محاكمة الاحتلال النازي لباريس في رواية فرنسية

باريس تحت الاحتلال الألماني 1940
باريس تحت الاحتلال الألماني 1940
TT

محاكمة الاحتلال النازي لباريس في رواية فرنسية

باريس تحت الاحتلال الألماني 1940
باريس تحت الاحتلال الألماني 1940

اختلف النقّاد والدارسون في تصنيف رواية «دورا بروديه» للروائي الفرنسي باتريك موديانو، فهناك مَنْ يراها سيرة، وآخرون ينظرون إليها كمذكّرات، فيما تعتقد فئة ثالثة أنها تاريخ فردي لشخصية فرنسية تتحدر من أصول يهودية، وربما ذهب البعض أبعدَ من ذلك حين نفى عنها صفة الرواية، ويبدو أن الجميع محقّون إلى حدٍّ ما لأن هذا النص السردي يشتمل على كل التصنيفات المُشار إليها سلفًا لكن القراءة النقدية المتفحصة التي تفكّك العمل إلى عناصره الأولية تقول إنها «نوفيلا» مثل العديد من أعماله السردية الأخرى التي تقوم على فعل التذكّر، واسترجاع الماضي، والنبش في أحداثه التي مرّ عليها خمسة عقود إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن باتريك موديانو قد كتب صفحات هذا النص الأدبي في أواخر عام 1996.
تبدو هذه النوفيلا الصادرة عن «دار صفصافة» بالقاهرة ترجمة د. ناهد عبد الحميد، أفقية في بنائها حتى وإن عادت إلى الوراء ثم انطلقت بخطٍ مستقيم حين هربت دورا بروديه من مدرسة الدير الكاثوليكية بباريس في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1941. ثم احتجِزت يوم 13 أغسطس (آب) 1942 في سجن «توريل» وأمضت ثمانية أشهر في معتقل درانسي، ورُحّلت من هناك إلى أوشفيتز، معسكر الاعتقال النازي، سيئ الصيت، ولاقت مصيرها المحتوم هناك. هذه هي الثيمة الأفقية التي تتمحور عليها النوفيلا لكن التفاصيل تختبئ وراء طبقات متعددة للأسرة المكوّنة من ثلاثة أفراد وهم الأب إرنست بروديه، والأم سيسيل بورديج، والابنة دورا بروديه، وبالمقابل هناك الراوي أو الوجه الآخر للمؤلف الذي يبحث في كل صغيرة وكبيرة، ويتذكّر، ويمارس فعل التخيّل، ويتماهى في بعض الأحيان مع الشخصية المركزية التي تمثل العمود الفقري للنص السردي.
مَنْ يقرأ روايات موديانو يكتشف بسهولة أنه كاتب متقشف لا يميل إلى الإسهاب، فعبارته بليغة، وجملته الروائية موجزة خالية من الترهل، وهو «يقول أشياء كثيرة بكلمات قليلة» على حد تعبير الناقد الأميركي مارك بوليتزوتي الذي ترجم العديد من روايات موديانو من الفرنسية إلى الإنجليزية مُقدِّمًا إياها إلى القرّاء الأميركيين الذين أُعجبوا بتقنياته السردية الجديدة، ومعالجاته المختلفة لثيمات كثيرة مثل الاحتلال النازي لفرنسا، وسؤال الهُوية بتجلياتها القومية والدينية والثقافية، وعزلة الكائن البشري وما إلى ذلك.
تأثر موديانو بمارسيل بروست ولويس فرديناند سيلين وفلوبير لكنه صنع عوالمه الخاصة به التي تحيل إليه مثل الغوص في الذاكرة، واستنطاق الأمكنة، وخاصة الباريسية منها، ومتابعة المصائر البشرية لبعض الشخصيات الرئيسية التي تشكّل العصب النابض لسردياته التي جاوزت العشرين رواية نال معظمها جوائز رفيعة أبرزها جائزة الغونكور عن رواية «شارع الحوانيت المُعتمة» 1978، وجائزة نوبل في الأدب عام 2014 حيث أوضح القائمون عليها: «إن موديانو كُرّم بفضل فن الذاكرة الذي عالج من خلاله المصائر الإنسانية الأكثر عصيانا على الفهم وكشف عالم الاحتلال». وربما تختزل هذه الجملة أبرز المحاور التي اشتغل عليها موديانو وخلق عالمه السردي الذي يرتكز على فعلي التذكّر والتخيّل المتشابكين اللذين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. لا شك في أنّ استعمال موديانو لهذا الإعلان الذي نُشر في صحيفة «باريس سوار» هو نوع من الميتا سرد الذي ستعززه الوثائق الشخصية لدورا بروديه، والسجلات المدرسية لها، والتقارير الرسمية التي تحتفظ بها مراكز الشرطة، وإدارات السجون. ومن خلال هذا الإشعار المقتضب يرتدّ موديانو إلى الوراء، ويعود إلى الحي الذي عرفه جيدًا حيث يتماهى الراوي مع حياة دروا بروديه وموتها الغامض الذي سوف يتكشّف تباعًا من وثيقة رسمية إلى أخرى، ومن مكان نابض إلى مكان حميمي يرفض أن يغادر الذاكرة حتى لو تعرّض إلى الطمس والمحو والإلغاء.
