سنوات الجوع والخوف في الحجاز والشام.. ورحلة «البابور»

ذكريات الحرب العالمية الأولى في ثلاثية لأديب سعودي

غلاف كتاب «حياتي بين الجوع والحب والحرب»
غلاف كتاب «حياتي بين الجوع والحب والحرب»
TT

سنوات الجوع والخوف في الحجاز والشام.. ورحلة «البابور»

غلاف كتاب «حياتي بين الجوع والحب والحرب»
غلاف كتاب «حياتي بين الجوع والحب والحرب»

بعد 14 عاما من انتهاء الحرب العالمية الأولى، أي في 23 سبتمبر (أيلول) 1932، أعلن عن قيام المملكة العربية السعودية، لكن بعض الأراضي التي توحدت في ما بعد تحت العلم السعودي كانت مسرحا لصراعات مسلحة متصلة أساسا بالحرب العالمية الأولى، مثل «الثورة العربية الكبرى» التي دعمها الحلفاء خاصة بريطانيا.
ففي ظل الحرب الكونية الأولى، أطلق الشريف حسين في يونيو (حزيران) 1916 الثورة العربية، بدعم لوجيستي من البريطانيين، وهدفت لإسقاط الحكم العثماني في مناطق نفوذ السلطنة العثمانية وأهمها الحجاز، التي تضم المدينة المنورة ومكة المكرمة والمنطقة الممتدة بينهما. وما إن وضعت الحرب أوزارها حتى كانت مناطق الحجاز ضمن الحصة التي خسرتها السلطة العثمانية. ففي نهاية سبتمبر 1918 انسحب العثمانيون من دمشق، وقبلوا التنازل عن أملاكهم في مصر، ونجد، والحجاز، وسوريا، والعراق، وكيليكيا. وبخروج العثمانيين، دخلت الحجاز تحت الحكم الهاشمي. وكانت الحرب العالمية الأولى قد أعلن عن نهايتها في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1918.
لذلك فإن الأعمال الأدبية السعودية التي تناولت فترة الحرب العالمية الأولى كانت قليلة للغاية. لكنّ مؤلفا نادرا عن سيرة هذه الحرب صوّر آثارها على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدول العربية خاصة الحجاز وتأثيراتها المدمرة، واعتبر أهم (إن لم يكن الوحيد) الذي وصف الحرب وآثارها، وهو كتاب «حياتي مع الجوع والحب والحرب»، وهو كتاب كبير يتكون من جزءين، للأديب عزيز ضياء (1914 - 1997). ويمثل هذا الكتاب السيرة الذاتية للأديب السعودي الراحل، وهي تغطي مرحلة مهمة من تاريخ الجزيرة العربية وتداعيات الحرب العالمية الأولى على المدينة المنورة وما رافقها من ثورة العرب في الحجاز على الحكم التركي.

* سيرة عزيز ضياء
ولد عزيز ضياء، واسمه عبد العزيز ضياء الدين زاهد مراد، في المدينة المنورة في 22 يناير (كانون الثاني) 1914، وهو العام الذي شهد اندلاع الحرب العالمية الأولى. وفقد أباه في سن مبكرة إذ سافر والده إلى روسيا بغرض جمع الأموال لتأسيس الجامعة الإسلامية بينما كان عزيز في الثالثة من عمره، لكنه لم يعد أبدا. والمرجح أنه قتل أثناء تلك الرحلة.
عانى عزيز ضياء وهو طفل صفير من ويلات الحرب، مثلما عانى السكان في المدينة المنورة وعموم الحجاز خلال الثورة العربية الكبرى، وحصار الجيش الهاشمي مكة والمدينة، مما اضطر أسرته للنزوح إلى سوريا عبر قطار الحجاز. مما أتاح لعزيز ضياء أن ينقل في مؤلفه الشهير «حياتي مع الجوع والحب والحرب»، ظروف الحياة الصعبة في المدينة المنورة، وفي مناطق متعددة من الشام.
وألقت فجائع الحرب على كاهله أحمالها، ففقد في رحلته في الشام جده لأمه، الشيخ أحمد صفا شيخ حجاج القازاق، وقبله خالته خديجة، وشقيقه عبد الغفور، وابن خالته عبد المعين الذي مات هو الآخر دون أن يرى أباه، أما هو فقد أصيب بمرض.. وعاد إلى المدينة بعد خروج الأتراك برفقة والدته فقط.
وكانت سيرة عزيز ضياء في ما بعد حافلة بالعطاء، فقد أصبح أديبا وكاتبا ومذيعا ومترجما، وأسهم في العديد من البرامج الإذاعية والدرامية كما ترجم خلال إقامته في بيروت أكثر من 30 عملا روائيا ومسرحيا عالميا لنخبة من الأدباء أمثال: طاغور، أوسكار وايلد، سومرست موم، تولستوي، جورج أورويل، وبرنارد شو. وأسهم مع محمد حسن عواد في تأسيس نادي جدة الأدبي.

