يهود حلب في ثلاث روايات سورية

مفاصل تاريخية حاسمة منذ حرب 1948

يهود حلب في ثلاث روايات سورية
TT

يهود حلب في ثلاث روايات سورية

يهود حلب في ثلاث روايات سورية

قبل قيام إسرائيل عام 1948 كان العدد الأكبر من اليهود السوريين في دمشق وحلب. وفي القامشلي التي لم يبلغ عمرها القرن بعد، وهي نصيبين القديمة قبل ترسيم الحدود بين سوريا وتركيا. وقد هاجر من هاجر من هؤلاء على وقع نكبة فلسطين، ثم على وقع حرب 1956، ومع ذلك بلغ عددهم 32000 في إحصاء عام 1957. وعلى وقع هزيمة 1967 تفاقمت هجرة - تهريب الشباب خاصة، مما ضاعف عدد النساء من العازبات. وجراء ذلك سمحت الحكومة بهجرة ثلاثمائة فتاة عام 1977، وبهجرة خمسمائة فتاة عام 1989. وفي عام 1992 رُفع الحظر عمن يريد من اليهود أن يغادر، وكان ذلك عقب مؤتمر مدريد للسلام، فلم يبق في سوريا أكثر من ثلاثمائة من كبار السن. ولأول مرة منذ عام 1948، سُمح لوفدٍ ممن هاجروا بالعودة إلى سوريا في زيارة عام 2004.
بحدودٍ دنيا، شغلت تلك المفاصل التاريخية الحاسمة الرواية في سوريا، ومن ذلك ما تعلق باليهود في حلب، كما يتبين في روايات «حمام النسوان» لفيصل خرتش، و«لعنة الكادميوم» لابتسام التريسي، و«وداد من حلب» لقحطان مهنا.

صدوع 3 حروب

صدرت رواية فيصل خرتش (حمام النسوان) سنة 1999، وأولى شخصياتها المحورية اليهودية هي المغنية سلافة. وتتوسل الرواية
السخرية والغرائبية والبوليسية أيضاً، بينما تشبك بين الأزمنة وبين الأصوات، فمن زمن الجد لاوي الهارب من الأندلس إلى حلب، تطوي الرواية الزمن إلى عام 1948، عندما بدأت اللحمة السورية الوطنية تتصدع جراء قيام إسرائيل، كما ترسم الرواية فيما نال العائلات اليهودية في محلة (القلّة) من غضب الشباب العرب، وبالقابل ترسم الرواية حماية العائلات العربية (آل القناعة والقصاص والطحان) لليهود ومخاطبتهم الشبّان الغاضبين: «يهودنا غير اليهود الذين هجموا على فلسطين (...) إنهم مثلنا ونحن وهم أهل». بيد أن الصدع سيتجدد ويكبر مع حرب 1956، ثم مع حرب 1967، وكان تهريب اليهود من حلب إلى إسرائيل قد بدأ بعد النكبة، عبر تركيا، وبتدبير السفارة الإسرائيلية.
هكذا جرى تهريب زلفي شقيق سلافة التي تلجأ إلى عزرا، بينما من قبض عليه أثناء تهريب الشباب اليهود يطرد. وكان عزرا عرّاب التهريب يحمّل كل شاب ورقة من نسخة التوراة المخطوطة التي يحتفظ بها في غرفة من الكنيس، والشاب يوصلها إلى الحاخام يوسف في تل أبيب. أما سلافة فتتردد في الهرب. وبموت عزرا تعتبر نفسها مسؤولة عن تهريب مخطوطة التوراة. وقد فقدت صوتها عندما تقدمت للغناء في حفلٍ رُصد ريعه للعمل الفدائي.

