اشتباكات بين الجيش اللبناني و«النصرة» تهدد بتمدد النزاع

مقتل 4 بينهم عسكريان وأنباء عن اختطاف 20 شرطيا لبنانيا

أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات بين الجيش اللبناني و«النصرة» تهدد بتمدد النزاع

أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)

أشعل توقيف الجيش اللبناني أحد قياديي جبهة النصرة المبايعين لأبو بكر البغدادي، في جرود بلدة عرسال البقاعية، فتيل المواجهات في البلدة وأطرافها مع تدفق مسلحين إلى البلدة من الحدود السورية اللبنانية وتمكنهم من أسر جنديين لبنانيين في جرودها، واقتحام مقر فصيلة تابعة لقوى الأمن الداخلي في البلدة.
وأدت المواجهات وعمليات «الكر والفر» التي قام بها المسلحون إلى مقتل جنديين اثنين بعد مهاجمة مراكز للجيش في محيط البلدة، على الرغم من استقدامه تعزيزات إضافية، إضافة إلى مدنيين اثنين من أهالي عرسال قتلا أثناء محاولتهما وعدد من أهالي البلدة منع المسلحين من اقتحام فصيلة للدرك في البلدة. وأفادت تقارير إعلامية باحتجاز عناصر الفصيلة في منزل المدعو مصطفى الحجيري، في عملية قد يكون الهدف منها مبادلة العناصر بالموقوف من جبهة النصرة، من دون صدور أي توضيح رسمي بشأنهم.
وتعهد الجيش اللبناني، في بيان قاسي اللهجة، بأنه «لن يسمح لأي طرف بأن ينقل المعركة من سوريا إلى أرضه، ولن يسمح لأي مسلح غريب عن بيئتنا ومجتمعنا بأن يعبث بأمن لبنان وأن يمس بسلامة العناصر من جيش وقوى أمن». وشددت قيادة الجيش، في بيان أصدرته، على أن «ما جرى ويجري اليوم يعد أخطر ما تعرض له لبنان واللبنانيون، لأنه أظهر بكل وضوح أن هناك من يعد ويحضر لاستهداف لبنان ويخطط منذ مدة للنيل من الجيش اللبناني ومن عرسال».
وجاء توقيف الجيش اللبناني للقيادي في جبهة النصرة بعد اشتباكات عنيفة في منطقة القلمون السورية المجاورة، بين مسلحي «النصرة» و«داعش» من جهة، والقوات النظامية و«حزب الله» من جهة أخرى، أسفرت عن مقتل 50 مقاتلا جهاديا على الأقل وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وشهدت أطراف بلدة عرسال والمناطق الجردية المحيطة بها تبادلا لإطلاق النار استمر لساعات، وتحديدا في منطقة وادي حميد، تردد صداه في البلدة السنية الواقعة في محيط ذي غالبية شيعية، والمعروفة بتعاطفها وتأييدها للمعارضة السورية. وتستضيف البلدة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، وتعرضت أحياء فيها ومناطق على أطرافها وفي جرودها مرارا للقصف من الطيران السوري منذ اندلاع النزاع في سوريا قبل أكثر من ثلاثة أعوام، علما بأنها تتشارك حدودا طويلة مع منطقة القلمون شمال دمشق، والتي سيطرت القوات النظامية و«حزب الله» على غالبيتها منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي. وتشكل جرود عرسال التي يصلها النازحون والمقاتلون من خلال معابر غير شرعية مكانا «للاستراحة وتجميع القوى» بالنسبة إلى المجموعات المسلحة، عدا عن كونها ممرا للأدوية والمواد الغذائية والسلاح الخفيف وجرحى المعارك.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الجيش اللبناني لاعتداءات في جرود عرسال، لكنها المرة الأولى التي تصل فيها الأمور إلى حد اقتحام مراكز أمنية وخطف عسكريين أثناء مرورهما بصهريج مياه تابع للجيش.