* شبح الحرب: اليتم والتشرد
تمثل الثلاثية التي ضمنها عزيز ضياء في مؤلفه «حياتي مع الجوع والحب والحرب» أهمية بالغة بالنسبة لأحداث الحرب وحصار المدينة وتهجير أهلها، ثم المجاعة التي حلت أطنابها هناك، وظروف الحرب في مناطق الشام المختلفة.
كتب عزيز ضياء عن الخوف والجوع وانعدام الأمن والتشرد وأجواء الحرب، كأنه يصورها لقرائه، على الرغم من أنه عاصرها صغيرا لكنها غرست مخالبها في ذاكرته الصغيرة.
عن طفولته في ظل الحرب يكتب قائلا «إنك لا تدري مثلا أني قضيت طفولة فتحت عينيها على مآسي الحرب العالمية الأولى، فعرفت الكثير الذي لن يتاح لأحد أن يعرفه إلا إذا عاش تلك الفترة من تاريخ البشر. عرفت الرعب الذي لا يملأ القلب فحسب، وإنما يملأ الأحلام سنين طويلة من العمر.

* نكبة الجوع
وعن الجوع كذلك يقول «عرفت الجوع.. الجوع الذي يمزق الأمعاء، الجوع الذي جعل وجبة الخبز الأسود أشهى وألذ وجبة تذوقتها حتى اليوم.. الجوع الذي كبرت فقرأت عنه قصصا وأساطير راعني أنني عشتها حقائق.. الجوع الذي يجعل المرء حين يمشي في الشارع أو الزقاق لا ينظر إلى ما حوله أو أمامه وإنما ينظر إلى الأرض وحدها. حيث يتحرى العثور على كسرة خبز أو حبة فاكهة أو عظمة فلا كذلك يصور ظروف الحرب في المدينة المنورة قائلا «ثم الحرب مرة أخرى.. والجوع مرة أخرى.. والليل الرهيب، تهتز فيه أركان المنزل، كلما أطلقت قلعة سلع في المدينة مدافعها، في اتجاه العوالي وقبا، وعواصف الذعر والهلع كلما قيل إنهم يهجمون، وإنهم يتقدمون، وإنهم قد يدخلون..» (ج1، ص 13).
برز في تلك الفترة مصطلح «سفر برلك» وهو تعبير رمزي عن تهجير عشرات العائلات من المدينة المنورة عبر «البابور» العثماني، أي قطار سكة الحجاز نحو الشام، إبان حكم فخري باشا الوالي العثماني الذي أمر بإخلاء المدينة المقدسة للتفرغ لمواجهة قوات الشريف حسين.

* رحلة «البابور»
وتحت عنوان «رحلتنا بـ(البابور) من المدينة إلى دمشق» يصف أجواء دمشق في وقت الحرب «وأذكر في ما أذكره عن سوق الحميدية في دمشق التي اشترى منها جدي تلك الملابس والأحذية أنها سوق طويلة جدا والدكاكين على جانبيها، والناس يتزاحمون فيها إلى حد يصعب فيه المشي ويدي في يد جدي» (ج1، ص 24).
وأما أجواء الحرب في الشام فيصفها قائلا «وانطلقت العربة بنا في طريق طويل، والمطر لا يزال ينهمر، والناس يتراكضون تحت زخاته إلى الأرصفة، على الجانبين، ويتجمعون تحت مظلات الدكاكين، وظللت أنا وادعا على صدر جدي، وقد أغراني الدفء بأن أهجع وأنا أرامق الطريق بعينين يراودهما النعاس، لكني وجدت نفسي أفتحهما، متنبها وأنا أرى صفوفا من الجند تسير، وعلى أكتافهم هذه الأشياء التي عرفت في ما بعد أنها البنادق، يطلقون منها قذائف تخترق أجساد الناس فتقتلهم كما عرفت أن لانطلاق هذه القذائف من البنادق أصواتا مفزعة يسمعها الناس فيعرفون أن الحرب لا تزال تدور، وفي الحرب يموت هؤلاء الجنود، كما يموت أولئك الذين يطلقون عليهم القذائف القاتلة من بعيد» (ج1، ص 25). كما يتحدث عزيز ضياء في هذا الكتاب عن الأساطير التي صاحبت أداء القوات التركية في المدينة المنورة قبل هزيمتها، يقول «وما أكثر القصص التي تصل إلى مستوى الأساطير عن بطولة فخري باشا وقواته في الدفاع عن المدينة المنورة وفي الصمود».. ثم يقول «لقد جاع أهل المدينة الذين هجرهم فخري إلى سوريا.. جاعوا بل ومات الكثيرون منهم جوعا.. لكن قوات فخري نفسها جاعت في النهاية أيضا.. ذلك الجوع الذي جعلهم يأكلون لحوم الخيل والبغال والحمير التي تنفق من الجوع.. بل ويأكلون لحوم القطط والكلاب.. ولا أستبعد صحة أخبار قالت إن بعض الجياع قد أكلوا لحوم أطفالهم» (ج1، ص 163).
وفي مورد آخر «مع أن المؤرخين لا يقفون طويلا عند إصرار القوات التركية في المدينة المنورة على الصمود، بقيادة فخري باشا، والاستمرار في المقاومة، ورفض الاستسلام للقوات العربية التي ظلت تحاصر المدينة منذ بداية الانتفاض على الأتراك في مكة وحتى يوم العاشر من يناير (كانون الثاني) عام 1919 (أي بعد الهدنة في عام 1918).. أو بعد أن بلغت الخلافة والسلطنة في استامبول (إسطنبول) مرحلة النزع الأخيرة، والكثيرون من أهل المدينة نفسها الذين هجَّرهم فخري إلى سوريا بالقطار والذين واجهوا في دمشق وحماه وحلب أشد أهوال الجوع والأوبئة التي حصدت أرواح المئات، في الأزقة والطرقات وأرصفة الشوارع.. فإن الكثيرين يفسرون إصرار فخري على عدم التسليم حتى بعد أن بلغته أخبار الهدنة وقرب سقوط الخلافة بأنه مجرد عناد وكبرياء واعتزاز بالنفس» (ج1، ص 162).



رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني
TT

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

رواية فرنسية عن بيع جزيرة غرينلاند في مزاد علني

في قالب تشويقي وحبكة روائية متسارعة تطرح رواية «غرينلاند، البلد الذي لم يكن للبيع» الصادرة عن دار نشر «لامرتنيير» للكاتب الفرنسي «مو مالو» (الاسم المستعار لفريديريك مارس) أسئلة صعبة تجد صدى قوياً في هذه الفترات المتوترة التي يعيشها العالم: هل للوطن ثمن؟ هل يمكن اختزال شعب وثقافة في أرقام مالية؟ وماذا تبقى من الإنسانية حين تتحول الجغرافيا إلى سلعة؟

تدور أحداث الرواية في مستقبل قريب، حيث نالت جزيرة غرينلاند استقلالها عن الدنمارك منذ عام واحد فقط. رئيس الوزراء فريدريك كارلسن، البطل الذي قاد بلاده نحو الحرية، يجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه: مكبّلاً بالأصفاد أمام شاشة كمبيوتر، مجبراً على إدارة مزاد علني لبيع وطنه. السبب؟ عصابة مجهولة اختطفت زوجته وابنته، وعلقتهما بحبل فولاذي فوق جرف جليدي. التهديد واضح ومباشر: إما بيع الوطن، وإما موت العائلة.

المهلة المحدّدة خمس ساعات فقط. خمس ساعات لبيع دولة بكاملها، وخمس ساعات لإنقاذ حياتهما. في هذا الإطار الزمني الضيق، تتنافس أربع قوى عالمية على امتلاك غرينلاند: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والدنمارك. المزاد يُبث مباشرة على الهواء، ومليارات المشاهدين حول العالم يتابعون هذا المشهد المروع على أكبر القنوات الإخبارية العالمية بمزيج من الرعب والفضول. في الوقت ذاته، يحاول رئيس الشرطة الإنويتي «أبوتيكو كالاكيك» وزميلته المحققة «إلس أدريانسن» فكّ شفرة الاختطاف وإيقاف هذا المزاد الكارثي. البناء السّردي يعتمد على التوتر المتصاعد؛ إذ تتناوب الفصول بين المزاد المباشر والتحقيق البوليسي، في سباق محموم مع الزمن.

تتجلى القوة الدرامية في الرواية من خلال طابعها الديستوبي السوداوي؛ فالكاتب لا يسرد عالماً من الخيال العلمي البعيد، بل يرسم «مستقبلاً قريباً» مخيفاً، حيث يتم تجريد الدولة من قدسيتها لتصبح مجرد «أصول مالية». الكابوس هنا ليس في دمار نووي، بل في مشهد رئيس وزراء مكبل بالأصفاد، مُرغم على مشاهدة بلاده وهي تُباع في مزاد رقمي لا يستغرق أكثر من خمس ساعات، حيث نقرأ في أحد مقاطع الرواية ما يلي: «كان العالم يشاهد عبر الشاشات تحول (نوك) من موطن للإنويت إلى أرقام في بورصة المصالح. لم يكن المزاد على الأرض فحسب، بل كان مزاداً على ذاكرة الصيادين، وعلى حكايات الجدات في خيام الفراء، وعلى حق شعب في أن يظل سيد نفسه».

هذه الديستوبيا تعكس القلق الوجودي من تحول الديمقراطيات إلى كيانات هشّة يمكن تصفيتها بضغطة زر، مما يمنح النص بُعداً نبوئياً مقلقاً. الكاتب الفرنسي برع في تصوير هذا البلد الجليدي كساحة صراع للقوى العظمى. ليس فقط بسبب موقعه الاستراتيجي، بل أيضاً لثرواته الطبيعية الهائلة: البترول، المعادن النادرة، احتياطيات المياه العذبة، والممرات البحرية الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد، لكن القيمة الحقيقية للرواية تكمن في بُعدها الإنساني والثقافي. فغرينلاند ليست مجرد أرض غنية بالموارد الطبيعية، بل هي موطن لشعب الإنويت وثقافته العريقة، وهو ما يظهر في هذه الرواية التي تتناول هذه الثقافة القائمة على التعايش مع الطبيعة واحترامها، وكيف تتعرض للسحق تحت أقدام الطمع الرأسمالي، علماً بأن الكاتب الفرنسي «مو مالو» ليس غريباً عن هذه البيئة، فهو يعيش في القطب الشمالي منذ سنوات، ومعروف بسلسلة رواياته البوليسية حول المحقق «كاناك أدريانسن»، والتي تدور أحداثها في هذه المنطقة من العالم، وكانت قد حققت نجاحاً كبيراً؛ إذ بِيع منها أكثر من 300 ألف نسخة، كما ترجمت إلى لغات عدة، ونالت جوائز أدبية مثل جائزة «بوان بار بوان»، وجائزة «مين نوار» لأدب التشويق والإثارة.

