غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تصادق على «ميثاق مراكش»

غوتيريش ينتقد «الأكاذيب الكثيرة» التي أحاطت بنصه

TT

غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تصادق على «ميثاق مراكش»

اعتمدت غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، أمس بمراكش جنوب المغرب، الميثاق العالمي للهجرة. وقال وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي ناصر بوريطة إن غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أيّدت ميثاقاً عالمياً غير ملزم يتعامل بشكل أفضل مع تدفق المهاجرين، رغم أن عدد الحكومات التي انضمت لتأييد الميثاق كان أقل من عدد الدول التي عملت على صياغته.
وأوضح بوريطة، الذي كان يتحدث في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي للهجرة، أن الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ومنتظمة «يعد عملاً سيادياً». وزاد قائلاً: «إذا كان البعض يعتقدون أن تعدد الأطراف ينافس السيادة، فإننا نظهر اليوم أن هذا الميثاق يعد في جوهره عملا سيادياً، إذ يشكل أداتها ودليلا على متانتها».
وسجّل أن تعدد الأطراف يظل الأداة الوحيدة للحوار والتعاون في مواجهة التحديات العالمية التي تفرضها الهجرة، إذ لا يتعلق الأمر بشأن بلد أو منطقة أو قارة، بل يعد ظاهرة تطال أفريقيا وأوروبا وأميركا على حد سواء، ويسائل الجميع بطريقة مختلفة، مشددا على أن هذا الاختلاف لا يعني تجاهل قضية الهجرة.
وأكد بوريطة أن المسؤولية اليوم تعد مشتركة، مجددا التأكيد على ضرورة العمل المشترك، معتبراً أن اختيار الإطار متعدد الأطراف الكوني لتجسيد هذا الوعي يعد دليلا على المرونة في التعامل مع قضايا الهجرة، وذلك من خلال المصادقة على الميثاق العالمي من أجل هجرات آمنة ومنظمة ومنتظمة.
وأشار بوريطة إلى أن المؤتمر التاريخي يعد تتويجا لمسار طويل من المفاوضات انطلق سنة 2016 من خلال تبني الأمم المتحدة لإعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين، مضيفاً أن المؤتمر يجسد انخراط المجتمع الدولي في مواجهة تحديات الهجرة.
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، فوصف في كلمة بالجلسة الافتتاحية للمؤتمر اللحظة بالمؤثرة، كونها «ثمرة جهود جبارة»، داعيا إلى عدم «الخضوع للمخاوف والسرديات الخاطئة» حول الهجرة. وانتقد غوتيريش «الأكاذيب الكثيرة» التي أحاطت بنص الميثاق الذي يسعى إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل «هجرة آمنة منظمة ومنتظمة. وقال غوتيريش إن «الهجرة ستظل دائما موجودة، ويجب أن يتم تدبيرها على نحو أفضل»، معتبراً الميثاق بمثابة «خارطة طريق من أجل تفادي المعاناة والفوضى ومن أجل تعزيز تعاون يكون مثمرا للجميع».
من جهتها، أشادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بميثاق الأمم المتحدة للهجرة، معتبرة إياه نقلة نوعية في السياسة الدولية للتعامل مع هذه القضية. وقالت ميركل أمس الاثنين عقب إقرار الميثاق بمراكش، إن هذا الأخير يعلن بوضوح الحرب على الهجرة غير الشرعية، ويكافح جرائم تهريب البشر. وذكرت ميركل أن الهجرة حركة طبيعية «وعندما تكون شرعية تكون أمرا جيدا»، مضيفة أن العمالة المهاجرة إلى ألمانيا تحقق أيضا الرخاء لبلدها.
وأشارت المستشارة الألمانية إلى أن تصرفات الدول منفردة لن تحل المشكلة، مؤكدة في ذلك على أهمية التعاون على المستوى الدولي، مضيفة أنه يمكن صياغة العولمة على نحو إنساني عندما يكون لجميع الدول في العالم إمكانيات عادلة للتنمية.
من جهتها، قالت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ماريا فرناندا إسبينوسا غارسيس، إن الميثاق العالمي للهجرة الآمنة والمنظمة والنظامية، يشكل «ردا عالميا على واقع لا يمكن مواجهته إلا بشكل جماعي بالنظر إلى كون الهجرة، تعد ظاهرة عابرة للحدود الدولية».