أشرنا إلى أنّ هذه النوفيلا تتألف من أربع طبقات في أقل تقدير حيث يكشف الراوي من خلال البطاقات التي أعدت بعد عشرين عامًا من الحرب الاستعمارية التي كانت تشنّها فرنسا في القارة الأفريقية أن الأب إرنست بروديه المولود في فيينا عام 1899 «كان مُجندًا من الفئة الثانية في الفيلق الأجنبي الفرنسي» لكنه لم يتمكن من تحديد التاريخ سواء أكان عام 1919 أم 1920؟ ثم يتابع الراوي شخصية الأب إرنست من دون أن يعرف مكان وكيفية تجنيده، وهل أنجز معاملة التجنيد في النمسا أم في فرنسا لكنه يأخذنا إلى مرسيليا ومنها إلى شمال أفريقيا لأن ليوتي، الحاكم الفرنسي في المغرب كان في أمس الحاجة إلى 30 ألف جندي كي يفرض الأمن في المناطق الثائرة في بعض المدن المغربية. هكذا يتقصى موديانو شخصياته ويقتفي أثرها بغية الحصول على المعلومات الأساسية التي تفيد القارئ في رحلة القراءة والاستكشاف إلى أن نتوصل في خاتمة المطاف إلى معلومة مهمة تفيد بأن المجند إرنست بروديه قد أصبح معاقًا بنسبة في المائة 100 الأمر الذي اضطر قائد الفيلق الأجنبي إلى تسريحه، ومع ذلك فلم يُمنَح الجنسية الفرنسية، بل ظلّ يتعرض إلى أعمال الدهم والتفتيش حتى رُحل في النهاية إلى أوشفيتز ليواجه الموت المرعب خنقًا بالغاز أو رميًا بالرصاص.
في الطبقة الثانية من النوفيلا نتعرّف على سيسيل بورديج المولودة في بودابست عام 1907 وكانت تنتمي إلى عائلة يهودية من أصل روسي استقرت في بودابست في بداية القرن. وكانت تعمل خيّاطة، وفي عام 1924 تزوجت من إرنست بروديه، وظل الزوجان يقيمان في الفنادق حتى بعد ولادة دورا لأبوين تطاردهما مراكز التفتيش وسلطات الاحتلال النازي لأنهما من أصول يهودية لا غير.
أما الطبقة الثالثة من الرواية فتتمحور على شخصية دورا بروديه التي التحقت في سنّ الرابعة عشرة بمدرسة الدير الكاثوليكية، وقُيدت باسم «سوزان ألبير»، وأمضت فيها عامًا ونصف العام لكنها قررت الهرب يوم 14 ديسمبر (كانون الأول) 1941، فهذه المدرسة كانت تضم فتيات مجهولات الهُوية، أو صبايا يتحدرنَ من عوائل فقيرة جداً، ولم يعرف أحد من صديقاتها أو الراهبات هويتها الحقيقية. ارتكبت دورا مخالَفتَين من وجهة نظر الشرطة والسلطات الألمانية فهي يهودية قاصر وهاربة من مدرسة الدير «قلب السيدة مريم» كما أنها تفتقر إلى ملف الرقم اليهودي الذي يتيح للجهات المعنية الوصول إليها في أي وقت تشاء. وإذا كان الأب مُجنّداً مُعاقاً والأم خيّاطة فإن الابنة كانت مثقفة، تهوى المسرح والشعر، وتعلّمت تفصيل وخياطة ملابس التمثيل المسرحي. لم تلتقِ الشخصيات الثلاث دفعة واحدة، فلقد غادر الأب والابنة سجن «درانسي» يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 1943. فيما غادرت سيسيل السجن ذاته بعد خمسة أشهر من ترحيل زوجها وابنتها ويموتوا في أوشفيتز، مركز الاعتقال النازي.
ربما تكون الطبقة الرابعة والأخيرة هي ذاكرة الراوي التي تقنّع بها المؤلف باتريك مودياني، فهو الأقدر من الشخصيات الثلاث على رؤية الجانب المظلم من التاريخ الفرنسي في ظل الاحتلال النازي، ولعله الأكثر قدرة على الغوص في العوالم الضائعة التي فقدت هُويتها لكن الرائحة ما تزال عالقة هناك في الأحياء المقوّضة، والشوارع المطموسة التي أعاد تشكيلها من جديد، وبعث الحياة في أزقتها، وشققها السكنية المهجورة. إنه استدعاء مبهر للزمان والمكان والشخصيات التي عانت من الآلام الممضّة في أقسى لحظات التاريخ عُنفاً وتوتراً وجنونا.



قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
TT

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)
رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر خلال العصر الجليدي، أي قبل أكثر من 5 آلاف عام من الاعتقاد السائد بشأن تدجينها.

وتعود عظام عُثر عليها في كهف غوف في سومرست، وفي بينارباشي في تركيا، إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى، أي قبل ظهور الزراعة بزمن طويل. وفي هذا السياق، أوضح البروفسور أوليفر كريغ، من قسم الآثار بجامعة يورك أنه: «لطالما اعتقدنا أن الكلاب تطوّرت من الذئاب الرمادية خلال العصر الجليدي الأخير، لكن الأدلة المادية على ارتباطها بالبشر كان من الصعب تأكيدها».

وخلال المراحل الأولى من التدجين، كانت الكلاب والذئاب متطابقة تقريباً في الشكل، ولم تظهر اختلافات سلوكية واضحة في السجل الأثري. واعتمدت الدراسات السابقة على أجزاء صغيرة من الحمض النووي وقياسات الهياكل العظمية، لكن هذه الدراسة الأخيرة تمكنت من إعادة بناء جينومات كاملة من بقايا يزيد عمرها على 10 آلاف عام.

وبعد ذلك، قارن علماء جامعة يورك هذه البقايا بأكثر من ألف نوع حديث وقديم من فصيلة الكلاب، مما أكَّد أنّ الكلاب كانت منتشرة على نطاق واسع في أوروبا وغرب آسيا منذ 14 ألف عام على الأقل.

كما قاس تحليل غذائي نظائر الكربون والنيتروجين المحفوظة في كولاجين العظام، ما أظهر أنّ الكلاب كانت تتبع نظاماً غذائياً يُشبه النظام الغذائي لدى البشر.

رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قالت طالبة الدكتوراه ليزي هودجسون التي أسهمت في الدراسة: «جاءت إحدى أهم النتائج من بينارباشي، إذ أظهرت البيانات أن الكلاب المنزلية كانت تستهلك نظاماً غذائياً غنياً بالأسماك، يُشابه إلى حد كبير النظام الغذائي للسكان المحليين»، مضيفةً أنه «من غير المرجَّح أنّ الكلاب كانت تصطاد كميات كبيرة من الأسماك بنفسها، ما يُشير إلى أنّ البشر كانوا يُطعمونها بنشاط».

كما تُشير الدراسة، التي نُشرت في مجلة «نيتشر» ونقلتها «الإندبندنت»، إلى أنّ الكلاب كانت موجودة بين مجموعات مختلفة من الصيادين وجامعي الثمار قرب نهاية العصر الجليدي، وأنها كانت أقرب صلةً بسلالات الكلاب الأوروبية والشرق أوسطية الحديثة منها بالكلاب القطبية.

