ليبيا: وساطة إيطالية جديدة للجمع بين السراج وحفتر

إعلان حالة «القوّة القاهرة» في حقل «الشرارة» النفطي

السراج وحفتر
السراج وحفتر
TT

ليبيا: وساطة إيطالية جديدة للجمع بين السراج وحفتر

السراج وحفتر
السراج وحفتر

كشفت إيطاليا، أمس، عن محاولة وساطة جديدة تبذلها للجمع بين فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية، والمشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي في روما، خلال الأسبوع الجاري، بينما أعلنت مؤسسة النفط في طرابلس حالة «القوّة القاهرة» في حقل «الشرارة» النفطي، وطالبت الميليشيات المسلحة التي تحتله بالانسحاب الفوري منه.
وأعلن جوزيبي كونتي، رئيس الحكومة الإيطالية، أنه على ثقة بأنه سيلتقي مع حفتر والسراج خلال هذا الأسبوع، لكنه لم يفصح عن مزيد من التفاصيل.
واعتبر كونتي في تصريحات مقتضبة نقلتها وكالة «أكي» الإيطالية للأنباء، أن مؤتمر باليرمو الدولي حول ليبيا الذي انعقد الشهر الماضي كان «جزءاً من مسيرة تسهم (إيطاليا) في تحقيقها».
ولم يصدر أي تأكيد من مكتبَي حفتر أو السراج بخصوص لقائهما المرتقب، لكنّ مصادر ليبية مطلعة أبلغت «الشرق الأوسط» بأن إيطاليا تحاول نزع فتيل أزمة قد تنفجر خلال الأيام المقبلة مع احتمال إعلان المشير حفتر مجدداً انتهاء فترة الولاية الدستورية والقانونية لحكومة السراج التي تحظى بدعم من بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
واستبق السراج لقاءه المحتمل مع حفتر في روما، بالغمز من قناة المشير، إذ تحدث محمد السلاك الناطق باسم حكومة الوفاق، عن أن عدم التزام أحد الأطراف السياسية المعنية بتعهداته السابقة، حال دون إنجاز الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والبرلمانية التي كان من المفترض أن تنطلق أمس.
ورداً على تقارير إعلامية حول توجيه السراج دعوة إلى المشير حفتر لزيارة طرابلس، قال السلاك أمس: «لا دعوات بين الليبيين، الدعوات تُوجَّه إلى المسؤولين بالدول الأخرى. أما الليبيون فمهما كانت الخلافات السياسية فيما بينهم فإنهم لا يوجهون دعوات بعضهم إلى بعض ولا توجد منطقة في ليبيا هي حكر على طرف دون الآخر». ولفت إلى أن الباب مفتوح للجميع لزيارة طرابلس، مضيفاً أن حكومة الوفاق تتواصل مع كل الأطراف وليست لديها إشكالية مع أحد في هذا الشأن.
في المقابل، قالت مصادر مقربة من حفتر إنه لم يتلقَّ دعوة رسمية من السراج لزيارة طرابلس، مشيرةً إلى أنه لن يدخل طرابلس ما دامت الميليشيات المسلحة تسيطر على مقدراتها.
ومع ذلك، نقل السلاك عن السراج تأكيده دعم المفوضية العليا للانتخابات لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية والدستورية، وإصدار التعليمات للجهات الأمنية والعسكرية المعنية لوضع خطة أمنية شاملة لتأمين مراكز الاقتراع وسير العملية الانتخابية، بالإضافة إلى تشديده على ضرورة اتساق قانون الاستفتاء على الدستور مع الاتفاق السياسي والضوابط القانونية التي لا تجعله عرضة للطعون، مما يعرقل المضي قدماً في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري.
وكلام رئيس الحكومة الإيطالية، أمس، عن محاولة جمع السراج وحفتر يمثّل أحدث وساطة من نوعها تعلن عنها روما التي أخفقت الأسبوع الماضي في الجمع بين المسؤولين الليبيين على الرغم من تزامن وجودهما في العاصمة الإيطالية. وعوضاً عن قمة بين السراج وحفتر برعاية رئيس الوزراء الإيطالي، اكتفى كونتي بعقد محادثات منفصلة مع الطرفين دون الإفصاح عن محتواها.
ويرفض المشير حفتر الاعتراف بحكومة السراج على اعتبار أنها لم تحظَ باعتراف مجلس النواب الذي يتخذ من مدينة طبرق أقصى الشرق الليبي مقراً له.
إلى ذلك، وفي أول تعليق لها على غلق حقل «الشرارة» أحد أكبر الحقول النفطية في ليبيا، خرجت حكومة السراج عن صمتها واستنكرت على لسان الناطق باسمها إغلاق الحقل، محذّرة من انعكاسه سلباً على الإصلاحات الاقتصادية.
وطالبت الحكومة بأن يتم التظاهر بالطرق السلمية ومن دون المساس بقوت الليبيين، وبعدم استغلال ما تمر به البلاد من أزمات لتحقيق «مكاسب فئوية».
