«الشرق الأوسط» تكشف المكالمة الهاتفية التي أسقطت مرشد «الإخوان» في قبضة الأمن المصري

بديع خلال عملية توقيفه فجر أمس (إ.ب.أ)
بديع خلال عملية توقيفه فجر أمس (إ.ب.أ)
TT

«الشرق الأوسط» تكشف المكالمة الهاتفية التي أسقطت مرشد «الإخوان» في قبضة الأمن المصري

بديع خلال عملية توقيفه فجر أمس (إ.ب.أ)
بديع خلال عملية توقيفه فجر أمس (إ.ب.أ)

ظلت سلطات الأمن تتابع مسار الاتصالات التي جرت على هاتف قيادي إخواني كان نائبا في البرلمان السابق عن دائرة شبرا في شمال القاهرة، عقب القبض عليه ومصادرة ما معه من أجهزة اتصالات وكومبيوتر. وبعد نحو يومين تمكنت من التعرف على صوت مرشد الجماعة، محمد بديع، على الرغم من أنه لم يفصح عن اسمه أبدا طوال عمليات الاتصال التي جرت بينه وبين نائب شبرا. ولم يكن النائب السابق يجري الاتصالات على هاتف بديع؛ ولكن عبر رقم يخص إحدى قريباته التي تقيم في شقته الكائنة بجوار مقر الاعتصام الذي جرى فضه الأسبوع الماضي.
وقدم مصدر أمني في وزارة الداخلية رواية لـ«الشرق الأوسط» عن عمليات التتبع والمراقبة التي انتهت بالقبض على بديع في غرفة نومه في الشقة المملوكة لنائب شبرا، حيث كان يقيم معه عدد من مساعديه ومن أقارب النائب السابق. وقال المصدر الأمني، الذي طلب عدم تعريفه لأنه غير مخول له التصريح لوسائل الإعلام، إن الشقة تم فتحها بمفتاح.. دون أن يشير إلى ما إذا كان هذا المفتاح قد تم الحصول عليه من صاحب الشقة الأصلي بعد القبض عليه واحتجازه، أم أن سلطات الأمن فتحت الباب بمفتاح مصطنع، موضحا أن القوات لم تلجأ إلى العنف أثناء فتح الباب.
الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف ليلة أول من أمس. كان يقف أمام الباب سبعة من أفراد القوات الخاصة، بينما كان العشرات من قوات المراقبة والتأمين يحيطون بموقع العمارة رقم 84 بشارع الطيران بالقرب من مسجد رابعة العدوية، وفي الشارع الخلفي اصطفت ست سيارات بينها سيارة إسعاف وأخرى للاتصالات والباقي تابعة للشرطة، انتظارا لتنفيذ عملية اصطياد بديع.
ويوضح المصدر الأمني أن القبض على عدد من قيادات جماعة «الإخوان» خلال الأيام الماضية أسهم بشكل كبير في تحديد المكان الذي يمكن أن يوجد فيه بديع، وهو منطقة رابعة العدوية في مدينة نصر بشرق القاهرة، لكن القيادات الأمنية نجحت في تحديد موقع الشقة التي رجحت الاتصالات أنه يقيم فيها أو يتردد عليها، من خلال اتصالات جرت بالفعل على هاتف النائب المشار إليه خلال أيام الثلاثاء والأربعاء من الأسبوع الماضي.
وقال المصدر: «قبل القبض على نائب شبرا يوم الخميس الماضي، اتضح من فحص هاتفه الجوال أنه تلقى اتصالات من سيدة من أقربائه تقيم مع نساء أخريات في الشقة المشار إليها، وأنه في أحد هذه الاتصالات على هاتف السيدة نفسها، ظهر صوت رجل يقدم الشكر والامتنان للنائب السابق على جهوده في تعضيد الجماعة، وتبين فيما بعد أنه صوت مرشد (الإخوان)».
وتلاحق قوات الأمن بديع، بناء على قرار توقيف صادر ضده من النيابة العامة، منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في الثالث من الشهر الماضي، وذلك ضمن حملة كبرى ضد قيادات الجماعة وكوادرها، بعد عمليات كر وفر في شوارع العديد من المحافظات تسببت في مقتل المئات وإصابة الآلاف من بين «الإخوان» والمناوئين لهم والشرطة والجيش.
ومن بين التهم الموجهة لبديع التحريض على قتل من كان يحاول التظاهر أمام مكتب إرشاد الجماعة (المقر الرئيس لـ«الإخوان») في ضاحية المقطم جنوب شرقي القاهرة، الذي أحرقه معارضون للجماعة فيما بعد، عقب فتح النار عليهم من مسلحين داخل المقر يوم 30 يونيو (حزيران) الماضي.
