الفراغ الرئاسي {يلغي} الاحتفال بيوم الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ {الطائف}

ضباط يتخرجون بشهادات في غياب رئيس جمهورية يقلدهم السيوف

الفراغ الرئاسي {يلغي} الاحتفال بيوم الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ {الطائف}
TT

الفراغ الرئاسي {يلغي} الاحتفال بيوم الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ {الطائف}

الفراغ الرئاسي {يلغي} الاحتفال بيوم الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ {الطائف}

استبقت القيادة العسكرية احتفال لبنان اليوم بعيد الجيش التاسع والستين، بنشر إعلانات على الطرق وأخرى متلفزة، تبرر فيها إلغاء الاحتفال المركزي الذي دأبت على تنظيمه سنويا في الكلية الحربية ويتخلله تخريج الضباط الجدد، بشغور منصب الرئاسة المستمر منذ 25 مايو (أيار) الماضي.
ويشكل تقليد الرئيس اللبناني، بوصفه وفق الدستور اللبناني القائد الأعلى للقوات المسلحة، السيوف إلى الضباط الجدد الخريجين، المحطة الأبرز في احتفال عيد الجيش، الذي يجمع سنويا أركان الدولة وقياداتها العسكرية إضافة إلى نواب ووزراء وأعضاء السلك الدبلوماسي. ومع انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان نهاية شهر مايو الماضي، الذي كان لافتا توقيعه مرسوم ترقية الضباط الخريجين إلى رتبة ملازم، قبل نهاية ولايته، ثم فشل القوى السياسية في انتخاب رئيس جديد، ارتأى قيادة الجيش هذا العام إلغاء الاحتفال المركزي. وقررت الاستعاضة عن الحفل المركزي الموسع باحتفال مقتضب، يسلم خلاله قائد الجيش العماد جان قهوجي الضباط الخريجين شهادات تخرج عوضا عن السيوف، على أن تقام احتفالات مناطقية بعيد الجيش في الثكنات والمقرات العسكرية على كافة الأراضي اللبنانية.
وبرغم أن إلغاء الاحتفال المركزي بعيد الجيش لا يعد سابقة منذ تاريخ تأسيسه، لكنها المرة الأولى التي يصار فيها إلى إجراء مماثل منذ انتهاء سنوات الحرب الأهلية والتي تخللها في مرحلة منها التوقف عن تطويع تلامذة ضباط جدد. ويقول رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة العميد المتقاعد الدكتور هشام جابر لـ«الشرق الأوسط» إن «الظروف فرضت نفسها هذا العام نتيجة عدم وجود رئيس لتسليم السيوف»، موضحا أن هذا التقليد «يشكل البند الأساسي في الاحتفال، فإذا لم يكن تحقيقه ممكنا، فلا ضرورة لاحتفال مركزي يقتصر على عرض عسكري في ظل الظروف الأمنية والسياسية التي يعيشها لبنان».
ويشير جابر إلى أنه «لم تجر العادة أن سلم أحد سوى رئيس الجمهورية السيوف إلى الضباط الخريجين، باستثناء عام 1964. في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب، الذي لأسباب صحية، انتدب رئيس الحكومة حينها حسين العويني لتسليمها». ويستعيد جابر بعض المحطات التي لم يجر خلالها تنظيم احتفال مركزي وتقليد السيوف للضباط، كما جرى عام 1976 أثناء اندلاع الحرب الأهلية في عهد الرئيس سليمان فرنجية الذي أكمل ولايته خارج القصر الرئاسي بعد انتخاب خلف له هو الرئيس إلياس سركيس. وفي العام 1982. ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان لم يصر إلى تسليم السيوف الضباط الجدد، إذ جرى انتخاب ثم اغتيال الرئيس الأسبق بشير الجميل في شهر سبتمبر (أيلول)، علما بأنه قبل اتفاق الطائف، الذي أنهى سنوات الحرب الأهلية، درجت العادة على تقليد السيوف للضباط الجدد في شهر سبتمبر، ليصبح الأول من أغسطس (آب) موعدا ثابتا منذ اتفاق الطائف. وكانت قيادة الجيش اللبناني بثت فيديو مصورا (كليب) مذيلا في ختامه بشعار «نحنا الحق وأمل الناس»، يتضمن مشاهد تلخص استعداد الأهالي بفرح لتخرج أبنائهم من المدرسة الحربية، والضباط الخريجين وهم يلمعون سيوفهم، لكن استعداداتهم هذه تذهب سدى بعد إذ «بسبب شغور موقع رئاسة الجمهورية، ألغي الاحتفال المركزي لتقليد السيوف للضباط المتخرجين»، كما يرد في التسجيل الذي ينتهي بتلاوة أحد الضباط قسم الجيش اللبناني قائلا: «أقسم بالله العظيم أن أقوم بواجبي كاملا، دفاعا عن علم بلادي وذودا عن وطني لبنان».
