ماذا قرأ المثقفون العرب عام 2018؟ (2-2): المثقفون السعوديون... الرواية سيدة القراءة

«رجل يقرأ في حديقة» من أعمال الرسام الفرنسي هونور دومير (1808-1879)
«رجل يقرأ في حديقة» من أعمال الرسام الفرنسي هونور دومير (1808-1879)
TT

ماذا قرأ المثقفون العرب عام 2018؟ (2-2): المثقفون السعوديون... الرواية سيدة القراءة

«رجل يقرأ في حديقة» من أعمال الرسام الفرنسي هونور دومير (1808-1879)
«رجل يقرأ في حديقة» من أعمال الرسام الفرنسي هونور دومير (1808-1879)

- إبراهيم الحسين: «موت في العائلة»
«موت في العائلة»، لكارل أوفه، ترجمة الحارث النبهان، هي الرواية الأبرز، فمنذ زمن لم أقرأ رواية بهذا الحجم وهذا الجمال! مررت هذا العام بروايات أخذتني وانغمست فيها، لكن أن تقرأ عملاً يخطفك بحكايته، أن يرتفع بك بتفاصيله، أن تجد تفاصيل الأشياء، بما يجعلك قريباً منها؛ كان بإمكان المؤلف أن يقول أحداثه، وأن ينقل مجرياتها، وأن يوصلها، بطرق أخرى كثيرة، لكنه اختار قاصداً أن يحفر، أن يشعل كل الأضواء، حتى يصبح كل شيء مرئياً، الصغيرة والكبيرة، والجميل أنه لم يكن يفعل ذلك بهدف الإطالة، لكنه كان منتبهاً، ولا يريد أن يغيب أي شيء عنه، كان يتحدث عن أبيه، كان يذهب في موته، كان يراوح بين طفولته وذكرياته التي كان محورها ذاك الأب، ذكرياته معه، ينتقل إلى شبابه، يفعل ذلك ليعيد اكتشاف تلك المراحل، يتنقل بينها دون أن تشعر بأي اختلال، دون أن ينفّرك، كان يريد أن يعرف، كان يقرأ مشاعر الشخصيات، أخوه وجده وأمه وجدته، التي وضعها في مواجهة لغته الشعرية التي لا يمكن إغفال دورها في رفع قيمة هذه الرواية، وجعلها مغوية إلى هذا الحد، نعم هي مغوية، وهذا ما حدث لي معها، أنا لا أبالغ، لكني حقيقة أحببت هذي الرواية حدّ أني ترددت في إعادتها إلى الذي أعارني إياها، أ. عبد الله السفر. رواية أعلم أن لها أثراً كبيراً علي، وأنه سيبقى معي، وأنها دخلت في بنائي، أغنيت منها، هذا العمل مشبع، ويلبي حاجتك لعمل فني على هذا القدر من الجمال بين حين وآخر، حتى لو مرة واحدة كل عام. وختاماً، لا بد من ذكر أني لست ناقداً، لكن هذا هو انطباعي عن هذا العمل الذي فعلاً فتنت به، وأفدت منه.
- عبد العزيز الصقعبي: روايات... وروايات
من الأمور الصعبة أن يسأل شخص ما عن الوجبات التي أكلها خلال عام، فمن النادر أن يمر يوم على أي شخص دون أن يأكل ولو قطعة بسكويت أو حبة تمر، الأمر بالنسبة لي يشبه ذلك حين أتحدث عن القراءات. ولكن كما الوجبات، هنالك «أكلات تبقى بالذاكرة»، كذلك الكتب، فهنالك بعض الكتب تبقى مختلفة متميزة. وقد قرأت كثيراً في هذا العام، وكان النصيب الأكبر للأعمال الروائية، خصوصاً المترجمة، وبعد ذلك المجموعات القصصية والدواوين الشعرية التي أجعلها كمحطات استراحة، وبعض كتب الدراسات. وربما ما دفعني للتوجه لقراءة الرواية هو انتهائي من روايتي «غفوة ذات ظهيرة»، وصدورها، وكانت السنوات السابقة تلزمني بقراءات بحثية متعمقة لأجل كتابتها.