وترددت شائعات وقتها عن لجوء بديع إلى مدينة مرسى مطروح السياحية على البحر المتوسط شمال غربي مصر، في محاولة منه للهرب برا إلى ليبيا. وتبادلت قوات الأمن هناك النار مع مسلحين موالين للجماعة، مما أدى لمقتل نحو سبعة أشخاص بينهم أربعة مدنيين. وفيما بعد قالت المصادر إن آثار بديع اختفت من القرية السياحية التي كان يختبئ فيها، والمملوكة لأحد قيادات «الإخوان» بمرسى مطروح، إلى أن ظهر بشكل مفاجئ وهو يلقي خطابا حماسيا يدعو فيه الآلاف من أنصار «الإخوان» من على منصة اعتصام رابعة العدوية للجهاد ومقاومة الحكام الجدد وإعادة مرسي إلى كرسي الحكم.
وترددت شائعات أيضا لم تتأكد وقتها عن أن تحركات المرشد بديع وتردده ما بين شقق في منطقة رابعة العدوية ومقر الاعتصام الذي جرى فضة الأسبوع الماضي، كانت معقدة بسبب ارتدائه ملابس منتقبات؛ وهي حيلة للتخفي يقول المصدر الأمني إن عددا من قادة «الإخوان» فروا من خلالها من اعتصام رابعة العدوية ومن مواقع أخرى. وتابع قائلا إن السلطات الأمنية بدأت منذ يوم السبت الماضي في مراقبة الشقة للتأكد من وجود المرشد بديع بداخلها، إلا أن جميع المعلومات انتهت حتى مساء يوم الأحد الماضي إلى عدم وجود المرشد هناك، وبينما كانت السلطات تبحث عن الرجل في أماكن أخرى، أبقت على قوات للمراقبة في محيط العمارة على مدار الساعة.
وأضاف المصدر أنه - ومنذ ظهيرة يوم الاثنين الماضي - بدأت تظهر علامات على أن بديع داخل الشقة، رغم أن رجال المراقبة لم يرصدوا صعوده إليها، وربما صعد إلى الشقة متخفيا. ومن خلال سيارة الاتصالات التي كانت تراقب وترصد الوضع خلف العمارة، جرى التأكد من وجود بديع وتحديد الغرفة التي يقيم فيها داخل الشقة. وبينما كان يقف نحو خمسة من رجال الأمن المدججين بالأسلحة وهم في ملابس مدنية على مدخل العمارة، كان أفراد القوات الخاصة السبعة على الباب، حيث وقفوا هناك لعدة دقائق قبل أن يتمكنوا من فتحه دون مقاومة والدخول في نحو الساعة الثانية فجر أمس.
وتقدمت القوة إلى غرفة بديع الذي كان نائما وهو يرتدي قميصا قطنيا أبيض وسروالا أبيض أيضا. وفتح الرجل البالغ من العمر سبعين عاما، والمولود في مثل هذا الشهر من عام 1943، عينيه ووضع نظارته الطبية؛ ليتبين أن ثلاثة من رجال الأمن يحيطون بسرير نومه، بينما كان الأربعة الآخرون يفتشون الغرف الأخرى.
وقال المصدر إن بديع ظل يحدق في أفراد القوة دون أن تبدو عليه أي علامات من الدهشة، ولم يلق أي أسئلة أو يقول أي كلمة، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة. وبعد نحو دقيقة من الصمت طلب السماح له بارتداء ثوبه الأبيض الذي كان موضوعا على كرسي عند طرف السرير. وخرج مع رجال الأمن إلى صالة الشقة وطلب بعض المياه للشرب.
وفي هذا التوقيت خرج اثنان من رجال الأمن الآخرين من غرفة على اليمين ومعهما سيدتان يبدو أنهما كانتا نائمتين. وخرج من غرفة تقع على اليسار رجلا الأمن الآخران ومعهما ثلاثة أشخاص يعتقد أنهم من حراس المرشد (أحدهم ابن شقيقة نائب شبرا)، وأجهزة تم ضبطها في الشقة بينها أجهزة كومبيوتر محمولة وعدد من الهواتف الجوالة.
ودخل أحد رجال الأمن من خارج الشقة في هذا التوقيت بزجاجة مياه وأخرى تحوي عصير فاكهة ووضعهما على منضدة صغيرة كانت أمام المرشد أثناء وجوده في الصالة في جلبابه الأبيض ودون نظارته الطبية، وهو يحرك شفتيه بالأدعية والآيات القرآنية، وبدا بشكل عام مستسلما لمصيره في مشهد سجلته كاميرات الأمن وجرى بثه على قنوات التلفزيون أمس.
واستغرق وجود بديع في صالة الشقة نحو 15 دقيقة، قامت خلالها قوات الأمن بمواصلة تفتيش الشقة وطلبت مزيدا من الاستعدادات اللازمة، من بينها «مدرعة مصفحة» لنقل «الصيد الثمين» كما يقول المصدر الأمني، إلى سجن طرة في جنوب القاهرة الذي وصل إليه فجر أمس، ليودع في زنزانة انفرادية، وهو السجن المحتجز فيه عدد من قيادات «الإخوان» ممن تم القبض عليهم منذ يوم الأربعاء الماضي، وعدد من قيادات نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك من المحبوسين على ذمة التحقيق في قضايا فساد وقتل منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.