ويواجه الجيش اللبناني تحديات كبرى منذ عام 2007. تاريخ مواجهاته مع تنظيم «فتح الإسلام» في مخيم نهر البارد الفلسطيني شمال لبنان. وساهمت الاغتيالات السياسية منذ العام 2005 في إضافة مهمات جديدة على عاتقه بعد أن بات الحامي الوحيد للشارع الداخلي في لبنان. كما اضطر خلال السنوات الأخيرة إلى مواجهة جماعات متشددة استهدفته خلال العامين الأخيرين بتفجيرات عدة، إضافة إلى مهمته الأساسية المتمثلة بحماية الحدود والتي فاقمت أزمة سوريا بتعقيدها. ويقول العميد المتقاعد هشام جابر في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن «تعابير عدة تستخدم لوصف الجيش على غرار «خط الدفاع الأخير» أو «صمام الأمان في لبنان»، مفضلا اعتباره «عمود الخيمة، الذي إن سقط فلا شيء يغطي الوطن». ويعرب عن اعتقاده بأن مؤسسة الجيش «قد تكون من المؤسسات الوحيدة التي تعمل بكافة طاقتها في حين أنها محرومة من حاجاتها، على صعيد العتيد والعتاد والمعنويات مع دعوات للانشقاق حينا وتوجيه اتهامات سياسية إليها حينا آخر، في حين يتمتع عناصره بكفاءة قتالية وعقيدة يتفوقون بها على أي جيش آخر».
على صعيد آخر، يصف جابر عمليات التطويع التي تحصل بـ«تطويع بالقطارة»، في إشارة إلى حصولها بشكل خجول، مراعاة للتوازن الطائفي المعتمد لناحية المناصفة بين المسيحيين والمسلمين. ويقول جابر في هذا الصدد: «إذا طلبت قيادة الجيش على سبيل المثال تطويع 5 آلاف عنصر جديد، يقدم 10 آلاف مسلم طلباتهم مقابل ألف مسيحي فقط»، مشيرا إلى ارتباط ذلك بـ«الرواتب غير المغرية وادعاء الدولة ألا ميزانية كافية لديها فيما أبواب الهدر والسرقات مشرعة». ويوضح أن «خدمة التجنيد الإجباري كانت تمد الجيش بدم جديد من خلال 5 آلاف عنصر سنويا، لكن بعد إلغائها منذ سنوات عدة، بات الجيش يعبئ الفراغات بصعوبة في ظل غياب التجنيد والتطويع». وفيما يتعلق بالعتاد، يذكّر العميد المتقاعد من الجيش اللبناني بالنقاش حول «وضع استراتيجية دفاعية جديدة في لبنان عمادها الجيش وتسليحه»، لكنه يستنتج أن «الواقع يظهر أن الخطة الخمسية التي أقرتها قيادة الجيش لتسليحه ومن ثم الهبة السعودية الكريمة (3 مليارات دولار أميركي)، لم تترجم عمليا بعد ولم يتسلم الجيش أي سلاح جديد، برغم أن الفرنسيين تسلموا المبالغ المقدمة من السعودية، لكنهم عمليا يحتاجون إلى إذن مسبق من إسرائيل قبل تسليم كل قطعة سلاح إلى لبنان»، بحسب جابر. ويشدد على أن «المطلوب، اليوم قبل الغد، إعداد خطة لتسليح الجيش بحرا وبرا وتعزيز سلاح دفاعه الجوي»، عادا أن «بناء جيش من دون غطاء جوي يجعل تدميره سهلا».
وفي موازاة تمنيه على القيادة «إبعاد السياسيين عن الجيش»، مبديا أسفه لوجود كوتة للسياسيين عند تطويع تلامذة ضباط، ما يحرم كفاءات عدة من الوصول، يشدد جابر على أنه «لا وطن في لبنان من دون جيش»، وبعد أن «كانت إسرائيل عدونا الأول، بات لدينا اليوم عدو آخر هو الإرهاب الذي يهدد لبنان بجذوره ويمكن أن يتغلغل في أي مكان».



الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.