التناقض الجذري بين العقلية الغربية القائمة على الربح والخسارة، و«الإنويتية» القائمة على الانسجام مع الطبيعة، يشكل العمود الفقري للرواية

في روايته الجديدة، يضع «مالو» الثقافة الإنويتية في صميم السّرد، حيث يُظهر كيف أن مفهوم «الملكية» أو العقّار غريب عن عقلية الإنويت السكان الأصليين للقطب الشمالي، فهم يرون الأرض كـ«هبة مشتركة» بين الجميع وليست سلعة تُباع وتُشترى. هذا التناقض الجذري بين العقلية الغربية القائمة على الربح والخسارة، والعقلية الإنويتية القائمة على الانسجام مع الطبيعة، يشكل العمود الفقري للرواية. يصف الكاتب شعب الإنويت بأنه شعب «الصمود»، حيث استطاع البقاء في أقسى الظروف المناخية على وجه الأرض لآلاف السنين. لغتهم تحتوي على عشرات المصطلحات لوصف أنواع الثلج والجليد والرياح، ما يعكس ارتباطاً حسياً دقيقاً بالبيئة. في هذا المقطع مثلاً يشرح الكاتب فلسفة شعب الإنويت التي لا تفرق بين الفرد وبيئته، فالإنسان لا «يسكن» الأرض، بل «هو» الأرض فيكتب: «أنا مياه المحيطات الملوثة بالمعادن الثقيلة، أنا الجليد الذي يذوب أسرع بثلاث مرات من أي مكان آخر في العالم، أنا التربة الصقيعية الحاملة لبكتيريا قديمة، وأنا البحر الذي يرتفع مستواه في كل لحظة».

كما تطرق الكاتب إلى سمة «الصمت» المميزة لشعب الإنويت، والتي يفسرها الغرب خطأً بأنها سلبية، بينما هي في الواقع احترام لجلال الطبيعة، فيكتب: «تعلّم شعب الإنويت من الجليد أن الكلمات قد تنكسر كالهشيم في هذا البرد القارس، لذا صانوا لغتهم في قلوبهم، وتركوا أفعالهم تتحدث في مواجهة العواصف». بالنسبة لـ«مالو»، ضياع هذه الثقافة يعني ضياع «موسوعة إنسانية» نادرة لفهم كوكب الأرض.

الرواية استُقبلت باهتمام واسع في الأوساط الأدبية والصحافية الفرنكوفونية، ربما بسبب ارتباطها بالتوترات السياسية الراهنة. مجلة «لوبوان» وصفت الرواية بأنها «درس بليغ في الجيوسياسية»، مشيدة بقدرة الكاتب على تحويل الأرقام الاقتصادية الصمّاء إلى مادة روائية مثيرة، ورأت صحيفة «لوفيغارو» أن العمل «تحذير بيئي وسياسي صارخ»، معتبرة أن مالو نجح في تجسيد القلق العالمي تجاه القطب الشمالي، أما المدونة الأدبية الشهيرة «كوليكتيف بولار»، فقد أشادت بقدرة الكاتب على تحويل موضوع جيوسياسي معقد إلى حكاية مشّوقة، ووصفته بأنه «درس بليغ في الجغرافيا السياسية».

مجلة «بنزين» الثقافية اعتبرت العمل «تذكيراً ضرورياً» بأن الدول ليست للبيع، مشيرة إلى أن «مو مالو» لا يكتفي بالتشويق، بل يُثقّف القارئ حول الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القطب الشمالي. في «بابيليو»، الموقع الأدبي الفرنسي الشهير، تراوحت الآراء بين الإعجاب الشديد والتحّفظ، حيث أشاد عدد من القراء بالبعد الإنساني والتوتر السردي، واصفين الرواية بأنها «حكاية ساخرة مخيفة» تنجح في إثارة القلق رغم طولها القصير. لكن بعض النقاد أشاروا إلى أن النهاية جاءت سريعة ومفاجئة، وأن بعض الخيوط الثانوية لم تنل حقها من التطوير.


مكتبة متنوعة في أدب الطفل

TT

مكتبة متنوعة في أدب الطفل

يركز الباحث الدكتور محمد فتحي فرج في كتابه «كامل كيلاني»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، على الدور المؤسس لرائد ادب الأطفال في مصر والعالم العربي الذي عاش في الفترة من 1897 حتى 1959، حيث أسهم في وضع اللبنات الأولى لهذا اللون شديد الأهمية من الإبداع، عبر أعماله التي تنوعت بين القصة والشعر والترجمة.

ويؤكد المؤلف أنه لا أحد ينكر الجهود المضنية التي بذلها الرواد في مجال أدب الطفل منذ ما يزيد على قرن ونصف من الزمان، منذ المحاولات الأولى التي وضع لبناتها رائد النهضة الثقافية الحديثة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ومن جاءوا بعده ليعبدوا الطريق ويمهدوا السبيل للأجيال التالية، لكن حينما يكرس المرء كل جهوده في إنجاز مشروع متكامل يجعل منه رسالته ثم يحاول إنجازه بهذا القدر من الاهتمام والتفاني والاستمرارية طوال ثلاثين عاماً متصلة، فالأمر يتعلق هنا بدور تأسيسي ينبغي الوقوف طويلاً أمامه.