الأزمنة الثلاثة

مدينة حلب هي فضاء رواية ابتسام التريسي «لعنة الكادميوم»، قبل أن تغادرها الشخصية المحورية فضيلة إلى إيطاليا وأميركا، ثم تعود بعد عشرين عاماً إلى حلب بصحبة حبيب الصبا اليهودي آرام صوبا. وتشرح الرواية في هامش أن اليهود أطلقوا على حلب اسم «آرام صوبا»، كما ورد في العهد القديم 11 مرة، وإن يكن بعضهم يرون أن الاسم هو لتدمر أو لمنطقة تقع جنوب حماة.
تشبك فضيلة في سردها لقصتها مع آرام، بين استرجاع زمنهما الحلبي قبل أن يختفي هو من الجامعة، ليتابع دراسة الطب في دمشق، كما ستكتشف أخيراً، وبين تجدد لقائهما - بسعي منها - بعد عشرين عاماً في حي بروكلين من نيويورك سنة 2003، حيث أكبر تجمع لليهود السوريين، إذ إن قلة قليلة منهم تابعت الهجرة إلى إسرائيل.
في بروكلين ترى فضيلة مخازن اليهود التي يتكلم أصحابها العربية، وترى المطبخ السوري، والعجوز اليهودي الحلبي الذي قدم إلى بروكلين عندما رُفع الحظر عن مغادرة اليهود، وهو من سيجمعها بآرام. وفي سردٍ مؤثرٍ وعميقٍ تصف فضيلة بوح آرام بعشقه لها أخيراً، وهي التي كانت تحسب أن الحب بينهما من طرفها فقط. كما تصف فضيلة الشبح الذي يشاركهما اللقاء: «شبح مدينة غادرناها، وتأبى أن تغادرنا. كانت حلب بيننا». ويحدثها آرام أنه ترك حلب فراراً منها هي، كيلا يتورط في حب مسلمة، كما يحدثها عن إقامته في دمشق قبل الهجرة: «كنت مرتاحاً في حياتي. ولا أدري أي شيطان رمى بي هنا». ويضيف أن الهجرة سحقته، وأنه في أميركا يحيى في الماضي «السوري». ويستعيد من الثمانينات مصرع أخيه في حوادث شغب، مما كان سبباً آخر للهجرة. ورغم التناقض بين فضيلة المعارضة للنظام وآرام المؤيد، يعودان معاً إلى حلب، ويعيشان الماضي شهرين، والمدينة تبعدهما عن الاختلاف على المستقبل. لكن الاختلاف لن يتأخر، فآرام لا يمانع أن يعيش في سوريا محروماً من بعض الحقوق. وهو يكتب على صفحته «الفيسبوكية» في بداية زلزال 2011 أن قلبه يهودي، وأنه يحب إسرائيل أكثر من سوريا: «أنا على يقين أن الوطن حيث قبور أجدادي، وأن حبلي السري في أرض الميعاد». وستقرأ فضيلة أيضاً على صفحة آرام ما كتب عن زيارته إلى سوريا في ربيع 2004 ضمن وفد رسمي، وبذلك تكون نهاية الحب، ويلوب سؤال فضيلة عما إذا كان آرام أكبر كذبة في حياتها.
بعد لأي سيتساءل آرام باسم اليهود على صفحته: «هل استعجلنا الرحيل من سوريا؟». وتتساءل فضيلة معقبة عما إن كانت فرصة عودة اليهود إلى سوريا للاحتفال بالعيد الماسي لا تزال سانحة. فبعد 75 سنة من قيام إسرائيل، قد ينفخ الصبي في الشوفار، أي في قرن الكبش الذي كان اليهود ينفخون فيه في مواسمهم، مستدعياً الأمة اليهودية من جميع أنحاء العالم لدخول الشام. وفي متابعة الساردة لمصير آرام، يعود إلى إسرائيل، ويعتزل في جبال القدس منتظراً اليوم الموعود. ويتفجر التخييل الروائي ببوقٍ ينفخ فيه آرام، وقطيعٍ يلبي نداء البوق، وبمصرع عربي ومواصلة النفخ، داعياً اليهود للاحتفال بعيد الكفارة. وسيبقى آرام في عزلته ليكون «أول من يسمع نداء النصر، وأول الواصلين حين ينفخ الرب ليجتمع شعبه المختار عند خيمته! لكنه قبل ذلك، سيكون أول الواصلين إلى دمشق، وسيحتفل في حلب بالعيد الماسي لقيام إسرائيل». وهكذا تكون رواية «لعنة الكادميوم» قد شبكت الماضي والحاضر، لترسل إشارتها الحاسمة بالقطع مع «الأسرلة» في المستقبل.
فيما يتعلق بالماضي، تتقاطع روايتا ابتسام التريسي وفيصل خرتش في الرسم الدقيق والحار والشامل لليهود في مدينة حلب. ولكل من الروايتين جماليتها الخاصة، على العكس من رواية ثالثة تتعلق باليهود في حلب، هي رواية قحطان مهنا «وداد من حلب»، وتتمحور حول اليهودية وداد التي ترفض الرحيل إلى إسرائيل. ومن اليهود في الرواية أيضاً أبو إسحاق التاجر. وقد تيسّر لهذه الرواية أن تتحول إلى مسلسل تلفزيوني أخرجه باسل الخطيب تحت عنوان «حدث في دمشق»، إذ نقل وقائع الرواية من حلب إلى دمشق.
هكذا يبدو أن نصيب يهود حلب الروائي ضئيل، رغم أن عددهم وفعاليتهم فيها ينافسان ما كان لهم في دمشق. لكن النصيب الروائي ليهودِ دمشق جاء أوفى، مما يقتضي مقاماً مستقلاً.



اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)
الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بمنطقة الرباعيات بالقلايا بمركز حوش عيسى في محافظة البحيرة (شمال غربي القاهرة)، الاثنين، الكشف عن مبنى أثري يُرجَّح استخدامه داراً للضيافة خلال الفترة المبكرة من الرهبنة القبطية، يرجع تاريخه إلى القرن الخامس الميلادي.

وتضمن الكشف عدداً من العناصر المعمارية التي أُضيفت إلى المبنى خلال مراحل تاريخية لاحقة، بما يعكس تطور استخدامه عبر فترات زمنية متعاقبة.

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إن هذا الكشف يمثل إضافة علمية مهمة لدراسة تطور العمارة الديرية المبكرة في مصر، وأشار في بيان لوزارة السياحة والآثار، إلى أن «منطقة القلايا تُعد ثاني أكبر تجمع رهباني في تاريخ الرهبنة المسيحية، وأن طرازها المعماري يعكس النواة الأولى لتأسيس الأديرة».

وعدّ الزخارف والتصاوير المكتشفة من أبرز المصادر لدراسة الفن القبطي المبكر في مصر؛ لما تحمله من دلالات تاريخية وأثرية تسلط الضوء على طبيعة الحياة الرهبانية وتطور الفنون في مراحلها الأولى.

وأوضح الليثي أن «هذا الكشف يُبرز تطور العمارة الرهبانية ذات الطابع النسكي البسيط، ويُظهر التدرج الوظيفي من القلاية الفردية إلى أنماط سكن شبه جماعي، وصولاً إلى منشآت مخصصة لاستقبال الزوار، سواء من كبار آباء الرهبنة أو طالبي الالتحاق بالحياة الرهبانية، فضلاً عن الزائرين».

الاكتشاف الأثري في منطقة القلايا بالبحيرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى المتخصص في التراث القبطي، الدكتور إبراهيم ساويرس، أن «هذا الكشف يشير إلى أهمية المنطقة الرهبانية الكبيرة الممتدة في محافظة البحيرة غرب وادي النطرون»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه المنطقة كانت تسمى كليا ولها امتدادات أخرى، وعملت فيها كثير من البعثات الفرنسية والسويسرية منذ نحو 40 عاماً، وهناك دير قبطي حديث على مقربة من هذه المنطقة.

ويتكون المبنى المكتشف من 13 حجرة متعددة الوظائف، تشمل حجرات لسكن الرهبان بشكل فردي وجماعي، وأخرى مخصصة للضيافة والتعليم، وهي حجرات واسعة مقسمة بواسطة عقود معمارية، إلى جانب مرافق خدمية تضم مطبخاً ومخازن، وفق تصريحات صحافية لرئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بالمجلس الأعلى للآثار، الدكتور ضياء زهران.

