اللبنانيون قرأوا الروايات واستعادوا الكلاسيكيات

ثناء عطوي  -  علوية صبح  -  عبيدو باشا
ثناء عطوي - علوية صبح - عبيدو باشا
TT

اللبنانيون قرأوا الروايات واستعادوا الكلاسيكيات

ثناء عطوي  -  علوية صبح  -  عبيدو باشا
ثناء عطوي - علوية صبح - عبيدو باشا

- الكاتبة والصحافية ثناء عطوي: أسمهان وزمن الرحابنة
كل ما عرفته عنهم أنهم كانوا أناساً مهمين، لماذا لم أعرف، ولم أسأل حتى، ربما اعتقدت أنهم مهمون لأنهم التحقوا بمشروع اليسار، أو لأنهم أكبر سناً مني، أو لأنهم كانوا أحراراً في آرائهم وتصرفاتهم؛ ربما لأنهم كل ذلك، ولأسباب أخرى أيضاً، لكن ما عرفته لاحقاً أنهم كانوا في «زمن زياد». هذا هو الزمن الذي تحدث عنه الكاتب اللبناني طلال شتوي، واستعرض من خلاله مناخ بيروت في السبعينات، بيروت عشية اندلاع الحرب وفي أثنائها، بيروت المدينة المُلتبسة، ملتقى التيارات الفكرية والسياسية والثقافية في ذلك الحين، المدينة التي تفتح وعينا من خلالها على معنى الوطن والنضال والعالم.
كتاب «زمن زياد» يحكي عن زمن الرحابنة وناجي العلي وجوزيف سماحة ورندا الشهال وكاتيا سرور وآخرين، زمنُ العيش مع الآخر ومع المُتناقضات في آنٍ واحد، في المدينة التي شهدت على العصر الذهبي لليسار، «فتح لاند» أو أرض فلسطين والحركات الثورية في الأردن وسوريا والعراق. كتابُ «زمن زياد» الصادر عن دار الفارابي، هو زمنُ بيروت قبل أن ينفض الجمهور عن دور السينما، والمسرح، ومقاهي الحمرا، قبل أن تصبح بيروت عبارة عن ملجأ كبير بحجم وطن كبير ومخيف.
ثانياً، أتابع باهتمام منذ إطلاقه ما يصدر عن «مشروع نقل المعارف» التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار، من كُتب ومعاجم فكرية وفلسفية في غاية الأهمية، قرأت من بينها كتاب «الباب» مقاربة إثنولوجية، لمؤلفه باسكال ديبي، أستاذ الإثنولوجيا في جامعة السوربون، ترجَمَة رندا بعث. ينفرد المؤلف بمقاربة الباب بمعانيه اللغوية وأدواره الاجتماعية والتاريخية والدينية، الباب الذي يحمينا أو يفصلنا أو ينغلق علينا بمقدار ما يجعلنا مُنفتحين على العالم، ويتطرق إلى دور الأبواب في الدين والتاريخ، بدءاً من أبواب السماوات السبعة إلى أبواب جهنم وأبواب اليونان والرومان وغيرها. يخاطب المؤلف أولئك الذين يواربون الأبواب ويدفعونها، الذين يقفون أمامها ينتظرون، يحملون المفاتيح، يسترقون السمع عند الأبواب. يخاطب من خلال الأثر الرمزي للباب، قلوب العاشقين الخافقة، وكل عبارات تفضل، ومن بعدَك، وأنت ممنوع! يخاطب المتأخرين، المساجين، وكل الأبواب التي اجتزناها.