وبدأت شرارة المواجهات بعد إعلان الجيش توقيفه السوري عماد أحمد جمعة الذي اعترف، بحسب بيان للجيش «بانتمائه إلى جبهة النصرة»، ذراع «القاعدة» في سوريا، في حين بثت وسائل إعلام لبنانية تسجيلا صوتيا يعلن فيه مبايعة أبو بكر البغدادي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أمني لبناني قوله إن توقيف جمعة جاء بناء «على معلومات كانت في حوزة الجيش، وأحيل إلى الجهات المختصة وسيأخذ (ملفه) المجرى القانوني».
وتلا عملية توقيف جمعة، الذي وصفه أحد مقاتلي النصرة في عرسال لـ«الشرق الأوسط» بـ«أمير النصرة في لبنان»، تطويق مسلحين مراكز للجيش. وذكرت قيادة الجيش في بيانها أمس أن «مجموعة من المسلحين الغرباء من جنسيات مختلفة هاجمت مواقع الجيش ومراكزه في منطقة عرسال، مما أدى إلى وقوع عدد من الإصابات بين شهيد وجريح في صفوف العسكريين والمدنيين من أبناء البلدة الذين تضامنوا مع القوى العسكرية والأمنية ضد العناصر المسلحة التي كانت موجودة في البلدة».
وذكرت أن «المجموعات المسلحة شنت هجوما مركزا على منازل اللبنانيين من أهالي عرسال والمنطقة، التي يدافع عنها الجيش ويحمي أبناءها، وخطف المسلحون عددا من جنود الجيش وقوى الأمن الداخلي، وهم عزل في منازلهم يمضون إجازاتهم بين أهلهم، وأخذوهم رهائن مطالبين بإطلاق أحد أخطر الموقوفين لدى الجيش»، في إشارة إلى جمعة.
وشدد الجيش اللبناني، في بيانه، على أنه «لن يسمح بأن يكون أبناؤه رهائن، ولن يسكت على أي استهداف يطال الجيش وأبناء عرسال الذين وفر لهم الجيش الحماية وعزز وجوده في المنطقة، بناء على قرار مجلس الوزراء»، مشيرا إلى أن «المسلحين الغرباء أمعنوا في التعديات وأعمال الخطف والقتل والنيل من كرامة أبناء المنطقة». وقالت قيادة الجيش إن «الجميع مدعوون اليوم لوعي خطورة ما يجري وما يحضر للبنان وللبنانيين وللجيش، بعدما ظهر أن الأعمال المسلحة ليست وليدة الصدفة بل هي مخططة ومدروسة، والجيش سيكون حاسما وحازما في رده، ولن يسكت على محاولات الغرباء عن أرضنا تحويل بلدنا ساحة للإجرام وعمليات الإرهاب والقتل والخطف».
في المقابل، توعد أحد عناصر النصرة في عرسال، الذي عرف عن نفسه باسم «أبو زيد»، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، بـ«مزيد من الهجمات ضد الجيش اللبناني ما لم يطلق سراح أبو أحمد»، على حد تعبيره، في إشارة إلى الموقوف السوري عماد أحمد جمعة. وأشار أبو زيد، سوري الجنسية، إلى أن «الخطة الأمنية التي بدأت السلطات اللبنانية بتنفيذها منذ أشهر لم تثمر نتائجها، ذلك أننا نتنقل بسهولة عبر الحدود التي تحولت إلى معابر لنقل الجرحى والمقاتلين على حد سواء». وادعى أبو زيد أن الموقوف يشغل منصب «أمير الدولة في لبنان»، و«ليست هذه هي المرة الأولى التي يقصد فيها عرسال، إذ يتردد عليها عدة مرات شهريا وينام في خيام النازحين السوريين الموجودة في المنطقة». وأوضح أن «عملية توقيفه أتت بعد اشتباكات في بلدة الجبة السورية ووقوع إصابات في صفوف المقاتلين، مما اضطره للتوجه إلى عرسال ونقل جرحى إلى المشفى الميداني الموجود فيها، قبل أن يتم توقيفه على أحد حواجز الجيش».
