أحمد بان: مكتب الإرشاد أقصى معارضي جمال مبارك من التنظيم في 2009

القيادي الإخواني السابق قال لـ «الشرق الأوسط» إن «القطبيين» ضيعوا الجماعة.. و«تركتها لتعذّر جاهزيتها لإدارة دولة»

القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
TT

أحمد بان: مكتب الإرشاد أقصى معارضي جمال مبارك من التنظيم في 2009

القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})
القيادي الإخواني السابق أحمد بان ({الشرق الأوسط})

قال القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، أحمد بان، إن مكتب إرشاد الجماعة بدأ منذ انتخاباته الداخلية عام 2009 في إقصاء القيادات الإخوانية التي يشتبه في معارضتها لتولي جمال مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، حكم مصر خلفا لوالده. وأضاف أن قيادات في التنظيم استخدمت «التزوير ما فوق الناعم» لعرقلة صعود أي شخصيات إخوانية إلى مراكز القرار في التنظيم إذا كانت تعارض ترحيب قيادات الجماعة بـ«توريث الحكم» في ذلك الوقت.
ويدير بان في الوقت الحالي مركزا للدراسات في مبنى بوسط القاهرة مجاور لميداني التحرير وطلعت حرب، بعد أن كان أحد مؤسسي حزب «الحرية والعدالة» التابع للإخوان، وعضو المؤتمر العام للجماعة. وتنتشر في محيط المنطقة اللافتات المؤيدة للدستور الجديد، ومعها لافتات منددة بجماعة الإخوان التي جرى تصنيفها من قبل الحكومة الأسبوع الماضي كـ«جماعة إرهابية».
وكشف بان، الذي عاش داخل التنظيم 20 عاما، عن أن سيطرة تيار «القطبيين» داخل الإخوان هي من ضيعت الجماعة. وتابع قائلا في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» إن الجماعة أصدرت أوامر لأعضائها بتجهيز مخيمات التدريب التربوية للموسم الشتوي، بينما كان ملايين المصريين يخرجون للشوارع في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) (كانون الثاني) 2011 التي أطاحت بحكم مبارك.
وانضم بان إلى الإخوان في محافظة القليوبية (شمال القاهرة) ليترأس شعبة هناك، قبل أن يترقى إلى المواقع القيادية بالجماعة، ثم يتركها في استقالة معلنة في مطلع عام 2012 لعدة أسباب متراكمة، منها تردد الإخوان في المشاركة في ثورة يناير، وعدم وجود أي فرص للمناقشة داخل التنظيم، والصدمة التي أصيب بها حين شاهد مستوى نواب الجماعة الذي «لا يمت إلى السياسة بصلة» في أول برلمان بعد ثورة يناير. وإلى أهم ما جاء في الحوار:
* منذ متى انضممت إلى جماعة الإخوان؟
- ارتبطت بالجماعة سنة 1990 في القليوبية. وكان تنظيم الإخوان وقتها شكل هياكله الحركية، الموجودة الآن، وذلك في ما يتعلق بكل المستويات، أي من مكتب الإرشاد إلى المكاتب الإدارية ومجالس المناطق ومجالس الشعب، وذلك كثمرة لجهود بدأت في عام 1982 مع ولاية (المرشد الإخواني الأسبق) محمد حامد أبو النصر رسميا، لكن فعليا كان المرشد وقتها هو مصطفى مشهور.
* يقال إن هذا كان أول بعث جديد للجماعة منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
- الجماعة بدأت تعمل منذ منتصف عقد السبعينات من القرن الماضي على إعادة إحياء التنظيم. ووصل التنظيم إلى شكله الحالي مع بداية عام 1990. أنا ارتبطت به في ذلك الوقت وكان ما زال تنظيما سريا يعمل تحت الأرض، ولا يحظى بأي وجود قانوني. وحين انضممت إلى الجماعة تصورت أنها يمكن أن تكون رافعة للعمل الوطني الجاد، تنقذ البلاد من حالة الفساد والاستبداد، وحالة التردي القيمي في المجتمع المصري. لكن مع مرور الوقت، وخصوصا منذ عام 2005، بدأت أشعر أن الأمور تحدث فيها خلخلة، ففي هذا العام انتخب 88 نائبا من الإخوان في مجلس الشعب (البرلمان)، وكنت في هذا التوقيت دخلت «اللجنة السياسية» في الجماعة، ثم جرى إعداد لجنة برلمانية لخدمة نواب الجماعة.
* لكن كيف بدأت تشعر أن الأمور فيها «خلخلة»؟
- حين قرأت خطة الجماعة في البرلمان اكتشفت أنها ليست خطة عمل برلماني، وإنما خطة القسم الخاص بنشر دعوة الإخوان والتبشير بأفكار الجماعة من خلال منبر مجلس الشعب، ولا علاقة لها بالعمل السياسي. وأنا كنت ضد هذا، وكان ذلك أول محك بيني وبين التنظيم. كان المطلوب من وجهة نظري أن يقدم نواب الإخوان في برلمان (2005 - 2010) برامج تشتبك مع احتياجات الناس من دون شعارات زاعقة أو رموز تغازل عاطفتهم الدينية. لكن الجماعة كانت تتبع خطا ثابتا، وهو - طوال تاريخها - رفض الاستماع إلا للقيادة. ولا يوجد «أخذ وعطاء (نقاش)» في العلاقة بين الأعضاء والتنظيم. التنظيم كان لا يترك حق الكلام حتى للأفراد إلا في حدود، ولا يؤخذ في الحسبان.
