شعرية الإطار وحكايات الهامش

المصري أحمد أنيس في ديوانه «من شرفة الأجداد»

شعرية الإطار وحكايات الهامش
TT

شعرية الإطار وحكايات الهامش

شعرية الإطار وحكايات الهامش

تبرز فكرة الإطار في ديوان «من شرفة الأجداد» للشاعر أحمد أنيس كأداة لمعرفة العالم وتحولات الواقع والعناصر والأشياء، فثمة ذات شاعرة مسكونة بشعرية الإطار، تستند على النص كمحض إطار، تطل منه على الماضي وتستدعيه عبر مناخات الطفولة، حيث صورة العائلة، الجد والجدة والأم تختلط بنثريات المكان، وتشكل ملامحه وروائحه العالقة في الذاكرة. كما تشتبك مع الراهن بتعقيداته ومفارقاته الاجتماعية، في مشاهد ولقطات واقعية، تتناثر فوق محطة القطار وأرصفة الحياة، حيث تطالعنا ملامح بشر في شكل شحاذين ومحاربين نبلاء، لم يبق لديهم سوى غبار أحلام منكسرة ومسروقة، يجترون في ظلاله معنى وجودهم الهش المفتت. وتقفز هذه الشعرية إلى تمثلات من التراث الإنساني، عبر باقة من الرموز أثروا المعرفة الإنسانية، في حقولها المتنوعة، فيطالعنا (دارون، رامبو، بودلير، لوركا، دون كيخوتة، وأجواء من دراميات شكسبير... وغيرهم)، كما يعلق بها مس من عوالم الأسطورة والخرافة، فهناك حكاية الطوفان وسفينة نوح، يوسف والبئر وامرأة العزيز، يونس والحوت، مقتل الحسين، ومعجزات النبي موسي
من خلال هذا التعامل مع هذه الرموز والأساطير يبدو ولع الشاعر واضحا بحكايات الهامش، يراها ناقصة ومبتورة، تفتش عن لحظة اكتمال أخرى في النص، أبعد مما تنسجه الذاكرة والتاريخ، إنها حكايات أشبه بعش العنكبوت، ولا بأس أن يرى فيها معادلا رمزيا لحبيبته المستحيلة التي ينتظرها بصبر عنكبوت عجوز، كما يقول في النص رقم (1) الذي يستهل به الديوان:
«أنا انتظرتك
بصبر عنكبوت عجوز
من أجل صيدك تركت عشي القديم
اخترت أجمل ما في الروح من الزوايا
ونسجت شركا من خيوط الشعر والذاكرة
كل شيء كان جاهزا للسقوط
غير أني لم أدرك
أن فراشة بهذه الروعة
لا تحتملها كهولة عنكبوت
ولم أعرف من منا سينجو من الآخر؟».
تنسحب دلالة العنكبوت، على العلاقة بالآخر في الديوان، فالآخر شرك وعلى النص أن يكون لغمه، لذلك لا يتوحّد سؤال الضحية بسؤال الآخر، فثمة مسافة دائما بين الاثنين، مفتوحة على حكايات هي بمثابة فجوات في اللغة والتاريخ والطبيعة والإنسان. ولا بأس إذن أن تظل الحكاية ناقصة، وتظل الأسطورة كذلك أيضا، وتتسع المسافة بين الذات وموضوعها، ما يعني أنها تتحاشى الالتصاق به، مفضلة الوقوف داخل نقطة محايدة، تلمس من خلالها الأشياء عن بعد وبمهارة خاطفة أحيانا، دون أن تتورط في لعبة المع والضد، فالذات تخاف من هذا التورط، تتحسب له دائما، وتجد بديلا له باللعب في منطقة الحكايات الناقصة، والتي أصبحت من أصوات الماضي... هذه الإحالة إلى الماضي واتخاذه ملاذا آمنا للتخفي، نراها جلية، في هذا النص الافتتاحي أيضا بالديوان، حيث يقول الشاعر:
«كنت فأرا صغيرا من قبلك
أنا الكائن الليلي
ساكن البيوت القديمة والحارات المظلمة
الخائف مما لا يعرف
الوحيد دوما
العائش على بقايا البشر
كنتُ أجمع الأسرار من أسفل الطاولات
من حافات الشبابيك المغلقة
ومن مياه الغسل في ليالي الحب».
قد يصلح إحساس الذات الدائم بالخوف من العالم والأشياء والعناصر، في جعل الإطار ملاذا، أو حتى غطاءً لاتقاء شرور العالم وآثامه. وقد يبدو الأمر مطَمْئِنا، ما دام كل شيء يستقى وجوده وفعاليته من داخل النص، هكذا يطمح الشاعر، لكن أن تضع إطارا لشيء، معنى ذلك أنك تريد أن تقننه، أن تكون له وظيفة وغاية محددة، مهمة الإطار أن يلعب دورا في الوصول إليها، وإبرازها على النحو الذي ترتضيه، ويحقق ما تصبو إليه.
ومن ثم، سيكولوجيا، ورغم ما يبدو من علاقات حميمة بين الذات وما يحتويه الإطار نفسه؛ لا يخلو الأمر من الإحساس بالحبسة أحيانا، فأن تضع الأشياء في حيز ما، وتغادرها، متوهما أنك بذلك تصون حيويتها وفعاليتها، أنت في الوقت نفسه تقع في الوهم، فالأشياء قد تفنى، وتتحلل من تلقاء نفسها داخل الإطار، لا بد أن تتنفس وجودها خارجه أيضا، بل تكسره أحيانا وتطيح به، بحثا عن إطار آخر، تتجدد فيه، وتصنعه بأشواقها وأحلامها المقموعة المجهضة. ففي الفن الإطار مجرد حلية وزينة، لا يستطيع أن يحجب النور المنبعث من داخل اللوحة أو يوقف امتداده وذبذبته على عين المشاهد، ولا في جسد الزمان والمكان.