رضا بهلوي يؤكد استعداده لقيادة إيران

معارضون للنظام الإيراني يرفعون صور رضا بهلوي في لندن (أ.ب)
معارضون للنظام الإيراني يرفعون صور رضا بهلوي في لندن (أ.ب)
TT

رضا بهلوي يؤكد استعداده لقيادة إيران

معارضون للنظام الإيراني يرفعون صور رضا بهلوي في لندن (أ.ب)
معارضون للنظام الإيراني يرفعون صور رضا بهلوي في لندن (أ.ب)

أعلن رضا بهلوي، نجل الشاه الإيراني المخلوع، اليوم (السبت)، استعداده لقيادة البلاد بمجرّد سقوط النظام. وقال، في منشور على منصات التواصل الاجتماعي، إنّه يعمل على اختيار شخصيات تعيش في إيران وخارجها لتكون جزءاً من «نظام انتقالي».

وفيما تدخل الحرب التي اندلعت عقب هجوم أميركي إسرائيلي على إيران أسبوعها الثالث، قال بهلوي: «تمّ تحديد أفراد أكفاء داخل البلاد وخارجها، لقيادة مختلف مكوّنات النظام الانتقالي». وأضاف: «سيكون النظام الانتقالي، بقيادتي، جاهزاً لتولي حكم البلاد، بمجرّد سقوط الجمهورية الإسلامية، وفي أسرع وقت، لإرساء النظام والأمن والحرية، وتهيئة الظروف اللازمة لازدهار إيران ونموّها».

وأُجبر الشاه الراحل على الفرار من بلاده مع عائلته بعدما أطاحت به الثورة الإسلامية، عام 1979. ويقيم نجله رضا بهلوي في الولايات المتحدة، وبرز على الساحة الدولية خلال حركة الاحتجاج داخل إيران في يناير (كانون الثاني).

وأشار رضا بهلوي في منشوره إلى أنّ عملية اختيار أعضاء الهيئة الانتقالية قام بها سعيد قاسمي نجاد، المستشار الرئيسي المعني بالقضايا الإيرانية في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)»، وهي مركز أبحاث أميركي معروف بمعارضته الشرسة لطهران.