* وكيف تطورت الأمور؟
- من خلال تجربة البرلمان، ومن خلال الكثير من الأحداث الأخرى، اكتشفت أنه لا يوجد عقل داخل هذه الجماعة، التي يمكن أن تصل إلى حكم الدولة، خصوصا أن رياح التغيير كانت بدأت تتحرك في ذلك الوقت، مع الزيارات التي كانت تقوم بها كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية الأميركية حينذاك. لكن الجماعة أصرت على الاستمرار ببنيتها التقليدية التي تعتمد على أهل الثقة لا أهل الكفاءة. وظلت تعمل في إطار أشكال احتفالية أكثر منها الإعداد لقيادة دولة.
* لكن الجماعة كان لها وجود في الشارع إلى جانب حركات أخرى ظهرت في ذلك الوقت مثل حركة «كفاية».
- حركة «كفاية» هي التي فتحت الأفق السياسي لفكرة التغيير، وليس التعايش مع نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. كنا في الإخوان دائما متأخرين خطوة عن حركة «كفاية». طوال الوقت كان لدينا خط أحمر بتجنب المطالبة بإسقاط نظام مبارك. الحديث دائما كان عن إصلاح النظام وليس تغييره. بنية الجماعة نفسها لا ترحب بفكرة الثورة أو التغيير الشامل أو الجذري. ومع حلول عام 2007، وإجراء التعديلات الدستورية آنذاك، بدا أن النظام السياسي حسم خياراته ويجهز لتوريث الحكم (من مبارك لنجله جمال)، وقبلت الجماعة بهذا الأمر وحدث جدل حول الموضوع، وعليه بدأت تحدث تغييرات داخل مكتب الإرشاد من خلال العمل على إبعاد كل العناصر التي تمثل إزعاجا للمجموعة التي لديها اتصالات بالولايات المتحدة وبجهاز أمن الدولة (الأمن الوطني المصري). وعلى هذا جرى تزوير انتخابات مكتب الإرشاد في عام 2009، وإخراج كل العناصر التي تمثل صداعا للقطبيين داخل الجماعة.
* هل كان هناك ما يثبت هذا «التزوير»؟
- يوجد نوعان من التزوير. تزوير خشن وتزوير ناعم. وعند الجماعة يوجد «التزوير فوق الناعم»، بمعنى توجيه الناخبين عن طريق نظام معين من خلال بعض القيادات التي تحظى بكلمة معتبرة داخل التنظيم، مثل القول - في أوساط الإخوان - إن «فلان الفلاني (المطلوب إسقاطه في الانتخابات)، أخ فاضل ربنا يبارك فيه، لكن مشكلته أنه ليس لديه وقت، وأحيانا يتأثر بكلام وسائل الإعلام، وأحيانا يتأثر بالنخب العلمانية ويبدو أن الفكرة (الإخوانية) لم تختمر داخله على نحو كافٍ». وهذا يعني أن فلانا لن يخوض الانتخابات (الداخلية في التنظيم) من الأساس، لأنه أصبحت هناك خشية منه على الدعوة.
* مَن مِن القيادات المعروفة تعرضت لمثل هذا النوع من «التزوير ما فوق الناعم»؟
- جرى صناعة هذا مع الكثير من رموز الجماعة، بدءا من عبد المنعم أبو الفتوح وحتى أصغر إصلاحي. كما أن بعض الرموز الأخرى تركت داخل الجماعة لكي تحسن فقط من مكانة الإخوان إعلاميا لأنها تمتلك القدرة على التفاعل مع النخب العلمانية والنخب السياسية عبر وسائل الإعلام، ولكي تمهد لحالة من حالات القبول وتحسين الصورة الذهنية للجماعة، بينما كان التنظيم ينشط في المحافظات ويقوم بوضع قيادات «قطبية» على كل مفاصل التنظيم بدءا من المكتب الإداري (للمحافظة) حتى مجلس المنطقة، وحتى أصغر وحدة وهي «مجلس الشعبة».
* ما المآخذ على القيادات «القطبية» التي أشرت إلى تمكنها من التنظيم؟
- القيادة القطبية مع حلم الوصول إلى الحكم بأي طريقة، لكنها تستبطن أن هذا المجتمع كافر، أو على الأقل جاهلي. ويرجع تاريخ المجموعة القطبية إلى عام 1965، وحين دخلوا السجون في ذلك الوقت أطلق عليهم «مجموعة تنظيم العشرات» لأنه حكم عليهم بـ10 سنوات في السجن. وخرجوا في عام 1975، وهذه المجموعة هي التي سيطرت على مفاصل المكاتب الإدارية (للإخوان) في مصر، وهي التي سيطرت على أهم لجنة داخل الجماعة وهي «لجنة التربية» لكي تصوغ العقل الجمعي لأفراد الجماعة استنادا إلى أفكار سيد قطب. وسيد قطب لديه فكرة مركزية تدور بين «الحاكمية»، وهي أنه «لا حاكمية إلا لله»، و«الجاهلية» وهي أن «هذا المجتمع ابتعد عن الإسلام»، ومطلوب طليعة (من الإخوان) لتجسيد الإسلام، حتى يقتدي بها المجتمع. ولهذا فإن فكرة التنظيم الحركي، وبدلا من أن تنساب داخل المجتمع، تحولت (بالإخوان) إلى فصيل أو طائفة دينية منعزلة تناصب المجتمع العداء، منذ عام 1965 حتى الآن.
* لكن الجماعة، مع ذلك، ظهرت سياسيا على السطح في عقد السبعينات.
