تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

فتحي إمبابي و«عرسه» الدامي

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد
TT

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

تحولات المجتمع العربي في مرآة السرد

يشكِّل «صراع الإرادات» محوراً مركزياً في رواية «العرس» للروائي فتحي إمبابي، ويحدد مسارات السرد والشخوص، سواء في تشابكها مع واقعه العائلي الخاص، أو مع السياق الخارجي العام، حيث فضاء الواقع الليبي، بين مطرقة الماضي وسندان الحاضر، المتطلع إلى خُطا أكثر ثباتاً وقوة نحو المستقبل، خصوصاً بعد طفرة للنفط وقيام ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)، ما أحدث ربكة وخلخلة في بنية المجتمع، انقلب على أثرها السلم الطبقي رأساً على عقب، فيما ظهرت طبقة جديدة صعدت بقوة إلى عالم المال والثروة، مستغلَّة وتيرة المتغيرات السريعة المتلاحقة في المجتمع.
يكرس هذا الصراع لفكرة الاستقلال بالقوة عن ما يمكن أن أسميه بـ«القوى الكابحة» أو المعطِّلة، حتى لو أدى ذلك إلى البطش بها، بداية من سلطة الأب والعائلة والمجتمع حتى العلاقات الزوجية، فالأشياء عادية ومستقرة تحت قشرة الإرث والأعراف، طالما تصب في صالح خدمة الإرادة الغاشمة الأقوى، التي يجسدها هنا «عمر» بطل الرواية الابن الأكبر لعائلة مفتاح البوزوي، الذي أصبح مثالاً على هذا الصعود المفاجئ.
خارج المظلَّة الليبية يمتد هذا الصراع سياسياً مجسِّداً أزمة النخبة العربية في صراعها من أجل الحرية بكل أشكاله: الراديكالي والحزبي، العلني والسري، ضد الأنظمة الفاسدة، وفي فترة السبعينات التي حفلت بكثير من الانتكاسات كان في صدارتها هزيمة 1967 وانهيار الحلم القومي، وما أعقبها من صدامات دامية بين القوى الطليعة وتلك الأنظمة، خصوصاً في سوريا ولبنان وفلسطين.
تشكل عائلة مفتاح البوزوي راعي الغنم، صحاب كسارة للحجارة في جبل درنة وشاحنة وحيدة، بسيرتها ومآلاتها وعلاقتها الأسرية المعقدة النواةَ الأساسية أو الرحم الأم لهذه الرواية... زوجتان وأربعة أبناء وفتاتان، أكبرهم عُمَر الشاب النافر، لم يكمل تعليمه بالمرحلة الثانوية، على عكس إخوته، ناصر وونيس وحميدة، حتى عائشة وصديقة.
يتمرد عمر على سلطة العائلة مجرباً مخاطرة اللعب مع الحياة في واقعه الليبي، الذي عاد إليه من لندن خاسراً حلمه في تعلُّم الطيران هناك. ويشكل الواقع الجديد بتحولاته السريعة المتلاحقة حافزاً للتعويض والانتقام من فشله في إكمال تعليمه.
تستعرض الرواية صعود نجم عمر في خطوط سردية شيقة، تلعب فيها تقنية المونتاج دوراً أساسياً في صنع حالة من التوازي والتقاطع والتجاور، والربط السلس بين مرايا الماضي والحاضر معاً، ليصبح ما يطرأ على العائلة من تحولات اجتماعية معادلاً رمزياً موازياً لما يحدث في الواقع الليبي، وخارجه أيضاً.
كخطوة أولى لحلم الثراء يؤسس عُمَر شركة عقارية مشتركة مع أحد معارفه من أصحاب الخبرة، وبحيل الدهاء والنصب، يخدعه ويعرض عليه الزواج من ابنته «ثريا» الشابة الجميلة، متخذاً الزواج قنطرة للبطش به والاستيلاء على الشركة، ويتحقق له ذلك، يتزوج وتؤول الشركة له وحده وسرعان ما تكبر وتتسع، حتى تُعد من أكبر ثلاث شركات للمقاولات في شرق ليبيا.
تحت مظلتها يدير عمر شبكة علاقات جهنمية متشعبة، مع الجيش ورجال السياسة والمال والبنوك، مستغلاً المناخ السائل من مضخة النفط... تجذب الشركة ببريقها خبراتٍ مهنيةً من جنسيات شتى، فيعمل فيها مهندسون ومهندسات، ورجال إدارة، وأرباب حرف، من مصر وسوريا، والسودان ولبنان وفلسطين، وغيرها.
