الأميركي سياسياً واقتصادياً وتنموياً، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرات البنك المركزي واستقرار العملة وتأمين الخدمات الأساسية، التي وصفها بأنها «خط الدفاع الأول» ضد التجنيد الميليشياوي والتطرف.

الضغط على إيران

كما طرح رئيس مجلس القيادة اليمني رؤية أوسع للمرحلة الحالية باعتبارها لحظة إعادة تشكل استراتيجية في المنطقة، في ظل الضغوط الدولية المتزايدة على إيران، معتبراً أن إضعاف أذرعها الإقليمية يخلق فرصة تاريخية لإنهاء نفوذها في اليمن.

وفي لقائه مع رئيس الوزراء الهولندي، ديك سخوف، دعا العليمي إلى موقف أكثر صرامة تجاه «الحرس الثوري» الإيراني، والدفع باتجاه إدراجه على قوائم الإرهاب الأوروبية، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية في اليمن تمثل إحدى أخطر أذرع إيران الإقليمية، وأن التساهل معها يطيل الحرب، ويُبقي التهديد مفتوحاً على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.

اجتماع العليمي مع رئيس وزراء هولندا لاستجلاب الدعم الأوروبي (سبأ)

ودعا العليمي هولندا للاضطلاع بالدور نفسه أوروبياً تجاه الحوثيين عبر توسيع إجراءات الضغط والعقوبات على شبكات التمويل والتهريب، ودعم آليات الملاحقة القانونية والمالية للشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالميليشيات.

أما لقاؤه مع الرئيس الفنلندي، فقد حمل بعداً مختلفاً؛ إذ ركز على الاستفادة من التجربة الفنلندية في الحوكمة الرشيدة والتعليم وإصلاح القطاع العام، باعتبارها أدوات طويلة المدى لإعادة بناء الدولة والهوية الوطنية.


تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
TT

تحسن مفاجئ للريال اليمني يختبر ثقة السوق ويثير التساؤلات

حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)
حزم من الأوراق النقدية اليمنية في مقر البنك المركزي في عدن (أ.ب)

تراجعت أسعار صرف العملات الأجنبية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية بشكل مفاجئ أمام العملة المحلية (الريال اليمني) خلال الأيام الماضية، دون مقدمات اقتصادية واضحة أو تطورات تبرر هذا التحول؛ حيث لا زيادة في الصادرات، ولا عودة لتصدير النفط والغاز، ولا إعلان عن تدفقات مالية استثنائية، دون أن ينعكس أثر ذلك على أسعار السلع والخدمات الأساسية.

وانخفض سعر الدولار والريال السعودي، وهما أكثر العملات الأجنبية تداولاً في الأسواق اليمنية، بصورة لافتة، في مشهد أربك سوق التداول، وأثار تساؤلات عن أسرار هذا التحول غير المتوقع، ومخاوف من أن تكون حركة سعرية بلا أساس اقتصادي صلب.

وبينما أكد البنك المركزي اليمني في عدن أنه يتابع سوق العملات بصرامة، ويعمل على الحد من المضاربات التي تضغط على العملة الوطنية، وصل سعر صرف الدولار إلى نحو 1558 ريالاً للشراء و1573 ريالاً للبيع، بعد أن كان مستقرّاً عند مستويات أعلى بما يقارب 100 ريال خلال الأشهر الماضية.

وأظهرت مؤشرات من تطبيقات مصرفية على الهواتف المحمولة تراجعاً ملحوظاً في أسعار مختلف العملات.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

ويُعدّ هذا التغير في أسعار الصرف هو الأول منذ أواخر يوليو (تموز) وبداية أغسطس (آب) الماضيين، حين شهدت العملة المحلية تحسناً يقارب 50 في المائة، بإجراءات وسياسات اتبعها البنك المركزي والحكومية، بعد أشهر من انهيار تاريخي.

وجاء هذا التراجع بعد اجتماع للبنك المركزي، الخميس الماضي، ناقش فيه استمرار مراقبة حركة السوق المحلية، والمحافظة على استقرار العملة والأسعار لأطول فترة ممكنة.

