مدن سودانية تتأهب لموجة احتجاجات... والخرطوم في عين العاصفة

السيسي مع استقرار السودان... والكونغرس الأميركي على خط الأزمة

TT

مدن سودانية تتأهب لموجة احتجاجات... والخرطوم في عين العاصفة

تستعد مدن سودانية عدة لموجة احتجاجات جديدة دعا لها «تجمع المهنيين السودانيين»، الذي يقوم بتنظيم المواكب المطالبة بالتغيير وتحسين أحوال المعيشة، في وقت دخل فيه الكونغرس الأميركي على خط الأزمة بمطالبة الإدارة الأميركية بـ«فعل شيء» إزاء مقتل المحتجين العزل في السودان. وكرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تأكيده أمس، أن بلاده مع استقرار السودان.
وأكد نشطاء ومعارضون، استعدادهم لموكب يحمل مذكرة تطالب بتنحي الرئيس عمر البشير وحكومته، دعا له «تجمع المهنيين السودانيين» بعد نجاح الموكبين اللذين نظمهما الأسبوعين الماضيين، في إيصال «رسالته» كما قال متحدث باسمه، على الرغم من حيلولة الأجهزة الأمنية دون وصول الجماهير إلى القصر الرئاسي.
ونشر التجمع والنشطاء دعوات كثيفة وبمختلف وسائل التواصل، دعوا فيها إلى موكب ينطلق من عدة مواقع بالعاصمة الخرطوم، التي ستصبح في عين العاصفة الأمنية، ومن بينها «السوق العربية، وشارع السيد عبد الرحمن، وحي بري، وسوق أبو حمامة، وتقاطع باشدار»، مستفيداً في ذلك من تجربة الموكبين السابقين اللذين تجمعا في مكان واحد، ما سهل على الأجهزة الأمنية الحيلولة دون تنظيمهما، هذا بالإضافة إلى مواكب أخرى أعلن عنها في التوقيت ذاته في مدن ود مدني وعطبرة وبورتسودان.
وبحسب مصدر في التجمع، لم تفلح حملات الدهم والاعتقالات التي قام بها جهاز الأمن ضد قيادات التجمع المعروفة في إفشال خططه للتظاهر والاحتجاج، فبعد اعتقال المتحدث باسمه الدكتور محمد ناجي الأصم وقيادات غير معلنة منه أول من أمس، برزت قيادة جديدة تولت مهام تنسيق المظاهرات والاحتجاجات.
و«تجمع المهنيين السودانيين» تجمع مهني يضم تجمعات مهنية مختلفة، وبينها «لجنة الأطباء المركزية، ولجنة المعلمين، ولجنة المحامين الديمقراطيين، وغيرها»، وهو تجمع موازٍ لاتحادات المهنيين والعمال الموالية للحكومة.
وبعد فترة قصيرة من انطلاق المظاهرات والاحتجاجات في مدن البلاد المختلفة بشكل تلقائي احتجاجاً على الأوضاع المعيشية القاسية، وندرة الخبز وغلاء سعره وشح الوقود وعدم توفر النقود والتراجع غير المسبوق في سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية، تولى التجمع المهني المسؤولية في تنسيق التظاهر والاحتجاج التلقائي إلى احتجاج منظم ذي هدف سياسي، وهو «تنحي الرئيس عمر البشير وحكومته، وتكوين حكومة انتقالية».
وينتظر أن ينظم التجمع موكباً رابعاً الأربعاء المقبل، في مدينة أم درمان إلى مباني المجلس الوطني (البرلمان) لتسليم مذكرة التنحي، ونقلاً للاحتجاجات من الخرطوم إلى أم درمان التي تعد العاصمة القومية للبلاد.
من جهتها، أعلنت ولاية الجزيرة وسط البلاد، نشر قوات أمنية كبيرة عددها 7600 رجل شرطة في 65 مركزاً و151 نقطة شرطة، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) عن مدير شرطة الولاية اللواء محمد إبراهيم المهدي، أن ولايته «لم تنحنِ إطلاقاً لعوامل التغيير في عدد مدن السودان»، وأن الهدف من نشر هذه القوة هو «تأمين الأحداث السياسية والاجتماعية والفعاليات الثقافية التي تشهدها الولاية».
وأخلت السلطات الأمنية سبيل الصحافي السوداني البارز فيصل محمد صالح الذي كان أوقف الخميس بسبب تأييده المظاهرات المناهضة للحكومة. وكانت عناصر من جهاز الأمن والمخابرات الوطني اعتقلوا الخميس الصحافي السوداني في مكتبه. وقال صالح، الحائز على جائزة «بيتر ماكلر» للصحافة الأخلاقية والشجاعة، إن العناصر اقتادوه للاستجواب على خلفية مواقفه من الاحتجاجات التي يشهدها السودان منذ 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018. وأضاف: «لقد قلت لهم إنني أؤيد المحتجين الذين يتظاهرون سلمياً، لكنني لست عضواً في أي مجموعة منظمة لهذه المظاهرات». وأوضح أنه عبّر في الأسابيع الأخيرة عن موقفه من المظاهرات عبر شبكات تلفزيونية إقليمية ودولية عدة. وقال صالح إن «الضباط كانوا يريدون أن يعرفوا آرائي، وبعد مناقشات كثيرة أخلوا سبيلي عند منتصف الليل».
وفيصل صالح صحافي متمرس، ومعروف بدفاعه القوي عن حقوق الإنسان وحرية الصحافة في بلاده، وحاز في 2013 جائزة الراحل بيتر ماكلر، رئيس تحرير منطقة أميركا الشمالية في وكالة الصحافة الفرنسية سابقاً. وصنفت منظمة «مراسلون بلا حدود» السودان في المرتبة 174 من بين 180 بلداً من حيث مؤشر حريات الصحافة العالمي للعام 2017، وقالت إن جهاز الأمن والمخابرات الوطني «يطارد صحافيين ويفرض رقابة على وسائل الإعلام المكتوبة».