موضحاً أن «الجزء الشمالي من المبنى تضمن صالة كبيرة تضم عناصر معمارية مميزة، من بينها مصاطب حجرية مزينة بزخارف نباتية، تستخدم لاستقبال الزوار وتقديم الخدمات لهم، كما يتوسط المبنى موضع مخصص للصلاة، يتصدر جدارها الشرقي حنية يتقدمها صليب من الحجر الجيري».

ولفت رئيس البعثة والمدير العام لآثار البحيرة، سمير رزق عبد الحافظ، إلى أن أعمال الحفر أسفرت عن الكشف عن عدد من التصاوير الجدارية التي تمثل مشاهد لشخصيات رهبانية غير مكتملة، تم التعرف عليها من خلال ملابسها، إلى جانب زخارف نباتية متنوعة، من بينها زخرفة الضفيرة بألوان الأحمر والأبيض والأسود، وزهرة ثمانية البتلات.

«كما تم الكشف عن جدارية تُصوّر غزالتين تحيط بهما زخارف نباتية، يتوسطهما شكل دائري مزدوج يحتوي على زخرفة نباتية داخلية، في نموذج فني يعكس ثراء التعبير الرمزي في الفن القبطي المبكر»، وفق بيان الوزارة.

جانب من الرسوم التي وُجدت بالموقع (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأكد المتخصص في التراث القبطي أن «هذه المنطقة تحتاج إلى عمل أكبر من المجلس الأعلى للآثار، ونتمنى أن يكون هناك نشر علمي يضع الاكتشافات الجديدة على خريطة فهمنا الأوسع للمنطقة لنفهم التراث القبطي الرهباني في هذه المنطقة منذ القرون المسيحية الأولى، ونحن نعرف أن عدداً كبيراً من الرهبان سكن هذه المنطقة، لكن التفاصيل يجب إبرازها وتوثيقها بالنشر العلمي».

وعثرت البعثة على عمود رخامي كامل بطول مترين، بالإضافة إلى تيجان وقواعد أعمدة، وأوانٍ فخارية، وعدد كبير من الشقفات الفخارية، بعضها يحمل زخارف نباتية وهندسية، وأخرى تتضمن حروفاً قبطية، في حين خلت بعض القطع من الزخارف أو الكتابات.

كما عُثر على بقايا عظام لطيور وحيوانات، إلى جانب عدد من أصداف المحار داخل إحدى الحجرات؛ ما يعكس طبيعة الأنشطة اليومية والغذائية داخل الموقع.

ومن أبرز المكتشفات أيضاً قطعة مستطيلة من الحجر الجيري عُثر عليها عند مدخل إحدى الحجرات، منقوش عليها نص باللغة القبطية يُرجّح أنه شاهد قبر، حيث تشير الترجمة المبدئية إلى نياحة شخص يُدعى «أبا كير بن شنودة»؛ ما يؤكد استمرار النشاط البشري بالموقع خلال فترات ازدهار الحياة الرهبانية بالمنطقة.

يُذكر أن البعثة بدأت أعمالها بالموقع منذ موسم 2023، حيث تمكنت خلال تلك الفترة من الكشف عن منشأتين من «المنشوبيات» (وهي تجمعات تضم عدداً من القلايات الخاصة بإقامة الرهبان)، إلى جانب مجموعة من الرسوم الجدارية التي تعكس طبيعة الموقع بوصفه أحد أقدم مراكز الرهبنة في مصر.