هذا العام، واصلت علاقتي بقراءة روايات بول أوستر: «رجل في الظلام»، و«حكاية الشتاء»، و«اختراع العزلة»، وروايات غيوم ميسو. واستمتعت بوجبة متميزة ستبقى في الذاكرة، وهي رواية «النباتية»، للكورية هان كانغ. وبالطبع، قرأت للروائي المذهل ستيفان زفايغ رواياته القصيرة، وشدتني روايات أفونسو كروش «دمية كوكوش» و«الكتب التي التهمت والدي». وبكل تأكيد، شأن عدد كبير من قراء الرواية، بدأت بقراءة رباعية كارلوس زافون، ضمن سلسلة «مقبرة الكتب المنسية»، بدءاً بـ«ظل الريح» ثم «لعبة الملك»، وفي المستقبل سأكمل هذه الرباعية.
وقرأت بعض الروايات العربية التي رشحت لجائزة «البوكر»، ضمن القائمتين الطويلة والقصيرة. وقد قرأت رواية «الحالة الحرجة للمدعو كاف» قبل ترشيحها، وأوصيت بعض الزملاء بقراءتها. وهنالك بعض الروايات، أغلبها من المملكة، بل حتى من الوطن العربي، قرأتها كمجاملة، وجزء كبير منها لم أستطع أن أكملها، حيث أفاجأ بكون بعضها مؤدلجة، كرواية «جمهورية كأن»، لعلاء الأسواني، التي تشبه إلى حد كبير مقالاته السياسية، رغم أنها تتناول زمن ثورة يناير (كانون الثاني)، لذا فقد خرجت من ذلك الصخب السياسي بقراءة بعض الروايات المتميزة، مثل ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، وبعض روايات صنع الله إبراهيم، وعبد الحكيم قاسم. وبالطبع، لم تنحصر قراءاتي على الكتب، فبحكم عملي مديراً للتحرير للمجلة العربية، أجد نفسي ملزماً بقراءة أغلب ما يصل للمجلة من مقالات ودراسات وإبداع، لذا ولله الحمد وجباتي القرائية متنوعة.
- د. عبد الله الحيدري: في حضن السيرة الذاتية
اتجهت قراءاتي في عام 2018 نحو فضاء محبب لي، وهو كتب السيرة الذاتية، مع التركيز على ما صدر من سير ذاتية لكتاب سعوديين، وصلت إلى مكتبتي إهداء أو شراء.
ومن أبرز الكتب التي قرأتها هذا العام: سيرة الدكتور مسعد العطوي «التحوّل»، وصدرت عام 2013. ومع أهمية العمل، فإنه لم يخل من أخطاء كثيرة ليت المؤلف يتداركها في الطبعة المقبلة، وكتاب «التحدث بنعمة الله: سيرة علمية»، للراحل الدكتور حسين نصّار (مصري)، وصدر في عام 2017، وهو كتاب ليس بالكبير، ولكنه تميّز بالمكاشفة والجرأة في الحديث عن زملاء دربه.
