احتجاجات الغضب تستقطب مدناً جديدة في السودان... والجيش على خط الأزمة

5 ولايات تعلن الطوارئ... والبشير يعقد اجتماعاً أمنياً... والحكومة تعترف بوجود أزمات... ومحتجو الرهد يحرقون مقرَّي الحزب الحاكم والأمن

TT

احتجاجات الغضب تستقطب مدناً جديدة في السودان... والجيش على خط الأزمة

تواصلت الاحتجاجات ضد الحكومة السودانية لليوم الرابع على التوالي، إذ استقطبت مدناً جديدة، منها مدينة «الرهد» بولاية شمال كردفان، التي شهدت لأول مرة مظاهرات عنيفة أحرق خلالها المحتجون عدداً من المراكز الحكومية. وارتفع عدد القتلى ليصل إلى 22 قتيلاً، فيما صدرت أوامر رسمية لقوات الجيش بحماية المناطق والمرافق الحيوية. ودخلت 4 ولايات جديدة دائرة إعلان «حال الطوارئ»، هي: الشمالية، ونهر النيل، والقضارف، وشمال كردفان، لتنضم إلى ولاية النيل الأبيض التي أعلنت هذا الإجراء، أول من أمس. وكان عدد من المدن قد أعلن الطوارئ، وحُظر التجول في ولايات أخرى خلال الأيام الماضية.
وتواصلت الاحتجاجات أيضاً في كلٍّ من بربر (شمال) والجزيرة أبابا (جنوب) لليوم الثاني على التوالي، والمظاهرات محدودة في كل من الخرطوم، والأُبَيِّض، والنهود (غرب). وقال شهود إن جماهير مدينة الرهد نظموا مظاهرة حاشدة نددت بالأوضاع الاقتصادية صباح أمس، طالبت بسقوط نظام الحكم، وإن المتظاهرين الغاضبين أحرقوا عدداً من المراكز الحكومية والرمزية في المدينة، ومن بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومكاتب جهاز الأمن، وديوانا الزكاة والضرائب، ومكاتب المرور، قبل أن تهدأ الأوضاع في منتصف النهار.
وفي مدينة الأبيض تجددت احتجاجات متفرقة في أنحاء مختلفة من المدينة، في أحياء «الرديف، والوحدة، والصالحين»، ولم تفلح في الوصول إلى مركز المدينة الذي تؤمِّن المنشآت الأساسية فيه قوات من الجيش، وتردد أن مدينة «النهود» غربي الولاية شهدت احتجاجات متفرقة للمرة الثانية منذ اندلاع الاحتجاجات، ولم تفلح الصحيفة في التأكد من حجمها وتدقيقها.
وأعلنت حكومة ولاية شمال كردفان التي تضم المدن الثلاث «الأبيض، والرهد، والنهود» أمس، حالة الطوارئ في الولاية، وعلقت الدراسة في المدارس والجامعات، وقال شهود إن سلطات الأمن أغلقت داخليات الطالبات في جامعة كردفان وأمرتهن بالخروج بالقوة إلى الشارع.
وفي ولاية النيل الأبيض، تجددت الاحتجاجات العنيفة في مدينة الجزيرة أبابا، التي تعد معقلاً لأنصار حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، عقب تشييع جثامين مواطنين قُتلوا في الاحتجاجات أول من أمس، وكانت الولاية التي شهدت احتجاجات في مدن ربك وكوستى والدويم، قد أعلنت حالة الطوارئ وعلقت الدراسة في المدارس والجامعات.
فيما أفاد شهود بأن مدينة بربر شمالي البلاد واصلت الاحتجاج لليوم الثالث على التوالي، دون ورود تفاصيل عن الأوضاع في المدينة. وعاشت مدينة «القضارف» شرقي البلاد هدوءاً حذراً، بعد أيام من احتجاجات عنيفة شهدتها المدينة، قُتل جراءها ستة أشخاص برصاص الشرطة.
وفي غضون ذلك أصدر الرئيس عمر البشير قراراً بتعيين العميد أمن مبارك محمد شمت والياً للولاية، بعد أن كان واليها السابق ميرغني صالح قد لقي مصرعه في حادث سقوط مروحية 9 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وكانت الولاية قد أعلنت حالة الطوارئ وتعطيل الدراسة منذ الخميس الماضي.
وشهدت العاصمة الخرطوم هدوءاً نسبياً، ما عدا احتجاجات متفرقة في منطقة الحاج يوسف شرق، بعد أن كانت قد شهدت احتجاجات عنيفة ليلة السبت، ورغم هدوء الأحوال النسبي، فإن السلطات في ولاية الخرطوم أعلنت تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات إلى آجال غير محددة، وأُخرج طلابها وطالباتها من المساكن الداخلية عنوة.
وحسب شهود، فإن ولاية الجزيرة القريبة من العاصمة الخرطوم، شهدت أمس، احتجاجات متفرقة على طول الطريق الرابط بينها وبين الخرطوم، وأن المواطنين قطعوا الطريق عند منطقة «ود راوة».
وبإعلان حالة الطوارئ في ولاية نهر النيل، يرتفع عدد الولايات المعلنة فيها 5 ولايات، من جملة ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، والتي تخضع سبع منها لحالة الطوارئ من قبل، إلى جانب أن حالة الطوارئ مفروضة في مدن «دنقلا، والقضارف، وعطبرة» في شمال البلاد.