ثالثاً، رواية «الخطيب» لهاني نقشبندي، الصادرة عن «دار الساقي»، تدور أحداثها في مدينة عربية افتراضية. تبدأ عندما يكتشف إمام وخطيب جامعٍ صغير في حي متواضع، أن خطبته للجمعة الأخيرة كانت مكررة لخطبة سابقة. لم ينتبه هو لها، ولا مساعده المؤذن، ولا المصلون. يبحث عن السبب الذي يجعلهم جميعاً غافلين عن الخطبة ومضمونها. فيعقد اجتماعات متكررة مع مساعده المؤذن. يشير عليه الأخير بأن يطور من أسلوب أدائه ومضمون خطبته، ويحثه على أن يميل إلى التسامح. يشير عليه المؤذن أيضاً كي يستعين بمدرب يعلمه فن الأداء. يتلقى تدريباً مكثفاً على يد ممثل مسرحي، هو أفضل من وجدوه لهذه المهمة. بعد أن يتقن فن الإلقاء، يكتشف بأن الجامع الكبير الذي كان يطمح إليه قد أوكل لشيخٍ آخر أقل منه خبرة. يثور وينتفض على خُطبِ التسامح التي كان ينادي بها، وتتحول كلماته إلى جمراتٍ من نار على منبر الجمعة.
رابعاً، «هذا هو اسمي أدونيس» كتابٌ مرجعي لحوارٍ طويل مدته 7 ساعات، أجراه الإعلامي بيار أبي صعب مع الشاعر أدونيس، وتم بثه على حلقاتٍ ضمن مقابلة تلفزيونية. وهو يأتي بمثابة جردةٍ كاملة حول ما كان وما بقي، بعد سقوط المشروع الكبير المتمثل ببناء مجتمعات عربية حديثة وعصرية.
تَمثل التحدي الكبير المتعلق بهذا الكتاب الصادر عن «دار الآداب، في نقل الشفهي إلى المكتوب، أي في جعل النص يعيش في كتاب، وخصوصاً أن الحوار المُتلفز تم اختصاره لضرورات الوقت والمونتاج، على عكس الكتاب الذي نقل تفاصيل الحوار كاملاً، وصيغَ بفصحى جيدة مطعمة بالعامية، ووثق مسيرة أدونيس الطويلة التي بدأها منذ مغادرته سوريا إلى لبنان في الخمسينات، حاملاً معه حلم الحداثة ومشاريع التغيير، مُنظراً بجرأة حول مواضيع تتعلق بالسلطة والدين والمرأة، محاولاً إعادة اختراع الحداثة العربية من قلب التراث. يحيط الكتاب بجوانب عدة تتعلق بسيرة أدونيس، وسيرة بيروت، ومجلة شعر، ومراجع الشاعر الفكرية، وإعادة قراءته للتراث، وشعره بين الذهنية والحسية، فضلاً عن قضايا أخرى من بينها موقفه من الصراع في سوريا والمنطقة عموماً. يضم الكتاب أسطوانة «دي في دي» للحلقات المسجلة.
خامساً، عن «دار الجديد» التي تمتاز بإصداراتها المُنتقاة بعناية، حضرتُ توقيع الكاتب اللبناني وأستاذ العلوم الاجتماعية أحمد بيضون، «في صُحبة العربية». وهو كتاب من بين 3 كتب للمؤلف يتعلق بلغة الضاد، وفيه قدم خلاصة تجربته اللغوية، واشتباكه مع أصولها وواقعها الراهن، وتضمن مجموع مقالاتٍ كتبها خلال 10 سنوات تتقاطع حول موضوعاتٍ مشتركة.
سادساً، «قصة أسمهان» عن الدار نفسها، وضمن سلسلة «طبق الأصل» التي تعيد «دار الجديد» من خلالها إعادة طباعة كتبٍ ووضعها في التداول، بعد ما اختفت وفُقدت من الأسواق، من بينها كتاب «طه حسين الشعر الجاهلي»، وكتاب أدونيس «قالت الأرض».
ويأتي الكتاب من بين عشرة كتب صدرت عن السلسلة حتى اليوم، ويروي فيه فؤاد الأطرش شقيق أسمهان القصة المُلتبسة حتى اليوم، ويكتبها فوميل لبيب. وكان الكتاب قد صدر في طبعته الأولى في بيروت سنة 1962، من دون اسم ناشر أو عنوانه، ثم اختفى ولم يعد موجوداً، إلى أن أعادت «الجديد» طباعته مرة ثانية.