تحويل شظايا «حجر سكون» إلى خاتم

حجر سكون على كرسي التتويج (غيتي)
حجر سكون على كرسي التتويج (غيتي)
TT

تحويل شظايا «حجر سكون» إلى خاتم

حجر سكون على كرسي التتويج (غيتي)
حجر سكون على كرسي التتويج (غيتي)

كُشف النقاب عن أن إحدى شظايا «حجر سكون المخفية» جرى ترصيع خاتم بها، لكنه فُقد أو سُرق بعد ذلك بوقت قصير. يُذْكر أن الحجر الأثري تعرض للسرقة خلال عملية سطو شهيرة، مع استيلاء مجموعة من الطلاب القوميين عليه من داخل دير وستمنستر، وأعادوه إلى اسكوتلندا. وفي أثناء عملية السطو، انكسر الحجر إلى نصفين، وتولى إصلاحه سراً نحات حجري متعاون يُدعى بيرتي غراي، حسب وكالة «برس أسوسيشن».

وكشف مشروع بحثي حديث أن عمل غراي ربما يكون قد أنتج نحو 34 شظية من الحجر المعروف كذلك باسم «حجر القدر»، وزعها على أفراد الحركة القومية الاسكوتلندية. وانتهى المطاف بإحدى هذه الشظايا في مقر الحزب الوطني الاسكوتلندي، بعد أن أُهديت إلى أليكس سالموند.

والمعتقد أن ديفيد رولو قد أُهدي إليه إحدى الشظايا عام 1951، التي استخدمها في ترصيع خاتم. يُذْكر أنه كان صديقاً لغافين فيرنون، أحد الطلاب الأربعة الذين استولوا على الحجر من دير وستمنستر.

وتوفي رولو عام 1997 عن عمر 70 عاماً، وتحاول ابنته فيفيان الآن كشف لغز مصير الخاتم، بينما لم يترك والدها سوى القليل من الأدلة حول مصيره. وقد أخبرها بأن الخاتم إما ضائع أو مسروق، وأنه لديه فكرة عمن يملكه، لكنه رفض الإفصاح عن اسم الشخص الذي يُشتبه به.

وقالت رولو، المقيمة في ويستر روس، لوكالة «برس أسوسيشن»: «أود بالتأكيد معرفة ما حدث للخاتم»، مضيفة أنه بالتأكيد سيكون إرثاً عائلياً ثميناً».

وأضافت أنها تعتقد أن فيرنون طلب من والدها الانضمام إليه في عملية السطو المشؤومة، التي وقعت يوم عيد الميلاد نهاية عام 1950، لكنه رفض المشاركة. ويُعدّ الخاتم المفقود إحدى القصص العديدة التي ظهرت في إطار مشروع بحثي يسعى لتوثيق مصير شظايا كتلة الحجر الرملي، التي عُدت «مخفية» سنوات طويلة. وتعمل البروفسورة سالي فوستر من جامعة ستيرلنغ على تتبع قصص هذه الشظايا، وهي لا تزال تتطلع إلى التواصل مع أي شخص قد يكون لديه معلومات عن مكان وجودها.


دمى الذكاء الاصطناعي... رفاق لطفاء أم تهديد خفي للأطفال؟

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

دمى الذكاء الاصطناعي... رفاق لطفاء أم تهديد خفي للأطفال؟

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

أصبحت دمى محشوة تتفاعل مع الأطفال واقعاً يتوسَّع بسرعة في الأسواق: رفاق لطفاء يتحدَّثون ويتعلمون ويلعبون مع الصغار، متاحون في كل وقت ويبدون قدراً كبيراً من التفهم. ومع ازدياد انتشار تلك الألعاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يحذِّر خبراء من استخدامها دون وعي، حيث أشار فريق بحثي بقيادة إميلي جوداكر من جامعة كمبردج إلى أنَّ الاعتماد المنتظم عليها دون إشراف قد يؤثر سلباً على التطوُّر الاجتماعي للأطفال، حسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وبالتعاون مع منظمة «ذا تشايلدهود ترست» البريطانية لدعم الأطفال، قام الباحثون بتحليل تعامل 14 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 3 و5 أعوام مع دمية الذكاء الاصطناعي «غابو» التي تنتجها الشركة الأميركية «كوريو». كما أُجريت مقابلات مع الأطفال وأولياء أمورهم المرافقين لهم. وتحتوي «غابو» على ميكروفون ومكبر صوت ووظيفة روبوت محادثة، حيث يتم نقل المحادثات إلى خوادم سحابية يتم فيها توليد الردود عبر الذكاء الاصطناعي.