وعلَّق الدكتور ويليام مارش، من متحف التاريخ الطبيعي: «سمحت لنا هذه العيّنات بتحديد أنواع إضافية من الكلاب القديمة من مواقع في ألمانيا وإيطاليا وسويسرا، ما يُظهر أنها كانت منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا وتركيا منذ 14 ألف عام على الأقل».

بدوره، قال الدكتور لاكي سكارزبروك، من جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونيخ، إنّ هذا يشير إلى أنّ سلالات الكلاب الرئيسة كانت موجودة بالفعل منذ نحو 15 ألف عام. وأضاف: «كانت الكلاب ذات الأصول المختلفة موجودة بالفعل في جميع أنحاء أوراسيا، من سومرست إلى سيبيريا».

ويرى خبراء أنّ هذا يثير احتمال أن تكون الكلاب قد استُؤنست قبل أكثر من 10 آلاف عام من استئناس أيّ حيوانات أو نباتات أخرى.


«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
TT

«كبيرة الممرضات» في إنجلترا تصنع لحظة تاريخية في الكنيسة الأنجليكانية

ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)
ما كان مستحيلاً يصبح واقعاً (أ.ف.ب)

تُنصَّب، اليوم الأربعاء، سارة مولالي، أول امرأة تتولّى منصب رئيسة أساقفة كانتربري والزعيمة الروحية لنحو 85 مليون مسيحي في الكنيسة الأنجليكانية العالمية، وذلك خلال مراسم تجمع بين التقاليد والرمزية العالمية في كاتدرائية كانتربري.

ونقلت عنها «رويترز» قولها في مقابلة مع «بي بي سي» قبل المراسم: «أدرك أهمية كوني أول امرأة تتولَّى منصب رئيسة أساقفة»، مضيفة أنّ الحفل سيشهد مشاركة أصوات نسائية.

خطوةٌ تغيّر ملامح الحكاية (أ.ف.ب)

وبمناسبة بدء توليها المنصب، ستجلس كبيرة الممرّضات في إنجلترا والموظفة الحكومية سابقاً على كرسي القديس أوغسطين العائد إلى القرن الثالث عشر أمام نحو ألفَي ضيف مدعو، بينهم ولي العهد البريطاني الأمير ويليام وزوجته كيت، ورئيس الوزراء كير ستارمر، إلى جانب عدد من القادة الدينيين.

وفي حين أثار تعيين مولالي في أكتوبر (تشرين الأول) انتقادات حادة من تكتّل محافظ داخل الكنائس الأنجليكانية يُعرف باسم (جافكون)، ويضم في معظمه كنائس من أفريقيا وآسيا، تخلّى هذا التكتل الشهر الحالي عن خططه السابقة لتعيين شخصية رمزية موازية لمولالي، وأنشأ بدلاً من ذلك مجلساً جديداً.

ورغم أنّ التوتّر بين التيارات المسيحية التقدمية والمحافظة ليس حكراً على الأنجليكانية، فإنّ دور رئيس أساقفة كانتربري يظلّ رمزياً إلى حد كبير، بخلاف بابا الفاتيكان الذي يتمتّع بصلاحيات واضحة على الكاثوليك حول العالم.

بابٌ يُفتح وزمن يتبدّل (أ.ف.ب)

وخلال المراسم، ستدخل مولالي الكاتدرائية عبر الطرق على بابها الغربي اليوم الأربعاء، مرتدية تاجاً وعباءة مثبتة بمشبك مستوحى من الحزام الذي كانت ترتديه خلال عملها ممرضةً في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، ثم سيستقبلها الأطفال.

وسترتدي خاتماً كان البابا بولس السادس قد أهداه في عام 1966 إلى أحد أسلافها، وهو مايكل رامزي، في إشارة إلى تحسُّن العلاقات بين الأنجليكان والكاثوليك، بعد قرون من انفصال الملك هنري الثامن عن كنيسة روما.

بداية تُشبه التحوّل (أ.ف.ب)

وستُقام الصلوات بلغات عدّة، من بينها الأردية، إلى جانب الترانيم الأفريقية.

