نتنياهو يهدد «حماس» بنقل الحرب من الضفة إلى القطاع

مشاريع استيطان ضخمة والمستوطنون يطالبون باغتيال أبو مازن

TT

نتنياهو يهدد «حماس» بنقل الحرب من الضفة إلى القطاع

إزاء الحرج الذي يصيب اليمين الحاكم من جرأة الشبان الفلسطينيين في تنفيذ عمليات مسلَّحة تصيب الجنود المرابطين والمدججين بالأسلحة، وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديداً مباشراً لقادة حركة «حماس»، بتسديد ضربات للحركة في قطاع غزة، رداً على عمليات الضفة الغربية، التي قُتِل خلالها ثلاثة إسرائيليين.
وقال نتنياهو في رسالة علنية لـ«حماس»: «لن يكون وقف إطلاق نار في غزة من دون وقف العمليات في الضفة». وفي الوقت نفسه، أقرَّ سلسلة عمليات استيطان ضخمة رداً على عمليات الضفة. لكن المستوطنين لم يكتفوا. وأقاموا مظاهرات طالبوا فيها علناً باغتيال الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن)، بحجة أنه يموّل الإرهاب.
وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد خرجت بتقارير توضح أن الشبان الفلسطينيين نفَّذوا عمليات نوعية جريئة للغاية، بلا خوف، وحتى بعد أن تم قمعهم وقتل عدد منهم واجتياح كثير من البلدات وإغلاق رام الله بالكامل، قام شبان بمهاجمة جنود إسرائيليين مدججين بالأسلحة. واعتبر رفاق نتنياهو في الحكومة، من حزبه «الليكود» وحزب المستوطنين «البيت اليهودي»، هذا الواقع الجديد دليلاً على فقدان إسرائيل قوة الردع. وتوجهوا إليه طالبين الرد بقسوة أكبر على العمليات الفلسطينية، بواسطة مشاريع استيطان كبيرة، والعمل ضد «حماس» في غزة، وقتل رموزها.
وفي ساعة متأخرة من الليل، عقد نتنياهو «جلسة مشاورات أمنية»، أصدر مكتبه في أعقابها بياناً أعلن فيه أنه أوعز باتخاذ الخطوات التالية: «تسريع هدم منازل منفذي العمليات الفلسطينيين ليتم ذلك في غضون 48 ساعة، ومواصلة الجهود لاعتقال منفذي العمليات والخلايا التي ينتمون إليها، وتوسيع رقعة الاعتقالات الإدارية بحق عناصر حركة (حماس) في الضفة الغربية والقدس، وتعزيز قوات الجيش في الضفة الغربية، وتشديد الحراسة على الطرقات في الضفة الغربية ونصب الحواجز فيها، وحصار مدينة البيرة، وسحب تصاريح العمل من عائلات منفذي العمليات ومساعديهم، وتسوية أوضاع آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة الغربية التي لم تتم بعد المصادقة عليها، والتوجه إلى المستشار القانوني للحكومة كي يتخذ الخطوات التي من شأنها السماح ببناء 82 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة (عوفرا)، التي قُتِل جندي على مدخلها».
لكن المستوطنين لم يكتفوا بهذه الخطوات، مع العلم بأن مشروع تسوية المباني يعطي الشرعية لنحو 25 ألف مستوطن ليبنوا بيوتاً في المستعمرات. وبدأوا سلسلة مظاهرات في الضفة الغربية اختتمت يوم أمس (الجمعة) في ساحة هرتسل بالقدس الغربية، على مقربة من بيت نتنياهو، بمشاركة أكثر من ألف متظاهر. وفي معظم هذه المظاهرات رفع المستوطنون ملصقات تحمل صورة الرئيس الفلسطيني وعليها شارة «هدف القنص» مطالبين: «ليُقتل ممولو الإرهاب». وفي عدة أماكن من الضفة الغربية انتشر المستوطنون في الشوارع، وراحوا يقذفون الحجارة على السيارات الفلسطينية، وكادوا يقتلون أحد سائقي السيارات الذي تلقى حجراً في زجاج سيارته الأمامي وهو يسير بسرعة. واعتدى شابان يهوديان على سائق الحافلة المقدسي، نضال فقيه، عندما علما بأنه عربي.