وقرأت «فوق هامة التحدي»، للدكتور ساعد العرابي الحارثي، وصدر عام 2017، وهي سيرة متقنة في سرد أحداثها، وفِي لغتها، وفِي القالب الذي اتخذته. كما قرأت «سنوات الجوف»، للدكتور عبد الواحد الحميد، وهي سيرة ذاتية صدرت عام 2017، وتميزت بالرصد الدقيق لمحطات حياته المختلفة، فأرّخ لسنوات مضت في منطقة الجوف، تكاد تندثر ولا يعرفها جيل اليوم، مع لغة سلسة مشوقة في قَص الأحداث، وشخصية المؤلف متواضعة قريبة من النفس.
وهناك كتاب جمع بين السيرة الذاتية وأدب الرحلة، وهو كتاب «بكالوريوس تربية يمنية»، للزميل سعد الغريبي، وصدر عن نادي الأحساء الأدبي عام 2017، وهو من الكتب الممتعة جداً، ويسجل تجربة مبتعث للتعليم في اليمن قبل أكثر من أربعين عاماً.
ومن السير التي قرأت «مشيناها: حكايات ذات»، للدكتور عبد الرحمن الشبيلي، التي تميزت بالتماسك والشمولية في رصد الأحداث. ويعد الكتاب جزءاً من تاريخ الإعلام في المملكة، وهو من الكتب الجديدة، إذ صدر عام 2018.
وأستطيع القول إن جنس السيرة الذاتية لدينا في المملكة في نمو ملحوظ، وتحتاج الأعمال الصادرة حديثاً إلى قراءات معمّقة من الزملاء المتخصصين، تضعها في مكانها الصحيح بين جملة الأعمال التي صدرت في الماضي.
- رحاب أبو زيد: «لا نهائية...» إيكو و«رقصة القمر» مع آينشتاين
أميل مؤخراً لمخالفة قوانيني الشخصية في القراءة كافة، التي كان من بينها عدم قراءة كتابين في وقت واحد، واستبعاد مقاطعة الكتاب قبل إنهائه بالكامل، وعدم مشاهدة الفيلم (أو المسلسل) قبل التهام قراءة القصة أولاً. وهنا، سأعطي بعض الأمثلة التي ساهمت وبقوة على اتخاذ بعض الخطوات الجريئة لتعديل قوائم الكتب في حياتي، وأضفت الزخم اللطيف الماتع على الطقوس الملازمة لها.
من أجمل ما قد أجده في كتاب هو مصداقية الكاتب، وشفافيته في تناول الموضوع المراد. ومهما كانت الاهتمامات متشعبة، فإنها تثير الفضول المحمود والرغبة النهمة للإبحار بين أودية فكرية مختلفة، وهذا تماماً شعوري بقراءة «لا نهائية القوائم - من هوميروس حتى جويس»، للفيلسوف الناقد الأدبي الإيطالي أمبرتو إيكو، ترجمة ناصر أبو الهيجاء. وكي تتزن الكفتان، اخترت قراءة خفيفة متزامنة مع هذا الكتاب، بعنوان «رقصة القمر مع آينشتاين»، لـجوشوا فوير، ترجمة الشاب المبدع محمد الضبع، وهو يناقش واحدة من المناطق التي تثير اهتمامي، وهي النسيان، وعلاقة قوة الذاكرة بعلم الأعصاب والعلوم الإدراكية لدى الإنسان، وما إذا كان فقد الذاكرة كالكنز الضائع يمكن استعادته. ومن خلاله، تعرفت على إقامة مسابقات أميركية وعالمية بين أشخاص يظنون أنهم يملكون ذاكرة قوية؛ هل هم خارقون أم فقط يجيدون الحفاظ على قدراتهم الذهنية؟