من هنا تأتي أهمية قصص كامل كيلاني الذي كان من أعماله المبكرة تعليم الصغار الأرقام والعد في قالب شعري محبب ومبسط، كما في قوله:

الأعداد العشرة

«واحد اثنانِ.. أتى من البستانِ

ثلاثة وأربعة.. أحضر تفاحاً معه»

نضج أدب الطفل على يد كيلاني، إذ استطاع من خلال منهجية مدروسة وذكاء فطري وموهبة إبداعية مع مقدرة عالية على التخيل واستعداد متوفر لبذل الجهد المتواصل في ظل ثقافة عميقة روافدها علوم النفس والفلسفة والتربية والاجتماع واللغة، سواء الوطنية أو الأجنبية، مع إلمام واسع بكنوز التراث العربي، وكل هذه الإمكانيات والمؤهلات، أن يقدم مكتبة متكاملة ومنوعة في أدب الطفل تخاطب المراحل العمرية المختلفة، سواء على هيئة قصص خيالي مؤلف أو قصص مترجم ملخص أو مقتبس معرّب مع تنوع في الشكل والقالب من نثر إلى شعر ومن قصة إلى مسرحية إلى مقالات بين دفتي كتاب تناسب الأطفال والناشئة والمراهقين.

ولد كامل كيلاني في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1897 بحي «القلعة» بالقاهرة وهو فضاء شعبي تاريخي يعج بالآثار المصرية الإسلامية التي تثير خيال الأطفال وتنتشر فيه الحكايات والأساطير التي تبعث على التأمل والتخيل. أتم تعليمه قبل الجامعي بمدرسة «القاهرة الثانوية» ونال فيها «شهادة البكالوريا»، وكان خلال هذه المدة يعكف على دراسة الأدب الإنجليزي كما تعلم اللغة الفرنسية ومبادئ اللغة الإيطالية.

انتسب إلى الجامعة المصرية سنة 1917 كما حضر دروساً بالأزهر في النحو والصرف والمنطق، كما التحق في أثناء دراسته الجامعية بمدرسة «دانتي أليجيري» لدراسة الأدب الإيطالي ليطلع على آثار الحضارة الرومانية ويتعرف إلى بعض كنوزها الأدبية.

كان في الحي الذي نشأ فيه شاعر ربابة اسمه «عبده الشاعر» ينشد على ربابته أقاصيص البطولة وكان الطفل كيلاني يذهب للاستماع إليه كل ليلة في «ميدان القلعة» بمنطقة «سوق العصر». وكان لكثرة سماعه قصص البطولات العربية وغيرها مما يرد في أساطير اليونان وحوادث الأبطال من شاعر الربابة تأثير كبير في تكوين شخصيته القصصية.

أعجب بقصة «سيف بن يزن» وكثيراً ما كان يعقد المقارنات بينها وبين «الإلياذة» و«الأوديسا» لهوميروس، فأبدع نماذج تستلهم هذه الملاحم في عشرات الأجزاء، كما تأثر بقصص الفارس العربي الشاعر عنترة بن شداد، وفيروز شاه وحمزة البهلوان والظاهر بيبرس، وكان يقارنها بقصص شعبية شهيرة في الغرب «روبنسون كروزو» و«رحلات جاليفر».

جمعت أعماله بين العمق والبساطة والطابع الجذاب المشوق وهو ما جعل وزارة التربية والتعليم بمصر تقرر بعض قصصه على طلاب المرحلة الابتدائية ومنها «شجرة الحياة»، «الأمير المسحور»، «بساط الريح»، «مغامرات لولو»، «علاء الدين».

وعلى صعيد الترجمة، قام كيلاني بانتقاء مجموعة من القصص والروايات في الأدب الإنجليزي بعضها من تأليف وليام شكسبير وبعضها الآخر للكاتب الروائي جوناثان سويفت، حيث قام بتلخيصها وترجمتها؛ ومنها: «يوليوس قيصر»، «تاجر البندقية»، «جاليفر في بلاد العمالقة»، «جاليفر في بلاد الأقزام».

من أبرز نماذج أعماله «مصباح علاء الدين وشهرزاد»، «نوادر جحا وحكايات بهلول»، «الحمار القارئ والعنكبوت الحزين»، «الملك عجيب»، «ذات الجناحين»، «الأميرة القاسية»، «نشيد النيل».


نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
TT

نقاد عرب يفتحون ملف «الأدب النسوي»... في العدد الأخير من مجلة «الإيسيسكو»

العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)
العدد الخامس من مجلة «الإيسيسكو» (يناير 2026)

تضمن العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (الخامس/ يناير «كانون الثاني» 2026) ملفّاً خاصاً عن «الأدب النسوي... أزمة المصطلح وآفاق التخييل»، شارك فيه عدد من النقاد والأكاديميين العرب، بينهم المفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، الذي كتب مقالة، بعنوان: «السرد النسوي... حدود المفهوم وشروطه»، والناقدة والأكاديمية المصرية الدكتورة أماني فؤاد، في مقال حمل عنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود»، وكذلك مقال للدكتور أنس النعيمي بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، والأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي عميدة كلية الفنون بجامعة الملك سعود، في مقال بعنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، بالإضافة إلى عدد من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية.

يرى الناقد د. عبد الله إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء والكتابة النسوية»

شروط السرد النسوي

يرى الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، في حديثه عن مفهوم «السرد النسوي»، أنه «ذلك الضرب من السرد (الذي) قد صاغ هويته استناداً إلى حضور أحد المكونات الثلاثة: أو اندماجها معاً فيه، وهي: نقد الثقافة الأبوية الذكورية، واقتراح رؤية أنثوية للعالم، وتم الاحتفاء بالجسد الأنثوي، فتشابكت تلك المكونات من أجل بلورة مفهوم الرواية النسوية بما صارت تعرف به، فإن تحققت فيه تلك الأركان أو أحدها، فستندرج الكتابة في إطار مفهوم السرد النسوي».