وكان المحللون الأساسيون في الإعلام الإسرائيلي قد تناولوا التدهور الجديد في مقالاتهم وتعليقاتهم وتحليلاتهم، وبدا أن هناك إجماعاً على رؤية العلاقة الوطيدة بين انفجار العمليات الفلسطينية وغياب الأفق السياسي من جراء جمود المفاوضات والاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، وكذلك في أعقاب إطلاق مشاريع الاستيطان من دون اعتراض أميركي أو أي ضوابط أخرى.
وكتب كبير محرري «يديعوت أحرونوت» ناحوم برنياع، أن نتنياهو لا يدير سياسة ذات أفق استراتيجي، ويحسب أنه يستطيع الاستمرار في الوضع القائم، ولذلك يفشل... «العبرة التاريخية محزنة وصعبة للهضم: العقوبات الجماعية تنجح في إبادة الإرهاب فقط في أنظمة الحكم التي تمارس الإبادة الجماعية (جينوسايد). وهذا أيضاً لفترة محدودة. وسياسة الاحتلال الإسرائيلية أقرب إلى سياسة الاستعمار البريطانية الذي حارب التنظيمات اليهودية وفشل. وعندما تمارس إسرائيل سياسة كهذه تجاه سكان غزة على سبيل المثال، فالنتيجة هي أنه لا يوجد ردع، وإنما عنف».
وأضاف أنه «ينبغي الاعتراف بأن اتباع سياسة معاكسة، يتم فيها الفصل ما بين الذين يريدون كسب الرزق والذين يريدون تنفيذ عمليات لا تمنع الإرهاب. والانتفاضة الأولى اندلعت في مثل هذه الأيام من ديسمبر (كانون الأول) 1987، فيما كان يتمتع الفلسطينيون بوضع اقتصادي جيد نسبياً. والخبراء لم يتوقعوها والسياسيون لم يلاحظوها. وهذا صحيح اليوم أيضاً: المال القطري يقنع (حماس) بإسكات النشاط عند السياج في غزة مؤقتاً، لكنه لا يمنعه من ممارسة الإرهاب في الضفة. وتوجد للإرهاب أسباب ودوافع ومنطق سياسي ودعم خارجي. ولا يتم القضاء على الإرهاب بمنع المال ولا بوقف ضخ المال. إما يغيرون قواعد اللعبة من الأساس أو يتعلمون العيش معه، من دون عنجهية ومن دون خطاب تفجيري، وكجزء من واقع حياتنا في الشرق الأوسط».
وأكد برنياع أن «التعامل مع السلطة الفلسطينية مر بعدة تحولات منذ (اتفاق أوسلو). وبالإمكان تلخيص خطاب الحكومة (الإسرائيلية) هكذا: أبو مازن و(حماس) يعيشان من أجل مهمة واحدة: القضاء على إسرائيل. أبو مازن هو الشيطان الأكبر، فهو يمارس إرهاب سياسي ضد إسرائيل. و(حماس) هي الشيطان الأصغر. والهدف هو تخليد الوضع القائم - حكم «فتح» ضعيف في رام الله، وحكم «حماس» ضعيف في غزة. وتنمية العداء بينهما. وإذا كلّف ذلك ثمناً بجولة عنف في غلاف غزة مرة كل أربع سنوات أو موجات إرهاب دورية في الضفة، فليكلف. المهم عدم الحسم، وعدم هزّ السفينة، وعدم العودة إلى طاولة المفاوضات بأي حال».