وأضافت غارسيس أن هذه الوثيقة «المرنة التي يمكن ملاءمتها مع حاجيات وأولويات ورؤية كل بلد»، تعتبر مناسبة للعمل بشكل فعال ومنسجم حول إحدى أكبر الظواهر التي يشهدها هذا القرن والمتعلقة بالاتجار في البشر، مضيفة أن الميثاق يمثل أيضا رؤية جماعية لمواجهة «الخطابات الداعية للكراهية والتمييز التي قد تترتب عنها استراتيجيات لا نرغب فيها».
وقالت المسؤولة الأممية: «إننا نعيش اليوم لحظة تاريخية لأننا نقدم صيغة ذات طابع إنساني للهجرة»، مؤكدة أن هذا المؤتمر يعكس بجلاء التعددية باعتبارها آلية ناجعة لرفع أحد التحديات الأكثر أهمية في العالم المعاصر، وهي الهجرة الدولية. وأشارت إلى أن المفاوضات كانت طويلة ومتعبة وشاقة، بيد أن الجهود المبذولة مكنت من التوصل إلى هذا الميثاق، معربة عن امتنانها للبلدان التي شاركت في هذه المفاوضات بروح بناءة ومنفتحة.
وأوضحت أنه ليس هناك مكان أكثر ملاءمة في العالم كالقارة الأفريقية وبالأخص المغرب، للانخراط في هذا الميثاق الذي أخذ من الآن اسم «ميثاق مراكش»، معربة عن امتنانها للحكومة المغربية لكرم استضافة هذا المؤتمر الذي يبصم لمرحلة بارزة في تاريخ الأمم المتحدة.
ولم يشهد مؤتمر مراكش تصويتا رسميا على ميثاق الهجرة الآمنة والمنظمة والمنتظمة. وسيخضع الميثاق لتصويت نهائي من أجل إقراره في 19 ديسمبر (كانون الأول) الجاري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
يذكر أن جميع الدول الأعضاء، وعددها 193 دولة، ما عدا الولايات المتحدة، وضعت في يوليو (تموز) اللمسات النهائية على الاتفاق من أجل تعامل أفضل مع ملف الهجرة.
ومنذ ذلك الحين، تعرض نص الاتفاق لانتقادات حادة من سياسيين أوروبيين ينتمي أغلبهم لليمين قالوا إنه قد يتسبب في زيادة الهجرة من أفريقيا ودول عربية.
ورفضت الميثاق 6 دول في الاتحاد الأوروبي على الأقل، أغلبها دول شيوعية سابقة من شرق أوروبا.
وكانت شيلي من أحدث الدول التي انسحبت من تأييد الميثاق الأحد، فيما انسحب أكبر حزب في الائتلاف الحاكم في بلجيكا من الحكومة بسبب خلاف بشأن الميثاق.
ونظم حزب التحالف الفلمنكي المعادي للهجرة السبت في بروكسل تجمعا للتنديد بالميثاق بحضور زعيمة اليمين الفرنسي المتشدد مارين لوبن، وستيف بانون، المستشار السابق للرئيس الأميركي دونالد ترمب. وبات ملف الهجرة ورقة انتخابية يرفعها الشعبويون في بلدان الاتحاد الأوروبي، مع اقتراب انتخابات برلمان التكتل المقررة في مايو (أيار) المقبل.
وجددت واشنطن الجمعة الماضي التعبير عن «رفض الميثاق وأي شكل من أشكال الحوكمة العالمية»، بعدما انسحبت من محادثات إعداده في ديسمبر (كانون الأول)2017، مؤكدة أن سياسة أهدافه «لا تنسجم مع القانون الأميركي وسياسة الشعب الأميركي ومصالحه».
وقال بيان حاد اللهجة للبعثة الدبلوماسية الأميركية لدى الأمم المتحدة إن «القرارات حول أمن الحدود في شأن من يتم السماح له بالإقامة قانونا أو الحصول على الجنسية، هي بين القرارات السيادية الأكثر أهمية التي يمكن أن تتخذها دولة ما».
وكثفت واشنطن تحركاتها في الأشهر الأخيرة للترويج لرؤيتها حول الميثاق لدى دول عدة خصوصا في أوروبا، بحسب دبلوماسيين من الأمم المتحدة.
وفي الشهر الماضي، قالت حكومة النمسا اليمينية التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، إنها لن تؤيد الميثاق نظراً لكونه يطمس الخط الفاصل بين الهجرة المشروعة وغير المشروعة. وقالت أستراليا أيضا الشهر الماضي إنها لن تؤيد الاتفاق بسبب تناقضه مع سياستها المتشددة حيال الهجرة وتشكيله تهديدا لأمنها.
وقدرت الأمم المتحدة عدد الحكومات التي سجلت مشاركتها في مؤتمر مراكش حتى مساء الأحد بأنه يفوق 150 دولة.
ويشكل الميثاق إطار عمل للتعاون بين الدول ويهدف إلى تقليل أعداد المهاجرين غير الشرعيين والمساعدة في دمج المهاجرين أو إعادتهم لبلادهم.
