الشعوبية في التراث الثقافي الإسلامي

كتاب يتابع جذورها الفكرية والعقائدية وأساليبها وأهدافها

الكاتب: سعدون المشهداني  -  الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
الكاتب: سعدون المشهداني - الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
TT

الشعوبية في التراث الثقافي الإسلامي

الكاتب: سعدون المشهداني  -  الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018
الكاتب: سعدون المشهداني - الناشر: دار ورد للنشر والتوزيع عمان، 2018

يواصل الباحث سعدون المشهداني، أبحاثه في التراث الثقافي الإسلامي، حيث أصدر عدة كتب منها: «الإسلام السياسي من الخوارج إلى المنطقة الخضراء»، و«الأسطورة والتراث في التاريخ الإسلامي»، و«الجنس في الأديان السماوية الثلاثة»، و«الشعوبية الجديدة: الجذور الفكرية والعقائدية»، الذي صدر أخيراً.
يتابع الباحث مصادر الشعوبية وأهدافها منذ نشأتها في التاريخ الإسلامي إلى ظروفنا المعاصرة. وبخصوص أسباب ظهورها يرى الباحث أنها نشأت كرد فعل مغالٍ لإحياء الدولة الأموية التعصب القبلي، حيث تعرض المسلمون غير العرب «الموالي» بفعل سياسة العودة إلى القبلية، خصوصاً في أواخر العصر الأموي، للتمييز، الأمر الذي أدى إلى مشاركتهم بأعداد كبيرة في نشاط حركات المعارضة ضد الحكم الأموي، والمطالبة بتطبيق مبادئ الدين الإسلامي في العدل والمساواة.
ويرى المؤلف أن نفوذ ونشاط المسلمين من غير العرب قد توسعا خلال الدولة العباسية التي قامت على نهج المساواة بين المسلمين من القوميات كافة، ففي الجانب الإداري كان كبار الوزراء وقادة الدولة في العصر العباسي من الفرس أو الترك وغيرهم، وفي الجانب الفكري والثقافي أدت ترجمة الإنتاج الثقافي للشعوب غير العربية إلى ازدهار الحضارة العربية الإسلامية التي وصلت إلى عصرها الذهبي وما نتج عن ذلك من ظهور مفاهيم جديدة للعلاقة بين الشعوب التي تعيش في أرض الخلافة باعتبارها أمة واحدة لا تقوم على أساس عنصر النسب. وعلى سبيل المثال، يرى الجاحظ أن «أساس تكوين الأمة يقوم على اللغة والطباع والسجايا والبيئة الجغرافية» كما يذكر عبد العزيز الدوري في «الجذور التاريخية للشعوبية».
وعلى الرغم من الاندماج الثقافي بين الشعوب الإسلامية، يرى الباحث أن الشعوبية بقيت حركة نشطة على مدى التاريخ الإسلامي لأسباب عديدة من أهمها:
1- اختلاط الشعوبية بالحركات والثورات المعارضة، من خلال انخراط كثرة من الموالي بنشاط هذه الحركات.
2- كثرة النشاط الثقافي والفكري للعناصر الشعوبية، خصوصاً أن حَمَلة العلم والثقافة في الإسلام أكثرهم من الموالي «العجم»، كما يقول ابن خلدون.
3- الفساد السياسي للسلطة الحاكمة الذي تبعه فساد مالي وسوء توزيع الثروة وابتعاد الحاكم عن أوامر الشرع الحنيف... مما خلق فجوة بين رجال الدولة وعامة الناس توسعت مع مرور الأيام، ونتجت عنها ثورات وحركات منها صحيحة، ومنها ما تم استغلالها لتقويض الإسلام، وكلها عوامل داخلية بحتة خلقت الشعوبية وساعدت على انتشارها.
4- اشتداد الصراع بين الخلفاء العباسيين والوزراء الذين كان أغلبهم من غير الغرب، خصوصاً الفرس، ساعد على تنامي الميول الشعوبية في التاريخ الإسلامي.
وبخصوص الأساليب التي اتخذتها الشعوبية لتحقيق أهدافها، يشير الباحث إلى أنها ارتكزت على:
- تشويه العقائد الإسلامية والتشكيك في صدقيتها. وفي هذا المجال يعطي الباحث أهمية خاصة للمعتزلة من خلال إشارته إلى دورهم في تطوير الفكر الإسلامي الذي يرتكز على النظرة العقلية لفهم مبادئ الدين، بعيداً عن النظرة اللا عقلية التي تغيّب العقل في فهم العلاقة بين الدين والإنسان والخالق. وبهذا الموقف حاربت المعتزلة الحركات الشعوبية التي عادت العرب من خلال الخلط بين سلوك الحكام الذي ميّز بين المسلمين على أساس عرقي، عنصري، ومبادئ الدين الإسلامي التي ترفض التمييز بين المسلمين على أساس القومية والعرق واللون وفق مبدأ «أكرمكم عند الله أتقاكم».
- عملت الشعوبية على التفريق بين العرب باعتبارهم حاملين راية الإسلام، والحضارة الإسلامية باعتبارها تزاوجاً بين مختلف الثقافات بعد انتشار الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية، وفي نفس الوقت مجّدت دور الثقافات غير العربية وأنكرت دور العرب في الحضارة العربية الإسلامية تحت ذريعة أن العرب قبل الإسلام كانوا مجتمعاً جاهلياً بربرياً، بمعنى أن الشعوبي يصغّر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم، كما أن الشعوبية تشجّع الغلوّ في الشعائر الدينية التي تستند في بعضها إلى عادات الشعوب قبل الإسلام كالمجوسية وغيرها.