ولم يحظَ نجل الشاه حتى الآن بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي أعرب مراراً عن شكوكه في قدرته على قيادة إيران. وقال ردّاً على سؤال عن رضا بهلوي، إنّه «يحظى بتقدير لدى البعض، ولم نبحث بعد جدّياً في هذه المسألة».

ويفضّل الرئيس الأميركي في الواقع شخصية مقيمة في إيران، كما حصل إثر إطاحة الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، مع تولّي نائبته سدّة الرئاسة.


«الحميداوي»... رجل إيران الغامض في العراق

صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
TT

«الحميداوي»... رجل إيران الغامض في العراق

صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021

تضاربت الأنباء حول مصير قائد «كتائب حزب الله» في العراق، أبو حسين الحميداوي، بين من تحدث عن مقتله في الضربة التي استهدفت منزلاً تابعاً للحركة فجر السبت في حي الكرادة ببغداد، ومن رجّح نجاته، قبل تداول مقطع فيديو للحادث يظهر فيه شخص يُعتقد أنه الحميداوي، وقد تعرض لإصابة في الرأس. فمن هو الرجل الذي يُعد منذ سنوات «رجل إيران الغامض في العراق»؟

رغم النفوذ الذي تتمتع به «كتائب حزب الله» التي أسسها نائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» السابق، أبو مهدي المهندس، الذي قتل بغارة أميركية عام 2021 قرب مطار بغداد، والدور العسكري الذي تضطلع به، سواء في تكوين العصب الأساسي لأجنحة «الحشد الشعبي»، أو الهجمات التي تشنها على المصالح الأميركية في العراق، فإن القيادات البارزة في هذه الجماعة ظلت محاطةً بسياج كبير من الغموض والسرية، بالنظر لعدم ظهورها الإعلامي والصرامة الأمنية التي فرضتها على عناصرها القيادية.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

رجل إيران الغامض

ارتبط اسم أحمد محسن فرج الحميداوي، المعروف بلقب «أبو حسين الحميداوي»، بالعديد من الأحداث التي وقعت خلال السنوات الأخيرة في العراق، إلا أن معظم المعلومات المتداولة لا تكشف على نحو حاسم حقيقة هذه الشخصية، وباستثناء الصور المتداولة عن والده محسن الحميداوي، تغيب صورة الابن (القائد) عن وسائل الإعلام منذ سنوات.

وتشير معلومات متداولة عن الحميداوي إلى أنه وُلد في بغداد عام 1971، وأيضاً إلى أن أسرته تنحدر من محافظة ميسان الجنوبية، ويحتمل أنها هاجرت إلى العاصمة بغداد في خمسينات أو ستينات القرن الماضي.

كذلك تشير بعض التقارير والتحليلات إلى أنه ينتمي لعائلة لها نفوذ داخل «الكتائب»، حيث يُعتقد أن نجله زيد الحميداوي هو صاحب حساب «أبو علي العسكري» المعروف بنشر بيانات الجماعة عبر منصة «إكس»، وأشقاؤه هم من كبار المسؤولين في الفصيل المسلح.

وتقول مصادر قريب من فصائل «الحشد» إن «الحميداوي يتمتع بحس أمنى شديد. لا يستعمل الهواتف النقالة أو الأجهزة الإلكترونية إلا عبر مساعدين موثوقين، وغالباً لا يعرف أحد تحركاته إلا حلقة ضيقة جداً».

ورغم الغموض الذي يحيط بالحميداوي، فإنه يوصف بـ«رجل إيران الغامض في العراق»، كما جعلت منه الأعمال العسكرية التي يقوم بها منذ سنوات ضمن دائرة الاستهداف الأميركية، وقد أدرجته وزارة الخارجية الأميركية كـ«إرهابي عالمي» مصنف بشكل خاص (SDGT) في فبراير (شباط) 2020، وذلك لدوره الرئيسي في قيادة الكتائب المصنفة هي الأخرى كمنظمة إرهابية من قبل واشنطن منذ عام 2009.