وقال أبو زيد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن «عدد المقاتلين في جرود عرسال يقارب الثلاثة آلاف، وهم ينتمون إلى جبهة النصرة، لكنهم يعملون تحت إشراف أمير (داعش) أبو بكر البغدادي».
وأدت المواجهات إلى حالة من التوتر والهلع في صفوف البلدة، التي كان أهاليها حذروا في الآونة الأخيرة من استباحتها من قبل مسلحين سوريين يصولون ويجولون في شوارعها ويعتدون على أهاليها من دون رادع، مطالبين باتخاذ الجيش اللبناني تدابير حازمة لحمايتهم. ووصف شاهد عيان من أهالي البلدة لـ«الشرق الأوسط» الوضع في عرسال بأنه بات «صعبا ومخيفا»، لافتا إلى أن «أصوات القذائف والرصاص سمعت بعد ظهر أمس بشكل متقطع في أرجاء البلدة». وأشار إلى أن «الجميع يترقبون بحذر انعكاسات توقيف الجيش للمتهم السوري، ويتخوفون من ممارسات انتقامية إضافية من قبل مسلحي النصرة و(داعش)».
وقال الشاب، الذي رفض الكشف عن اسمه، إنه أوقف أمس على حاجز أمني تابع لمجموعات ملثمة وبحوزتها سلاح ثقيل، مشيرا إلى أن «الأهالي والنساء والأطفال يسلمون أمرهم للجيش اللبناني ويعطونه الضوء الأخضر للقضاء على الإرهاب ومحاسبة كل متهم متورط في أعمال غير شرعية».
ولاقت الاعتداءات على الجيش وعرسال تنديدا سياسيا واسعا والتفافا لدعم الجيش في إنجاز مهامه. فاعتبر رئيس البرلمان نبيه بري أن «هذا العدوان هو عدوان على كل لبنان وعلى كل اللبنانيين، وأن أي جرح في جغرافيا الوطن هو جرح في قلب لبنان». ودعا كل اللبنانيين إلى «توحيد صفوفهم خلف الجيش والقوى الأمنية لأن وحدتنا هي حصننا في مواجهة الإرهاب».
من جهته، اعتبر رئيس مجلس الوزراء تمام سلام أن «الجيش اللبناني في بلدة عرسال وجوارها يتعرض لهجوم من قبل جماعات مسلحة غير لبنانية، يتمّ التعامل معها بالحزم اللازم من قبل القوى العسكرية والأمنية المنتشرة هناك». وأكد أن «الدولة اللبنانية لن تسمح بفرض حالة من الفوضى الأمنية في أي منطقة لبنانية تحت أي ذريعة كانت، وأن الجيش سيتمكن بالتأكيد من إنهاء هذه الحالة الشاذّة المستجدّة، وإعادة الأمن والاستقرار إلى عرسال ومحيطها».
وطالب رئيس الحكومة الأسبق، رئيس كتلة المستقبل، فؤاد السنيورة «بضرورة انسحاب المسلحين السوريين من الأراضي اللبنانية ومن بلدة عرسال بالتحديد وانتشار الجيش وقف قتال (حزب الله) في سوريا»، مؤكدا «أهمية الالتفاف حول المؤسسة العسكرية المسؤولة عن أمن المواطن والدولة». وشدد الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان على «ضرورة وضع كلّ الخلافات السياسيّة والحسابات الضيقة جانبا»، محذرا «المجموعات المسلحة من مغبّة الاعتداء على المواطنين والعسكريين». وأكد أن «أهالي عرسال، كغيرهم من اللبنانيين، لن يغفروا لمن يعتدي عليهم وعلى جيشهم، وهم بغالبيتهم من أبناء المؤسسة العسكرية».
كما أدانت السفارة الأميركية في بيروت الاعتداء الذي تعرض له الجيش اللبناني في عرسال، مؤكدة دعمها له وللقوى الأمنية في حفظ الاستقرار.