وفيما يخص نوع الكتابة، يرى إبراهيم أنه «يتعين التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسوية؛ فالأولى تتم بمنأى عن فرضية الرؤية الأنثوية للعالم والذات، إلا بما يتسرب منها دون قصد وهي تماثل كتابة الرجال، معالِجَةً القضايا العالية، أما الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة، استناداً إلى تلك الرؤية في معاينتها الذات والعالم، ثمّ نقد الثقافة الأبوية، وأخيراً اعتبار جسد المرأة مكوناً جوهرياً في الكتابة، بحيث يتم كل ذلك في إطار الفكر النسوي ويستفيد من فرضياته وتصوراته ومقولاته، ويسعى إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد وتفكيك النظام الأبويّ بفضح عجزه عن الوفاء بحاجات المرأة».

في هذا المقال، يقول الدكتور عبد الله إبراهيم: «من وجهة نظري، أدرج معظم السرود النسوية في مدار نصوص المتعة، وأقصد بها تلك النصوص التي تزعزع معتقدات المتلقي التقليدي وربما تخرّبها؛ لأنه لم يعتد عليها، فتُخلّف لديه إحساساً بأنه يقرأ نصوصاً لا تنسجم وما عهده من تخيلات موروثة عن العالم الذي يعيش فيه، فتلك النصوص تضمر نقداً له، وتبرمّاً بما يعرف وحتى بما يتخيل».

وفي سياق تحليل مفهوم السرد النسوي، يرى إبراهيم أنه «يلزم التأكيد على قضية مهمة، فمع الإقرار بأن التمثيلات السردية للعالم هي نتاج وعي الأفراد؛ نساءً ورجالاً، بأحوال العالم ووجودهم فيه، فلا بدّ من الإشارة إلى أن تلك الرؤى الفردية ليست منقطعة عن خلفياتها الاجتماعية والثقافية التي تتسرب إلى تضاعيفها، وتتفاعل فيما بينها، لتضمر في داخلها كثيراً من التجارب العامة والخاصة، فالرؤى التي تصوع العوالم السردية التخيلية لا تنفصل عن مرجعياتها انفصالاً تامّاً، ولكنها في الوقت نفسه لا تعبّر عنها تعبيراً مباشراً».

وهو يرى أن «العلاقة بين الرؤى السردية وخلفياتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، علاقة مركبة ومتعددة المستويات ومتداخلة، ويتعذر وضع قانون لضبطها وتفسيرها وكشف أواصرها، ولكنها علاقة قائمة لا سبيل إلى إنكارها أو تجاهلها».

د. أماني فؤاد: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة شعرتُ بأنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية»

صرخات سردية

في مقالها بعنوان: «الرواية والنسوية صرخات سردية لإثبات الوجود» تتساءل الأكاديمية المصرية الدكتورة اماني فؤاد: «هل هناك سمات خاصة بأدب النساء؟ بمعنى: هل الرواية التي تكتبها المرأة لها خصائص تختلف مضموناً وشكلاً عما يكتبه الرجل؟».

وفي إجابتها، تقول: «على الرغم من أن هذا الطرح وهذا التساؤل قد يعودان بنا لثنائيات من المفترض أنه قد تم تجاوزها فلسفياً ونقدياً؛ ثنائية الرجل والمرأة، وثنائية الشكل والمضمون، فإنني رحت أرصد تلك الخصائص التي تصف وتميز منظومة انصهار الفكر مع بنية وتشكيل العمل الروائي مكتملاً لدى الكاتبة المرأة لتنضج تلك المنظومة في الخطابات المرسلة التي تسيطر على المشهد الإبداعي».

تقول الكاتبة: «كلما قرأتُ نصّاً روائياً لامرأة، شعرتُ أنه يتضمن خصوصية أستشعرها بشكل ما، لكنني لا أستطيع أن أميزها بطريقة قطعية، فهي ليست فارقة وجوهرية بصورة جذرية لكن يبقى هناك الشعور بخصوصية ما؛ لذا رحتُ أبحث عن إجابة لسؤال يؤرق الباحثين في الرواية وفي طبيعة منتج المرأة الأدبي: ما الخصائص التي تميّز الرواية التي تكتبها المرأة؟».

وتضيف: «بعد قراءات متعددة للروايات التي تكتبها المرأة، نصوص تشمل المشهد الروائي المصري والعربي، وبعض المترجم العالمي، عبر سنوات كثيرة، وتضمّنت قراءة العديد من الأبحاث النقدية، وجدتُ أن هناك بعض الملامح الخاصة برواية المرأة بالفعل، وأحسب أنها تعود إلى خصوصية فضاء المرأة الذهني الذي يتفق مع الرجل في المعاني الإنسانية الكبرى العامة ثم يختلف نسبياً نظراً للسياقات الثقافية التي تحكم مخزون العقل الجمعي للمجتمعات فيما يخص المرأة وما يترسّب من عادات وتقاليد وأساطير وأديان ومعارف وهيمنة مواضعات ومقالات وضعها الرجل لتدعم تفوقه وترسّخ له دائماً، ثم نشر تلك المقولات وتكرارها حتى يتصور الجميع - الرجل والمرأة كلاهما - أنها حقائق ولا سبيل لتغييرها».

