اشتباكات بين الجيش اللبناني و«النصرة» تهدد بتمدد النزاع

مقتل 4 بينهم عسكريان وأنباء عن اختطاف 20 شرطيا لبنانيا

أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
TT

اشتباكات بين الجيش اللبناني و«النصرة» تهدد بتمدد النزاع

أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)
أفراد الجيش اللبناني يراقبون الأوضاع الأمنية عند نقطة تفتيش بمدخل بلدة عرسال الواقعة في شرق لبنان قرب الحدود السورية (أ.ف.ب)

أشعل توقيف الجيش اللبناني أحد قياديي جبهة النصرة المبايعين لأبو بكر البغدادي، في جرود بلدة عرسال البقاعية، فتيل المواجهات في البلدة وأطرافها مع تدفق مسلحين إلى البلدة من الحدود السورية اللبنانية وتمكنهم من أسر جنديين لبنانيين في جرودها، واقتحام مقر فصيلة تابعة لقوى الأمن الداخلي في البلدة.
وأدت المواجهات وعمليات «الكر والفر» التي قام بها المسلحون إلى مقتل جنديين اثنين بعد مهاجمة مراكز للجيش في محيط البلدة، على الرغم من استقدامه تعزيزات إضافية، إضافة إلى مدنيين اثنين من أهالي عرسال قتلا أثناء محاولتهما وعدد من أهالي البلدة منع المسلحين من اقتحام فصيلة للدرك في البلدة. وأفادت تقارير إعلامية باحتجاز عناصر الفصيلة في منزل المدعو مصطفى الحجيري، في عملية قد يكون الهدف منها مبادلة العناصر بالموقوف من جبهة النصرة، من دون صدور أي توضيح رسمي بشأنهم.
وتعهد الجيش اللبناني، في بيان قاسي اللهجة، بأنه «لن يسمح لأي طرف بأن ينقل المعركة من سوريا إلى أرضه، ولن يسمح لأي مسلح غريب عن بيئتنا ومجتمعنا بأن يعبث بأمن لبنان وأن يمس بسلامة العناصر من جيش وقوى أمن». وشددت قيادة الجيش، في بيان أصدرته، على أن «ما جرى ويجري اليوم يعد أخطر ما تعرض له لبنان واللبنانيون، لأنه أظهر بكل وضوح أن هناك من يعد ويحضر لاستهداف لبنان ويخطط منذ مدة للنيل من الجيش اللبناني ومن عرسال».
وجاء توقيف الجيش اللبناني للقيادي في جبهة النصرة بعد اشتباكات عنيفة في منطقة القلمون السورية المجاورة، بين مسلحي «النصرة» و«داعش» من جهة، والقوات النظامية و«حزب الله» من جهة أخرى، أسفرت عن مقتل 50 مقاتلا جهاديا على الأقل وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وشهدت أطراف بلدة عرسال والمناطق الجردية المحيطة بها تبادلا لإطلاق النار استمر لساعات، وتحديدا في منطقة وادي حميد، تردد صداه في البلدة السنية الواقعة في محيط ذي غالبية شيعية، والمعروفة بتعاطفها وتأييدها للمعارضة السورية. وتستضيف البلدة عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، وتعرضت أحياء فيها ومناطق على أطرافها وفي جرودها مرارا للقصف من الطيران السوري منذ اندلاع النزاع في سوريا قبل أكثر من ثلاثة أعوام، علما بأنها تتشارك حدودا طويلة مع منطقة القلمون شمال دمشق، والتي سيطرت القوات النظامية و«حزب الله» على غالبيتها منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي. وتشكل جرود عرسال التي يصلها النازحون والمقاتلون من خلال معابر غير شرعية مكانا «للاستراحة وتجميع القوى» بالنسبة إلى المجموعات المسلحة، عدا عن كونها ممرا للأدوية والمواد الغذائية والسلاح الخفيف وجرحى المعارك.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الجيش اللبناني لاعتداءات في جرود عرسال، لكنها المرة الأولى التي تصل فيها الأمور إلى حد اقتحام مراكز أمنية وخطف عسكريين أثناء مرورهما بصهريج مياه تابع للجيش.