وقال الأسقف نيكولاس بينز: «تمنح رئيسة الأساقفة سارة الكنيسة فرصة لفتح صفحة جديدة من الحوار تقوم على قدر أكبر من الثقة. إنها تمتلك المهارات والخبرة اللازمة لمثل هذا الوقت».


بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
TT

بعد المرض والحزن ودرب الآلام... سيلين ديون عائدة إلى عاصمة الحب

الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)
الفنانة الكندية سيلين ديون خلال افتتاحها «أولمبياد باريس» صيف 2024 (أ.ب)

«إن لم أركض فسوف أمشي. وإن لم أستطع المشي فسأزحف»... بهذه العبارة وعدت سيلين ديون جمهورها قبل سنتَين بالعودة الحتميّة إلى المسرح، حتى وإن عاندَها جسدُها ووضعُها الصحيّ. لكن يبدو أن المغنّية الكندية العالمية كانت أعند من المرض، وها هي ذي تستعدّ لاعتلاء الخشبة من جديد.

استفاقت باريس قبل يومين على لوحات ضوئية تغزو شوارعها، وتحمل عدداً من عناوين أغاني سيلين ديون باللغتَين الفرنسية والإنجليزية، من دون أي إشارة إضافية.

كلمات أغاني سيلين ديون تملأ الشوارع في العاصمة الفرنسية باريس (أ.ف.ب)

تزامنت تلك الحملة الدعائية الغامضة مع خبرٍ تفرّدت به صحيفة «لا بريس» الكنَديّة، مفادُه أنّ ديون عائدة إلى الغناء أمام الجمهور، وذلك ضمن سلسلة حفلات تستضيفها العاصمة الفرنسية مطلع الخريف المقبل. وينسب الصحافي الذي نشر الخبر معلوماته إلى مصدر موثوق أبلغه بأنّ ديون ستقدّم مجموعة حفلات بدءاً من شهر سبتمبر (أيلول) في ميدان «باريس لا ديفانس» المغلق، الذي يتّسع لأكثر من 40 ألف متفرّج.

وفي وقتٍ لم تؤكّد إدارة أعمال الفنانة الخبر ولم تَنفِه، أثارت ديون شخصياً فضول معجبيها ومتابعيها بنَشرِ مجموعة من الصور عبر حسابها على «إنستغرام». وتوثّق تلك الصور لمحطات باريسية في مسيرة المغنية، منذ سنوات المراهقة وحتى اليوم. وقد أرفقت ديون المنشور بعبارة بالفرنسية تعطي انطباعاً بأنها عنوان لأغنية جديدة.

وفق معلومات الصحيفة الكنديّة، فإنّه من المرتقب أن تحيي سيلين ديون حفلَين أسبوعيين في «لا ديفانس» خلال شهرَي سبتمبر وأكتوبر (تشرين الأول)، أي ما مجموعُه 16 حفلة. مع العلم بأنّ الميدان المذكور يُعدّ أضخم قاعة حفلات في أوروبا. واللافت أنّ الموقع الإلكتروني الخاص بالحجوزات فارغٌ حتى اللحظة من أي مواعيد في تلك التواريخ، ما يوحي بأنّ المعلومة دقيقة على الأرجح، بانتظار إعلانٍ رسميّ من قبل ديون حول انطلاق بيع البطاقات.

سيلين ديون في الرياض عام 2024 احتفاءً بالمصمم اللبناني العالمي إيلي صعب (رويترز)

تثير أي عودة محتملة لسيلين ديون إلى الغناء والعروض الموسيقية الاهتمام حول العالم، لأنّ الفنانة أمضت سنواتها الـ6 الأخيرة شبه غائبة عن الأضواء، ورهينة الآلام والعلاج من «متلازمة الشخص المتيبّس» (Stiff Person Syndrome). وقد استحقّت تلك العودة المرتقبة عدداً خاصاً من مجلة «باري ماتش» الفرنسية، تصدّرته صورة ديون وملأت سيرتُها صفحاته الداخلية. أما العنوان الرئيسي فجاء ليؤكّد الخبر: «سيلين ديون... إنها عائدة».