- أجل. هذه المجموعة لجأت منذ ذلك الوقت إلى بعض الأمور الإصلاحية من أجل تسويق صورة ذهنية إيجابية للجماعة، خصوصا منذ ولاية (مرشد الإخوان الأسبق) عمر التلمساني عام 1973، وظهور المجموعة السياسية من الإخوان، خصوصا في الجامعات، في عقد السبعينات، مثل عصام العريان وأبو الفتوح والجزار والدفراوي وغيرهم من القيادات الطلابية في ذلك الوقت. ووضعت الجماعة على قضبان العملية السياسية، لكن مع وفاة التلمساني عام 1986 تعرضت هذه المجموعة لضربة قاصمة وجرى تنحيتها شيئا فشيئا حتى خرجت عن إطار توجيه التنظيم وكانت بعيدة عن تكوين العقل الإخواني، وظلت أقرب إلى «المسهل السياسي» للجماعة.
ومع عام 2010 والتزوير الفج لانتخابات البرلمان، بدا لكل المتابعين أن هناك تحولا خطيرا سيحدث في مصر. وفي هذا التوقيت كمنت الجماعة انتظارا لما سيحدث وترددت في دخول الثورة، وهذا التردد أساء لي وخلف لدي مرارة شديدة. واتصل بي أحد القيادات يوم 24 يناير 2011، وقال لي: نحن لا علاقة لنا بمظاهرات 25 يناير، وإن الجماعة تعد لمعسكرها الشتوي التربوي لأعضاء الإخوان. كان التاريخ يصنع في مصر بينما الجماعة منخرطة في بناء كهوف لأعضائها. وحتى يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011 لم تكن صدرت تعليمات لأعضاء الجماعة بالنزول إلى ميدان التحرير، بينما كان الكثير من شباب الإخوان يتوجهون إلى التحرير دون انتظار لتكليفات الجماعة. وبعد ذلك بدأ الإخوان يرسلون متظاهرين للميدان، لكنهم كانوا في نفس الوقت يتفاوضون مع السلطة.
* إذن متى بدأ النزول الفعلي للميادين؟
- لم يبدأ النزول الفعلي إلى المظاهرات إلا يوم 30 يناير 2011 بتكليفات صريحة. وكان لدى الجماعة استعداد للخروج من الميدان في مقابل السماح لهم بحزب سياسي وبحرية العمل للجماعة. لم نعلم بهذا إلا من الأحزاب وائتلافات شباب الثورة التي كانت تتفاوض وقتها مع عمر سليمان (رئيس المخابرات المصرية)، لأننا كنا معزولين عن قيادة الإخوان. وحين انتدبت إلى العمل في القسم السياسي المركزي في الإخوان، بدأت أسمع من قيادات الصف الأول مثل (محمد) البلتاجي و(عصام) العريان، ففوجئت بأنني أتعامل مع أناس براغماتيين جدا يستخدمون الدين كأداة، حتى إن العريان قال في مؤتمر للقسم السياسي (للإخوان) في 19 فبراير (شباط) 2011، في أعقاب تنحي مبارك، إن 90 في المائة ممن يسيرون معنا من تنظيم الإخوان يسيرون معنا بناء على العاطفة بينما نحن لا نعرف إلى أين نسير. وبهذا تكون لدي اعتقاد أنه توجد مجموعة في مكتب الإرشاد ليس لها علاقة بالسياسة ولا تملك الخيال السياسي وليس لديها إدراك للواقع ولتعقيدات الوضع الإقليمي والدولي. هم فقط كانوا قادرين على الرطانة اللطيفة التي تبين للمستمع أن لديهم رؤية، لكن في حقيقة الأمر لم يكن لديهم أي شيء.
* وربما هذا ما تسبب في فشل تجربتهم في الحكم خلال سنة؟
- نعم. ولأسباب كثيرة أخرى. هم لم يكونوا جادين في الانتصار لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، والدولة بالنسبة لهم حلقة في مشروع.
* متى تركت جماعة الإخوان؟
- هذا كان قرارا صعبا جدا. استقلت من الجماعة بعد 20 سنة من الانضمام إليها. استقلت فعليا يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وعمري 42 سنة. ومن يصل داخل الجماعة إلى هذه السن لا يعتقد أن أمامه فسحة من الوقت لاتخاذ أي قرارات أخرى، وبالتالي إما أن يبقى عاطفيا مع الجماعة وغير قادر على اتخاذ أي مواقف ضدها، وإما أن ينزوي في صمت. وكنت أريد أن أنزوي لكنّ بعضا ممن أثق فيهم أشاروا علي بالتحدث، وعليه قمت بإعلان استقالة مسببة من الجماعة بعد ذلك، قلت فيها إن الجماعة غير معنية بمصر. وأرسلت الجماعة وفدا جلس معي مدة أربع ساعات لإثنائي عن إعلان قرار الاستقالة، قائلين لي إنها يمكن أن تؤثر على موقف الإخوان في الاستحقاقات الانتخابية التي كانت وقتها قادمة في الطريق، خصوصا في الدائرة التي كنت فيها في شمال القاهرة. ووعدوني بالجلوس مع من أريد من القيادات الكبيرة بمن فيهم المرشد. ووافقت، وبعد فوز الإخوان في انتخابات البرلمان في شهر يناير 2012، وحصولهم على نسبة 47 في المائة من المقاعد، جلست أشاهد أولى الجلسات في التلفزيون، فرأيت المصير الخطير للجماعة وللدولة.
* ولماذا تولد لديك هذا الإحساس؟
- تركيبة أعضاء البرلمان كانت تركيبة مخيفة. لم يكونوا رجال دولة. نواب كتلتي الإخوان مع حزب النور لم يكونوا يصلحون لإدارة دولة، ولم يكن يوجد بينهم نواب حقيقيون تحصيهم على أصابع اليدين. وحين جاءت انتخابات الرئاسة عام 2012، حاولنا من خلال ما كان يسمى بلجنة المائة (كانت تضم 100 من المثقفين والنخب) أن نقنع الإخوان بعدم الترشح للرئاسة. وحاولنا أن نقول للرئيس السابق محمد مرسي أن يتنازل (للمرشحين السابقين وقتها) حمدين صباحي أو عبد المنعم أبو الفتوح، لكن الجماعة كانت مصرة على السير في هذا الاتجاه، لأنه كان لديها تطمينات من الجانب الأميركي. ومرسي كان موظفا لدى الجماعة يجيد سماع تعليمات الإخوان.