ويوجد نحو 258 مليون شخص مهاجر حول العالم، ما يمثل 3.4 في المائة من مجموع سكان العالم، وتمثل تحويلاتهم المالية نحو 450 مليار دولار، أي نحو 9 في المائة من الناتج الخام العالمي، بحسب أرقام الأمم المتحدة. ويعد مؤتمر مراكش محطة شكلية في هذا المسار.
ويتضمن نص الميثاق غير الملزم الواقع في 25 صفحة، مبادئ تتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال والاعتراف بالسيادة الوطنية للدول. ويقترح إجراءات لمساعدة البلدان التي تواجه موجات هجرة من قبيل تبادل المعلومات والخبرات ودمج المهاجرين، كما ينص على منع الاعتقالات العشوائية في صفوف المهاجرين وعدم اللجوء إلى إيقافهم سوى كخيار أخير.
ويرى المدافعون عن حقوق الإنسان أن مضمون النص يبقى غير كاف، مسجلين أنه لا يضمن حصول المهاجرين على المساعدة الإنسانية والخدمات الأساسية، كما لا يضمن حقوق العاملين من بينهم. وأعربت منظمة العفو الدولية عن أسفها لكون «تطبيق مقتضيات الميثاق يبقى رهن حسن نوايا الدول التي تدعمه ما دام غير ملزم».
في المقابل، يعتبر منتقدو الميثاق أنه يفتح الباب أمام موجات هجرة كثيفة لا يمكن التحكم فيها.
من جهتها، استغربت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المكلفة بشؤون الهجرة العالمية لويز أربور «الحجم الهائل من التضليل الذي يحيط بالميثاق وما يتضمنه، مع أنه لا يجعل الهجرة حقا ولا يحمل الدول أي التزامات». وقالت أربور خلال مؤتمر صحافي عقدته مساء الأحد بمراكش: «هذه الوثيقة ليست سرا ولغتها واضحة».
وشهدت العاصمة الكندية الأحد مواجهة أمام مقر البرلمان بين مدافعين عن المهاجرين ومتظاهرين يمينيين يعارضون الميثاق. وأكد رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو عزمه التوقيع على الميثاق، مذكرا بأن «الترحيب بالناس من جميع أنحاء العالم من خلال نظام هجرة صارم هو ما جعل كندا قوية، وفي الحقيقة هذا شيء يحتاجه العالم أكثر».
في غضون ذلك، تعذر على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تمثيل بلاده في المؤتمر، وكلف وزير دولة لدى وزير الخارجية بذلك، وسط معارضة للميثاق من اليمين واليمين المتشدد وبعض أعضاء حركة «السترات الصفراء» الذين تظاهروا للأسبوع الرابع على التوالي احتجاجا على السياسة الضريبية والاجتماعية في فرنسا.
وقال جان باتيست لوموان، كاتب الدولة (وزير دولة) لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، أمس بمراكش، إنه لم يسبق لبلاده قط أن فكرت في عدم حضور أشغال المؤتمر الدولي الحكومي حول الهجرة المنعقد حاليا بمراكش.
وقال لوموان، في تصريح صحافي، إن فرنسا بوصفها دولة تؤمن بتعدد الأقطاب على الساحة الدولية، «يتعين أن تكون هنا في هذه اللحظة المهمة وفي هذا الحدث الوازن». وأضاف أنه «رغم المغالطات التي تروج لها مارين لوبن وآخرون بشأن الميثاق العالمي حول الهجرة، فإن فرنسا لم تكن لتتخلف عن الحضور للمشاركة في هذا الحدث الكوني». وأشار إلى أن بلاده «تريد التحرك في إطار متعدد الأطراف لكون القرارات المنفردة لا تقدم حلولا»، مبرزا أن الميثاق العالمي لهجرة آمنة ومنتظمة ومنظمة، يشكل «آلية حقيقية تساعدنا على العمل سويا من أجل تفعيل عدد من الحلول والأجوبة الصائبة والناجعة والملموسة».
وعبر المسؤول الفرنسي عن الأسف لغياب دول ذات وزن على المستوى العالمي من قبيل الولايات المتحدة، وبعض القادة الذين قبلوا في البداية بمضامين الميثاق قبل أن يتراجعوا عن ذلك. وقال إن «الأهم أن نرى في هذا المؤتمر كثيرا من مسؤولي بلدان تحذوهم إرادة حسنة جاءوا لوضع إطار للعمل لإرساء حلول أفضل». وخلص بالقول: «لدي أمل في قدرة الدول على تفعيل هذا الميثاق بالنظر لحضور 95 في المائة منها هذا الحدث».



الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يتبنّون ثالث هجماتهم على إسرائيل خلال 5 أيام

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

تبنّى الحوثيون هجوماً باتجاه إسرائيل، الأربعاء، هو الثالث منذ إعلان انخراطهم في الحرب إلى جانب إيران، في تطور يعكس تزايد التنسيق بين أطراف ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران، ويشمل إلى جانب «حزب الله» اللبناني فصائل عراقية مسلحة بالإضافة إلى الحوثيين في اليمن.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أن أنظمة الدفاع الجوي تصدّت، فجر الأربعاء، لصاروخ أُطلق من اليمن باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مؤكداً أنه جرى اعتراضه دون تسجيل إصابات أو أضرار. وأوضح، في بيان، أن الرصد المبكر مكّن من التعامل مع التهديد، قبل أن يُسمح لاحقاً للسكان بمغادرة المناطق المحمية.

وتزامن ذلك مع إعلان الحوثيين تنفيذ عملية صاروخية جديدة، قالوا إنها استهدفت «أهدافاً حساسة» في جنوب إسرائيل، ضمن ما وصفوه بـ«معركة الجهاد المقدس»، مؤكدين أن الهجوم جاء بالتنسيق مع إيران و«حزب الله» اللبناني.

مسيرة حوثية أُطلقت من مكان مجهول باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

الهجوم الأخير يأتي عقب هجومَين السبت الماضي، تبنّت الجماعة خلالهما إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، في أول انخراط مباشر لها في مسار الحرب، في حين تحدثت إسرائيل عن اعتراض صاروخَين وطائرتَين مسيرتَين فقط.