عدد خاص من مجلّة «باري ماتش» مخصص لعودة سيلين ديون (موقع المجلّة)

العدد الذي صدر مطلع هذا الشهر، بالتزامن مع استعداد ديون لإطفاء شمعتها الـ58، خصّها بـ92 صفحة من الصور الأرشيفية والتحقيقات الحصرية. ورغم الاستفاضة في سيرتها الذاتية، بدءاً بطفولتها في مونتريال، مروراً بارتباطها بمدير أعمالها وزوجها لاحقاً رينيه أنجليل، وليس انتهاءً بوفاته وإصابتها بالمرض، إلا أنّ العدد الخاص من المجلّة لم يتضمّن أي حوار مع الفنانة.

خلال سنوات المعاناة التي عبرتها، التزمت ديون باحتجاب جزئيّ عن الأضواء والإعلام. لكنها حافظت على تواصلِها مع متابعيها عبر «السوشيال ميديا»، فدأبت على مصارحتهم بوضعها الصحي ومشاركتهم أخبارها. وفي سياق تلك المنشورات، كان لافتاً ذلك الذي خصّصته لوالدها الراحل مطلع الشهر الحالي بمناسبة ذكرى ميلاده.

جاء ذلك المنشور بمثابة وعد لجمهور ديون؛ إذ كتبت فيه متوجّهةً إلى والدها الراحل وعبرَه إلى منتظريها: «أحبّك وعندما أصعد مجدداً إلى المسرح، أعرف أنك ستكون معي».

إذا صدَقت المعلومات المتداولة فإنّ صعود ديون إلى المسرح من جديد سيكون الأوّل بعد سنتَين على آخر إطلالة جماهيريةٍ لها. ففي يوليو (تموز) 2024، افتتحت المغنية الألعاب الأولمبية في باريس مقدّمةً أداءً آسراً لأغنية «إديث بياف» (نشيد الحب)، من قلب برج إيفل ووسط أنواره الساحرة. وهي فاجأت العالم حينذاك؛ إذ أتت تلك الإطلالة بعد شهرٍ على عرض الفيلم الوثائقيّ الذي واكب جلجلة آلامها.

كانت 2024 السنة التي عقدت فيها سيلين ديون العزم على الوقوف من جديد، وكانت باكورة القرار حلولها ضيفة شرف على حفل جوائز «غرامي» الموسيقية في شهر فبراير (شباط) من ذلك العام. رافقها ابنُها البكر رينيه شارل إلى المسرح، حيث استُقبلت بدقائق من التصفيق، كما قدّمت جائزة ألبوم العام للمغنية الأميركية تايلور سويفت.

سيلين ديون خلال حلولها ضيفة شرف على حفل «غرامي» عام 2024 (رويترز)

بكامل طاقتها وحيويّتها المعهودة، ختمت سيلين ديون العام بمشاركة خاصة في عرض أزياء المصمم اللبناني العالمي إيلي صعب في الرياض. غنّت «I’m Alive» (أنا على قيد الحياة) احتفاءً بمرور 45 عاماً على انطلاق مسيرة صعب في عالم الأزياء، وتوسطت ديون العارضات اللواتي مررن بأثوابهنّ الذهبية.

أين تلك «السيلين» المتوهّجة، من المرأة المكسورة والمسحوقة ألماً التي شاهدها العالم في وثائقي «أنا: سيلين ديون» على منصة «أمازون برايم» في يونيو (حزيران) 2024؟

أمام عيون الملايين، قررت الفنانة الملقّبة بـ«الديفا»، أن تفرد أوجاعها حتى أعلى صرخة وأحَرّ دمعة. سلبتها «متلازمة الشخص المتيبّس» قدرتها على الحركة والكلام والغناء. ضرب المرض جهازيها العصبيّ والمناعيّ. وجدت ديون نفسها مرغمة على إلغاء حفلاتها وتعليق مشاريع ألبوماتها.

اليوم وبعد أن شارفت رحلة الآلام على نهايتها، تعود سيلين ديون إلى شغفها الذي صمتَ قسراً. ترجع إلى الموسيقى التي تجري في صدرها مثل الهواء. فوحدَها معجزةُ الصوت أخرجت الطفلة سيلين من ثلوج قريتها شارلمان إلى مسارح المجد، ولا شيءَ سوى تلك المعجزة يستطيع أن يمنح النجمة العالمية ولادة جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended