سارة الدندراوي: البحث الدؤوب عن التميز قاعدتي.. ووالدي سبب ميولي للإعلام

مذيعة قناة «العربية» قالت إنها فخورة بتجربة «دليل العافية»

سارة الدندراوي
سارة الدندراوي
TT

سارة الدندراوي: البحث الدؤوب عن التميز قاعدتي.. ووالدي سبب ميولي للإعلام

سارة الدندراوي
سارة الدندراوي

تعتمد سارة الدندراوي، الصحافية والمذيعة في قناة «العربية»، فكرة قالها لها أستاذ في الجامعة «لا تكوني صحافية عادية، ابحثي عما يميز جهدك»، كقاعدة لعملها في الصحافة، حيث تشير الدندراوي إلى أنه ومنذ تلك الجملة وهي تسعى وراء ما يميزها من الطرح الصحافي، خاصة أنها أيضا سليلة لمحمد صلاح الدندراوي أحد المساهمين الأوائل في الإعلام السعودي.
استطاعت أن تسبق منظمي جائزة «نوبل» بالكشف عن طبيب ياباني قدم خدمة للبشرية من خلال أبحاثه في أمراض القلب، حيث بثت برنامجا خاصا عن الطبيب الياباني الذي حصل على جائزة «نوبل» في وقت لاحق.
وكشفت سارة عن بعض الجوانب في شخصيتها وفي عملها، وعمن تتأثر بهم في الصحافة العربية من خلال الحوار التالي:
* كيف ومتى اخترت العمل في الإعلام.. ما هي الدوافع الخاصة والعامة لذلك؟
- الإعلام عشقي.. منذ صغري، وأنا «مهووسة» بالإعلام والمعرفة، فبفضل والدي ووالدتي نما لدي عشق للقراءة، وكذلك للكتابة، ربما هذا ما أسهم في تأسيسي لمثل هذه المهنة، إذ إن الثقافة العامة من أساسيات العمل الإعلامي، وعندما كنت في الثانوية العامة لم أتساءل يوما عن المجال الذي يتعين علي أن أتعلمه في الجامعة، فالمسألة كانت محسومة بالنسبة لي، وبالفعل عندما التحقت بجامعتي في الولايات المتحدة الأميركية، اخترت دراسة الإعلام بلا تردد. كان ذلك في مدينة بوسطن، في «Boston College». وفي مجال الإعلام درست التلفزيوني منه، وحتى عندما قررت استكمال الدراسة في درجة الماجستير، قررت الاستمرار في نطاق الإعلام ذاته، فانتقلت إلى العاصمة البريطانية لندن والتحقت بـ«London School of Economics»، وركزت الدراسة والبحث في رسالة الماجستير على ظاهرة القنوات الإخبارية، وفي قرارة نفسي أنا أعتقد أن سر ميلي الواضح والجلي للإعلام يعود إلى والدي محمد صلاح الدين الدندراوي–رحمه الله–فهو يعتبر من مؤسسي الصحافة السعودية الحديثة، وحبي وإعجابي بوالدي دفعني لا شعوريا إلى عالم الإعلام.
* ماذا كان طموحك في مطلع عملك في المهنة التي اخترتها.. هل كان العمل كمذيعة هو رغبتك منذ البداية؟
- لم تكن لدي فكرة محددة عن الوظائف المتاحة في الإعلام، وواحدة من أجمل التجارب التي أتيحت لي في قناة «العربية» هي أنني عملت في الوظائف كافة ذات الطابع التحريري، المتوافرة في غرفة الأخبار، فبدأت بالعمل في مجال العلاقات العامة، ولكن إدارة القناة، مشكورة، وهي تعلم بتأهيلي الأكاديمي، سارعت إلى نقلي إلى قسم التخطيط، لأدير مهمة تخطيط التغطيات المستقبلية، ولكن دائما، كان العمل التحريري نفسه هو المعيار لمهارات الصحافي برأيي، تماما كما العمل الميداني، وفعلا، بدأت أعمل في التحرير كصحافية محررة في قاعة التحرير الرئيسة في مقر قناة «العربية»، ووجدت أن إعداد التقارير الإخبارية هو الأقرب إلى قلبي. كان أستاذي في الجامعة يقول لي دائما «لا تكوني صحافية عادية، ابحثي عما يميز جهدك، لتقديمه إلى الجمهور الذي يقدرك ويحترم عملك». كانت هذه الفكرة دائما تلاحقني، كتحد، كي أقدم ما يمكن أن يميز المكان الذي أعمل فيه، وأنتمي إليه، وبالتالي يميزني أيضا، واخترت، إضافة إلى العمل المعتاد في التحرير وإنتاج التقارير، أن أعمل على موضوعات خاصة، على شكل سلسلة من التقارير التي يوحدها موضوعها العام، ولكن تكون مشغولة على نحو مميز، أردت أن أقدم مهارات في «نحت» المنتوج الإعلامي، ليحترم المشاهد ويحظى باهتمامه، لا أن أبقى أسيرة الإنتاج الآلي للمواد الصحافية، فأنتجت تقارير خاصة تهم الصائمين في رمضان، والكثير من التغطيات الأخرى، وكان لي شرف إنتاج وتقديم التقارير التي حظيت بالتقدير، وبعد تقديم سلسلة من الموضوعات ذات الطابع الطبي اختارتني القناة لإطلاق برنامج يتعلق بشؤون الصحة العامة والطبابة، وكان جديدا على العربية، بعنوان «دليل العافية»، كنت أعده وأقدمه.. واستمررت في قاعة التحرير أيضا. ومن هنا دخلت عالم التقديم على الشاشة، أي أن التقديم والعمل كمذيعة كان محض صدفة، كنت فخورة ولا أزال بتلك التجربة التي عززت تقليد أن يعد المذيع برنامجه من تلقاء نفسه، من ناحية المحتوى ومن ناحية متطلبات الإنتاج التقني والبحث وغيرها، فهذا تحد، ولكن النجاح فيه يعكس مدرسة لا يقتصر فيها دور المذيع على تقديم ما تقرر له أن يقدمه، ويقوله، وإنما يسهم بفعالية في البحث والإنتاج والعمل كصحافي.
* ما هي الخطوة اللاحقة في مشروع حياتك المهنية.. ما الذي تطمحين إليه؟
- الخطوة القادمة في علم الغيب.. وأطمح إلى الكثير.
* من كان قدوتك في الإعلام؟
- تعجبني خصال محددة لدى زملاء كثر، ولدى أساتذة المهنة المعروفين، قد لا أوفق في ذكر اسم بعينه، ليس تقليلا من شأن من علموني أو كانوا قدوة لي وإنما لكثرتهم. أنا أحاول جاهدة أن أتعلم من الجميع وأن أستفيد من أفضل الخبرات وحتى من أخطاء الآخرين إن وجدت.
* من هو كاتبك المفضل (كاتبتك المفضلة) محليا وعالميا؟
- عالميا، أحب كتب الإنجليزي ألدوس هكسلي وأجد نفسي أعود لقراءتها بين فترة وأخرى خصوصا «point counter point»، ولكن لا أستطيع أن أقول إنه كاتبي المفضل، ولكن هناك شيئا يلمسني في رواياته ويجعلني أفكر. بشكل عام، لدي استعداد أن أقرأ لأي كاتب في أي مجال إلا الخيال العلمي.
* من هي الشخصية الإعلامية، حسب رأيك، الأصلح كمثل أعلى يحتذى في الإعلام المرئي والمسموع في بلدك؟
- برأيي أن أسماء مثل تركي الدخيل وداود شريان والصديق المميز علي العلياني سنقرأ عنهم بعد سنين، عند التأريخ لمحطات بارزة في التلفزة ذات المحتوى السعودي، عندما يؤرخ أحدهم لتلفزيون بداية القرن الحادي والعشرين، تماما كما لا شك سنرى اسم عبد الرحمن الراشد يلمع في عالم التحرير والصحافة لدى التأريخ للصحافة السعودية المعاصرة لنهايات القرن العشرين وتلفزة القرن الحادي والعشرين برمتها سعوديا وعربيا، وهذه الأسماء حملت المهمة من أساتذة سبقوها في الصحافة السعودية.
* ما عدد ساعات العمل التي تمضينها خلال الأسبوع، وهل ذلك يترك لك الكثير من الوقت لكي تمضيه مع الأسرة؟