تتحول الشركة إلى بوتقة، تشرئب فيها أحلام أصحاب الإرادات الصغرى، هؤلاء الغرباء الذين يعانون من الغربة عن الوطن، المشغوفين بأطماع الحياة، وفي الوقت نفسه يتحاشون انقلاباتها المباغتة، ولو بقليل من المذلة والمهانة.
تكشف وتيرة العمل بالمؤسسة مساحات مهمشة داخل النفوس، بفعل سطوة القوة، من أبرزها قمع الوعي بالذات، والوعي بالحب والكرامة، وحرية الاختيار... ما يدل على ذلك مشهد المهندسة «مريم» السورية التي تتصدى لصلف عمر صاحب المؤسسة، وترد الصاع صاعين على غروره وإهانته لها، كاشفة جهله وحماقته، مفضلة الاستقالة عن العمل تحت براثن سلطة غاشمة وفاسدة.
على العكس من ذلك تماماً يتسم موقف زوجها المهندس زياد، الذي يقبع في الظل، مبرراً الازدراء والإهانة بأنهما من الأشياء العابرة التي يجب أن يتحملها دون ضجر، حتى يحقق حلمه في الثراء، ويعود لبلاده.
في هذه الأجواء تلخص جملة عابرة، مفتاح شخصية عمر، واضعة إياه في خانة «السارق الأمهر»، حين يقول معلقاً على بعض السرقات الصغيرة التي تم اكتشافها داخل الشركة من بعض العاملين بها: «اللي عايز يسرق ييجي نعلمه كيف يسرق».
يستعرض عمر قوته تحت مظلة الثراء الفاحش، فينقل العائلة من مسكنها البسيط الفقير بالبادية، ويبني لها فيلا فخمة من عدة أدوار بموقع متميز بمدينة بني غازي، ويصبح هو رب العائلة، الذي لا ينازعه أحد، المسؤول عن مقدراتها، وإدارة دفة حياتها، كما يرى ويهوى، ووفقاً لمصالحه في المقام الأول؛ فهو صاحب القرار الأول والأخير، هنا وهناك، حيث يتحكم في مصائر عائلته والعاملين في شركته. يمكن أن نرصد في هذا السياق مشهد «العرس» (زواج شقيقة ناصر)؛ فهو الذي اختار له زوجته، وتكفَّل بكل مستلزمات العرس، جاعلاً منه كرنفالاً لاستعراض القوة والنفوذ.
تكشف اللعبة الروائية عن ذات ساردة (الكاتب نفسه) تتمتع ببصيرة كاشفة محنكة، قادرة على التوغل في أدغال النفس البشرية، وتعرية المتناقضات التي تحفّ بها زمنياً ومكانياً، مُسرِّبة في طوايا السرد أفكاراً تشارف الحكمة أحياناً، لها وقع الفلسفة، وخبرة التأمل في الحياة من زوايا خاصة... تتواتر هذه الخبرة داخل فصول الرواية على شكل كتل نصِّيّة، منبهة ومحفزة بأن خلف ما يجري في الواقع، أشياء أخرى أكثر درامية وتعقيداً تحتاج إلى بصيرة أبعد مما يجري.
فنرى عمر يلحُّ على زوجته بأن تخلع «الجرد» (اللباس الليبي التقليدي)، حتى تأخذ سُنّة المجتمع الجديد. يعلق الراوي على هذا التحول بنبرة تكسوها مسحة صوفية (ص57) قائلاً: «نحن في لحظة قد تدوم ساعة أو عدة سنوات، قد نشعر بالصفاء، إن جاز وجود هذا التعبير عن معنى السعادة، ورغم أن الجميع قد أفنى عمره في حرث حديقة صفائه الخاصة، التي يندر أن تؤتي ثمراً قط، كان الأديم الحقيقي لطبيعة تحولاتنا، النسيج الذي استلبناه من الخارج، الألياف السرطانية التي تشكل عقلنا الداخلي، لنمونا المستحدث، هي غير ذلك على الإطلاق، وإنما باطن صوفي من الاكتئاب النفسي، يحكم الجميع بلا استثناء».
وفي المعمار الفني تبرز آلية الوصف، بوصفها حجر الأساس، للربط بين مفاصل الرواية، وصراعات أبطالها الواضحة والمستترة. فالوصف ينساب في لغة سلسلة مكثفة، كفعل معايشة، متجاوزاً التوثيق العابر التقليدي لنثريات المكان والمشهد وما يعلق بهما من أشياء وعناصر، تدل على شكل الحياة وطريقة ممارستها، في لحظة ما، في زمن ما، كاسراً، في الوقت نفسه، حياد القارئ، وبتلقائية شديدة يشده إلى قلب الحالة والمشهد، وكأنه أصبح جزءاً من مكوناتهما، بل مشاركاً في صنعهما... يشارف هذا الفعل (فعل معايشة الوصف) على تخوم فنون كثيرة من الشعر والموسيقى والفن التشكيلي، كما تبرز خبرة الذات الساردة بجغرافيا المكان، والدمج بين العامية الليبية والفصحى، ما يجعل السرد بمثابة مرآة شفيفة تلتقط أدق التفاصيل من العادات والأعراف، مبرزة انعكاساتها على ذوات الشخوص، وما يعتمل داخلها من مشاعر وعواطف وانفعالات.