وحين تتحدث الكاتبة عن الخصائص والسمات التي تميز الكتابة النسوية (المصرية والعربية)، تسرد من بينها: الصراع داخل النص الروائي حول هموم المرأة وقضاياها، فـ«عادة حيث تعالج الكاتبات موضوعات مثل الحب والزواج والاستقرار والطلاق والأمومة والإنجاب ورعاية المنزل العذرية وقضايا الاغتصاب، تعرض أيضاً لتأثير الموروثات الاجتماعية والعقائد الدينية التي تضعها تحت طائلة ثقافة ذكورية مهيمنة».

كما تتطرق إبداعات المرأة إلى الثورة على التقاليد والأساطير وتأويل السلف للنصوص الدينية... كما ناقشت نصوص المرأة أيضاً توازناً مع رغبتها في الحصول على حريتها، وحرية أوطانها، والرغبة في التخلص من الاستعمار في مرحلة تاريخية تخص إبداعاتها ثم مساواتها بالرجل في الحياة السياسية والنيابية ومجالات العمل كافة.

وتضيف: «يُعّدُ طرح تلك القضايا في الأدب من خصائص الكتابة النسوية، التي يعبر فيها النص الأدبي عن تجربة المرأة الخاصة، ومعاناتها وواقع حياتها بشكل صادق ومخالف للأنماط التي صورت بها المرأة طويلاً، والتي تنافي إلى حد بعيد الحقيقة والواقع، حيث تناقلتها ورشحت لها كتابة الرجل مثل المرأة التي تغوي أو التقليدية ربة المنزل، التي تتقبل ما يفرض عليها فقط في إطار كونها مستقبلاً لما يفرضه الواقع والرجل».

تلاحظ الكاتبة أنه في أواخر ستينات القرن العشرين ظهرت دعوات واضحة تنادي بمنح المرأة دوراً أكثر تأثيراً في النتاج الأدبي كتابة وقراءة ووعياً؛ أي انتزاع الوعي الفردي بداية ثم الجمعي في ثورة ضد موازين القوى الجنسية المهيمنة، حيث التهميش شبه الكامل والمتعمّد للنساء، وحصرهن في مناطق محددة من طبيعة الوجود والأدوار الحياتية والوظيفية (...) ولقد رافق هذا التوجه إبراز التراث النسوي وإسهامات المرأة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية وإبداعات المرأة في مجالات وفنون متعددة.

ومن هنا، تضيف: «اهتم النقد أيضاً (وخاصة الأنغلو - أميركي) بدراسة إبداع النساء وفحص ما ألصق به والتأكيد على خلوه من خصائص روّجت لها بعض التوجهات من قبيل: عرضيته وسطحيته وهامشيته، وبعده عن الجوهري، وغرقه في اليومي الخاص بالمرأة، ومعاناتها فقط مع الرجل والمجتمع، وتكرار التجارب نفسها التي تطرح فيه، وعدم قدرته على الخروج لرؤى كلية وتجريدية، حيث خيال المرأة غير القادر على إعادة تشكيل العالم، وفق رؤية مغايرة تعيد تفسير الوجود وغيرها من ادعاءات».

د. أنس النعيمي: «نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أياً كان موضوعه من منطلق الخصوصية التي لا تعني تميّز طرف على حساب طرف آخر»

خصوصية الشعر النسائي

وضمن هذا الملف، كتب الدكتور أنس النعيمي مقالاً بعنوان: «خصوصية الشعر النسائي المعاصر وأغراضه»، قال فيه: «يمكننا أن نعدّ الشق الذي تكتبه المرأة في مجال الأدب النسائي رافداً من روافد الشعر النسائي الذي يتناول قضايا المرأة والرجل والمجتمع، فضلاً عن المجالات الإنسانية الأخرى، فعلاقة الأول بالثاني علاقة جزء بكل، أو علاقة فرع بأصل، وقد تبنى هذه التسمية مجموعة من الباحثين».

وأضاف أنه «لا مانع من أن نطلق مصطلح الأدب النسائي على الأدب الذي تنتجه المرأة أيّاً كان موضوعه من منطلق الخصوصية، التي لا تعني بأي حال من الأحوال تميّز طرف على حساب طرف آخر، وإنما تعني تفهماً أكثر لدواخل الأنا الأنثوية، كما أن الرجل يكون أقدر على التعبير عن موضوعات الرجولة وترجمتها إلى أدب من المرأة، وذلك بحكم الطبيعة الجنسية لكل منهما».

د. منى المالكي: «الأدب النسوي تشكّل استجابةً معرفية وجمالية لسؤال وجودي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟»

سؤال الوجود

وكتبت في هذا الملف، الأكاديمية السعودية الدكتورة منى المالكي، مقالاً مطولاً حمل عنوان: «من سؤال الوجود إلى رهانات الكتابة... في إشكالية المصطلح وضرورة السؤال النسوي»، أكدت فيه أن الأدب النسوي لم ينبثق بوصفه ظاهرة عابرة أو نزعة ظرفية في تاريخ الكتابة، بل تشكّل استجابة معرفية وجمالية لسؤال وجودي مركزي مفاده: كيف يمكن للمرأة أن تكتب ذاتها داخل نظام لغوي وثقافي تشكّل تاريخياً وفق مركزية ذكورية؟

وأضافت: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة؛ فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة، ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي، سواء على مستوى التمثيل أو التخييل أو إنتاج المعنى».