بدورها، قالت مؤسسة النفط الليبية إنها شرعت في مراجعة الإجراءات اللازمة لإجلاء العاملين في حقل «الشرارة»، وأرجعت ذلك إلى وجود خطر يهدّد سلامتهم نتيجة للإغلاق القسري للحقل من قبل ميليشيات تدّعي انتماءها إلى حرس المنشآت النفطية.
وطالبت المؤسسة، في بيان أصدرته أمس، وهو الثالث من نوعه لها خلال اليومين الماضيين، هذه المجموعات بإخلاء الحقل النفطي على الفور دون قيد أو شرط، مؤكدةً أنها لن تشارك في أي مفاوضات مع الميليشيات وهي غير مستعدة لتقديم أي تنازلات.
ودعت المؤسسة، السلطات المعنيّة وقادة المجتمعات المحليّة إلى التدخّل بما يخدم المصلحة الوطنية وإعادة الأمن والاستقرار إلى هذا الموقع.
وانتقدت «تعمّد» بعض الأطراف استغلال المطالب المشروعة لأهالي الجنوب -التي تستدعي إجراء حوار وطني- بغية تحقيق مطالب شخصية، قائلة إن ذلك لن يعود بأي فائدة على أهالي الجنوب.
ونقل البيان عن مصطفى صنع الله، رئيس المؤسسة، أن «وجود هذه المجموعة يمثل تهديداً حقيقياً للحقل ولمستقبل بلدنا». وتابع: «أريد أن أكون واضحاً، يجب على هذه الميليشيات مغادرة الحقل فوراً. إننا نقف مع أهالينا في الجنوب ونتفهم قلقهم وظروفهم، ونبذل كل ما في وسعنا لتحسين الظروف المعيشية للسكان، لكن للأسف، تم استخدام مطالبهم المشروعة من قِبل مجرمين يسعون فقط خلف مصالحهم الضيقة».
وحسب المؤسسة فإن إغلاق حقل «الشرارة» سيتسبب في خسائر يومية في الإنتاج تقدّر بنحو 315,000 برميل في حقل «الشرارة» النفطي، إضافة إلى 73,000 برميل في حقل «الفيل» بسبب اعتماده بشكل أساسي على إمدادات الكهرباء من حقل «الشرارة». كما حذرت من تداعيات سلبية على عمليات إنتاج الوقود في مصفاة الزاوية، التي تعتمد على إمدادات النفط الخام من حقل «الشرارة»، مما سيؤدّي إلى توقف في توفير الاحتياجات المحلية من الوقود، ما لم تتوفّر طرق بديلة لتزويد المصفاة بالخام. وسيكبّد هذا الإجراء الاقتصاد الليبي خسائر إجمالية بقيمة 32,5 مليون دولار أميركي يومياً.
بدورها، دعت وزارة الداخلية في حكومة السراج، المواطنين إلى عدم الانجرار وراء ما وصفته بإشاعات عن نقص في الوقود، مشيرةً إلى أن الوقود متوافر في مستودعات شركة «البريقة لتسويق النفط».
إلى ذلك، انتقد خالد المشري رئيس المجلس الأعلى للدولة، التعديلات التي أقرها مجلس النواب مؤخراً بما في ذلك ما يتعلق بقانون الاستفتاء. وقال في مؤتمر صحافي عقده، أمس، في طرابلس إن هذه التعديلات يشوبها الكثير من العيوب. وأشار إلى أن مجلس الدولة رفض في اجتماعه، أمس، المادة الثانية من التعديل الحادي عشر، معتبراً أن مجلس النواب صاغ قانون الاستفتاء بطريقة توجّه المواطن إلى التصويت برفض الدستور. وأضاف: «مجلس النواب لم يتوافق معنا رسمياً على تقسيم ليبيا إلى ثلاث دوائر انتخابية».
وكان المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا قد أعلن أيضاً رفض مشروع الدستور والاستفتاء عليه، ولوّح في المقابل بوضع دستور خاص بالأقلية العرقية. وقال عضو المجلس هشام أحمادي في تصريحات تلفزيونية مساء أول من أمس، إن نص الدستور لا يتضمن اللغة الأمازيغية كلغة رسمية مثل العربية، و«علينا التوجه إلى المحكمة». وأوضح أن الأمازيغ أعلنوا مقاطعة الاستفتاء بعد مشاورات مع التبو، لافتاً إلى اعتزامهم كتابة دستور آخر، لأن الحالي مكتوب بطريقة إقصائية ولم يشاركوا في صياغته.
من جهة أخرى، قال عثمان حسونة عميد بلدية الجفرة الليبية، إن تنظيم داعش أعدم 6 رهائن اختطفهم منذ نحو شهرين. وأشار في تصريحات تلفزيونية له، مساء أول من أمس، إلى تلقيه اتصالات من عناصر التنظيم أكدوا خلالها إعدام 6 رهائن من أصل 10 خُطفوا في الهجوم على بلدة الفقهاء. وأعلن حسونة أمس خطف 5 مواطنين آخرين على الطريق الرابط بين الجفرة وسبها، كاشفاً عن مفاوضات بين «داعش» ووجهاء وشيوخ الجفرة بهدف إجراء عملية تبادل للأسرى مع التنظيم المتطرف الذي تبنى الهجوم على بلدة الفقهاء في بلدية الجفرة، على بُعد 650 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.