وكتب كبير محرري «معاريف»، بن كسبيت، قائلاً: «عندما بدأ نتنياهو بالاستمتاع بالمظهر الزائف كوزير للأمن، التغطية الإعلامية لجولاته، اللباس غير الرسمي، الصور برفقة مقاتلي (كوماندوز) كأنهم عارضو أزياء، التصريحات القتالية، فيما رئيس أركان الجيش وقائد الجبهة الشمالية ورئيس (الشاباك) أو أي جنرال آخر يقف طائعاً إلى جانبه، كل هذه الأمور ذهبت هباء بدخان خلية واحدة عنيدة، يبدو أنها تابعة لـ(حماس)، وتتجول في رام الله، ولا تظهر أي خوف، وتنجح في خداعنا».
وأضاف: «نتنياهو يحصد العاصفة التي زرعها طوال ولايته. وهو يكتشف أن عدم معالجة مشكلة معينة، لا يزيلها عن جدول الأعمال ولا يخفيها عن الخارطة. وهو يكتشف أن التحذيرات المتكررة التي سمعها من رئيس أركان الجيش غادي آيزنكوت، ورئيس (الشاباك) ناداف أرغمان، وقائد الجبهة (الوسطى) ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، حول القابلية العليا لاشتعال الوضع في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، والتحذيرات من أن الوضع في غزة سينتشر في الضفة، والإنذار بأن لعبة الإذلال الخطيرة ضد أبو مازن، لم تكن نبوءات غضب، بل كانت تحليلات رصينة للوضع الميداني. نتنياهو سمع وفعل ما يفعله عادة في أوضاع كهذه. وهذا ما فعله مقابل مشكلة غزة. أي لا شيء. لا شيء، ثم لا شيء آخر يجلب عادة مصيبة».
وتابع كسبيت: «يجدر العودة إلى نص كلمات رئيس أركان الجيش التي قيلت في اجتماعات الكابينيت الأخيرة والمداولات السرية للجنة الخارجية والأمن في (الكنيست). فقد تحدث عن ذلك تماماً. لكن عندما تواصل إسرائيل تقوية (حماس) وإضعاف أبو مازن، الذي يحارب الإرهاب منذ اللحظة الأولى، ونأمل أن يستمر في محاربته، حتى اللحظة الأخيرة أيضاً، فإن هذا لعب بالنار. فالذي يرعى متطرفين، سيكتشف في النهاية أن المعتدلين انتهوا. وهذا ما حصل لنا الآن بالضبط». وحذر: «القضية الفلسطينية ستبقى هنا، ولن تذهب إلى أي مكان، وحتى إذا شددنا على استخدام القوة، واستمررنا في تشديدها، فإننا لن نخفيها. وفي أفضل الأحوال ستهدأ، ثم تعود لاحقاً بقوى متجددة. كيف أعرف ذلك؟ لأن هذا بالضبط الذي يحدث، بصورة دورية ثابتة تقريباً، منذ عشرات السنين».
ووصف كسبيت دعوات اليمين الإسرائيلي باستخدام مزيد من القوة بأنها «سخافات». وتابع أن «من يعدكم بأنه قادر بقوة الذراع على أن يجتث مشيئة شعب آخر، لا تصدقوه، إلا إذا كان اسمه فلاديمير بوتين. وما بإمكانه أن يفعله في الشيشان، لا يمكننا أن نفعله في رام الله. وللأسف، فإن من ينام مع الكلاب، يستيقظ مع الحشرات، والذي ينمِّي (حماس) في غزة، سيجدها لاحقاً في يهودا والسامرة أيضاً، وبعدها سيتلقى التنظيم (فتح) بوجهه ويفقد السيطرة. ونحن لسنا في الطريق إلى هناك، لكننا سنكون هناك في توقيت ما. وليس لدينا إلا أن نأمل أن رئيس الحكومة، يتقبل النصيحة ويجد الحل».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.