أربعون عاماً قضتها البروفسورة الألمانية آنا ماري شيمل في التنقيب عن المتاح من الحقائق، والربط بين الممكن منها. أمضتها تلتقط الكلمات بملقاط الماس، وقد ساعد المترجم د. عيسى العاكوب كثيراً في نقل رهافتها وتعمدها لاستعمال لغة بهذه المباشرة في غير سطحية حيناً، والمحسنة بلاغياً في غير تكلّف حيناً آخر، وهنا يكمن ذكاء الباحث، عندما يختار من دولاب «النغمات» اللغوية ما يتلاءم والموضوع، وهذا ما تلمسه في كتاب «الشمس المنتصرة... دراسة في آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي». تقول آنا ماري شيمل: «النقود الأولى التي حصلت عليها من العمل الإجباري في مصنع في عطل الفصل الدراسي حولت مباشرة إلى المجلدات الثمانية للمثنوي التي حققها نيكلسون»، وكانت تشير لديوان شمس الدين التبريزي الذي نسخ باليد بعناية فائقة. في الفضاء نفسه، أقرأ الآن الأعمال الصوفية لمحمد الحسن النفري. والآسر في هذا الجانب هو مدى التدقيق والتحقيق والتمحيص الذي يبذله الدارسون بصدد معلومة واحدة تمس تاريخ أصحاب هذه السير الذاتية أو الحقبة الزمنية المحيطة.
ومن أهم قراءات هذا العام بيان مفجر الجامعات والطائرات «المجتمع الصناعي ومستقبله»، لتيد كازينسكي، وهو البيان الذي بادله بحريته، وسجن مقابل طمعه في وصول كلمته لأنحاء العالم. والمثير هنا هو ليس فقط فكرة الكتاب القائمة على رفضه أسلوب الحياة المعاصرة، وتبرير ذلك، بل قصة القبض على الرجل، أستاذ الرياضيات الذي أثار جنون السلطات واستنفرهم إلى أن ارتكب سطراً بليغا قادهم إلى تحديد هويته، لعبة «البيان» والقدرة اللامتناهية التي تنطوي عليها اللغة والحروف والكلمات تسببت في كارثة، أو ربما أنقذت العالم من كارثة.
باللغة الإنجليزية استمتعت بقراءة كتاب راي ديفيد «المبادئ» (Principles)، حول منهجية تطوير الأفكار، وبالتالي القادة والمبدعين. ويفيد الكاتب بأن التعلم عملية مستمرة خالدة للأبد، ويمكن أن تكون منتجة في ذاتها.
وأحلّق أيضاً لختام هذا العام بين أروقة وذكريات د. غازي القصيبي، في كتابه «الوزير المرافق»، وهو صاحب هذا الكم من التجارب السياسية والإدارية والمهنية والدبلوماسية التي يصوغها جميعها بانسيابية وبساطة لا تصدق.
- جابر محمد مدخلي: رحلة في روايات «البوكر»
القراءة، هذا الكائن الذي يغذّيني دوماً، أشعر كما لو أنني أدّس بداخلي غذاءً لا يتعفن، ولا يتجفف أبداً. كلما قرأت، شعرت كما لو أنني أعود من جديد إلى صدري، وأفتش داخله عن أبطال كانوا خيالاً في رواياتهم، نائمين لا أحد يشغلهم، ولا أحد يفكر فيهم بالوقت ذاته. هكذا أتعايش مع الكتب وبينها؛ أخلق حولي كل عام كتباً جديدة أتعامل معها على أنهم ضيوفي: أرتب لهم الأسرة، وأجهز لهم ما يشاءون من سهرٍ يليق بهم، وأضع أمامهم فناجين قهوتي، وأبدأ في خلق المساء المناسب لكل ما سوف أقرأه، كما لو أنني ذاهب لرحلة تطول.
