احتجاجات الغضب تستقطب مدناً جديدة في السودان... والجيش على خط الأزمة

5 ولايات تعلن الطوارئ... والبشير يعقد اجتماعاً أمنياً... والحكومة تعترف بوجود أزمات... ومحتجو الرهد يحرقون مقرَّي الحزب الحاكم والأمن

TT

احتجاجات الغضب تستقطب مدناً جديدة في السودان... والجيش على خط الأزمة

تواصلت الاحتجاجات ضد الحكومة السودانية لليوم الرابع على التوالي، إذ استقطبت مدناً جديدة، منها مدينة «الرهد» بولاية شمال كردفان، التي شهدت لأول مرة مظاهرات عنيفة أحرق خلالها المحتجون عدداً من المراكز الحكومية. وارتفع عدد القتلى ليصل إلى 22 قتيلاً، فيما صدرت أوامر رسمية لقوات الجيش بحماية المناطق والمرافق الحيوية. ودخلت 4 ولايات جديدة دائرة إعلان «حال الطوارئ»، هي: الشمالية، ونهر النيل، والقضارف، وشمال كردفان، لتنضم إلى ولاية النيل الأبيض التي أعلنت هذا الإجراء، أول من أمس. وكان عدد من المدن قد أعلن الطوارئ، وحُظر التجول في ولايات أخرى خلال الأيام الماضية.
وتواصلت الاحتجاجات أيضاً في كلٍّ من بربر (شمال) والجزيرة أبابا (جنوب) لليوم الثاني على التوالي، والمظاهرات محدودة في كل من الخرطوم، والأُبَيِّض، والنهود (غرب). وقال شهود إن جماهير مدينة الرهد نظموا مظاهرة حاشدة نددت بالأوضاع الاقتصادية صباح أمس، طالبت بسقوط نظام الحكم، وإن المتظاهرين الغاضبين أحرقوا عدداً من المراكز الحكومية والرمزية في المدينة، ومن بينها مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ومكاتب جهاز الأمن، وديوانا الزكاة والضرائب، ومكاتب المرور، قبل أن تهدأ الأوضاع في منتصف النهار.
وفي مدينة الأبيض تجددت احتجاجات متفرقة في أنحاء مختلفة من المدينة، في أحياء «الرديف، والوحدة، والصالحين»، ولم تفلح في الوصول إلى مركز المدينة الذي تؤمِّن المنشآت الأساسية فيه قوات من الجيش، وتردد أن مدينة «النهود» غربي الولاية شهدت احتجاجات متفرقة للمرة الثانية منذ اندلاع الاحتجاجات، ولم تفلح الصحيفة في التأكد من حجمها وتدقيقها.
وأعلنت حكومة ولاية شمال كردفان التي تضم المدن الثلاث «الأبيض، والرهد، والنهود» أمس، حالة الطوارئ في الولاية، وعلقت الدراسة في المدارس والجامعات، وقال شهود إن سلطات الأمن أغلقت داخليات الطالبات في جامعة كردفان وأمرتهن بالخروج بالقوة إلى الشارع.
وفي ولاية النيل الأبيض، تجددت الاحتجاجات العنيفة في مدينة الجزيرة أبابا، التي تعد معقلاً لأنصار حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي، عقب تشييع جثامين مواطنين قُتلوا في الاحتجاجات أول من أمس، وكانت الولاية التي شهدت احتجاجات في مدن ربك وكوستى والدويم، قد أعلنت حالة الطوارئ وعلقت الدراسة في المدارس والجامعات.
فيما أفاد شهود بأن مدينة بربر شمالي البلاد واصلت الاحتجاج لليوم الثالث على التوالي، دون ورود تفاصيل عن الأوضاع في المدينة. وعاشت مدينة «القضارف» شرقي البلاد هدوءاً حذراً، بعد أيام من احتجاجات عنيفة شهدتها المدينة، قُتل جراءها ستة أشخاص برصاص الشرطة.
وفي غضون ذلك أصدر الرئيس عمر البشير قراراً بتعيين العميد أمن مبارك محمد شمت والياً للولاية، بعد أن كان واليها السابق ميرغني صالح قد لقي مصرعه في حادث سقوط مروحية 9 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وكانت الولاية قد أعلنت حالة الطوارئ وتعطيل الدراسة منذ الخميس الماضي.
وشهدت العاصمة الخرطوم هدوءاً نسبياً، ما عدا احتجاجات متفرقة في منطقة الحاج يوسف شرق، بعد أن كانت قد شهدت احتجاجات عنيفة ليلة السبت، ورغم هدوء الأحوال النسبي، فإن السلطات في ولاية الخرطوم أعلنت تعطيل الدراسة في المدارس والجامعات إلى آجال غير محددة، وأُخرج طلابها وطالباتها من المساكن الداخلية عنوة.
وحسب شهود، فإن ولاية الجزيرة القريبة من العاصمة الخرطوم، شهدت أمس، احتجاجات متفرقة على طول الطريق الرابط بينها وبين الخرطوم، وأن المواطنين قطعوا الطريق عند منطقة «ود راوة».
وبإعلان حالة الطوارئ في ولاية نهر النيل، يرتفع عدد الولايات المعلنة فيها 5 ولايات، من جملة ولايات البلاد البالغة 18 ولاية، والتي تخضع سبع منها لحالة الطوارئ من قبل، إلى جانب أن حالة الطوارئ مفروضة في مدن «دنقلا، والقضارف، وعطبرة» في شمال البلاد.