تدخل غير معلن

لم يكشف البيان الصادر عن البنك، عقب الاجتماع، عن قرارات بتحديد أسعار العملات الأجنبية، ما أثار المخاوف في أوساط السكان من عودة المضاربة ودفعهم إلى بيع ما بحوزتهم من العملات.

إلا أن مصدراً في البنك المركزي تحدّث عن وجود قرار غير معلن لتحسين سعر العملة المحلية والمحافظة على الأسعار الجديدة لأطول وقت ممكن، بانتظار أن تُحقق المصادر الإيرادية الحكومية دعماً ثابتاً يؤدي إلى مزيد من الاستقرار.

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

وذكر المصدر -الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته- أن البنك لا يستطيع حالياً إعلان أسعار صرف العملات الأجنبية أو إلزام السوق المصرفية بها بشكل رسمي، لالتزامه باتفاقيات مع مؤسسات دولية بعدم التدخل، وترك الأسعار تخضع لحركة الأسواق.

ويرجع الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي التحسن الجديد في أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الريال اليمني بالتدفق النقدي الخارجي، خلال الأسابيع الماضية، ومن ذلك صرف رواتب الموظفين والعسكريين بالريال السعودي، ضمن تدخلات السعودية لمساندة الحكومة اليمنية.

ويُضيف الآنسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اتفاقاً بين البنك المركزي و«صندوق النقد الدولي» حول التحسن التدريجي للعملة المحلية للوصول إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، وخلال الأسابيع الماضية، حدثت زيادة كبيرة في العملات الأجنبية لدى كثير من الأفراد، في حين البنوك وشركات الصرافة تحتفظ بالعملة المحلية لاستخدامها عند تقديم طلبات الاستيراد من اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الاستيراد.

ويعود ذلك لقرار البنك المركزي بحظر تحويل أي عملات أجنبية إلى خارج البلاد ما لم يكن قد جرى تغييرها بالعملة المحلية، في إطار إجراءاته التي اتبعها العام الماضي لوقف المضاربة بالعملة.

الأسواق اليمنية تشهد عزوفاً عن التسوق بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (غيتي)

ويؤكد الآنسي أن البنك المركزي لا يزال يملك القدرة على التحكم بأسعار الصرف وتحسين وضع العملة المحلية بشكل أكبر، لكنه يسعى إلى المباعدة بين فترات التحسين لضمان حدوث تحسن موازٍ في أسعار السلع، منوهاً بأن الفترة المقبلة قد تشهد مزيداً من تدفق النقد الأجنبي مع استمرار احتفاظ البنوك بالعملة المحلية.

وتقول مصادر محلية إن البنك المركزي وجه، شفهياً، الشركات والبنوك بشراء وبيع العملات الأجنبية بالأسعار الجديدة، على ألا تتجاوز أكبر عملية بيع واحدة مبلغ 600 دولار أو 2000 ريال سعودي، أو ما يعادلها من العملات لكل عميل.

اتساع الفجوة المعيشية

وتشكو العديد من العائلات التي تلقت حوالات خارجية من رفض الشركات والبنوك الشراء منها، بحجة محدودية ما لديها من أوراق نقدية من العملة المحلية، وتتزايد مخاوف العديد من السكان من فقدان قيمة ما يمتلكون أو يدخرون من العملات خلال الأسابيع المقبلة.

من جهته، يُحذر وحيد الفودعي، الباحث الاقتصادي والخبير المصرفي اليمني، من أن يكون هذا التحسن قسرياً وغير مستدام، وناتجاً عن أزمة السيولة المحلية التي يرجح أنها مفتعلة، ويشدد على أن معالجتها ينبغي ألا تتم عبر تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية؛ بل من خلال معالجة جذورها النقدية والهيكلية.