تشييع عنصر في «كتائب حزب الله» في بغداد بعد يوم من مقتله بضربة جوية في جنوب العراق يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

سجل «الكتائب»

تتهم «الكتائب» وقائدها الحميداوي من قبل جماعات الحراك الاحتجاجي عام 2019 في التورط بعمليات قتل واغتيال لبعض الناشطين.

ويعتقد على نطاق واسع أن الكتائب مسؤولة عن كثير من العمليات العسكرية ضد السفارة الأميركية في بغداد والمناطق والمعسكرات التي توجد فيها القوات الأميركية، وتعدها بعض الجهات الشيعية أقوى فصيل عراقي مسلح يوالي إيران ويلتزم تعليمات الحرس الثوري الإيراني.

وفرضت الخزانة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 عقوبات إضافية استهدفت قيادات في الفصائل العراقية، وأكدت استمرار القيود على الحميداوي بصفته المسؤول الأول عن الكتائب.

وتكرر الأمر ذاته في يناير (كانون الثاني) 2024، شملت عناصر في الكتائب، وضمنهم شقيقه أوقد الحميداوي، بتهم تتعلق بالدعم اللوجستي وتسهيل الأنشطة المالية والعملياتية للكتائب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«ليلة المسيرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
TT

«ليلة المسيرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)

شهدت بغداد، فجر السبت، واحدة من أكثر الليالي الأمنية توتراً منذ أشهر، مع سلسلة هجمات وضربات متبادلة بدأت باستهداف منزل يستخدم مقراً بديلاً لفصيل مسلح داخل حي سكني في الكرادة، قبل أن تمتد إلى هجوم ثانٍ على سيارة تقل مسلحين شرق العاصمة، وتنتهي بهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء، في تطور يراه مراقبون بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة الموالية لإيران.

منزل آمن للفصائل

وفق مصدر في الشرطة المحلية، فقد وقع الهجوم الأول عند الساعة 03:20 بالتوقيت المحلي، فجر السبت، عندما سقط صاروخ على منزل سكني في منطقة الكرادة – تقاطع المسرح شرقي العاصمة.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن المنزل كان يُستخدم مقراً بديلاً تابعاً لـ«كتائب حزب الله»؛ ما أدى إلى تدميره بالكامل تقريباً، إذ لم تتجاوز واجهته 5 أمتار، وتَعَرَّض للدمار.

وبحسب المصدر، أسفر الهجوم عن مقتل 3 وجرح رابع، وجميعهم أعضاء في «كتائب حزب الله»، وبين القتلى شخص يدعى «أبو علي العامري» وهو مستشار عكسري بارز في الفصيل.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن أحمد محسن فرج الحميداوي، المعروف باسم «أبو حسين الحميداوي» الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، كان داخل الموقع المستهدف لحظة الضربة، لكنه أصيب بجروح سطحية في الرأس، ونُقل إلى موقع آمن بعيداً عن الأنظار.

وبحسب روايات أمنية، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال جثث متفحمة من تحت الأنقاض، قبل أن يتسلمها عناصر من فصيل مسلح نقلوها إلى جهة غير معلومة، ما زاد الغموض حول عدد الضحايا الفعلي.

عراقيون يهتفون ويرفعون العلم الإيراني في أثناء مشاركتهم في مسيرة يوم القدس في البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

هجوم ثانٍ في البلديات

وبعد نحو ساعتين من الضربة الأولى، وقع هجوم ثانٍ في منطقة البلديات شرق بغداد. وأفادت مصادر أمنية بأن سيارة تقل 3 أشخاص تعرضت لاستهداف مباشر، مرجحة أن أحد ركابها قيادي في «حركة النجباء»، إحدى الفصائل المسلحة المنضوية في «الحشد الشعبي».

وبحسب المعلومات المتداولة داخل الأوساط الأمنية، أدى الهجوم إلى مقتل ركاب السيارة الثلاثة، من دون صدور تأكيد رسمي بشأن هوياتهم.

هجوم مركّب على السفارة الأميركية

لم تمضِ ساعة تقريباً على الهجوم الثاني حتى اتسعت دائرة التصعيد لتصل إلى المنطقة الخضراء، حيث تعرضت السفارة الأميركية في بغداد لهجوم مركّب باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة.