ولم يكن مفاجئاً أن كثيراً من الأطفال أبدوا حماساً كبيراً تجاه هذا الرفيق التفاعلي، إذ قام بعضهم باحتضان الدمية وتقبيلها، وقالوا إنهم يحبونها.

وذكرت إحدى الأمهات أنها كانت تبحث منذ فترة طويلة عن شيء يقرأ الكتب لابنها ويطرح عليه أسئلة. وفي الواقع، يتم الترويج لألعاب الذكاء الاصطناعي على أنَّها أدوات تعليمية قيّمة، لكنها قد تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر، إذ قد يترك الآباء أطفالهم الصغار لساعات مع هذه الأجهزة وهم مطمئنون، بحسب عالَم النفس التنموي سفين ليندبرغ، الذي لم يشارك في الدراسة. وأوضح ليندبرغ أن ذلك يحرم الأطفال من أنشطة مهمة مثل اللعب الحر والرسم والابتكار، مؤكداً أن الأجهزة لا يمكن أن تحلَّ محلَّ الإنسان في بناء العلاقات وتطور الطفل. وقال: «تعابير الوجه، والإيماءات، والتفاعل - هناك كثير مما يحتاج إليه الإنسان ليتعلم كيف يكون إنساناً».

وأشار ليندبرغ، وهو مدير علم النفس التنموي السريري في جامعة بادربورن الألمانية، إلى أنَّ الأجهزة القائمة على الذكاء الاصطناعي قد توفر إمكانات كبيرة في مجالات مثل الدعم المبكر للأطفال أو علاج النطق، «بوصفها دعماً للتعلم أو لتحفيز الأطفال على تكرار التمارين». وبحسب بوركهارد روديك، الأمين العام لـ«الجمعية الألمانية لطب الأطفال والمراهقين»، يمكن لهذه الألعاب أن تعرض الأطفال للغة عالية الجودة، «خصوصاً في الحالات التي لا يقرأ فيها الآباء كثيراً، أو تكون قدراتهم اللغوية محدودة، أو عندما ينشأ الأطفال في بيئات متعددة اللغات».

ويرى روديك أن جلسات اللعب القصيرة بهذه الألعاب والمصحوبة بإشراف الكبار قد تكون مفيدةً مقارنةً بالألعاب غير التفاعلية، إلا أنه شدَّد على ضرورة عدم استخدامها وسيلةً لتهدئة الأطفال أو إبقائهم منشغلين، وقال: «قد تكون ألعاب الذكاء الاصطناعي أكثر إغراءً من الأجهزة اللوحية لأنها تبدو أكثر تفاعلاً، ما قد يقلِّل شعور الآباء بالذنب».

وفي المقابل، جعل خبراء القطاع شعار «الذكاء الاصطناعي يحب اللعب» اتجاهاً للألعاب عام 2026 خلال معرض نورنبرغ الألماني للألعاب، مؤكدين أن هذا المجال لا يزال في بدايته، لكنه يتمتع بإمكانات نمو هائلة. غير أنَّ منظمة «فيربلاي» الأميركية لحقوق الأطفال حذَّرت في نهاية العام الماضي من تقديم هذه الألعاب للأطفال في عيد الميلاد (الكريسماس)، مشيرة إلى أنَّها تعتمد على أنظمة ثبتت أضرارها مع الأطفال الأكبر سناً، وأنَّ ثقة الأطفال الصغار في الألعاب تجعلهم أكثر عرضة للمخاطر التي تم رصدها مع أطفال أكبر سناً.

ويرى خبراء أن من بين هذه المخاطر أن يواجه الأطفال صعوبةً في التمييز بين الإنسان والشيء، حيث قال ليندبرغ إن الأطفال في هذا العمر يتعلمون أساسيات مثل فهم الذات والآخرين، وأن وجود شيء يتفاعل ككائن حي ويبدو وكأنه يمتلك مشاعر يجعل هذا التمييز أكثر صعوبة.