- أمضي وقتا طويلا في العمل وحتى في بقية اليوم تظل مواضيع العمل على بالي، فبشكل عام كل شيء أقرأه قد يفيدني في عملي يوما ما، وكل شخص أقابله قد تكون لديه قصة مثيرة، وهذا هو جمال الإعلام والتحدي الذي تنطوي عليه هذه المهنة.
* ما رأيك في الإعلام الجديد «إنترنت ووسائل اتصال أخرى» وهل – في رأيك – سيحل محل الإعلام السائد «صحافة أو تلفزيون»؟
- الإعلام الإلكتروني الذي لم يعد جديدا رفع سقف الحرية ووسع المنافسة لكنه لن يحل محل التلفزيون أو الصحف قريبا برأيي، هناك الكثير من محطات التلفزة مدت نفوذها إلى الإنترنت وأصبحت لها مواقع مهمة ومؤثرة ووجود قوي على مواقع التواصل الاجتماعي، والناس لا تزال تثق فيها كمؤسسات أكثر من أفراد ينشطون في مواقع التواصل الاجتماعي أو على منتديات الإنترنت و«الإعلام» هو إعلام إن اختلفت المنصة، والاتجاه القادم يحث على التكامل بين كل الأشكال في تقديري.
* هل تتأثرين بالأخبار السياسية أو التي تقدمينها على الشاشة على نحو شخصي، أو تستطيعين الحفاظ على مسافة بينك وبينها؟
- نحرص في برنامج «صباح العربية» على أن نقدم أكبر جرعة من التفاؤل للمشاهد، ولكن بالطبع لا مهرب من السياسة، وأنا كأي شخص أتأثر بالأحداث ولكن أحرص على عدم التعبير عن آرائي الشخصية.
* ما هي، بالنسبة لك، المدونة المفضلة أو الموقع الإلكتروني المفضل؟
- أحب موقع جريدة الـ«نيويورك تايمز»، كما أقرأ كل الجرائد السعودية بشكل يومي على الإنترنت.
* ما نصيحتك للصحافيين والصحافيات الشباب في بداية حياتهم الإعلامية؟
- العمل الجاد والصبر. أقابل الكثير من خريجي الإعلام وهناك بشكل عام استعجال على المناصب وتحقيق الأحلام، كما أن هناك اعتقادا خاطئا على ما يبدو بأن العمل أمام الشاشة هو أفضل شيء في الإعلام، في حين أن المؤثرين الحقيقيين هم من يعملون في الكواليس – خلف الكاميرا، في الإعداد، وهذه حقيقة، قد يتجاهلها أي كان، أو لا يعرفها البعيد، ولكن يدركها من هم في مطبخ الإعلام.
* ما هي الشروط التي يجب توافرها، حسب رأيك، في أي صحافي؟
- الذكاء، وحب الاستطلاع، وحب القراءة والتعلم، والانفتاح الفكري، والإيمان بأهمية كل موضوع يقوم به حتى لو كان سطرا واحدا فقط، أو أي تقرير تلفزيوني من 30 ثانية.
* هل تستطيعين وصف ما تعنيه عبارة الإعلامي الناجح؟
- المؤثر في الجمهور المتلقي.
* في رأيك، ما هي أنجح قصة إخبارية قدّمتها حتى الآن؟
- هناك الكثير من القصص التي أفخر بها، لكن هناك حلقتين من دليل العافية قمت بإعدادهما وتقديمهما عن اكتشاف علمي كبير في اليابان يعيد ترميم وبناء خلايا القلب التالفة بواسطة الخلايا الجذعية فيعود القلب كما كان. سافرت لأجله إلى اليابان بصحبة زميلي بول حداد، وأعددنا حلقة كاملة عن الاكتشاف، كما قابلنا بعض من خضعوا للعلاج وأسهمنا في مساعدة رجل سعودي على السفر إلى اليابان والخضوع للعملية، وبحمد الله نجحت العملية وشفي الشخص، وقدمنا قصته في حلقة ثانية من البرنامج، ولاقت الحلقتان صدى كبيرا. وبعد أعوام قليلة، فاز الطبيب صاحب العلاج شينيا ياماناكا بجائزة «نوبل» للطب.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».