عدد من الأنشطة المحلية توقف أو تراجع بسبب عدم موازاة أسعار السلع لأسعار العملات الأجنبية (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يصف الفودعي تراجع سعر الصرف في الأيام الأخيرة بـ«وهم الانخفاض»؛ حيث تتسع الفجوة بين سعر العملات في السوق والأسعار الفعلية للسلع والخدمات، في ظل غياب انتقال حقيقي للأثر إلى المستهلك، في حين لا يلمس السكان أي تراجع لتكاليف المعيشة، في ظل هيكل سوق شبه احتكاري، وضعف في الرقابة وغياب آليات التسعير العادلة.

وينوه بأنه ومع استمرار الغلاء وتآكل الدخول، يتعمق الإحباط الشعبي، إذ لا ينعكس انخفاض سعر الصرف على واقع المعيشة، في حين تحتاج السوق إلى وقت طويل للتفاعل مع أي تغير، إن حدث ذلك أصلاً، ما يجعل خفض الصرف لا يعني بالضرورة خفض الأسعار.

وعلى الرغم من اقتراب شهر رمضان، تشهد الأسواق اليمنية حركة محدودة لشراء المواد والسلع الاستهلاكية، في ظل صعوبات معيشية تواجه السكان بسبب الحرب والتطورات العسكرية والأمنية واعتداءات الجماعة الحوثية على المنشآت الحيوية.

ويلفت حلمي الحمادي، الخبير المالي اليمني، إلى أنه ومع اقتراب شهر رمضان ترتفع معدلات تحويلات المغتربين لأهاليهم في اليمن، لمواجهة تكاليف متطلبات رمضان والعيد، إلى جانب أن كثيراً من رجال الأعمال والتجار المستثمرين خارج البلاد يقدمون مبالغ كبيرة لأعمال الخير والزكاة، وهو ما يؤدي إلى انخفاض سعر صرف العملة المحلية، وهذا يحدث بشكل سنوي تقريباً.

الجماعة الحوثية تسببت بانقسام نقدي وترفض تداول العملة الصادرة عن الحكومة اليمنية (رويترز)

وأبدى الحمادي قلقه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من أن يكون هذا التحسن بسبب تدخل سياسي لتطمين السكان بوجود مؤشرات جيدة للتحسن الاقتصادي والمعيشي بعد التطورات الأخيرة وتشكيل الحكومة الجديدة، من دون وجود أسباب حقيقية ومستدامة لتحسن العملة المحلية.

ويشهد اليمن انقساماً اقتصادياً ونقدياً بسبب سيطرة الجماعة الحوثية على أجزاء واسعة من البلاد وعدد كبير من مؤسسات الدولة، بينها جهات إيرادية ضخمة، وفرضها، بالقوة، أسعاراً ثابتة وغير عادلة للعملات الأجنبية، ومنعها لتداول العملات الصادرة عن الحكومة في مناطق سيطرتها.


آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
TT

آليات إغاثية لمواجهة الفراغ الأممي في مناطق سيطرة الحوثيين

المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)
المنظمات الدولية والمحلية ستتولى توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين (الأمم المتحدة)

تتجَّه الاستجابة الإنسانية في اليمن إلى مرحلة جديدة ومعقَّدة، بعد اضطرار الأمم المتحدة إلى اعتماد آليات بديلة لتوزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب إغلاق مكاتبها هناك ومصادَرة أصولها، في خطوة أعادت رسم خريطة العمل الإغاثي في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد العاصمة الأردنية لاستضافة مؤتمر دولي للمانحين؛ يهدف إلى احتواء التدهور المتسارع في الأمن الغذائي، وسط تحذيرات من توسُّع دائرة الجوع لتشمل ملايين إضافية خلال العام الحالي.

وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 22.3 مليون يمني، أي نحو نصف السكان، سيحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية هذا العام، بزيادة 2.8 مليون شخص مقارنة بالعام الماضي، وهو مؤشر يعكس عمق التدهور الاقتصادي واستمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق النزاع.