«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
TT

«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الثالث مع تركيز القوات الحكومية اليمنية على تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتأمين طرق التقدم والامتداد نحو باب المندب والمخا، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من الجبهات، في وقت تكبّدت فيه الجماعة الحوثية خلال الأيام الثلاثة الأولى خسائر تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، خصوصاً في جبهة باب المندب، جرّاء الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وبينما لا يزال التقدم الحكومي متركزاً في مديرية ذوباب ومطارها ومحيطها على الساحل الغربي، برزت مديرية الوازعية، غرب تعز، باعتبارها الجبهة الأكثر ارتباطاً بأمن هذا التقدم، إذ تخوض «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» معاركها هناك للسيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على طرق الحركة وخطوط الإمداد.

وتأتي هذه العمليات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية، الاثنين الماضي، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية.

أطلقت قوات «درع الوطن» اليمنية عملية لتحرير مديرية الوازعية غرب تعز (إعلام عسكري)

وأعلنت قوات «درع الوطن» إطلاق عملية عسكرية واسعة لتحرير الوازعية، وقالت إنها حققت تقدماً وسيطرت على تلال استراتيجية مطلة على منطقة المنصورة، بالتزامن مع ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة لها واستهدفت موقعاً حوثياً في الجبهة، وأسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل عدد من عناصر الجماعة.

كما قالت القوات إن مدفعيتها استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في معسكر اللبنات الاستراتيجي بمحافظة الجوف شرقاً، ضمن العمليات المتزامنة التي تنفذها في إطار «فجر اليمن».

وتكتسب الوازعية أهمية خاصة في حسابات المعركة، ليس فقط باعتبارها هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وإنما لكونها منطقة جبلية مرتفعة تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل.

وحسب محللين عسكريين، فإن التقدم مباشرة نحو المخا وترك المرتفعات الحوثية في الوازعية خلف القوات المتقدمة كان سيتيح للجماعة شن هجمات مباغتة من الجبال، وقطع طرق الإمداد أو تهديد القوات من الخلف، بما يحوّل التقدم الساحلي إلى عبء عسكري بدلاً من أن يكون مكسباً قابلاً للتثبيت.

ولهذا تبدو السيطرة على الوازعية، بالنسبة إلى القوات الحكومية، جزءاً من معركة تأمين الساحل قبل توسيع نطاق التقدم فيه؛ إذ إن إغلاق المرتفعات والسيطرة على التلال المشرفة على الطرق الخلفية يحدّ من قدرة الحوثيين على المناورة والنزول باتجاه الساحل، ويؤمّن خطوط الإمداد للقوات المتقدمة.

جبهات تحت الضغط

في قطاع مديرية ذوباب، ظل التقدم الحكومي متركزاً في المدينة ومطارها ومحيطهما، من دون إعلان جديد عن انتقال ثابت لمواقع السيطرة خلال الساعات الأخيرة.

وقالت «قوات العمالقة الجنوبية» إنها كسرت هجوماً حوثياً على مواقعها في قطاع المطار، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وتتصل أهمية ذوباب بالسيطرة على المدخل الجنوبي للساحل الغربي، وبموقعها القريب من «باب المندب»، ما يجعل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها فيها خطوة أساسية قبل أي توسع باتجاه المخا.

قوات من «ألوية العمالقة» في أثناء هجومها على الحوثيين بالقرب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية كسر هجمات حوثية على جبهة الصلو في الجنوب الشرقي، فيما ظلت مناطق قدس وبني يوسف مناطق قتال. كما أعلنت «درع الوطن» كذلك إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي بالجبهة الغربية لمدينة تعز، في تطور يضيف إلى شبكة المواقع المرتفعة التي تسعى القوات الحكومية إلى تأمينها ضمن عملياتها في تعز.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات تواصل استهداف تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن»، مؤكداً أن معركة استعادة الدولة مستمرة.

وأضاف النزيلي أن رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقوم على توفير الأمان للمواطنين، وإتاحة العفو والعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، قائلاً إن الفرصة لا تزال قائمة أمام من يختار وطنه «قبل فوات الأوان».