كما حذَّر روديك مما تُسمى «العلاقات شبه الاجتماعية»، حيث قد يشعر الأطفال بأنَّ اللعبة تحبهم، رغم أن ذلك غير حقيقي. وقال: «يجب التحذير من هذه العلاقات: الأطفال يحبون شيئاً يتظاهر بأنه يحبهم، لكنه لا يفعل ذلك في الواقع». وأشارت جوداكر إلى أنَّ هذه الألعاب تؤكد صداقتها للأطفال الذين لا يزالون يتعلمون معنى الصداقة، ما قد يؤدي إلى ارتباط عاطفي أو اعتماد عليها. وأضافت جوداكر أن الأطفال قد يفضِّلون التحدث مع اللعبة عن مشاعرهم بدلاً من البالغين، ما قد يحرمهم من الدعم العاطفي الحقيقي، خصوصاً إذا أخطأت اللعبة في تفسير المشاعر أو الاستجابة لها. وأكد روديك أن الألعاب لا ينبغي أن تقول عبارات مثل «دعنا نكون أصدقاء» أو «يمكنك أن تخبرني بأسرارك».

وحذَّر ليندبرغ من آثار بعيدة المدى، موضحاً أن التطور الإنساني يحدث تدريجياً، وأنَّ التأثير على أسس العلاقات الاجتماعية في مرحلة الطفولة المبكرة قد ينعكس على الحياة بأكملها. كما أوضح ليندبرغ أن الأطفال يحتاجون إلى مواجهة الرفض والتحديات لتعلم التفاعل الاجتماعي، وهو ما قد تغيب عنه الألعاب التي توفر تأكيداً دائماً، وقال: «تعلم التفاعل الاجتماعي يتضمَّن أيضاً تجربة المقاومة والفشل والرفض. علينا أن نتعلم تحمل ذلك، وعلينا أن نتعلم التكيُّف أحياناً».

وأشار ليندبرغ إلى أن هذه الألعاب قد تدفع بعض الأطفال مستقبلاً إلى تفضيل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي على العلاقات البشرية، نظراً لسهولة هذه العلاقات وكونها أكثر إرضاءً، مشيراً إلى أن هذا التحوُّل قد يبدأ في سن مبكرة، خصوصاً إذا بدت الألعاب أكثر تفاعلاً واهتماماً من الوالدين. كما أن هذه الألعاب قد تؤثر على ثقة الأطفال في مصادر المعرفة، إذ توفر إجابات أكثر من أي شخص، ما قد يغيِّر طريقة توجههم بالأسئلة والمشاعر. ومع ذلك، لا تزال الآثار الكاملة لهذه العوامل غير واضحة، حيث يرى ليندبرغ أنَّ إدخال هذه التقنيات في مرحلة حساسة من النمو يتم بسرعة تفوق سرعة البحث والتنظيم ومعايير الحماية المطلوبة. وأشار تقرير سابق عام 2021 أعدَّه خبراء من «منتدى خصوصية إنترنت الأشياء» - وهي منظمة بريطانية معنية بحماية البيانات - إلى مخاطر تتعلق بالتسويق التجاري للطفولة القائم على البيانات، وإقامة علاقات مشكوك فيها بين الأطفال وشخصيات اصطناعية، مع مخاوف من أن تؤدي هذه الألعاب إلى تشكيل شخصيات متأثرة بالخوارزميات بشكل كبير.

ودعا فريق جوداكر إلى فرض تنظيمات أكثر صرامة على هذه الألعاب، مع وضع علامات أمان خاصة، كما شدَّد على ضرورة وعي الآباء بقلة الدراسات حول آثار استخدامها. وقالت جوزفين مكارتني، المديرة التنفيذية لمنظمة «ذا تشايلدهود ترست»: «الذكاء الاصطناعي يغيِّر طريقة لعب الأطفال وتعلُّمهم، لكننا بدأنا للتو في فهم تأثيره على تطورهم ورفاههم».