* كثيرا ما يجري التطرق إلى علاقة الإخوان بالأميركيين. هل ترى أن هذا حقيقي؟
- تستطيع أن ترصد اجتماعات جرت بين الجانبين منذ عام 2007. ويوجد رصد لكل الاجتماعات العلنية والسرية التي جرت بين ممثلين للولايات المتحدة وجماعة الإخوان في تركيا وغيرها، وجرى فيها وضع الفكرة الرئيسة للتوظيف المتبادل بين الأميركيين من جانب والإخوان في تركيا ومصر وتونس من الجانب الآخر. ولمن يريد أن يتعامل مع المآلات فإنها تقول بوضوح إن الجماعة كانت تحتفظ بعلاقات جيدة جدا مع الولايات المتحدة. طالع ابتسامة المرشد في لقاءاته مع السفيرة الأميركية لدى مصر في ذلك الوقت، ومستوى الحميمية في العلاقات، مقابل تجهمه في وجوه شباب الإخوان، ستجد الفارق.
* ما علاقة جماعة الإخوان بالجمعيات الخيرية التي قررت الحكومة تجميد أرصدة نحو ألف منها الأسبوع الماضي؟
- قامت جماعة الإخوان بتوظيف شبكة العلاقات الاجتماعية بالاتصال مع المجموعات الدينية الأخرى مثل الجمعية الشرعية وأنصار السنة وغيرهما. وجماعة الإخوان تمكنت من توظيف الكثير من مثل هذه الجمعيات لصالحها. حين تترك الدولة فراغا في الاحتياجات الاجتماعية فلا يجب أن تلوم أحدا على أنه ملأ هذا الفراغ، بل يجب على الدولة أن تلوم نفسها. وقد وظفت جماعة الإخوان هذا الفائض المالي في العمل الخيري لصالحها، ومن بينها جمعيات تعود نشأتها لمائة سنة مضت، أي أنها أقدم من نشأة الإخوان. ومن يظهر في الصورة في تقديم الخدمات للمحتاجين يحصل على أصواتهم في الانتخابات، كما حدث مع الجماعة وباقي التيارات الدينية.
* هل يمكن لتصنيف الإخوان كـ«جماعة إرهابية» أن يقلم أظافرها أو يجبرها على الدخول في تفاهمات مع الدولة؟
- الجماعة تاريخيا راكمت كل الخبرات تحت مظلة غياب المشروعية القانونية. فما الجديد؟ وما الفرق عن كونها جماعة منحلة أو محظورة (كما كان في الماضي)؟ النتيجة واحدة. أنت أمام فصيل لا يقل هيكله الإداري عن 50 ألف شخص، أي أنه يوجد للجماعة 30 مكتبا إداريا على مستوى المحافظات، يتبعها 230 منطقة، وهذه الأخيرة يتبعها 2000 شعبة على مستوى الجمهورية، أي أنك أمام 50 ألفا في الجماعة و5 آلاف في الحزب (الحرية والعدالة). فهل في إمكان الدولة أن تلقي القبض على 55 ألفا وتحاكمهم؟ لذلك أرى أن قرار تصنيف الجماعة كجماعة إرهابية يصعب تطبيقه.
* ما علاقة الإخوان بالتنظيمات المتشددة، حيث إن البعض يذهب إلى أن لها تعاونا مع تنظيم القاعدة، خصوصا في ليبيا؟
- تاريخيا، جماعة الإخوان أول جماعة سلكت طريق العنف، بتأسيسها للنظام الخاص عام 1940 الذي لم تعرف حقيقته إلا عام 1948 عند القبض على سيارة الجيب الشهيرة التي كشفت القضية. وتوالت أحداث العنف والاغتيالات بعد ذلك، لكن الجماعة أيقنت أن هذا المسار مغلق في عام 1966 مع آخر الإعدامات التي طالت سيد قطب ومن معه، لكن خرجت مجموعات أخرى بدأت تنشط منذ عقد السبعينات مع حادثة الفنية العسكرية ثم اغتيال الشيخ الذهبي ثم اغتيال الرئيس محمد أنور السادات، وبعدها الموجة التي ضربت مصر في الثمانينات والتسعينات على يد جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، لكن حتى غالبية قيادات هذه الجماعات قدمت مراجعات حقيقية (بنبذ العنف) منذ عام 1995، أما القيادات الأخرى فلجأت إلى الاتصال بأيمن الظواهري (تنظيم القاعدة)، وهي التي تنشط الآن سواء في سيناء أو في الوادي. والقوى الأكبر الموجودة منها اليوم «أنصار بيت المقدس»، وهي نتاج تزاوج بين مائة عنصر من عناصر ألوية الناصر صلاح الدين، وهو تنظيم فلسطيني في غزة، مع «التوحيد والجهاد» في سيناء. وخرج عنه أيضا خلية أخرى أكثر تدريبا هي «كتائب الفرقان» وهي الأخطر. وفي هذا التوقيت قامت السلطات المصرية بضرب تجارة الأنفاق وتجارة السلاح (بين سيناء وغزة)، فخرج حلف مقدس بين تجار الأنفاق وتجار السلاح والمجموعات التكفيرية، وهؤلاء يسعون لإنهاك الدولة المصرية، حتى تعود تجارتهم لسيرتها الأولى. وهذا يصب في نفس السيناريو الذي تعمل عليه جماعة الإخوان وهو إنهاك الدولة. أنت اليوم أمام حالة تقاطع مصالح. وجهات التحقيق والقضاء هي من تقول إن كان هذا يحدث بتنسيق أو بتعاطف بين تلك المجموعات وجماعة الإخوان، أم لا.



مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
TT

مقترح برلماني للتبرع بالجلد يُفجّر جدلاً كبيراً في مصر

النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)
النائبة المصرية أميرة صابر (صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك)

ما إنْ نشرت وسائل إعلام مصرية مقترحاً تقدمت به النائبة بمجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، أميرة صابر، بهدف تأسيس «بنك وطني للأنسجة البشرية»، وللمطالبة بتفعيل منظومة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، حتى عجت مواقع التواصل الاجتماعي بردود أفعال عديدة، أغلبها أخذ منحى «السخرية» من المقترح قبل أن تلقى النائبة دعماً من أوساط طبية وثقافية وسياسية، أكدت على أهمية ما ذهبت إليه.

وأعاد المقترح تباينات دائماً ما تبقى حاضرة عند الحديث عن «التبرع بالأعضاء» بعد الوفاة، رغم صدور تشريع مصري ينظم «تنظيم زرع الأعضاء البشرية» منذ ما يقرب من 16 عاماً، لكنه يبقى معطلاً، حسب ما جاء في مقترح النائبة، الذي أشار في مذكرته التوضيحية إلى أن التطبيق الفعلي «يواجه معوقات إدارية وثقافية».

وقالت النائبة وفق المقترح، الذي تقدمت به مساء الجمعة، إن الحروق «تمثل أزمة صحية عامة خطيرة في مصر، ونحو نصف المرضى في وحدات الحروق بالمستشفيات الجامعية هم أطفال، كما أن الأطفال دون سن الخامسة هم الأكثر تضرراً، ومعدلات الوفيات في وحدات الحروق أعلى بكثير مقارنة بالدول المتقدمة، مع معاناة نسبة كبيرة من الناجين من إعاقات دائمة، وخطر الوفاة بسبب نقص الجلد المتاح».

وشددت النائبة على «أهمية تسهيل إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ونشر شروطها وطريقتها، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للمتبرعين، يمكن التسجيل فيه عبر بوابة إلكترونية أو تطبيق على الهواتف الذكية، بالتنسيق مع المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، إضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدينية لإطلاق حملات توعية، تؤكد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة».

غير أن الجدل الذي صاحب مقترحها جاء بسبب تأكيدها على أن «إنشاء بنك للأنسجة يوفر على الدولة ملايين الجنيهات سنوياً من تكاليف الاستيراد»، واستشهدت بتجربة «مستشفى أهل مصر» (أهلية متخصصة في علاج الحروق)، الذي استقبل أول شحنة من الجلد الطبيعي المحفوظ من متبرعين متوفين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكدت أميرة صابر لـ«الشرق الأوسط»، أن بعض وسائل الإعلام «أظهرت صياغةً لا تتماشى مع الهدف الرئيسي من المقترح»، موضحةً أن هدفها «ليس توفير ملايين الجنيهات على الدولة فحسب، بل أن يكون هناك (بنك وطني للأنسجة البشرية) التي يحتاجها الأطفال بالأساس، لأن هؤلاء يشكلون حالات إنسانية عاجلة، ومن الصعب أن يقف أي شخص سوي أمام هذا المقترح، الذي لا يتعارض مع الدين، مع حسم المسألة من جانب المؤسسات الدينية ومع وجود تشريع منظم».

وأضافت صابر موضحة: «واجهت حملة سلبية للغاية بعد نشر المقترح، لكن سرعان ما انعكست إيجاباً بدعم شخصيات عامة، وسياسيين وأطباء، وأضحت هناك حملة دعم واسعة، ومن المهم أن يتم توعية المواطنين بالمقترح، بعيداً عن مصطلحات أخرجت المقترح عن سياقه».

وجاءت تعليقات بعض المواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدة لهذا المقترح، كون النائبة تركت العديد من المشكلات الأخرى الاجتماعية، وتطرقت إلى «التبرع بالجلد»، فيما شكك آخرون في عدم جواز التبرع بالأعضاء شرعاً.

ودخل العديد من الأطباء على خط الجدل، إذ أكدت رئيس مجلس أمناء «مؤسسة ومستشفى أهل مصر»، هبة السويدي، في تصريحات إعلامية، أن التبرع بالجلود «لا يختلف عن التبرع بأي عضو آخر، والجلد هو أكبر عضو في الجسم، وهذا الإجراء معمول به عالمياً، لكنه جديد وصادم في الشارع المصري».

وكشفت السويدي «عن إجراء عمليات جراحية معقدة لإنقاذ أطفال مصابين بحروق خطيرة، بعد استيراد جلد طبيعي من الخارج»، مشيرةً إلى أن قانون التبرع بالأعضاء لم يُفعَّل بشكل كامل، وأن التبرع الحالي يقتصر على أقارب الدرجة الأولى.

مقر مجلس النواب المصري بالعاصمة الجديدة (مجلس النواب)

وتضمن مقترح إحدى عضوات «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» تعريفاً لـ«الجلد المتبرع به»، باعتباره «تدخلاً طبياً منقذاً للحياة، خصوصاً للأطفال الذين تتجاوز نسبة الحروق لديهم 40 في المائة من مساحة الجسد، وهي فئة تعاني من ارتفاع معدلات الوفيات والإعاقات الدائمة في ظل غياب التغطية الجلدية المناسبة».

وأوضح بعض من أيد مقترح النائبة أنهم سيقومون بالتبرع بـ«أعضاء الجلد» بعد الوفاة، بينهم أميرة صابر التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها ستتبرع بأعضائها بعد وفاتها، لكنها لم تسجل وصيتها بشكل رسمي، موضحة أنها بانتظار تحركات الجهات التنفيذية عقب المقترح الذي تقدمت به.

من جهتها، قالت عضو لجنة الصحة بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، إيرين سعيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقدمه به نائبة الشيوخ «ليس جديداً، لكن الأزمة أن هناك تشريعاً قديماً ليس مفعلاً، مع عدم شيوع ثقافة التبرع بالأعضاء عقب الوفاة بين المصريين، وهناك فجوة كبيرة بين المعتقدات الدينية والثقافية وبين التشريع، ما يتطلب توعية بأهمية التبرع دون أن يدخل في مجالات (تجارة الأعضاء)، وهي ذات سمعة سيئة بين المصريين».

وأوضحت إيرين أن الجدل الذي صاحب المقترح يرجع لأن التعامل معه إعلامياً «لم يكن بالقدر المطلوب، ولم يراعِ الأبعاد الإنسانية، واقتصر الأمر على جزء سطحي، ارتبط بالحفاظ على موارد الحكومة، رغم أن وزارة الصحة تنفق موازنات ضخمة على استيراد الجلود».


ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
TT

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن»

The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)
The American envoy Steve Witkoff speaks via the communication system aboard the aircraft carrier "Abraham Lincoln" (Witkoff's account on the X platform)

أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، السبت، زيارة لحاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب.

وقال ويتكوف، عبر منصة «إكس»: «التقيتُ اليوم مع الأدميرال براد كوبر وجاريد كوشنر، مع البحارة ومشاة البحرية الشجعان على متن حاملة الطائرات( يو إس إس أبراهام لينكولن)، والمجموعة القتالية التابعة لها، والجناح الجوي التاسع، الذين يحموننا، ويحافظون على رسالة الرئيس ترمب للسلام من خلال القوة».

وأضاف: «شاهدنا عمليات إقلاع الطائرات، وتحدثنا مع الطيار الذي أسقط طائرة إيرانية مسيرة من دون طيار اقتربت من الحاملة».

وتابع: «أشعر بالفخر للوقوف مع الرجال والنساء الذين يدافعون عن مصالحنا، ويردعون خصومنا، ويظهرون للعالم كيف تبدو جاهزية الولايات المتحدة وعزيمتها، في حالة استعداد دائم».

كانت شبكة «سي إن إن» أفادت، في وقت سابق من اليوم (السبت)، بأن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قاما بزيارة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» بعد محادثات أميركية غير مباشرة مع إيران بوساطة من سلطنة عمان عقدت في مسقط أمس.

المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف يصافح أحد الضباط الأميركيين على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وخلفه جاريد كوشنر (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

ونقلت الشبكة عن مصادر القول إن الزيارة جاءت بدعوة من قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر، وإن الغرض من الزيارة، وفقاً لما قاله مسؤول أميركي رفيع المستوى، هو «التعبير عن الامتنان للقوات الأميركية الموجودة في المنطقة».

وجاءت الزيارة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بأن المحادثات مع إيران كانت «جيدة جداً».

ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وخلفهما طائرة «إف 35» على سطح حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» (حساب ويتكوف عبر منصة إكس)

وتسارعت وتيرة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الماضية بعد إعلان ترمب أنه يضع من ضمن خياراته توجيه ضربة إلى إيران، رغم أن الرئيس لم يُشر إلى أنه اتخذ قراراً محدداً بعد.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، ووصفها عراقجي بأنها «بداية جيدة» مقرونة بتفاهم على مواصلة المسار، لكن بشروط تتصل بمشاورات العواصم.


الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
TT

الجامعة اللبنانية - الأميركية تصمّم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)
رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

دعا رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية (LAU) الدكتور شوقي عبد الله الأكاديميين في الجامعات اللبنانية ليكونوا جزءاً من المجتمع، وأن يتفاعلوا معه، إذ لا يمكنهم أن يعيشوا في برج عاجي بمعزل عن هموم محيطهم، ومشكلاته الكثيرة، لا سيما لجهة وضع حد لهجرة الأدمغة، والطاقات، والإفادة منها لبنانياً. وقال عبد الله في حديث لـ«الشرق الأوسط» في بيروت عرض فيه رؤيته لحاضر التعليم الجامعي في لبنان، ومستقبله، إن الجامعة «تصمم مركزاً لتنسيق بيانات الذكاء الاصطناعي التعليمية».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

وعبد الله -وهو رجل فكر، وعلوم، وأبحاث- يجمع ما بين الحداثة الأميركية وأصوله اللبنانية التي يعتز بها. ويعمل منذ توليه رئاسة الجامعة اللبنانية-الأميركية في لبنان رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) العام 2024 على رفع مستوى مواكبة التطورات العلمية المتلاحقة، خصوصاً لجهة قطاع الذكاء الاصطناعي الأبرز عالمياً. وقال عبد الله إن خطة الجامعة تتضمن العمل على وضع تصاميم لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ينسق الأنشطة التربوية، والمقررات التعليمية، لتجنب أن تعمل كل مؤسسة تربوية بمعزل عن الأخرى، وذلك ضمن أحدث خطط مواكبة التطور الرقمي في التعليم، إلى جانب جهود تبذل وتندرج ضمن الإطار الوطني، وتتمثل في إبقاء المواهب داخل لبنان، للإفادة من طاقاتها، ووضع حدّ لـ«هجرة الأدمغة» بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والمعيشية، والأمنية التي ضربت البلاد.

الفصل الثاني من مسار الجامعة

استناداً إلى الدكتور عبد الله، الذي يتمتع بشبكة علاقات دولية ما يضيف الكثير على رصيد الجامعة اللبنانية-الأميركية التي احتفلت العام الفائت بمرور المئوية الأولى على تأسيسها، فإن «الفصل الثاني من مسار الجامعة اللبنانية-الأميركية بدأ»، وينصب اهتمام الجامعة التي تأسست العام 1924 في بيروت، ومع بدء المائة الثانية من مسيرتها، على الدفع بخطة طموحة لمواكبة التطورات الرقمية، مع الأخذ في الاعتبار أن «الجامعات في لبنان، ومن بينهاLAU ، تشكّل خط الدفاع الأكثر صلابة عن معنى لبنان الحضاري، واستطراداً الثقافي–الاجتماعي التعددي، والذي يقدم نموذجاً اقتصادياً مميزاً لطالما قدم إجابات، وحلولاً غير عادية لمشكلات لبنان القديمة»، حسبما يقول. ويضيف: «الجامعات اللبنانية، ومن خلال موقعها الأكاديمي، تمثل رابطاً حقيقياً للتفاعل بين الثقافتين الغربية والشرقية، وتقدم عبره نموذجاً للعمل الإبداعي بما يخدم الدور المطلوب منها». ويضيف: «ضمن هذا المبدأ، يمكن الكلام عن الموقف المشرف للجامعة اللبنانية-الأميركية خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي ضربت لبنان، ولا يزال الشعب اللبناني يعاني من تردداتها، حيث بادرت إلى سحب الأموال من (وقفيتها) الخاصة لضمان قدرة الطلاب على الدفع، وتأمين استمرارية الدروس لهم». وبرأي الدكتور عبد الله ،فإن ما تحقق على هذا الصعيد لجهة مساعدة الطلاب «يجب أن يدخل في صلب توجهات كل الجامعات العاملة في لبنان».