يتسم فعل الوصف بالحركة الدائبة، ففي بعض المشاهد يصبح وسيلة للقنص والوصول إلى الهدف بسلاسة مُغوِية خاصة في العلاقة مع الأنثى، بينما يصفو لذاته متحولاً إلى أنشودة شعرية شجية، حين يتعامل مع الطبيعة، خصوصاً في مشاهد رعي الغنم بالجبل الأخضر وألعاب الطفولة.
يتنقل العرس بطقوسه الكرنفالية بين فصول الرواية، صانعاً جسراً شفيفاً بين قوسَي البداية والنهاية، وتخفف مشاهد البحر بأفقه اللامترامي من فداحة العرس الدامي... البحر الذي يلوذ به ناصر، في لحظة أصبحت فيها حياته بمثابة مجهول لا ضفاف له، على أثر رسالة مربكة وقاتلة، تلقاها من عروسة قبل يومين من حفل الزفاف، ترجوه ألا يتزوج بها، قائلة: «أرجوك ارحم مسكينة»، لكن تحت وطأة الأعراف والتقاليد ومحنة الشرف، وأمام تهديد والدها وغضبه الضاري، تنفي علمها بالرسالة، وأن هناك من دَسَّها للوقيعة بين العائلتين.
يشد هذه الزمن الكابي الرواية إلى ذروة الصراع دراميّاً، ويتحول مشهد العرس إلى لحن جنائزي، كاشفاً عن قشرة عفنة بالداخل، تعري «عمر» رمز السطوة الغاشمة، وتجر الطبقة التي صعد إليها إلى الهاوية، لافتةً إلى زيفها، مهما تستَّرت بقشرة التقدم والحداثة، فهي طبقة لا تملك أن تستر عورتها التي صنعتها في نفسها، إلا بالمزيد من البطش والتخلف... فقدت «درية» العروس عذريتها، تحت وطأة زنا المحارم، على يد أخيها المراهق الصغير في لحظة طيش، وتوقَّف تعليمها الجامعي، بعد نمو بذرة طفل في بطنها.
ورغم المهانة التي تعرضت لها في ليلة الزفاف على يد ثلة من أقاربها، تكشف هذه النهاية عن مفارقة إنسانية شديدة الأهمية فناصر العريس المنفتح على الحياة المسلح بالعلم، ونال شهادة علمية من أميركا، يقرر التصالح مع قدره التراجيدي، عازماً على أخذ عروسه فوراً إلى إنجلترا، لتجري عملية إجهاض آمنة من حملها الشائن، بعدها يمنحها حرية الاختيار، إما أن تعيش معه، ويواصلان الحياة معاً في فضاء مغاير، وإما أن يُطلِقَها ويذهب كل طرف إلى سبيله. على عكس عمر صاحب النفوذ المتسلط، الذي دفع أخاه دفعاً إلى هذه الزواج، طمعاً في ثروة أبيها صاحب محال الجواهر، وجره إلى عالم المقاولات حتى يصبح في فلك سيطرته ونفوذه.
في هذه اللحظة السوداء المصيرية، وبينما ناصر مسلماً روحه وجسده لرذاذ البحر، متخذاً قراره بإنقاذ عروسه، مهما كان الثمن، يندفع عمر صاعداً إليها في حجرتها وهو يزمجر ويصرخ، مصمماً على طردها، وإلقائها في حوش والدها، لم تُثنِه رجاءات إخوته وتوسلاتهم، بأنه ليس من حقه ذلك، وأن الذي يقرره هو ناصر، تلمحه العروس، فتهرع إلى الحمام فاتحةً أنبوب الغازل وتشعل النار في جسدها.
إنه الصراع الخفي بين قِيَم الجهل والاستنارة، بين من يهتبل الحياة بالاغتصاب و«الفهلوة»، واللعب على مفارقات الأضداد العقيمة، ومن يحتفي بالروح ويحتمي، حتى بهشاشتها ولحظات ضعفها الإنساني النبيل، كطاقة حية في شرايين الأمل والحب... هكذا تتعفن الطبقة التي لا تملك مقومات أصيلة للحياة والوجود وتتحول أحلامها إلى مسلسل لا ينتهي من التشوه والقذارة.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
TT

