مدرعات الدرك تنتشر في الشانزليزيه والعنف يمتد إلى معظم المدن الرئيسية

اعتقال المئات من محتجي السترات الصفراء في فرنسا... والحكومة تدعو إلى «الحوار»

TT

مدرعات الدرك تنتشر في الشانزليزيه والعنف يمتد إلى معظم المدن الرئيسية

دعا رئيسا لحكومة الفرنسية ليل أمس، بعد يوم أسود إضافي عنيف إلى التهدئة وتغليب الحوار وإعادة بناء اللحمة الوطنية. لكن إدوار فيليب لم يكشف عن «خطوات» جديدة تنوي الحكومة اتخاذها لقلب صفحة احتجاجات «السترات الصفراء» التي انطلقت منذ 17 الشهر الماضي تاركا المجال مفتوحا لرئيس الجمهورية. وقال فيليب إنه «يعود لرئيس الجمهورية أن يقترح تدابير إضافية يكون من شأنها أن تمكن الفرنسيين من أن يكونوا على مستوى التحديات التي يواجهونها». وجاء كلام فيليب مستبقا تأكيدات وزير الداخلية كريستوف كاستانير الذي أكد أن التظاهرات التي حصلت في باريس وما رافقها أصبحت «تحت السيطرة» مقدما الأرقام «النهائية» لأعداد المصابين 118 من المحتجين و17 من رجال الأمن فيما بلغ عدد الموقوفين أكثر من 700 شخص.
بيد أن ما يقوله فيليب وكاستانير شيء وما عاشته باريس وكثير من المدن أمس شيء آخر. فنهايات الأسبوع في فرنسا تتعاقب وتتشابه. ولم يشذ أمس عن السبت الذي سبقه. العنف في باريس وكثير من المدن الفرنسية الرئيسية مثل مارسيليا وبوردو وتولوز وسان إتيان ونيس... لكن الأساس كان العاصمة باريس حيث أنظار المراقبين كانت تراقب ما سيحل فيها على ضوء الإجراءات الأمنية غير المسبوقة والاحتياطية التي نفذتها القوى الأمنية لتلافي تكرار المشاهد المحزنة التي عرفتها العاصمة السبت الماضي.
ومنذ الصباح الباكر، استفاقت باريس على وقع الخطة الأمنية الجديدة حيث نشر ما لا يقل عن 8 آلاف رجل كاملي التجهيز. والجديد جلب مدرعات تابعة للدرك قادرة على اقتحام الحواجز والمتاريس، إضافة إلى استخدام خيالة الدرك في بعض مناطق باريس لرد المتظاهرين ومنعهم من اختراق الحواجز والاقتراب من «المثلث الذهبي» الممنوع على المتظاهرين، الذي قلبه قصر الإليزيه ومجلس النواب ورئاسة الحكومة، إضافة إلى جادة الشانزليزيه والجادات المتفرعة عن ساحة «الأتوال».
وبما أن التدابير الأمنية الأسبوع الماضي ثبت فشلها، فإن الخطة الجديدة شددت على «حركية القوى الأمنية» وعلى ضرورة منع «المشاغبين» الذين قدر عددهم بنحو 1500 شخص من الوصول إلى أماكن التجمع. لذا، فإن القوى الأمنية بدأت منذ الصباح بتوقيف الأشخاص المشكوك بأمرهم على الحواجز في الشوارع وعلى مخارج محطات القطارات والمترو التي أغلق منها العشرات.
وكان الهم الأول للشرطة والدرك المرابطين حول قوس النصر الواقع في أعلى الشانزليزيه هو منع تكرار ما حصل الأسبوع الماضي عندما سيطرت «السترات الصفراء» على الموقع وعلى مرقد الجندي المجهول الواقع تحته. وتم رص السيارات الأمنية حوله وسدت المداخل المفضية إلى الساحة المذكورة. وبعكس السبت الماضي، فقد اعتمدت القوى الأمنية تكتيك «الحركية» بحيث هيأت مجموعات قادرة على التدخل عند الحاجة بالاستناد إلى ما يتاح لها من «أسلحة» تستخدمها، وأولها القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية لتفريق المتظاهرين وخراطيم المياه والهراوات والدروع. وعمدت الشرطة إلى إخضاع الواصلين إلى الشانزليزيه إلى عمليات تفتيش دقيقة بحيث صادرت منهم الأقنعة الواقية من الغاز والنظارات التي تستخدم في المسابح وكل ما يمكن استخدامه لنبش الطرقات واستخدام حجارتها.
بيد أن هذه التدابير، رغم أهميتها وشدتها، لم تكن كافية للسيطرة على الوضع. صحيح أنها منعت الآلاف من «السترات الصفراء» ومن انضم إليهم من الوصول إلى الشانزليزيه، إلا أن النتيجة أنهم تفرقوا في الجادات والشوارع الملاصقة. وكانت جادة مارسو الأكثر سخونة حيث دارت عمليات كر وفر مع القوى الأمنية التي لجأت إلى استخدام القنابل الصوتية والمسيلة للدموع بشكل مكثف إضافة إلى الانقضاض على المتظاهرين كلما اقتربوا من ساحة «الأتوال». وكالعادة، أحرقت عشرات السيارات في هذه الجادة وهشمت واجهات كثير من المخازن والأبنية. ولم تنج كثير من المحلات إلا بفضل التدابير الاحترازية التي اتخذت عن طريق حماية واجهاتها بألواح خشبية أو معدنية. وعكست جادة الشانزليزيه والجادات السياحية والتجارية الأخرى المتصلة بها صورا محزنة للمدينة التي «لا تنطفئ أنوراها».