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

مصنع العقول

أفادت دراسة «تعزيز فرص توظيف الخريجين في لبنان» أجريت حديثاً للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) بأن 67 في المائة من خريجي الجامعات في لبنان يسعون إلى مغادرة البلاد، لكن 18 في المائة منهم فقط يريدون فعلاً المغادرة، فيما الباقون يرون أنفسهم مضطرين إلى الهجرة، لأنه لا خيار أمامهم سوى الرحيل، لتأمين مستقبلهم، وإيجاد فرص العمل التي تتناسب مع مؤهلاتهم، وتعليمهم الجامعي. ويقول عبد الله: «ثمة حاجة متزايدة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان، إلى حل مشكلات مثل الكهرباء، وتحفيز البلديات على معالجة مياه الصرف الصحي، والنفايات، ناهيك عن المشكلات الكثيرة في قطاعات مختلفة»، وانطلاقاً مما تقدم، يشدد رئيس الجامعة على أن «أهم ما في التعليم الجامعي ليس المواد الأكاديمية التي تدرس، بل توصل الطالب إلى القناعة بأن التعليم عملية مستمرة، وأن البحث التطبيقي يشكل أحد أعمدة التعليم العالي الجامعي، واستطراداً، لا بد من انخراط الأكاديميين في التواصل مع الواقع من خلال البحث الأكاديمي الرصين، والتدريب المتواصل للطلاب قبل خروجهم إلى سوق العمل، والإنتاج». ويتابع عبد الله: «من الأفضل ألا يدار التعليم بدافع الفوز بالأرباح، والتركيز على جني المال، بل بروحية إنسانية تحمل رؤى للحاضر، والمستقبل، وتواكب العصر».

هجرة الأدمغة

يمتلك رئيس (LAU) سجلاً حافلاً على مستويات عدة، وخبرة في بناء أحد أكبر مراكز الأبحاث، وريادة الأعمال، وأكثرها ابتكاراً في جامعة معهد جورجيا للتكنولوجيا الأميركي من موقعه بوصفه نائب رئيس تنفيذي للأبحاث فيها. كما تولى عبد الله رئاسة جامعة نيومكسيكو الأميركية، وقاد جهوداً كبيرة ساهمت في رفع نسبة الطلاب، وزيادة معدلات التخرج بنسبة 125 في المائة، فضلاً عن أنه خبير رائد في نظرية التحكم وهندسة النظم، وله ثمانية كتب، وأكثر من 400 مقالة.

رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية في بيروت شوقي عبد الله (الشرق الأوسط)

انطلاقاً من هذه التجربة، يشدد عبد الله على أهمية أن تبذل الجامعة -وكل الجامعات- جهداً أكبر في اتجاه إبقاء المواهب التي تخرجها داخل لبنان. وبرأيه، فإن لبنان أضحى أخيراً وكأنه مصنع لإنتاج الأدمغة، والكفاءات التي تتلقى التعليم النوعي، والعالي، وسرعان ما تغادر أرضها الأم بحجج مختلفة، أبرزها: استمرار الأزمات اللبنانية دون حل، وانحسار مشروع الدولة المؤسساتية، وتالياً تراجع الاستثمارات، ما يؤدي إلى البحث عن فرص للعمل خارج لبنان بما يتناسب مع حجم هذه المواهب الشابة، وإمكاناتها الواعدة. ويقول عبد الله: «نستورد كل شيء آخر، لكننا نصدّر أشخاصاً يريدون تحقيق إنجازات كبيرة في أماكن أخرى. وليس الأمر أننا نريد إبقاء الجميع هنا، فالسوق والمجتمع لا يمكنهما استيعاب كل هذه المواهب، ولكن علينا العمل لتغيير هذا الواقع، وبناء مستقبل أفضل للبنان، لوقف نزيف الأدمغة إلى الخارج».

فرص ريادة الأعمال

أكاديمياً، يؤكد رئيس الجامعة اللبنانية-الأميركية الحاجة الملحة إلى مركز تُجرى فيه دراسات حول أثر التعليم العالي على مستويات عدة: وطنية، اجتماعية، اقتصادية، تربوية، وغيرها، ويوضح: «نحن نفكّر في كيفية القيام بذلك. وإن سألتني كيف سأُقيّم إجمالي الأثر الاقتصادي لـLAU الآن، فلن أستطيع حتى التخمين». وقال بالأرقام: «ميزانيتنا اليوم في حدود 308ملايين دولار بما يشمل المستشفيات، وهذا هو الأثر الاقتصادي الفوري على محيطنا، وبيئتنا، لكن الأمور أبعد من ذلك بكثير، وحضور الجامعة يترك آثاره الشاملة على المستوى الوطني والإنساني بما يفوق التصور».

ويشرح عبد الله أن «الجامعة اللبنانية-الأميركية» تعمل على «رفع منسوب تفاعلها وطنياً مع المجتمع من خلال مؤسسات عدة تعمل تحت لوائها، مثل المعهد العربي للمرأة (AiW) ، ومع القطاع الاقتصادي، والشركات من خلال المجمع الصناعي (Industrial Hub)، ومع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وشرائح المجتمع المختلفة، مثل البلديات، والجمعيات من خلال أكاديمية التعليم المستمر (ACE). كما تسعى لزيادة النشاط الريادي، والتفاعل مع عالم الأعمال، ومع الشركات من خلال «مركز مخزومي للإبداع»، فضلاً عن أن الجامعة تستضيف 15 شركة وأكثر سنوياً لدمج ريادة الأعمال مع التعليم. ويشدد الدكتور عبد الله على أن «أصولنا بحسب الأرقام في الجامعة ليست المال ولا الأبنية، ولا أي شيء مادي بل هي الطلاب، لا الرئيس، ولا أعضاء الهيئة التعليمية. هناك رئيس واحد و440 عضو هيئة تدريس، وهناك 9 آلاف طالب. وعليهم نعوِّل، وهذا ما يفترض أن يفعله كل مركز ابتكار، أو قطب الابتكار».