وعلى الرغم من هذا التصعيد، يرى مراقبون أن التأثير العسكري لهذه الهجمات سيظل محدوداً، بالنظر إلى عدم قدرة الجماعة على إطلاق أعداد كبيرة ومتزامنة من الصواريخ.

وتشير تقديرات المراقبين إلى أن أقصى ما يمكن أن تحققه هذه العمليات هو استنزاف جزئي لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، التي تواجه بالفعل ضغوطاً نتيجة التعامل مع هجمات متعددة المصادر، بما في ذلك الصواريخ الإيرانية وهجمات «حزب الله».

تنسيق مشترك

إعلان الحوثيين أن عملياتهم نُفّذت «بالاشتراك» مع إيران و«حزب الله» يعكس مستوى متقدماً من التنسيق داخل المحور الداعم لطهران، وهو ما عزّزته تصريحات قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني، إسماعيل قاآني، الذي أشاد بما وصفه «الحضور في الوقت المناسب» لليمن في هذه المواجهة.

وفي رسالة موجّهة إلى الحوثيين، عدّ قاآني هذا الانخراط يعكس «تشخيصاً صائباً لتحولات المنطقة»، ويرتبط بمسار أوسع لما سمّاه «جبهة المقاومة الإسلامية» في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أشار إلى أن الدعم الإيراني سيستمر في مختلف ساحات المواجهة، في تأكيد إضافي على وحدة الموقف بين أطراف هذا المحور.

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

هذه التصريحات، التي حملت نبرة تصعيدية واضحة، تعكس سعي طهران إلى إظهار تماسك حلفائها، وإرسال رسائل ردع في مواجهة التحركات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

في المقابل، قدّمت الجماعة الحوثية مبررات لتدخلها العسكري، عبر رسائل بعث بها نائب وزير خارجيتها في حكومة الانقلاب، عبد الواحد أبو راس، إلى الأمم المتحدة، وعدد من الهيئات الدولية، أكد فيها أن هذا التدخل يأتي رداً على ما وصفه بـ«العدوان الأميركي-الإسرائيلي» على إيران ودول المنطقة.

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن قرار التدخل، الذي دخل حيز التنفيذ في 28 مارس (آذار) الماضي، يستند -حسب وصفه- إلى «المسؤولية الدينية والأخلاقية»، وإلى قواعد القانون الدولي، لافتاً إلى أن الهدف منه هو الضغط لوقف العمليات العسكرية في المنطقة، وليس توسيع نطاق التصعيد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها القتالية في باب المندب

جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)
جاهزية يمنية في مضيق باب المندب تحسباً لأي تطورات (إعلام محلي)

رفعت القوات الحكومية اليمنية مستوى الجاهزية القتالية في جزيرة ميون الاستراتيجية التي تقسم مضيق باب المندب إلى جزأين، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تهديدات محتملة لحركة الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بالعالم، بالتزامن مع إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في ميناء الحديدة مهامها بشكل نهائي بعد سنوات من العمل دون تحقيق اختراقات ملموسة.

ويأتي هذا التطور في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة بالمنطقة، مع انخراط جماعة الحوثيين في الصراع إلى جانب إيران، وتبنيها إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل؛ مما يثير مخاوف متصاعدة من انعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

وأكدت مصادر عسكرية يمنية لـ«الشرق الأوسط» أن القوات المرابطة في جزيرة ميون تلقت توجيهات برفع الجاهزية القتالية إلى أعلى مستوياتها، ضمن إجراءات احترازية لمواجهة أي تهديدات محتملة قد تستهدف المضيق الحيوي. وأوضحت المصادر أن هذه التوجيهات جاءت عقب رصد تحركات مريبة، من بينها محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة.