حقيقة الأمر أن باريس أمس انقسمت إلى قسمين: مدينة ميتة ضعفت فيها الحركة التجارية وحركة السيارات والمارة. وباريس «القلعة» التي تحصنت وراء الحواجز الأمنية التي أقيمت بكثرة. وكان لافتا أن شارع فوبورغ سان هونوريه حيث يقع قصر الإليزيه والشوارع المفضية إليه قد أغلقت تماما بحواجز معدنية يمنع تخطيها إلا لسكان الحي. ومنذ أول من أمس طلبت الشرطة وبلدية باريس إغلاق المتاحف والمعالم السياحية الرئيسية والمسارح وتم تأجيل المباريات الرياضية. يضاف إلى ذلك أن شعورا بـ«الخوف» قد عمم عبر وسائل الإعلام والتحذيرات الرسمية. وكانت النتيجة أن التدابير الأمنية المشار إليها ودخول السياسيين على الخط للدعوة إلى التهدئة وتلافي العنف وانقسام «السترات الصفراء» بين من يريد الاستمرار وآخرين يريدون العودة إلى «سلمية» المظاهرات أن أعمال العنف قد تراجعت بعض الشيء ومعها تراجع عدد السيارات المحترقة والواجهات المهشمة وأعداد الجرحى من المحتجين ورجال الأمن والصحافيين الذين شكا كثير منهم من قوات الأمن. ووفق حصيلة غير نهائية، فإن الأجهزة الأمنية أحصت 31 ألف متظاهر ومحتج على كل الأراضي الفرنسية منهم 8 آلاف في باريس وحدها. وستكون السلطات قادرة على القول إن الحركة الاحتجاجية إلى تراجع ارتكازا إلى الأعداد المتناقصة للذين نزلوا إلى الشارع.
بيد أن المقلق أمس كان امتداد أعمال الشغب إلى المدن الرئيسية التي احتذت بما حصل في العاصمة، فيما الحواجز المقامة على الطرق السريعة عادت إلى الظهور والتكاثر أمس. كذلك، فإن الطريق الدائري المحيط بالعاصمة تم تعطيله في أكثر من موقع عن طريق إيقاف السيارات في منتصفه والتمدد أرضا. وعانت مدن شهيرة مثل بوردو ومارسيليا ونانت وتولوز وسان إتيان وغيرها من المدن الأقل حجما.
بعد انطلاق «الفصل الرابع» من العملية الاحتجاجية، يبقى السؤال: وماذا بعد؟ وما الذي تستطيع السلطات التي تساورها الشكوك بشأن تدخل عناصر «أجنبية» وأحزاب متطرفة في تهييج «السترات الصفراء» تقديمه لإغلاق هذه الصفحة التي لا تريد أن تتواصل، فيما البلاد على عتبة أعياد نهاية السنة؟
حتى الآن، بقي الرئيس إيمانويل ماكرون صامتا، وبحسب أوساطه فإنه لن يتوجه إلى المواطنين إلا الأسبوع القادم. ويقدر المراقبون أنه ينتظر أن تنجح القوى الأمنية في استعادة السيطرة الميدانية قبل أن يكشف عن الأوراق التي في جعبته. والرئيس ماكرون يجد نفسه، بعد أن تراجعت الحكومة عن زيادات الرسوم على المشتقات النفطية وعن الكهرباء والغاز وحثت المؤسسات على منح الموظفين «هدية» لرفع مستوى قدرتهم الشرائية، في موقف بالغ الصعوبة إذ عليه أن يواجه مطالب اقتصادية وسياسية متداخلة. فالمحتجون يريدون المزيد ويقول «قادتهم» إنهم «لن يقبلوا بالفتات» وما يريدونه رفع القدرة الشرائية وزيادات رواتب الحد الأدنى للأجور والمعاشات التقاعدية، وخصوصا خفض الضرائب التي تثقل كاهلهم.
أما سياسيا، فمنهم من يطلب استقالة الرئيس، وآخرون حل المجلس النيابي أو اللجوء إلى الديمقراطية الشعبية التي أساسها الاستفتاء في بلد يزيد عدد سكانه على 65 مليون نسمة. ولا يستطيع ماكرون ولوج باب التنازلات الاقتصادية خوفا من تهديد الميزانية وزيادة عجزها وبالتالي تجاوز القواعد المعمول بها في الاتحاد الأوروبي. أما سياسيا، فإن أي تراجع سيعد ضعفا للعهد والحكومة، وبالتالي فإنها مستبعدة.
هكذا، تغرق فرنسا شيئا فشيئا في نزاع ظاهره شيء وباطنه شيء آخر والباطن أهم من الظاهر لأنه يعكس حالة نفسية هي النقمة على سياسة ماكرون المتبعة منذ 16 شهرا. يضاف إلى ذلك أن صورة فرنسا آخذة بالتدهور في الخارج بينما موقعها داخل الاتحاد الأوروبي يتهاوى. ولذا، يتعين الخروج من الأزمة الراهنة بأسرع وقت. ولكن كيف؟ هذه هي المسألة.