واسترخت القوات الأمنية طوال اليومين الماضيين إثر توقف المظاهرات والاحتجاجات الكبيرة، ما عدا احتجاج الجمعة الذي شهده مسجد السيد عبد الرحمن بمدينة أم درمان، وبعض المظاهرات في الأحياء، وفي مدينة بورتسودان شرق البلاد. وبحسب المشاهدات اليومية، قللت السلطات حجم الانتشار الأمني، بيد أنها أبقت على قوات لافتة حول المرافق الاستراتيجية والمداخل والمخارج، وينتظر أن تعيد نشر قوات كبيرة مجدداً ابتداءً من ليلة الأحد.
وكانت السلطات قد عطلت الدراسة في المدارس والجامعات في الخرطوم وبقية المدن والولايات التي شهدت الاحتجاجات إلى أجل غير محدد، وأعلنت حالة الطوارئ وحظر التجوال في أكثر من ولاية ومدينة، للحيلولة دون خروج المتظاهرين، لكنها لم تفلح في كبح جماح المتظاهرين الغاضبين.
واضطرت السلطات للتخلي عن عزمها على رفع الدعم عن «دقيق الخبز» والوقود، بيد أن الأزمات الرئيسية لا تزال قائمة، فما زالت صفوف الحصول على نقود تشاهد حول كل ماكينات الصرف الآلية، فيما تصطف حول محطات الوقود طوابير طويلة من السيارات والشاحنات للحصول على وقود «ديزل». ولم يخفف الانجلاء النسبي لأزمة «البنزين» من مظاهر أزمة المحروقات في البلاد.
وتخلت الحكومة عن التسعير الجديد للخبز الذي كانت تنوي فرضه، وعادت للتسعير القديم «قطعة خبز واحدة مقابل جنيه واحد»، والقصر النسبي لطوابير الحصول على «رغيف»، إلا أن الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الرئيسية «السكر، والدقيق، والزيت، والبصل، وغيرها» يواصل صعوده، لدرجة أن السعر قد يتغير في اليوم الواحد أكثر من مرة، على الرغم من التحسن في سعر صرف الجنيه السوداني من 70 جنيهاً للدولار الأميركي الواحد إلى 57 جنيهاً خلال الأسبوع الماضي.
من جهته، أصدر الرئيس البشير أمس، مرسوماً جمهورياً وقراراً عين بموجبه الخير النور المبارك وزيراً للصحة الاتحادية بديلاً للوزير السابق محمد أبو زيد المحسوب على «جماعة السنة المحمدية»، وأمناء عامين ووكيل وزارة وعدداً من المديرين العامين.
ولم يسبب القرار التعديلات والإقالات والتنقلات، بيد أن أبرز التعيينات هي إعفاء وزير الصحة المحسوب على «جماعة أنصار السنة المحمدية»، وإعادة محمد حاتم سلمان مديراً عاماً للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون التي أعفي منها، ثم قدم لمحاكمة ببلاغات تتعلق بمخالفة لائحة الشراء والتعاقد ولائحة الإجراءات المالية قبل أكثر من 3 أعوام، ثم أعفي من منصبه نائباً لرئيس الحزب الحاكم في الخرطوم، لرفضه العمل والياً لحكومة غرب كردفان، وذلك بحسب صحيفة «التيار» الصادرة مايو (أيار) الماضي. ويعد تعيين حاتم حسن بخيت المدير السابق لمكاتب الرئيس أميناً عاماً لمجلس الصداقة الشعبية العالمية، أحد أبرز التعيينات التي صدر بها القرار، وذلك بعد أن كان قد رفض تعيينه وزير دولة بمجلس الوزراء، إثر إعفائه من مهامه مديراً لمكاتب الرئيس.
خارجياً، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس، دعم القاهرة الكامل لاستقرار السودان وأهمية مواصلة تعزيز التعاون المشترك بين البلدين على مختلف الأصعدة، وذلك خلال استقباله المساعد الأول للرئيس السوداني محمد الحسن الميرغني.
وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية بسام راضي، إن السيسي أكد «دعم مصر الكامل لأمن واستقرار السودان الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري». وأضاف أن الرئيس المصري أكد «اهتمام مصر بمواصلة تعزيز التعاون المشترك بين البلدين على مختلف الأصعدة، في ضوء الروابط التاريخية الوثيقة والعلاقات المتميزة التي تجمع بين البلدين الشقيقين حكومةً وشعباً».
وفي واشنطن، طالب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي إليوت إنغل، وزير خارجية بلاده مايك بومبيو، إلى اتخاذ إجراء بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان نتيجة المظاهرات الاحتجاجية التي تشهدها العاصمة الخرطوم وعدد من مدن الولايات منذ أكثر من أسبوعين.
وقال إنغل (نائب ديمقراطي) في رسالة، إنه فوجئ من أن حكومة بلاده لم تتخذ موقفاً قوياً تجاه «تصرفات قوات الأمن السودانية، وعنفها السيئ للغاية في مواجهة المظاهرات الاحتجاجية»، مطالباً وزارة الخارجية الأميركية بتقديم معلومات حول هذه الأحداث، في ضوء الاتفاق الذي تم بين الخرطوم وواشنطن في فبراير (شباط)، والذي يضع حقوق الإنسان أولوية في العلاقات الثنائية.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».