وفي السياق ذاته، أشاد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بما وصفها بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية في أكثر من جبهة، وشدد على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

واستمع العقيلي إلى تقييم للموقف الميداني والمهام المنفذة على امتداد خطوط المواجهة، ووجّه بمواصلة العمليات وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق والمتابعة الميدانية.

خسائر الحوثيين

حسب المعطيات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية خلال الأيام الثلاثة الأولى، فإن خسائر الحوثيين تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، في حصيلة نتجت عن الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وتتركز الخسائر الأشد، وفق هذه المعطيات، في جبهة باب المندب، حيث واجهت القوات الحكومية الحوثيين في اشتباكات مباشرة بالتزامن مع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتحركات وآليات الجماعة.

قوات «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» تقود عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وتعكس هذه الخسائر طبيعة المرحلة الجديدة من العمليات؛ فالقوات الحكومية اليمنية لا تكتفي، وفق ما تعلنه، بصد الهجمات الحوثية، وإنما تعمل على ضرب خطوط الإمداد والمواقع العسكرية، ودفع الجماعة إلى التراجع عن مواقعها الأمامية، بالتزامن مع محاولة تأمين المرتفعات والطرق التي تحمي التقدم الساحلي.

وتؤكد القوات الحكومية أن «فجر اليمن» مستمرة على أكثر من محور، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، وأن هدفها المعلن يتجاوز استعادة موقع أو مديرية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.


نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
TT

نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)

أظهرت بيانات أممية حديثة أن النساء والأطفال يشكلون 75 في المائة من النازحين الجدد في اليمن، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري الحوثي، بينما لا تزال المساعدات تواجه قيوداً شديدة تحول دون الوصول إلى أعداد كبيرة من المتضررين.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط حجم الأسرة بين النازحين الجدد 3.8 فرد، مقارنة بنحو ستة أفراد بين الأسر النازحة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن عدداً من أفراد الأسر اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بصورة منفردة أو في مجموعات أصغر.

ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه عدد النازحين منذ الأول من أغسطس (آب) 200 ألف شخص، فيما وصل 3986 شخصاً إلى شرق أفريقيا، بينهم 3799 لاجئاً في أوبوك بجيبوتي، و187 لاجئاً صومالياً عادوا طوعاً من اليمن إلى بلادهم عبر برنامج العودة الطوعية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أسر يمنية شردها الحوثيون تعيش في العراء (إعلام محلي)

وحذرت الأمم المتحدة من اشتداد الأعمال القتالية خلال الأيام الأخيرة، رغم تسجيل تراجع في أعداد النازحين الجدد خلال الأسبوع الماضي.

ووفق البيانات، نزحت 2031 أسرة خلال الأسبوع الأخير، بانخفاض نسبته 39 في المائة مقارنة بالأسبوع السابق. واستقبلت تعز 54 في المائة من هؤلاء النازحين، تلتها لحج بنسبة 24 في المائة، ثم عدن بنسبة 10 في المائة.

ولا تشمل هذه الأرقام محافظة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما تعذر الرصد فيها منذ 9 سبتمبر (أيلول) بسبب القيود المفروضة على الوصول.

ويواجه أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن تراجعاً في إمكانية الوصول إلى خدمات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. ولم تتمكن المفوضية من الوصول إلى مخيم خراز للاجئين منذ 10 سبتمبر الماضي، بينما لا تزال أنشطة التسجيل والتوثيق معلقة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

فجوة الاستجابة

وقالت الأمم المتحدة إن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال مقيداً بشدة بسبب انعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات، وقيود الحركة.

ويؤثر استمرار إغلاق الطرق الرئيسية، وبينها الطريق الرابط بين عدن وصنعاء، في حركة المساعدات الإنسانية ووصولها إلى السكان المتضررين، فيما لا تزال الأنشطة معلقة في مواقع عدة على الساحل الغربي.