من جهتها، أعلنت الحكومة السودانية إسناد حراسة المنشآت الحيوية إلى قوات الجيش السوداني، وأمّنت على استمرار تعليق الدراسة في البلاد، للحيلولة دون تواصل الاحتجاجات.
وقال مساعد الرئيس فيصل حسن إبراهيم، أمس، إن الرئيس البشير عقد اجتماعاً، أول من أمس (الجمعة)، ضم نائبيه ومدير جهاز الأمن ووزراء شؤون الرئاسة والدفاع والداخلية، ورئيس البرلمان، لبحث أزمة الاحتجاجات.
وحسب المسؤول البارز، فإن الاجتماع قرر تأمين المنشآت الحيوية بقوات من الجيش، وليس الشرطة أو الأمن، كما قرر استمرار تعليق الدراسة في كل مستوياتها، للحيلولة دون إحداث خسائر كبيرة وسط الطلاب وصغار السن.
واعترف الرجل الذي يعد الثاني في قيادة الحزب الحاكم بعد الرئيس البشير، بوجود أزمات في الخبز والوقود، لكنه نفى أن تكون أزمة السيولة وشح النقد راجعة إلى أن الحكومة «تحجب أموال الناس» حسب ما يتردد بين المواطنين العاجزين عن الحصول على نقد من حساباتهم المصرفية.
وقال: «المشكلة تكمن في نقص المخزون النقدي في بنك السودان، ونقص الدواء، وكل الأزمات اعترفت بها الحكومة وتعمل حالياً على حلها، لكن لن تُحلّ بين يوم وليلة»، وتابع: «لا يزال هناك استقرار سياسي وأمني في البلاد، والمظاهرات الاحتجاجية مشروعة ومقبولة، لكن ليس مسموحاً أن تتحول إلى عمل تخريبي».
وبتأثير من الاحتجاجات، أعلن الأمين العام لاتحاد المخابز جبارة الباشا، زيادة حصة المخابز من الطحين في ولاية الخرطوم بشكل دائم. وقال الباشا، حسب «سونا»، إن الخرطوم تستهلك 50 ألف جوال دقيق سعة 50 كيلوغراماً يومياً، وإن هناك عجزاً قدرة 7 آلاف جوال.
بدوره، أقر مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني صلاح عبد الله «قوش»، بعدم موضوعية أسباب أزمة الدقيق، وقال: «في يوم اندلاع الاحتجاجات لم يكن في عطبرة جوال دقيق مدعوم واحد، بسبب عدم وجود وقود الشاحنات، وهو نفس الأمر الذي حدث في مدينة بورتسودان، التي ناصفت عطبرة في إشعال شرارة الاحتجاجات».
وحسب «قوش»، فإن الأمن عاد للتدخل وتسلم حصص الدقيق الخاصة بولاية الخرطوم والولايات الأخرى بالتنسيق مع وزراء المالية بالولايات، ليشرف على سلامة توزيعها، محملاً الجهاز التنفيذي في الدولة المسؤولية عن أزمة الخبز.
وتلا الاحتجاجات إعلان حالة الطوارئ في ولاية النيل الأبيض (جنوب)، السبت، ليرتفع عدد الولايات السودانية المعلنة في بعض مدنها حالات طوارئ، عقب موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ الأربعاء، إلى أربع ولايات من جملة 18 ولاية.
ومنذ أشهر، يعاني السودان من أزمات حادة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، ومن تراجع غير مسبوق في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، إذ تجاوز سعر صرف الدولار الواحد 65 جنيهاً في ظرف ساعات.
ويواجه السودان إضافة إلى تلك الأزمات شحاً كبيراً في حصيلة العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، ما تسبب في مضاربات في العملات الأجنبية، هذا بالإضافة إلى الشح الكبير في السيولة وأوراق النقد لدى المصارف.
وانعكست الأزمات مجتمعة على المواطنين، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بشكل جنوني، وتحولت حياة الناس إلى صفوف متواصلة، فما إن يخرج المواطن من صف البنك لتسلم بعض نقوده، إلا ويتجه إلى صف الوقود ليقضي فيه سحابة يومه، ثم ينتقل إذا قُدِّر له الحصول على وقود، إلى صف الخبز.
وتعطلت كذلك حركة المواصلات العامة، وصار الوصول إلى أماكن العمل مهمة مرهقة، ومثلها العودة إلى المساكن بعد نهاية يوم العمل، وفي الغالب فإن المراقب يشاهد طوابير طويلة من المنتظرين لحافلات النقل العام، وطوابير أخرى من الذين قرروا العودة إلى منازلهم راجلين.
وتُرجمت هذه الأزمات إلى احتجاجات أشعلت شرارتها مدينتا عطبرة في شمال البلاد، وبورتسودان في شرقها، وانتقلت مثل نار في هشيم إلى معظم ولايات ومدن السودان الرئيسة.
ولم تضع الحكومة بمستوياتها الاتحادية والولائية حلولاً جذرية لأسباب الاحتجاجات، إذ لا تزال الخرطوم ومدن أخرى تشهد طوابير طويلة بانتظار الحصول على رغيف خبز، بينما لا يزال الكثير من شوارعها يحمل آثار احتجاجات أول من أمس (الجمعة).



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.