وبدأت شرارة المواجهات بعد إعلان الجيش توقيفه السوري عماد أحمد جمعة الذي اعترف، بحسب بيان للجيش «بانتمائه إلى جبهة النصرة»، ذراع «القاعدة» في سوريا، في حين بثت وسائل إعلام لبنانية تسجيلا صوتيا يعلن فيه مبايعة أبو بكر البغدادي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر أمني لبناني قوله إن توقيف جمعة جاء بناء «على معلومات كانت في حوزة الجيش، وأحيل إلى الجهات المختصة وسيأخذ (ملفه) المجرى القانوني».
وتلا عملية توقيف جمعة، الذي وصفه أحد مقاتلي النصرة في عرسال لـ«الشرق الأوسط» بـ«أمير النصرة في لبنان»، تطويق مسلحين مراكز للجيش. وذكرت قيادة الجيش في بيانها أمس أن «مجموعة من المسلحين الغرباء من جنسيات مختلفة هاجمت مواقع الجيش ومراكزه في منطقة عرسال، مما أدى إلى وقوع عدد من الإصابات بين شهيد وجريح في صفوف العسكريين والمدنيين من أبناء البلدة الذين تضامنوا مع القوى العسكرية والأمنية ضد العناصر المسلحة التي كانت موجودة في البلدة».
وذكرت أن «المجموعات المسلحة شنت هجوما مركزا على منازل اللبنانيين من أهالي عرسال والمنطقة، التي يدافع عنها الجيش ويحمي أبناءها، وخطف المسلحون عددا من جنود الجيش وقوى الأمن الداخلي، وهم عزل في منازلهم يمضون إجازاتهم بين أهلهم، وأخذوهم رهائن مطالبين بإطلاق أحد أخطر الموقوفين لدى الجيش»، في إشارة إلى جمعة.
وشدد الجيش اللبناني، في بيانه، على أنه «لن يسمح بأن يكون أبناؤه رهائن، ولن يسكت على أي استهداف يطال الجيش وأبناء عرسال الذين وفر لهم الجيش الحماية وعزز وجوده في المنطقة، بناء على قرار مجلس الوزراء»، مشيرا إلى أن «المسلحين الغرباء أمعنوا في التعديات وأعمال الخطف والقتل والنيل من كرامة أبناء المنطقة». وقالت قيادة الجيش إن «الجميع مدعوون اليوم لوعي خطورة ما يجري وما يحضر للبنان وللبنانيين وللجيش، بعدما ظهر أن الأعمال المسلحة ليست وليدة الصدفة بل هي مخططة ومدروسة، والجيش سيكون حاسما وحازما في رده، ولن يسكت على محاولات الغرباء عن أرضنا تحويل بلدنا ساحة للإجرام وعمليات الإرهاب والقتل والخطف».
في المقابل، توعد أحد عناصر النصرة في عرسال، الذي عرف عن نفسه باسم «أبو زيد»، في اتصال مع «الشرق الأوسط»، بـ«مزيد من الهجمات ضد الجيش اللبناني ما لم يطلق سراح أبو أحمد»، على حد تعبيره، في إشارة إلى الموقوف السوري عماد أحمد جمعة. وأشار أبو زيد، سوري الجنسية، إلى أن «الخطة الأمنية التي بدأت السلطات اللبنانية بتنفيذها منذ أشهر لم تثمر نتائجها، ذلك أننا نتنقل بسهولة عبر الحدود التي تحولت إلى معابر لنقل الجرحى والمقاتلين على حد سواء». وادعى أبو زيد أن الموقوف يشغل منصب «أمير الدولة في لبنان»، و«ليست هذه هي المرة الأولى التي يقصد فيها عرسال، إذ يتردد عليها عدة مرات شهريا وينام في خيام النازحين السوريين الموجودة في المنطقة». وأوضح أن «عملية توقيفه أتت بعد اشتباكات في بلدة الجبة السورية ووقوع إصابات في صفوف المقاتلين، مما اضطره للتوجه إلى عرسال ونقل جرحى إلى المشفى الميداني الموجود فيها، قبل أن يتم توقيفه على أحد حواجز الجيش».
وقال أبو زيد في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن «عدد المقاتلين في جرود عرسال يقارب الثلاثة آلاف، وهم ينتمون إلى جبهة النصرة، لكنهم يعملون تحت إشراف أمير (داعش) أبو بكر البغدادي».
وأدت المواجهات إلى حالة من التوتر والهلع في صفوف البلدة، التي كان أهاليها حذروا في الآونة الأخيرة من استباحتها من قبل مسلحين سوريين يصولون ويجولون في شوارعها ويعتدون على أهاليها من دون رادع، مطالبين باتخاذ الجيش اللبناني تدابير حازمة لحمايتهم. ووصف شاهد عيان من أهالي البلدة لـ«الشرق الأوسط» الوضع في عرسال بأنه بات «صعبا ومخيفا»، لافتا إلى أن «أصوات القذائف والرصاص سمعت بعد ظهر أمس بشكل متقطع في أرجاء البلدة». وأشار إلى أن «الجميع يترقبون بحذر انعكاسات توقيف الجيش للمتهم السوري، ويتخوفون من ممارسات انتقامية إضافية من قبل مسلحي النصرة و(داعش)».