وبخصوص الشعوبية المعاصرة وأهدافها، يشير الباحث إلى تنوع هذه المصادر ويرى أنها لا تقتصر على المصادر الخارجية فقط، التي تمثلها الحركات والمنظمات التي تعلن صراحة معاداة العرب والإسلام، مشيراً إلى أن الشعوبية الداخلية أكثر خطورة. وفي هذا الصدد يشير الباحث إلى وجود كثرة من أطراف تيار الإسلام السياسي تقوم بنشر الشعوبية من خلال رفضها كل تاريخ العرب قبل الإسلام، باعتباره جاهلياً، وقد امتد موقفها الشعوبي على المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تنظر هذه الحركات إلى المجتمعات العربية - الإسلامية باعتبارها جاهلية لأنها لا «تحكم بما أنزل الله»، حسب زعمها.
كذلك يتمثل الموقف الشعوبي لحركات الإسلام السياسي التي تنتمي إلى الأقليات القومية غير العربية (الكردية والتركمانية والفارسية). فعلى سبيل المثال تتناغم سياسة هذه الحركات مع طروحات تركيا وإيران تجاه الدول العربية وتدخلها في شؤونها الداخلية (ص 38).
هناك بعض الأفكار المهمة التي يطرحها الباحث، بخصوص نقد الشعوبية، منها، عدم الدفاع عن العرب كعنصر بل كثقافة ارتبط تطورها بظهور الإسلام وانتشاره بين الأقوام غير العربية. فعلى سبيل المثال يشير الباحث في الفصل الرابع إلى أن دولة المدينة التي أسسها الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» قامت على مفهوم المواطنة الذي ساوى بين سكان المدينة من مختلف الأديان والأقوام، ومنها ما يتعلق بالخلط بين الدين والتاريخ، وهو الخلط الذي سار عليه تيار الإسلام السياسي عندما ينظر إلى تاريخ العرب قبل الإسلام على أنه لا قيمة له، ويتعمق هذا الخلط، بين الدين والتاريخ، لدى القسم المتطرف من تيار الإسلام السياسي من خلال تعميم مفهوم الجاهلية على المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وهذا ما قام به سيد قطب في كثرة من كتاباته. من خلال الاطلاع على الكتاب، أشير إلى أن الباحث توصل إلى مبادئ مهمة تفيد الكتاب والباحثين الذين يتصدون لدراسة ظاهرة الشعوبية في التاريخ العربي - الإسلامي، منها:
1- أهمية التفريق بين الحركات الاجتماعية والفكرية التي دعت إلى مساواة المسلمين من غير العرب بالإدارة والحكم وبين الحركات التي قامت على نهج العداء للعرب باعتبارهم حَمَلة راية الثقافة العربية الإسلامية.
2 - التفريق بين الأقوام والجماعات التي كان لها مجد وثقافة قبل الإسلام وأرادت الافتخار بهذا المجد وإيجاد مكانة لها في المجتمع الجديد وبين الأقوام التي تحاول إعادة مجدها بالانتقاص من العرب والثقافة العربية - الإسلامية التي تطورت بعد انتشار الإسلام وتكوُّن الخلافة الإسلامية. وهنا يدعو الباحث إلى عدم الخلط بين الشعوبية كحركة معادية للعرب وبين الأفكار التي تمجد إنجازات الحضارة الفارسية قبل الإسلام على سبيل المثال.
3- التمييز بين الثورات السياسية - الاجتماعية التي قامت من أجل إعادة مجد الدولة الفارسية «الساسانية» كثورة ابن المقفع (159 - 163 هـ) وثورة بابك الخرمي (201 - 233 هـ) بادعائها أنها إسلامية في الظاهر ولكنّ هدفها السري هو القضاء على سلطة العرب والحضارة العربية الإسلامية.
الكتاب مفيد للباحث في التاريخ والثقافة والأدب والفكر والاجتماع الإسلامي، وكذلك لا يستغني عنه القارئ العادي، حيث يحتوي الكتاب على سفر ممتع يتنقل بين كثرة الحوادث والروايات والعادات لدى العرب والمسلمين بشكل عام، ويتنقل بين تاريخ العرب قبل الإسلام مروراً بكثرة من الدول والدويلات والحركات الفكرية والسياسية التي ظهرت في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، وانتهاءً بالغزو الاستعماري الذي تنوعت مبررات الغزاة له، فتارةً باسم التمدن والتحديث وتارةً أخرى بمزاعم نشر الديمقراطية والدفاع المزعوم عن حقوق الإنسان، مثلما يجري في ظروفنا المعاصرة، بينما الواقع فضح كل محاولات الغزو، القديمة والمعاصرة، فلا التمدن ولا التحديث تحقق، أما الديمقراطية المزعومة فشواهدها مدن مدمَّرة، وخراب اجتماعي واقتصادي، ومهاجرون بالملايين، وبلدان تعالَج من أجل البقاء على الحياة، كما يشير الباحث كخلاصة لبحثه الذي يتكون من جزأين، وعدد صفحات تقترب من 1000 صفحة.
وأخيراً، لا بد أن أشير إلى أن الباحث، في بعض الأحيان، ينزع البعد الاجتماعي عن الحركات المعارضة التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، خصوصاً تلك التي قادتها عناصر غير عربية، باعتبارها حركات طبقية اجتماعية طرحت مفهوم المساواة بين العرب والمسلمين من غير العرب، تهدف إلى مقاومة الانحراف عن مبادئ الدين الإسلامي الذي كان يرتكبه كثرة من الحكام المسلمين، وليست حركات معادية للعرب، كما يقول أحمد أمين.


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».