تعي الذات الشاعرة كل هذا قائلة في نص رقم (12) ص (32):
«لي ألفة مع الحكايات الحزينة
تلك التي لسبب غير واضح تجاهلها الرواة
الحكايات أيضا تشعر بالوحدة
تسأم من أتربة الأرفف
تتوق للألسنة والأذان».
يتابع النص مخاطبا الآخر في شكل المجموع، محاولا كسر رتابة الإطار، وخلق معادلة جمالية، تحوله إلى مجرد ظل وغبار لشيء ما، قائلا:
«نحن مثلكَ
مللنا النهايات الرتيبة
كم مرة ذهبنا إلى آخر الليل دون جدوى
كنا نبحث عن بداية
كنا نبحث عن نهاية
وكلنا صرنا من المسكوت عنهم
كنا نبحث عن نهاية أفضل
كنا نبحث عن بدايات جديدة
نحن مثلكَ
فقط سئمنا سطوة المؤلف».
لا سطوة للمؤلف هنا، بل إنها سطوة النص، الذي وقع في حبائل الإطار المحدَّد، الذي أطل منه الشاعر على كل شيء، لكنه لم يستطع أن يطل منه بعمق على ذاته، مكتفيا بمشاكستها في علاقات ومشاهد سريعة عابرة مغوية وبراقة في لحظتها وتراسلاتها الفنية الضدية، لكنها لا تصمد كثيرا في الذاكرة، لأنها ببساطة شديدة ابنة مفارقات الإطار- الحيز، وليست ابنة مفارقات الحياة، الأعرض، الأشمل، الأكثر ديمومة، وتناسلا ووجودا.
يشير الديوان إلى كل ذلك في نص رقم (23) ص (60)، هو برأيي من أجمل نصوص الديوان، فالرحلة تقفز من حيز الإطار المكاني الضيق العابر، الذي يمثله القطار رمزيا، لتصبح ترحالا في الزمن، زمن الحكايات الناقصة المبتورة، التي تنتظر نهايات وبدايات جديدة دائما، وتنتظر بالضرورة إطارا مغايرا دائم التجدد... يقول النص:
«في القطار أنجح في سرقة عشر خطوات على الأقل في كل محطة
لا لأشم رائحة المدن
ولا لأتغلب على ضعف مبكر في المفاصل
لا لشيء ذي دلالات عميقة
فقط... على أمل بأن أنجح
في تبادل ابتسامات ودودة مع مجاذيب المحطات
لربما ساعدتهم على البقاء في المحطة
أو ربما
ساعدوني لأبقى في القطار».
إن ما يزعجني في هذا الديوان الشيق حقا، هو هذه الحبسة التي أشرت إليها آنفا، فالشعر داخل الإطار، يبقى نتاجا لوظيفة محددة، يؤديها سواء على مستوى الصورة واللغة والرؤية والتشكيل، في سياق لا يخرج عن أطار المشهد، أو الحالة، أو اللقطة، فكل العناصر لها وظيفة محددة داخله، ولا تبرح ظلاله اللهم إلا على استحياء خجِل ومربك أحيانا، ما يجعل الإطار نفسه يبدو كثيرا وكأنه مغلق على ذاته.
وعلى سبيل المثال، رغم انفتاح الديوان على حدوسات معرفية شتى بينها أسماء ورموز وعلامات وأساطير، إلا أنها تحضر غالبا داخل النصوص في إطار كمي، مفتقدة معيار الكيف وحيويته، الذي يستدعي المساءلة والمناظرة وإعادة الرؤية وطرح الأسئلة من جديد. ما يجعل النصوص تبدو كأنها تكرس لفكرة التجاور أفقيا على السطح؛ على حساب التقاطع الرأسي، الذي ينبش ويحفر في العمق، واصلا ما بين الأقرب والأبعد، ما بين العابر الخاطف والمستديم الأبقى... ربما ينجو في هذا السياق، اللعب على رمزية دارون ومغامرته في تفسير نشأة التطور، وأيضا اللعب على طوفان نوح وسفينته، لكن باقي هذه التمثيلات لم تستطع أن تبرح معيار الكم والرصف الإنشائي داخل النص... يطالعنا هذه بشكل مباشر في نص رقم (20) ص (51) حيث لا تفلح الذات الشاعرة في دحض شبهة العلم بتأويل الحكاية عن نفسها، وتنداح في هذه الإطار الوصفي الكمي في التعامل مع أسماء ورموز شتى.
لقد أراد الشاعر أن يجعل ديوانه كتلة نصية واحدة، معتمدا على العنونة الرقمية، ما أفقد الديوان محور الإيقاع المشترك، الذي يلم شتات النصوص، وينمي ما تطرحه من عوالم ومناخات في فواصل وجسور شعرية شفيفة... لكن يبقى لهذا الديوان وهو الأول للشاعر أنه أثار كل هذه الملاحظات، بمحبة أعمق للشعر والجمال.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.