فنار إرشاد السفن في جزيرة ميون اليمنية وسط باب المندب (إعلام محلي)

ووفق هذه المصادر، فإن الطائرة، التي يُرجح أنها من طراز نقل عسكري، حاولت تنفيذ عملية هبوط مفاجئة، غير أن القوات الحكومية تصدت لها ومنعتها من الاقتراب؛ مما اضطرها إلى الانسحاب. ولم تُعرف هوية الطائرة حتى الآن، إلا إن التقديرات تشير إلى احتمال أنها كانت تقل عناصر بهدف تنفيذ عملية إنزال؛ مما يعكس حساسية الموقع الاستراتيجي للجزيرة.

وتحظى جزيرة ميون بأهمية استثنائية؛ نظراً إلى إشرافها المباشر على مضيق باب المندب؛ مما يجعل أي محاولة للسيطرة عليها أو اختراقها تهديداً مباشراً لأمن الملاحة الدولية، ويمنح الطرف المسيطر عليها قدرة على التأثير في حركة السفن العابرة.

مخاوف متصاعدة

تزامناً مع هذه التطورات، تتصاعد التحذيرات من احتمال استهداف الحوثيين حركة الملاحة في البحر الأحمر، خصوصاً في ظل سجلهم السابق في مهاجمة السفن خلال العامين الماضيين، في أثناء الحرب على قطاع غزة، عندما تعرضت سفن تجارية لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

ويُعدّ مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم؛ إذ يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتمر عبره يومياً كميات ضخمة من النفط والبضائع. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية، ويؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تهديد أمن الطاقة العالمي.

حشد في صنعاء دعا إليه زعيم الحوثيين لمساندة إيران (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات ملاحية إلى أن استمرار التهديدات في هذه المنطقة قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأعلى تكلفة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح؛ مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسواق العالمية.

إنهاء «بعثة الحديدة»

في موازاة ذلك، أعلنت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة، المعروفة باسم «أونمها»، إنهاء عملياتها رسمياً، بعد استكمال نقل مهامها إلى مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي.

وأوضحت البعثة أن فريقاً مشتركاً منها ومن مكتب المبعوث الأممي، برئاسة القائمة بأعمال رئيسها ماري ياماشيتا، عقد مشاورات مع ممثلي الحكومة اليمنية، ركزت على استعراض ما جرى تحقيقه من مهام، وترتيبات المرحلة الانتقالية؛ لضمان استمرار التنسيق بين الأطراف المعنية.

مغادرة بعثة الأمم المتحدة الحديدة بعد إنهاء مهمتها المتعثرة (إعلام محلي)

وكانت البعثة قد أُنشئت عقب الهجوم الذي شنته القوات الحكومية في عام 2018، ووصولها إلى مشارف مدينة الحديدة؛ بهدف مراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار في المدينة وموانئها، غير أن أداءها ظل محل انتقادات واسعة.

وتنظر الحكومة اليمنية إلى إنهاء مهمة البعثة بوصفه نتيجة طبيعية لفشلها في تنفيذ بنود الاتفاق، مشيرة إلى أن البعثة خضعت لقيود فرضتها جماعة الحوثيين؛ مما حدّ من قدرتها على التحرك والمراقبة الميدانية.

وكانت الحكومة قد سحبت ممثليها من لجان المراقبة في أبريل (نيسان) 2020، عقب مقتل أحد ضباطها المشاركين في فرق التنسيق برصاص الحوثيين داخل مدينة الحديدة، في حادثة زادت من تعقيد مهمة البعثة وأضعفت ثقة الحكومة بجدواها.

كما طالبت السلطات اليمنية مراراً بنقل مقر البعثة إلى خارج مناطق سيطرة الحوثيين؛ لضمان حرية حركتها، إلا إن الأمم المتحدة لم تستجب لهذه المطالب؛ مما أدى، وفقاً للمصادر الحكومية، إلى تقليص فاعلية البعثة وتحويلها إطاراً شكلياً أكثر منه عملياً.


كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.