في عام 2018، أعتقد أنني تعلمتُ أشياء كثيرة من كتبٍ قرأتها، أشياء لم أتعلمها مما قرأته بالعام المنصرم. ففي كل مرة، أجد أن أسلوباً جديداً يدخل في دوائر السرد، ويطفو على مشهدنا العربي خاصة. وبالسرد الروائي مهتم أنا تحديداً، فأنا مدمن على قراءة السرد ونقده، وما يتعلق به؛ ليس محاباة لأصدقائي كتّاب الرواية، ولا انحيازاً لأنني روائي، ولكن لأنني أجد بالروايات ما لا أجد بغيرها، لذلك أسعى لقراءة إصدارات كل عام من هذا النوع من الكتب. كما أعكف كثيراً على قراءة القائمة الطويلة والقصيرة للبوكر. كل عام، أنتظر بلهفة تلك العناوين التي تهبط علي كحلوى تصالحني مع عوالم الذين كتبوها. وأسعد كثيراً حين أجد رواية لكاتب غير مغمور، ولا معروف، ولا شهير، أو أكون قد قرأت له سابقاً؛ هذا يشعرني أن مشهدنا العربي يتحسن تلقائياً، ووراثياً وجينياً. أطمئن كثيراً على أنّ هناك من سيرث هذا السرد، وسوف لن تبقى القائمة على كُتّاب احتكاريين أبداً.
(الخائفون، وحرب الكلب الثانية، والحالة الحرجة للمدعو «ك»، وساعة بغداد، وزهور تأكلها النار، وإرث الشواهد) ست روايات منذ دخولها القائمة الطويلة وأنا أتتبع خطواتها، وكيف يمكنها أن تدخلني إلى عوالم أوراقها. لا أنكر أنني تعلقت بكل بطلٍ على حدة، وكل أرواح ما في هذه النصوص على حدة؛ شكرتُ داخلي كل كاتبٍ على ما قدمه لي بهذا العام، وشكرتُ أدبنا العربي أنه لا يزال يعطينا مساحة لنشعر أننا نقرأ، ونقرأ لنشعر بطبيعة البقاء على قيد الكتاب.
- ناصر الجاسم: على إيقاع «الطقاقة بخيتة»
لقد قرأت في هذا العام رواية «الطقاقة بخيتة»، للروائي السعودي المتميز محمد المزيني، قرأتها في زمن متأخر عن زمن نشرها، ولو أتيح لي وقت لقراءتها مرة ثانية أو ثالثة لما تأخرت أو ترددت في ذلك، وحتى لو وجدت لي فرصة لجعلها من مقررات صف دراسي لتعليم الرواية أقوم بالتدريس فيه، لقررتها على تلاميذي كأنموذج للرواية الحديثة شبه المتكاملة في عناصرها الفنية والبنائية. ولقد شعرت وأنا أقرأها بمشاعر معينة لم أشعر بها منذ مدة بعيدة؛ شعرت بالحماس وبالترقب، واستعدت قدرتي على التنبؤ بالأحداث ومعرفة مصائر الشخصيات، وتلذذت بنكهة التشويق، وتذوقت مهارة الوصف الناجع عند الكاتب، وسررت كثيراً بالحس الفلسفي والرؤى الوجودية التي طرحها المؤلف في ثنايا سرده، وبسريان الحكاية في المتن الروائي بسلاسة عذبة، وبسرد العجائبي والغرائبي (عالم الجن)، وأكثر ما أدهشني وأذهلني هو براعة المؤلف المزيني الأكيدة والواضحة جداً في خلق الشخصية الروائية البطلة، كشخصيتي بداح العجوز و«الطقاقة بخيتة».



القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
TT

القميص النسائي الأبيض مطلوب للمرأة العاملة

مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)
مارلين ديتريش والسموكينج الشهير (غوغل)

«إطلالة لا تشوبها شائبة»... بهذه العبارة تصف خبيرة أزياء فرنسية لجوء المرأة العاملة إلى ارتداء القميص الأبيض في المكتب. ولدعم هذا الرأي، تؤكد ناتالي أوليفر، منسقة قسم الموضة النسائية في أحد أرقى متاجر باريس، أن القميص الأبيض «قطعة خالدة». وهو متعدد الاستخدامات، وقطعة أساسية في خزانة أي سيدة عاملة. وفي مقابلة معها نشرتها مجلة «مدام فيغارو»، قالت: «بالنسبة للنساء، يضفي اللون الأبيض إشراقة صحية، ويعطي البشرة مظهراً متألقاً، كما تساعد ياقة القميص على تحديد وضعية الرأس».

يحيلنا هذا الرأي إلى قضية قديمة تتعلق بمظهر النساء العاملات، وهي قد لا تخص أولئك اللواتي تفرض عليهن المهنة زياً وظيفياً، مثل الممرضات والشرطيات ومضيفات الطيران وعاملات المصانع، لكنها تُثار كلما جاء الحديث عن المرأة التي تشغل موقعاً متقدماً. هل صحيح أن الوزيرة أو نائبة البرلمان أو مديرة المصرف تلجأ إلى بدلة متقشفة شبيهة ببدلة الرجل لأنها تفرض الاحترام وتعكس مفردات السلطة؟

قبل سنوات خرجت القضية المسكوت عنها إلى العلن حين تمرد عدد من النائبات الفرنسيات الشابات على قواعد الثياب المفترضة تحت قبة البرلمان. فالشائع هو ارتداء السروال مع السترة. بينما تعرضت من خالفت ذلك للتنمر ونالت تعليقات ساخرة من زملائها النواب لمجرد أنها اختارت أن ترتدي فستاناً ملوناً أو تنورة. وحكاية التنورة باتت من أسباب انتفاضة الشابات في الضواحي وأوساط المهاجرين. فأولياء الأمور، أي الآباء والأشقاء الكبار، يفرضون على البنت ارتداء السروال القاتم بوصفه نوعاً من الحشمة. بينما كل مجلات الموضة والأفلام وعروض الأزياء تقدم ألواناً من الفساتين والتنورات الزاهية. وبلغ الأمر بالنجمة الجزائرية الأصل إيزابيل أدجاني أن قامت ببطولة فيلم بعنوان «يوم التنورة»، تؤدي فيه دور معلمة في مدرسة تقرر تخصيص يوم في السنة تأتي فيه الطالبات وقد خرجن عن المألوف وارتدين التنورة.

والحقيقة أن ارتداء المرأة للزي الرجالي، على سبيل التحدي أو مجرد لفت النظر، ليس جديداً. وكانت الممثلة الألمانية مارلين ديتريش من أوائل من ارتدين البدلة «السموكينغ» على الشاشة. وهناك صورة للممثلة جوليا روبرتس في سنواتها الأولى وهي ترتدي البدلة ورباط العنق. لكن هذا اللباس بات موضة منتشرة في السنتين الأخيرتين، سواء في الحياة العامة أو على منصات عرض الأزياء، وبه ظهرت النجمة الفرنسية كاترين دينوف في واحدة من إطلالاتها الإعلامية.

ومن ينظر إلى الصور التذكارية التي يلتقطها المسؤولون المجتمعون في القمم الصناعية أو السياسية، يلاحظ أولاً قلة عدد النساء بينهم، وثانياً أن المرأة التي تقود حكومة أو منظمة عالمية ترتدي بدلة قاتمة، سوداء أو كحلية، مع قميص أبيض غالباً، بحيث لا يمكن تمييزها إلا من خلال شعرها الطويل. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أشهر من سنّت قيافة السترة التي تختلف ألوانها ولا يتغير نمطها، مع السروال طبعاً لا مع التنورة.

مصممو الموضة الرجال، يؤكدون أن قمة الأناقة تتمثل في القميص الأبيض الكلاسيكي الضيق، المدسوس في بنطال أسود أنيق، مع حذاء بكعب عالٍ أو حذاء من دون كعب. وهم يشيرون إلى طرق أخرى عديدة لارتداء هذه القطعة في المكتب لإطلالة أنيقة دون الوقوع في الرتابة. فقبل اختيار الإكسسوارات لا بد من إيجاد القميص المناسب، أي المصنوع من قماش يمنح انطباعاً بالجودة، دون أن يكون مطاطياً جداً. ففي الصيف يضفي الكتان انتعاشاً على من ترتديه، شرط أن يكون مكوياً جيداً. أما في الطقس البارد، فإن قماش أكسفورد هو المفضل ويناسب المظهر المرتاح. ومع ذلك، يبقى البوبلين هو الخيار الأمثل.