نازحون هربوا من بطش الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

وحتى الآن، قدمت المفوضية مساعدات نقدية طارئة إلى 442 أسرة نازحة حديثاً، من أصل هدف للاستجابة يبلغ 5000 أسرة. كما تلقت 143 أسرة أخرى مساعدات نقدية للمأوى.

واشترت المفوضية 1000 مجموعة من أدوات إصلاح الملاجئ، وبدأت توزيعها في أبين ولحج، بينما لا تزال عمليات التسليم إلى الحديدة وتعز معلقة بسبب انعدام الأمن.

ومن المنتظر وصول شحنة تضم 3000 مجموعة من مواد الإغاثة الأساسية إلى عدن في نحو 20 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تستهدف 3000 أسرة، وتشمل بطانيات وحصائر للنوم وناموسيات وأغطية بلاستيكية ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومجموعات للمطبخ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى الاستجابة المشتركة، قدم شركاء مجموعة تنسيق المأوى والأراضي والمواقع مساعدات لأكثر من 4300 أسرة، فيما وصل شركاء مجموعة الحماية إلى أكثر من 13.500 شخص عبر أنشطة شملت الرصد والتقييمات والإحالات وإدارة الحالات.

الأزمة تعبر البحر

لا تقتصر التداعيات الإنسانية للتصعيد اليمني على الداخل، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من الضغوط المتزايدة على جيبوتي، التي تستقبل أشخاصاً قادمين من اليمن، في وقت يواصل مهاجرون آخرون عبور أراضيها في طريقهم إلى اليمن ودول الخليج.

وقالت المنظمة إن أكثر من 3700 لاجئ يمني وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد عبور البحر الأحمر في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الاتجاه المقابل، تحاول مجموعة تضم أكثر من 500 مهاجر إثيوبي العودة إلى بلادهم، بينما دخل أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي بهدف مواصلة رحلتهم باتجاه اليمن.

طفلة يمنية نازحة تقف في مدخل مأوى مصنوع من القش شمال مدينة عدن (أ.ب)

وأبدت المنظمة قلقها إزاء أوضاع مهاجرين تقطعت بهم السبل في المناطق الصحراوية وعلى الطرقات، محذرة من تعرضهم للجفاف والإجهاد ونقص المياه والغذاء.

وتواصل فرق المنظمة تقديم المساعدات العاجلة، لكن الوصول إلى المحتاجين أصبح أكثر تعقيداً مع اعتماد أعداد متزايدة من المهاجرين على طرق ومسارات بعيدة عن الطرق الرئيسية، ما يزيد صعوبة الرصد والاستجابة.

وأكدت المنظمة أن السلطات الجيبوتية تحركت سريعاً لمواجهة التدفقات، غير أن اتساع حجمها وتنوع احتياجات القادمين يفرضان ضغوطاً كبيرة على الإمكانات المتاحة، داعية إلى دعم إضافي يشمل الوافدين من اليمن والمهاجرين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، إلى جانب المجتمعات المحلية التي تتحمل أعباء استضافتهم.


من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
TT

من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)

وسّع الحوثيون عمليات الاستيلاء المنظم على الممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي أحكمت سيطرتها عليها في الساحل الغربي اليمني بمحافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز، في ممارسات تعكس نهجاً يتعامل مع المدن ومرافقها الخدمية باعتبارها غنائم يجري الاستحواذ عليها ونقلها إلى مناطق نفوذ الجماعة.

وتجلّت أحدث هذه الممارسات في تفكيك ومصادرة معدات وألواح محطتي الطاقة الشمسية في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ونقلها إلى صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، ما حرم آلاف السكان من خدمة الكهرباء التي كانت تمثل شرياناً أساسياً لحياتهم اليومية، وفاقم معاناتهم في ظل تردي الخدمات وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادي غرسان المطري، الذي ينتحل صفة مدير كهرباء الحديدة، وجّه قبل أيام عناصر الجماعة بتفكيك منظومتي الطاقة الشمسية في حيس والخوخة، ونقل كامل مكوناتهما وأجهزتهما ومستلزماتهما الفنية على متن شاحنات كبيرة باتجاه صعدة.

الحوثيون استولوا على المساعدات الغذائية في المخا وأعادوا توزيعها مقابل الولاء (إعلام حوثي)

وبحسب المصادر، كانت المنظومتان توفران نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، وأسهمتا في تشغيل المنازل والتخفيف من معاناة السكان، لا سيما في المناطق الساحلية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، قبل أن تتحول معدات المشروعين إلى هدف لعملية مصادرة ونقل منظمة.

وتشير هذه الواقعة، وفق المصادر، إلى نمط أوسع من عمليات الاستيلاء التي تنفذها الجماعة بحق المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي بسطت سيطرتها عليها، حيث يجري حالياً تفكيك تجهيزات ومعدات وشبكات خدمية أخرى ونقلها إلى صعدة وصنعاء، بدلاً من إبقائها لخدمة السكان في مناطقها الأصلية.

اقتصاد الغنيمة

يرى ناشطون من أبناء الحديدة أن نقل منظومات الكهرباء من حيس والخوخة إلى صعدة يمثل نموذجاً لما وصفوه بـ«اقتصاد الغنيمة» الذي تتعامل به الجماعة مع المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكدين أن السكان يدفعون ثمن هذا السلوك بحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما تُكدّس الموارد في مراكز نفوذ الحوثيين.

وفي مديرية المخا الساحلية، كشفت مصادر محلية عن استمرار عمليات السطو والاستيلاء التي بدأتها الجماعة منذ الساعات الأولى لسيطرتها على المدينة، واستهدفت منازل ومرافق حكومية ومقار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (فيسبوك)

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة داهمت عشرات المنازل والشقق، خصوصاً في حي الحالي ومدينة الثاني من ديسمبر، واستولت على الأثاث والأجهزة المنزلية ومحتويات أخرى، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى خارج المدينة.

كما طالت عمليات النهب، حسب المصادر، مقرات حكومية، بينها مقر السلطة المحلية وفرع البنك المركزي اليمني في المدينة، حيث جرى الاستيلاء على محتوياتها ونقلها إلى جهات غير معلومة.

ولم تتوقف عمليات السطو عند المؤسسات والمنازل، إذ أفاد شهود عيان بأن دوريات حوثية شوهدت وهي تنقل بشكل متواصل كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من عدد من محال الجملة وسط مدينة المخا إلى خارجها.

وأفاد ناشطون محليون بأن عمليات الاستيلاء جرت تحت إشراف عناصر مجهولة يُعتقد بارتباطها بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجماعة.

تكسير ونهب في «التربة»

في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قالت مصادر محلية إن جماعة الحوثيين كررت النهج ذاته، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنازل مواطنين وقيادات مرتبطة بالحكومة اليمنية.

وأضافت المصادر أن عدداً من أصحاب المتاجر اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية مع دخول الجماعة، خشية تعرضها للنهب، لكن ذلك لم يمنع، وفق شهادات سكان، من استهداف بعضها بالقوة.

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة جنوب تعز (فيسبوك)

ووفق الشهادات، أقدمت عناصر الجماعة على كسر أبواب عدد من المتاجر المغلقة والاستيلاء على محتوياتها من السلع بالقوة، في إجراء قال السكان إنه جاء رداً على إغلاق أصحابها محالهم في أثناء دخول الجماعة إلى المدينة.

وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن نهج متكرر في الاستيلاء على الممتلكات والمرافق، يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة إلى تفريغ المدن من مقدراتها الخدمية والاقتصادية ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بما يفاقم معاناة السكان ويعمّق انهيار الخدمات.

ويحذر سكان وناشطون من أن استمرار هذه الممارسات سيحوّل سيطرة الجماعة على أي مناطق جديدة إلى عملية استنزاف ممنهجة لمواردها، في وقت يُترك فيه السكان أمام واقع أكثر فقراً وخدمات أقل، بينما تُنقل المعدات والممتلكات بعيداً عنهم لصالح مراكز النفوذ الحوثية.