وقال الشاب، الذي رفض الكشف عن اسمه، إنه أوقف أمس على حاجز أمني تابع لمجموعات ملثمة وبحوزتها سلاح ثقيل، مشيرا إلى أن «الأهالي والنساء والأطفال يسلمون أمرهم للجيش اللبناني ويعطونه الضوء الأخضر للقضاء على الإرهاب ومحاسبة كل متهم متورط في أعمال غير شرعية».
ولاقت الاعتداءات على الجيش وعرسال تنديدا سياسيا واسعا والتفافا لدعم الجيش في إنجاز مهامه. فاعتبر رئيس البرلمان نبيه بري أن «هذا العدوان هو عدوان على كل لبنان وعلى كل اللبنانيين، وأن أي جرح في جغرافيا الوطن هو جرح في قلب لبنان». ودعا كل اللبنانيين إلى «توحيد صفوفهم خلف الجيش والقوى الأمنية لأن وحدتنا هي حصننا في مواجهة الإرهاب».
من جهته، اعتبر رئيس مجلس الوزراء تمام سلام أن «الجيش اللبناني في بلدة عرسال وجوارها يتعرض لهجوم من قبل جماعات مسلحة غير لبنانية، يتمّ التعامل معها بالحزم اللازم من قبل القوى العسكرية والأمنية المنتشرة هناك». وأكد أن «الدولة اللبنانية لن تسمح بفرض حالة من الفوضى الأمنية في أي منطقة لبنانية تحت أي ذريعة كانت، وأن الجيش سيتمكن بالتأكيد من إنهاء هذه الحالة الشاذّة المستجدّة، وإعادة الأمن والاستقرار إلى عرسال ومحيطها».
وطالب رئيس الحكومة الأسبق، رئيس كتلة المستقبل، فؤاد السنيورة «بضرورة انسحاب المسلحين السوريين من الأراضي اللبنانية ومن بلدة عرسال بالتحديد وانتشار الجيش وقف قتال (حزب الله) في سوريا»، مؤكدا «أهمية الالتفاف حول المؤسسة العسكرية المسؤولة عن أمن المواطن والدولة». وشدد الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان على «ضرورة وضع كلّ الخلافات السياسيّة والحسابات الضيقة جانبا»، محذرا «المجموعات المسلحة من مغبّة الاعتداء على المواطنين والعسكريين». وأكد أن «أهالي عرسال، كغيرهم من اللبنانيين، لن يغفروا لمن يعتدي عليهم وعلى جيشهم، وهم بغالبيتهم من أبناء المؤسسة العسكرية».
كما أدانت السفارة الأميركية في بيروت الاعتداء الذي تعرض له الجيش اللبناني في عرسال، مؤكدة دعمها له وللقوى الأمنية في حفظ الاستقرار.



اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

اليمن يحصر السلاح... وأميركا تدعم «الحوار»

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أمس، أن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلّم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة، وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

من جانبه، أكد محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مستوى التنسيق مع السعودية «عالٍ جداً»، منوهاً بحسمها مسألة إخراج قوات «المجلس الانتقالي» من المحافظة خلال وقت قياسي، والتزامها توفير الغذاء والحوافز، وتقديمها وعوداً بتنفيذ حزمة مشروعات كبيرة لتطوير البنية التحتية.

وقال الخنبشي إن الأوضاع في حضرموت بدأت تعود إلى طبيعتها، وشدَّد على أن المحافظة «يجب أن تكون رقماً سياسياً فاعلاً في أي تسوية مقبلة»، لافتاً إلى لقاءات سيجريها مع مختلف المكونات السياسية والاجتماعية فيها خلال الأيام المقبلة؛ للتوافق على رؤية موحدة تمثلهم في «مؤتمر الحوار الجنوبي» الذي تستضيفه الرياض قريباً.

من جهته، أكد السفير الأميركي لدى اليمن، ستيفن فاغن، دعم بلاده إجراء «الحوار الجنوبي» الشامل، وأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار، وذلك خلال اجتماع مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.


العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».