انضمام 2.8 مليون يمني هذا العام إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (الأمم المتحدة)

وبحسب مصادر إغاثية، تعمل الأمم المتحدة على إعادة تنظيم عملياتها عبر نقل مهام توزيع المساعدات المنقذة للحياة إلى شبكة من الشركاء، تشمل المنظمات غير الحكومية الدولية والوطنية، إضافة إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي لا تزال قادرةً على العمل ميدانياً داخل تلك المناطق.

تحول اضطراري

يهدف هذا التحوُّل الأممي إلى ضمان استمرار وصول الغذاء والدواء إلى الفئات الأكثر ضعفاً رغم غياب الوجود الأممي المباشر، الذي تعرَّض لانتكاسة واسعة جراء قيود الحوثيين وانتهاكاتهم.

ويعكس هذا التوجه تحولاً اضطرارياً في آليات العمل الإنساني، إذ باتت الوكالات الدولية تعتمد نموذج «الإدارة عن بُعد» لتقليل المخاطر على موظفيها والحفاظ على تدفق المساعدات.

غير أن خبراء الإغاثة يحذرون من أن هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها ضعف القدرة على الرقابة الميدانية، وصعوبة ضمان وصول المساعدات إلى المستفيدين دون تدخلات أو قيود.

وتؤكد تقارير إغاثية أن القيود المفروضة على العمليات الإنسانية أسهمت في حرمان ملايين اليمنيين من المساعدات الأساسية، في وقت يشهد فيه البلد مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 18 مليون شخص من الجوع الحاد، بينهم ملايين يعيشون في مستويات طارئة وفق التصنيفات الدولية للأمن الغذائي.

الحوثيون حرموا ملايين اليمنيين من المساعدات المنقذة للحياة (إعلام محلي)

ويمثل مؤتمر المانحين المرتقب في الأردن محطةً مفصليةً لإعادة حشد الدعم الدولي، إذ تسعى وكالات الإغاثة إلى سدِّ فجوة تمويلية متزايدة تهدِّد بتقليص البرامج الإنسانية الحيوية.

ومن المتوقع أن يناقش المشاركون آليات جديدة لضمان وصول المساعدات في ظل القيود الأمنية والإدارية، إضافة إلى تعزيز دور الشركاء المحليين بوصفهم الحلقة الأكثر قدرة على الوصول إلى المجتمعات المتضررة.

أزمات متعددة

لا تقتصر الأزمة في اليمن على الغذاء فقط، بل تمتد إلى القطاع الصحي الذي يواجه ضغوطاً غير مسبوقة، حيث تشير البيانات إلى أن نحو 40 في المائة من المرافق الصحية متوقفة أو مُهدَّدة بالإغلاق؛ بسبب نقص التمويل. ويؤثر ذلك بشكل خاص على النساء والفتيات، مع تراجع خدمات الصحة الإنجابية وارتفاع المخاطر الصحية المرتبطة بالحمل والولادة.

وتحذِّر منظمة الصحة العالمية من أن تدهور الوضع الصحي في اليمن أسهم في انتشار الأمراض التي يمكن الوقاية منها، في ظل انخفاض معدلات التحصين، إذ لم يحصل سوى أقل من ثُلثي الأطفال على اللقاحات الأساسية.

وقد سُجِّلت أكثر من 18600 إصابة بالحصبة و188 وفاة خلال العام الماضي، إضافة إلى تسجيل اليمن ثالث أعلى معدل إصابات بالكوليرا عالمياً بين مارس (آذار) 2024 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2025، مع نحو 350 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 1100 وفاة.

ويرتبط تفشي الأمراض بشكل مباشر بتفاقم سوء التغذية، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل يمني دون سنِّ الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 570 ألف حالة شديدة الخطورة، بينما يواجه نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مخاطر صحية جسيمة؛ نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتؤكد المنظمات الإنسانية أن نجاح مؤتمر المانحين لن يُقاس فقط بحجم التعهدات المالية، بل بقدرة المجتمع الدولي على إيجاد آليات مستدامة لضمان وصول المساعدات دون عوائق، ومنع تحوُّل الأزمة الإنسانية في اليمن إلى كارثة طويلة الأمد يصعب احتواؤها مستقبلاً.