- الروائية علوية صبح: العودة إلى دوستويفسكي
أعود دائماً إلى روايات فيودورو دوستويفسكي. وربما هي المرة الخامسة التي أعاود فيها قراءته، فأنا أعتبره أباً للروائيين وملهماً لهم. وهكذا كلما قرأته أعود وأشعر كم أن هذا الكاتب بالنسبة لي هو المفضل عندي. قرأت «الأخوة كارامازوف» تكراراً، فهي تفتح لي آفاقاً وغنى في الرؤيا، لا يمكن تصورهما.
وأحببت ديوان الشاعر بول شاوول «حديقة الأمس». كتاب رائع. أحببت المستوى العالي من الشعرية والإحساس، وقدرة اللغة على الاختزال. وكيف تحولت المرارة إلى جمال ورعشة ولغة طازجة. معجم وجمل وحالات وقدرة على التعبير بتكثيف اللغة. هو استمرار لدواوينه السابقة ك«موت نرسيس» و«ميتة تذكارية» و«بوصلة الدم» لكنه شعر جميل فعلاً ومؤثر، في وقت صار فيه فن الشعر مهملاً. وأنا من الروائيين الذين يحبون قراءة القصائد والاستمتاع بها، فهي تمدني بالإلهام وتساعدني على الوصول إلى الصفاء الروحي والذهني والدخول في حيوات أخرى أحتاجها، كما أجد حاجة إلى سماع الموسيقى بشكل يومي. قد تكون لدي هذه الحاجة لأنني بدأت شاعرة، وعلاقتي بالشعر لا تزال حميمة جداً.
وأحببت أيضاً رواية عبده وازن «البيت الأزرق». فاجأني بقدرته الروائية والحبكة والتشويق وفنيته العالية، كونه شاعراً ولم يوظف الرواية في خدمة الشعر، وإنما الشعر يذوب في صالح السرد الروائي، وفي اللغة السردية.
هي رواية جريئة تكشف وتضيء عوالم خفية بالنسبة للقارئ بشكل لا مواربة فيه.
- الكاتب والناقد المسرحي عبيدو باشا: «المخطوط القرمزي» لأنطونيو غالا
أعتقد أن كتاب السنة هو رواية «آلموت» لفلاديمير بارتول التي تمت ترجمتها أخيراً إلى العربية، بعد أن نقلت إلى لغات كثيرة. وهو نص قديم، يتحدث عن تجربة الحشاشين في العالم، وقائدهم حسن الصباح من خلال العودة إلى كتابات المستشرقين والرحالة الأوروبيين، وكيف ذهب الفتيان الذين كانوا معه إلى ارتكاب عمليات انتحارية، كل هذا بأسلوب قصصي مشوق وممتع. حقاً انه أحد الكتب الممتعة جداً التي تجدر قراءتها.
أما الكتاب الثاني فقد أعدت اكتشافه من جديد. كنت قد قرأته من قبل لكن هذه المرة كانت لي نظرة أخرى، وهو «الحروب الصليبية كما رآها العرب». وفي رأيي أنه أهم كتاب لأمين معلوف على الإطلاق. ولا أعتقد أنه كتب ما هو أهم منه، سواء لجهة التوثيق التاريخي، أو التشويق الروائي.
وهناك كتاب ثالث يستحق القراءة بالفعل وهو «المخطوط القرمزي» لأنطونيو غالا، وهو يعيد قراءة هزيمة الأندلس، بشكل يطيح بكل البروبغندا في الرواية المعروفة لدينا لغاية الآن. يعتمد غالا في كتابته على مخطوط تركه لنا أبو عبد الله الصغير، مسجلاً مذكراته في الأشهر الأخيرة قبل سقوطه. وهنا نرى علاقته بأمه التي نعرف مقولته الشهيرة عنها «ابكِ كالنساء على مُلك لم تحافظ عليه كالرجال»، وكيف أنها قالت له انزل إلى أول ضيعة لتري الإسبان كيف أنك قوي، فغرر به. أبو عبد الله الصغير كتب مذكراته على ورق قرمزي وهو جالس في القلعة وأعاد اكتشاف هذه المخطوطة أنطونيو غالا ليقدم لنا رواية مختلفة تماماً عن التي نعرفها، وحازت رواياته على جوائز كثيرة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.