بعد اختيار القماش، ووفقاً لناتالي أوليفر، تأتي التفاصيل الأخرى التي لا تخلو من أهمية. ومنها أن يتناسب ارتفاع الياقة مع شكل الجسم. فالياقة القصيرة على امرأة طويلة ونحيلة قد تُخلّ بتناسق القوام. وينطبق المبدأ نفسه على عرض الأكمام. إن الأمر كله يتعلق بالتناسب. كما أن الأزرار السميكة قليلاً والخياطة الدقيقة تُميز القميص عالي الجودة عن القميص ذي الجودة المتدنية. وهناك علامات تخصصت في خياطة القمصان الجاهزة أو وفق التفصيل لكن أسعارها تبقى في متناول المديرات العامات ورئيسات الشركات. وفي الفترة الأخيرة دخل القميص الأبيض الفضفاض إلى دائرة عروض الأزياء.

لماذا هذا التشجيع والترويج للزي الرجالي في أوساط سيدات الأعمال؟ هل يحتاج فرض الاحترام واستعراض النفوذ إلى مظهر صارم؟ كان اختيار مارلين ديتريش للقميص الرجالي، في النصف الأول من القرن الماضي، رمزاً لتمكين المرأة. ومثلها فعلت النجمة السويدية جريتا جاربو، ملكة الشاشة في الأربعينات، حين ظهرت بالسروال في زمن كانت التنورة هي الزي المعروف للمرأة. وبعد أكثر من نصف قرن، تهادت عارضات المصمم فالنتينو على منصات العرض في باريس ببدلات وقمصان رجالية وربطات عنق. واستمراراً لهذا التيار ظهرت عارضة الأزياء الأميركية آشلي جراهام ببدلة رجالية صارمة سوداء اللون، في سهرة دعا إليها متحف «اللوفر» في باريس. كما رأينا الممثلة البلجيكية ونجمة التلفزيون السابقة فيرجيني إيفيرا وهي تضع على كتفيها معطفاً رجالياً من الكشمير فوق بدلة بصفين من الأزرار وقميص أبيض وربطة عنق حمراء منقطة. هل هو اختيار نسائي بحت أم قرار مفروض من المصممين الرجال.

كتبت إحدى الناشطات النسويات أن استعارة المرأة لثياب الرجل هو نوع من رد التحية، أو بالأحرى الانتقام من الذكور الذين صاروا يظهرون بهيئة الإناث ويلبسون الزاهي من الألوان ويتحلون بالأساور والأقراط ويحملون حقائب اليد النسائية الصغيرة. لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن المشاكسة ورد الصاع صاعين. ومنذ عقود كثيرة اختارت الشابات تبني السروال الرجالي لأنه أكثر عملية من التنورة والفستان. فهو يتيح سهولة الحركة وركوب الدراجة ويغطي السيقان بشكل يطرد العيون المتلصصة. صار السروال زي طالبات الجامعات والنساء العاملات. وقد تفنن المصممون في إضفاء لمسات من الأنوثة عليه، فصار فضفاضاً أحياناً أو ضيقاً أو ممزقاً أو يجمع ما بين التنورة والبنطلون.

وتحب المرأة الحديثة التجريب. وهي قد تجنح نحو التحدي وترى في تقليدها الرجل نوعاً من الطرافة ولفت الانتباه. ثم إن اقترابها من المساحة المخصصة للرجل ولو اقتصرت على المظهر، قد يكون رغبة منها في الاستحواذ على مناطق أكثر جدية. ورغم اقتحامها مختلف المهن والمناصب فإنها ما زالت ترى نفسها مغبونة ولم تأخذ حقها الكامل من المساواة. وهو أمر ينطبق على الغرب والشرق معاً. ولا أحد يمكنه التكهن بما ستؤول إليه أحوال النساء وأزياؤهن مع نهايات القرن الحالي. هل تصح النبوءة الفلسفية التي تقول إن «المرأة هي مستقبل الرجل؟».


«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».