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)
استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

يمكن تشبيه إدمان وسائل التواصل الاجتماعي بإدمان المخدرات أو السجائر. وبينما يدور جدل بين الخبراء حول الحد الفاصل بين الإفراط في الاستخدام والإدمان، وما إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب الإدمان، فلا شك أن الكثيرين يشعرون بأنهم لا يستطيعون التخلص من جاذبية منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» و«سناب شات» وغيرها، وفق ما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وتسعى الشركات التي صممت هذه التطبيقات جاهدةً لإبقائك مُلتصقاً بها لعرض الإعلانات التي تُدرّ عليها مليارات الدولارات. وقد تبدو مقاومة إغراء التصفح اللانهائي، وجرعات الدوبامين التي تُفرزها مقاطع الفيديو القصيرة، والشعور بالرضا عن الذات الذي تُوفّره الإعجابات والتفاعلات الإيجابية... وكأنها معركة غير متكافئة.

وتركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

إدمان أم لا؟ وما علاماته؟

تُعرّف الدكتورة آنا ليمبكي، الطبيبة النفسية في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية، الإدمان بأنه «الاستخدام القهري المستمر لمادة أو سلوك ما رغم الضرر الذي يلحق بالنفس أو بالآخرين».

وخلال شهادتها في محاكمة تاريخية تتعلق بأضرار وسائل التواصل الاجتماعي بلوس أنجليس، قالت ليمبكي إن ما يجعل منصات التواصل الاجتماعي مساحة للإدمان الشديد هو «إمكانية الوصول إليها على مدار الساعة، وبشكل غير محدود وسلس».

ويشكك بعض الباحثين في مدى ملاءمة مصطلح «الإدمان» لوصف الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة أن الشخص يجب أن يعاني من أعراض محددة. وتشمل هذه الأعراض رغبات قوية، وأحياناً لا يمكن السيطرة عليها، وأعراض انسحاب، لتُصنّف الحالة على أنها إدمان.