وقال مصدر أمني إن إحدى الطائرات المسيّرة نجحت في إصابة منظومة اتصالات فضائية داخل مجمع السفارة كانت تستخدم لتبادل البيانات عبر الأقمار الاصطناعية؛ ما أدى إلى تدميرها.

وأضاف أن منظومة الدفاع الجوي الأميركية «C-RAM» داخل المجمع لم تتمكن من اعتراض الطائرة المسيّرة التي أصابت هدفها بدقة، في تطور عده مسؤولون أمنيون لافتاً.

وأفادت تقارير إعلامية بأن حريقاً اندلع داخل المجمع الدبلوماسي عقب الهجوم، بينما أصاب أحد الصواريخ مهبط المروحيات داخل السفارة مسبباً أضراراً مادية.

وقال سكان في محيط المنطقة الخضراء إن دوي عدة انفجارات قوية هز الأبنية السكنية القريبة، في واحدة من أعنف الهجمات التي تتعرض لها السفارة منذ سنوات.

اشتباكات وإغلاق المنطقة الخضراء

وبحسب مصادر مطلعة، حاول متظاهرون يوجدون منذ نحو أسبوعين قرب الجسر المعلق التقدم باتجاه السفارة الأميركية بعد الضربة؛ ما أدى إلى احتكاكات مع القوات المكلفة بحماية المنطقة.

وعلى إثر ذلك، جرى إغلاق بوابات المنطقة الخضراء بالكامل، ومنع الحركة فيها لساعات.

في المقابل، أدانت قيادة العمليات المشتركة ما وصفته بـ«التطور الخطير وغير المسبوق» المتمثل في استهداف الأفراد داخل الأحياء السكنية.

وقالت في بيان إن استهداف المواطنين داخل المناطق السكنية «جريمة مكتملة الأركان وانتهاك للقيم الإنسانية»، مؤكدة أن تحويل الأحياء المدنية إلى ساحات عمليات عسكرية يمثل خرقاً واضحاً للقوانين الدولية.

ولم يحدد البيان الجهة المسؤولة عن الضربات.

موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)

تحذيرات دبلوماسية

جاءت هذه التطورات في وقت أكد فيه وكيل وزارة الخارجية العراقية للعلاقات الثنائية محمد حسين بحر العلوم، خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس، أن استمرار الصراع في المنطقة يهدد أمن العراق واستقراره.

وأشار إلى أن البلاد تعرضت خلال الفترة الأخيرة إلى ضربات عسكرية في بغداد وكركوك والأنبار وبابل أدت إلى مقتل 14 مقاتلاً، وإصابة 24 آخرين، مؤكداً التزام بغداد بحماية البعثات الدبلوماسية وفق اتفاقية فيينا.

من جهته، أكد هاريس تمسك الولايات المتحدة بشراكتها الاستراتيجية مع العراق، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية في المنطقة تقوم على الرد المحدود والدفاعي عن مصالحها ومنشآتها.

بداية «كسر العظم»

وترى مصادر أمنية وسياسية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن ما جرى يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة المواجهة.

وقالت المصادر إن الضربة التي استهدفت المنزل في الكرادة تعكس امتلاك الأميركيين معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع قيادات الفصائل، مشيرة إلى أن المرحلة الجديدة انتقلت من استهداف المواقع والأسلحة إلى استهداف الشخصيات.

وأضاف مصدر سياسي مطلع أن «المواجهة دخلت مرحلة كسر العظم»، مرجحاً أن تتسع الضربات المتبادلة خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب خطة ردع واضحة لدى الحكومة العراقية أو القوى السياسية الداعمة للفصائل المسلحة.

وبينما حذر مصدر أمني من أن الفصائل قد تلجأ إلى استهداف أهداف عراقية كبيرة إذا لم تجد أهدافاً أميركية مباشرة، يرى مراقبون أن البلاد تقف أمام مرحلة تصعيد قد تكون الأخطر منذ سنوات إذا استمرت الضربات المتبادلة بهذا المستوى.