وترى المالكي أن إشكالية المصطلح تكمن في التباسه بين كونه توصيفاً جنسانياً للكاتب/ة، وكونه مفهوماً نقدياً يتجاوز حدود الهوية البيولوجية ليطول موقفاً فكريّاً وجماليّاً من العالم واللغة والسلطة. لذلك لا يمكن اختزال الأدب النسوي في كونه أدباً تكتبه النساء، بل هو ممارسة كتابية واعية تسعى إلى زعزعة البنى الرمزية التي كرست الهيمنة الذكورية داخل المتخيل الثقافي.

وفي تعريفها للأدب النسوي (Feminist Literature) قالت إنه تيار أدبي ونقدي يتخذ من التجربة النسوية منطلقاً لتحليل الواقع وإعادة تمثيله، ويسعى إلى تفكيك البنى الأبوية المهيمنة في اللغة والسرد والخيال الثقافي مع العمل على إعادة صياغة مفاهيم الذات والهوية والعلاقة بالآخر.

وهو بهذا المعنى مشروع ثقافي ومعرفي يتقاطع فيه الأدبي بالسياسي والجمالي بالآيديولوجي، دون أن يختزل في خطاب احتجاجي مباشر، بل يراهن على إنتاج جماليات بديلة قادرة على خلخلة السائد وإعادة تعريف الممكن.

المالكي: «ينهض الأدب النسوي بوصفه خطاباً نقدياً مزدوج الوظيفة فهو من جهة يعيد مساءلة التقاليد الأدبية السائدة ومن جهة أخرى يعمل على تفكيك آليات الإقصاء والتهميش التي طالت الصوت الأنثوي»

وفي حديثها عن السياق التاريخي لبروز الأدب النسوي، قالت المالكي: «تعود البدايات الأولى للأدب النسوي، في السياق الغربي إلى القرن التاسع عشر، متزامنة مع صعود الحركات المطالبة بحقوق المرأة في التعليم والعمل والتمثيل الثقافي، وقد مثلت كتابات (جين أوستن) و(الأخوات برونتي) مرحلة تأسيسية عبّرت فيها المرأة عن ذاتها داخل شروط اجتماعية صارمة، لكنها استطاعت عبر التخيل، تمرير نقد اجتماعي حاد للعلاقات الطبقية والجندرية. ومع القرن العشرين انتقل الأدب النسوي إلى مرحلة أكثر وعياً بذاته، خاصة مع كتابات (فرجينيا وولف) التي ربطت الإبداع بالاستقلال الاقتصادي والذهني»، مؤكدة أن الكتابة ليست فعلاً جمالياً محضاً، بل ممارسة مشروطة ببنى السلطة. ثم تطور هذا الأدب مع الموجات النسوية المتعاقبة، لتغدو موضوعات الجسد والذاكرة والهوية واللاوعي مركزية في السرد والشعر.

أما في السياق العربي فقد تداخل تشكل الأدب النسوي مع مشاريع النهضة والتحرير الوطني حيث وجدت المرأة نفسها داخل فضاء مزدوج من المقاومة؛ مقاومة الاستعمار الخارجي، ومقاومة البنى الأبوية الداخلية، وهكذا أصبحت الكتابة النسوية فعل وعي وممانعة، وسعياً لإعادة امتلاك الذات عبر اللغة.

حفل العدد الجديد بجملة من التحقيقات والمقالات الأدبية والثقافية والحوارات والنصوص الشعرية

مقالات ثقافية

وفي صلة قريبة من هذا الملف، وضمن حوارات العدد، أجرت رئيسة تحرير المجلة، الشاعرة روضة الحاج، حواراً مع الشاعرة مليكة العاصمي، التي تعدّ رائدة الشعر النسوي في المغرب، سلّط الضوء على تجربتها الشعرية، وعلى مسيرة الشعر النسوي بالمغرب بشكل عام.

أما الحوار الثاني فقد أُجري مع الدكتور حسين الجزائري، وهو شخصية فريدة وعالم من علماء الطب بالعالم الإسلامي، أسس أول كلية للطب بالمملكة العربية السعودية، وكان أول من نادى بإلحاق الفتيات بكلية الطب، تولى وزارة الصحة ثم أصبح مديراً لمكتب الصحة العالمي لإقليم شرق المتوسط لثلاثين عاماً... أجرى الحوار السفير خالد فتح الرحمن، مدير مركز الحوار الحضاري بـ«الإيسيسكو».

كما احتفى العدد الجديد بافتتاح المكتب الإقليمي لـ«الإيسيسكو» بالشارقة، بحضور الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة، ومدير عام «الإيسيسكو» الدكتور سالم بن محمد المالك، ليصبح هذا المركز منارة إشعاع ثقافي وحضاري لكل محيطه.

ومن بين مواد العدد، مقال عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خطاباً سلطوياً، وجهود «الإيسيسكو» في مجال التراث والأدب الصوفي، ومقال عن السفر عبر الزمن، وآخر عن شاعرة الهند كملا ثريا، كما يتضمن العدد مقالاً في الصفحة الأخيرة، للدكتور عبد العزيز السبيل، الأمين العام لجائزة الملك فيصل العالمية.