ولا يُعترف بإدمان وسائل التواصل الاجتماعي كاضطراب رسمي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع القياسي الذي يستخدمه الأطباء النفسيون وغيرهم من ممارسي الصحة النفسية لتقييم المرضى وعلاجهم. ويعود ذلك جزئياً إلى عدم وجود إجماع واسع النطاق حول تعريف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، وما إذا كانت المشكلات النفسية الكامنة تُسهم في الاستخدام المُفرط لها. لكن مجرد عدم وجود اتفاق رسمي حول هذه المسألة لا يعني أن الاستخدام المُفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لا يُمكن أن يكون ضاراً، كما يقول بعض الخبراء.

تقول الدكتورة لوريل ويليامز، أستاذة الطب النفسي في كلية بايلور الأميركية للطب: «بالنسبة لي، المؤشر الأهم هو شعور الشخص تجاه (الكمية) التي يستخدمها، وكيف يؤثر ذلك على مشاعره». وتضيف: «إذا اكتشف المستخدمون أنهم يتابعونها بكثرة لدرجة أنهم يفوتون أشياء أخرى قد يستمتعون بها، أو أموراً يحتاجون إلى الاهتمام بها، فهذا استخدام ضار. إضافةً إلى ذلك، إذا شعرتَ بعد استخدامها بالإرهاق والإنهاك والحزن والقلق والغضب بشكل متكرر، فهذا الاستخدام ليس جيداً لك».

بمعنى آخر، هل يؤثر استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي على جوانب أخرى من حياتك؟ هل تؤجل أعمالك المنزلية، أو عملك، أو هواياتك، أو وقتك مع الأصدقاء والعائلة؟ هل حاولت تقليل وقتك على وسائل التواصل الاجتماعي لكنك أدركت أنك غير قادر على ذلك؟ هل تشعر بالسوء حيال استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي؟

ويقول أوفير توريل، أستاذ إدارة نظم المعلومات في جامعة ملبورن الأسترالية، الذي درس استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لسنوات، إنه «لا يوجد اتفاق» حول مصطلح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي، لكن «من الواضح أننا نواجه مشكلة. ليس بالضرورة أن نسميها إدماناً، لكنها مشكلة، وعلينا كمجتمع أن نبدأ بالتفكير فيها».

نصائح للحد من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي

تقول ويليامز إنه قبل وضع حدود للتصفح، من المفيد فهم كيفية عمل منصات التواصل الاجتماعي والإعلانات لجذب المستخدمين. وتضيف: «فكّر في وسائل التواصل الاجتماعي كشركة تحاول إقناعك بالبقاء معها وشراء منتج أو خدمة، وضَعْ في اعتبارك أن هذه المعلومات ليست ضرورية، وقد لا تكون صحيحة. ابحث عن مصادر معلومات بديلة. وتذكر دائماً أنه كلما زاد عدد مرات رؤية معلومة ما، زادت احتمالية تصديقها».

ويقترح إيان أندرسون، الباحث في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، إجراء تغييرات بسيطة وفعّالة للحد من استخدام تطبيق التواصل الاجتماعي المفضل لديك. ويُعد تغيير مكان التطبيق على هاتفك أو إيقاف الإشعارات من «التدخلات البسيطة»، لكن أكثر الخيارات فاعلية، مثل عدم إدخال هاتفك إلى غرفة النوم أو غيرها من الأماكن التي تستخدمه فيها عادةً، قد تُساعد أيضاً.

أيضاً، يمكن للأدوات التقنية أن تساعد في الحد من الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية. وتحتوي أجهزة «آيفون» و«أندرويد» على أدوات تحكم مدمجة لتنظيم وقت استخدام الشاشة. وتتيح هذه الأدوات للمستخدمين فرض قيود عامة على فئات معينة من التطبيقات، مثل تطبيقات التواصل الاجتماعي أو الألعاب أو الترفيه، أو التركيز على تطبيق معين، من خلال تحديد الوقت المسموح باستخدامه فيه.


مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.