من جهتها، أعلنت الحكومة السودانية إسناد حراسة المنشآت الحيوية إلى قوات الجيش السوداني، وأمّنت على استمرار تعليق الدراسة في البلاد، للحيلولة دون تواصل الاحتجاجات.
وقال مساعد الرئيس فيصل حسن إبراهيم، أمس، إن الرئيس البشير عقد اجتماعاً، أول من أمس (الجمعة)، ضم نائبيه ومدير جهاز الأمن ووزراء شؤون الرئاسة والدفاع والداخلية، ورئيس البرلمان، لبحث أزمة الاحتجاجات.
وحسب المسؤول البارز، فإن الاجتماع قرر تأمين المنشآت الحيوية بقوات من الجيش، وليس الشرطة أو الأمن، كما قرر استمرار تعليق الدراسة في كل مستوياتها، للحيلولة دون إحداث خسائر كبيرة وسط الطلاب وصغار السن.
واعترف الرجل الذي يعد الثاني في قيادة الحزب الحاكم بعد الرئيس البشير، بوجود أزمات في الخبز والوقود، لكنه نفى أن تكون أزمة السيولة وشح النقد راجعة إلى أن الحكومة «تحجب أموال الناس» حسب ما يتردد بين المواطنين العاجزين عن الحصول على نقد من حساباتهم المصرفية.
وقال: «المشكلة تكمن في نقص المخزون النقدي في بنك السودان، ونقص الدواء، وكل الأزمات اعترفت بها الحكومة وتعمل حالياً على حلها، لكن لن تُحلّ بين يوم وليلة»، وتابع: «لا يزال هناك استقرار سياسي وأمني في البلاد، والمظاهرات الاحتجاجية مشروعة ومقبولة، لكن ليس مسموحاً أن تتحول إلى عمل تخريبي».
وبتأثير من الاحتجاجات، أعلن الأمين العام لاتحاد المخابز جبارة الباشا، زيادة حصة المخابز من الطحين في ولاية الخرطوم بشكل دائم. وقال الباشا، حسب «سونا»، إن الخرطوم تستهلك 50 ألف جوال دقيق سعة 50 كيلوغراماً يومياً، وإن هناك عجزاً قدرة 7 آلاف جوال.
بدوره، أقر مدير جهاز الأمن والمخابرات السوداني صلاح عبد الله «قوش»، بعدم موضوعية أسباب أزمة الدقيق، وقال: «في يوم اندلاع الاحتجاجات لم يكن في عطبرة جوال دقيق مدعوم واحد، بسبب عدم وجود وقود الشاحنات، وهو نفس الأمر الذي حدث في مدينة بورتسودان، التي ناصفت عطبرة في إشعال شرارة الاحتجاجات».
وحسب «قوش»، فإن الأمن عاد للتدخل وتسلم حصص الدقيق الخاصة بولاية الخرطوم والولايات الأخرى بالتنسيق مع وزراء المالية بالولايات، ليشرف على سلامة توزيعها، محملاً الجهاز التنفيذي في الدولة المسؤولية عن أزمة الخبز.
وتلا الاحتجاجات إعلان حالة الطوارئ في ولاية النيل الأبيض (جنوب)، السبت، ليرتفع عدد الولايات السودانية المعلنة في بعض مدنها حالات طوارئ، عقب موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ الأربعاء، إلى أربع ولايات من جملة 18 ولاية.
ومنذ أشهر، يعاني السودان من أزمات حادة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطهي، ومن تراجع غير مسبوق في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، إذ تجاوز سعر صرف الدولار الواحد 65 جنيهاً في ظرف ساعات.
ويواجه السودان إضافة إلى تلك الأزمات شحاً كبيراً في حصيلة العملات الأجنبية لدى البنك المركزي، ما تسبب في مضاربات في العملات الأجنبية، هذا بالإضافة إلى الشح الكبير في السيولة وأوراق النقد لدى المصارف.
وانعكست الأزمات مجتمعة على المواطنين، وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية بشكل جنوني، وتحولت حياة الناس إلى صفوف متواصلة، فما إن يخرج المواطن من صف البنك لتسلم بعض نقوده، إلا ويتجه إلى صف الوقود ليقضي فيه سحابة يومه، ثم ينتقل إذا قُدِّر له الحصول على وقود، إلى صف الخبز.
وتعطلت كذلك حركة المواصلات العامة، وصار الوصول إلى أماكن العمل مهمة مرهقة، ومثلها العودة إلى المساكن بعد نهاية يوم العمل، وفي الغالب فإن المراقب يشاهد طوابير طويلة من المنتظرين لحافلات النقل العام، وطوابير أخرى من الذين قرروا العودة إلى منازلهم راجلين.
وتُرجمت هذه الأزمات إلى احتجاجات أشعلت شرارتها مدينتا عطبرة في شمال البلاد، وبورتسودان في شرقها، وانتقلت مثل نار في هشيم إلى معظم ولايات ومدن السودان الرئيسة.
ولم تضع الحكومة بمستوياتها الاتحادية والولائية حلولاً جذرية لأسباب الاحتجاجات، إذ لا تزال الخرطوم ومدن أخرى تشهد طوابير طويلة بانتظار الحصول على رغيف خبز، بينما لا يزال الكثير من شوارعها يحمل آثار احتجاجات أول من أمس (الجمعة).



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.