يشار إلى أن الأرقام الصادرة في لبنان مؤخراً أفادت بأن هناك نحو 200 ألف طالب جامعي: 80 ألفاً منهم في الجامعة اللبنانية، و12 ألفاً في جامعة القديس يوسف، و9 آلاف في الجامعة اللبنانية-الأميركية، و8 آلاف في الجامعة الأميركية في بيروت، إضافة إلى جامعات أخرى.

الذكاء الاصطناعي

برأي الدكتور شوقي عبد الله، فإنه لا يجب عزل الذكاء الاصطناعي عما يحوطه من علوم، وتطورات متلاحقة. ويقول: «أعلم أن زملائي في الجامعة الأميركية في بيروت AUB ينشؤون كلية تركّز على الرقمية، وما إلى ذلك، لكنني أعتقد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون حاضراً في كل الاختصاصات، وأينما نحتاجه. ومع ذلك، بما أن الجميع يتجه إلى اعتماده، والتعامل معه، فلا يمكنك أن تدع كل طرف يعمل بمعزل عن الآخر». وأشار عبد الله إلى أهمية إنشاء حاضنة، أو مجمع للذكاء الاصطناعي (Hub)، وأنه استخدم هذا النموذج في جامعة جورجيا تك الأميركية. وأضاف: «ما أقصده أنه لن تكون هناك كلية للذكاء الاصطناعي، ولا بنية منفصلة، إنما سيكون هناك مركز للذكاء الاصطناعي لتنسيق كل هذه الأنشطة، وبالتالي سيشكّل الركيزة التي سيعتمد عليها كثير من الأعمال، داخلياً، وخارجياً». وكشف عن تقديم مقررات، والعمل على تصميمات على هذا الأساس، مؤكداً أنهم في الجامعة يستخدمون الذكاء الاصطناعي، ونقيّم أشخاصاً باستخدام بعض أدواته.

برامج دعم اجتماعي

لا يغيب الجانب الاجتماعي عن هذه الجامعة التي لطالما وقفت إلى جانب الطلاب، ولا سيما خلال الأزمة الاقتصادية، وفي فترات الحرب، وغيرهما، وقدمت برامج دعم واسعة للطلاب، سواء بقدراتها الذاتية من وقفية الجامعة، ومالها الخاص (كما سلف القول)، أو من المؤسسات العالمية، مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID التي علمت الكثير من الطلاب، وأتاحت لهم الفرصة للدخول إلى الجامعات رفيعة المستوى، مثل الجامعة اللبنانية-الأميركية. وشرح رئيس الجامعة هذا الأمر: «كان حجم هذا الدعم الأميركي يقارب الـ20 مليون دولار، وشكل ثاني أكبر مصادر التمويل لدينا، ما ترك آثاراً إيجابية هائلة لجهة النهوض بتعليم الطلاب المحتاجين»، وأضاف: «بعد توقف قسم من برنامج المساعدة الأميركية (USAID)، تحمّلنا مسؤولية طلابنا، وتكفلنا بهم، لكن انحسار مصدر التمويل هذا سيجعلنا أكثر حرصاً فيما نقوم به لجهة معايير المساعدة، وحجمها، ومدى توسعها». وأوضح عبد الله أن الدعم الأميركي للجامعات لم يتوقف تماماً، بل هناك أوجه عدة، مثل: «مبادرة الشراكة الأميركية الشرق الأوسطية MEPI» التي لا تزال مستمرة، وتوفر تمويلاً لمجموعة محددة من الطلاب. كما نعمل في المرحلة الحالية على استقطاب دعم من جهات مانحة في لبنان، والدول العربية، والأوروبية.

أما عن كيفية تأمين الموارد المالية لاستمرارية الجامعة، فأوضح عبد الله أن الأقساط الجامعية تشكل اليوم أكثر من 90 في المائة من إيرادات الجامعة اللبنانية-الأميركية. لكنه استدرك أن هذا الأمر غير قابل للاستدامة، لأن الجامعة تعيد توزيع أكثر من 50 في المائة على شكل مساعدات مالية. وقال: «لا نستطيع الاستمرار في عدم رفع الأقساط وسط إصرارنا على الحفاظ على الجودة، والدعم المالي، وما إلى ذلك، ولكننا نفكر، أو نسعى وراء طرق أخرى». وأضاف: «لدينا اليوم حرم في نيويورك نأمل أن يدرّ إيرادات، ولدينا برنامج ناجح للدراسة عبر الإنترنت يجب توسعته، لكننا نتطلع قدماً إلى خيارات بديلة تتجاوز الأقساط، ومنها: حملات جمع الأموال، والعمل الخيري، إضافة إلى زيادة أموال الوقف لدى الجامعة». ولكن رغم كل التحديات المالية يؤكد الدكتور عبد الله أن الجامعة ماضية في رسالتها الإنسانية، ومهمتها الأكاديمية، وقال: «إنه لا يمكن لأي جامعة أن تستغني عن نموذج المنح الدراسية، إذ لا بد دائماً من تقديم مساعدات مالية قائمة على الحاجة، وعلى الجدارة الأكاديمية».

يشار إلى أن الجامعة اللبنانية-الأميركية نجحت في تحويل مركزها الأكاديمي في مدينة نيويورك الأميركية إلى حرم جامعي متكامل الشروط والأوصاف، استناداً إلى موافقة مجلس أمناء ولاية نيويورك.