- عدوى الاحتجاجات تنتقل إلى بلجيكا
ألقي القبض على نحو 400 شخص من أصحاب السترات الصفراء في بلجيكا وسط اشتباكات مع الشرطة احتجاجا على ارتفاع أسعار الوقود. واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه في الاشتباكات. وتركزت المظاهرات التي جرت أمس في بروكسل إلى حد كبير في الحي الأوروبي الذي تتخذ فيه كثير من المؤسسات الأوروبية مقرات لها.
وقالت وكالة «بلجا» إن المحتجين ألقوا أيضا الحجارة وعبوات الطلاء وغير ذلك من المقذوفات، في طريق مجاور بالقرب من مقر الإقامة الرسمي لرئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل. وأدت الاحتجاجات إلى عرقلة حركة المرور على الطريق الدائري الداخلي، بينما أغلق المتظاهرون شريانا مهما لحركة المرور يمر عبر الحي الأوروبي.
كما أغلق أصحاب السترات الصفراء في المنطقة الشرقية من بروكسل طريق السيارات المعروف باسم «إي 40» المؤدي إلى المنطقة الحدودية العابرة إلى فرنسا، مما أجبر قائدي السيارات على تحويل مسارهم عبر بلدة أدينكرك، كما أغلق النشطاء طريق «إي 17»، باتجاه أقصى الجنوب.



«أبل» ترفع دعوى ضد «أوبن إيه آي» بتهمة استخدام معلومات سرية

شعارا «أبل» و«أوبن إيه آي» (د.ب.أ)
شعارا «أبل» و«أوبن إيه آي» (د.ب.أ)
TT

«أبل» ترفع دعوى ضد «أوبن إيه آي» بتهمة استخدام معلومات سرية

شعارا «أبل» و«أوبن إيه آي» (د.ب.أ)
شعارا «أبل» و«أوبن إيه آي» (د.ب.أ)

رفعت شركة «أبل» دعوى قضائية، الجمعة، ضد شركة «أوبن إيه آي»، متهمة عدداً من موظفيها السابقين بتسريب معلومات سرية إلى مبتكرة برنامج «تشات جي بي تي» بعدما تم توظيفهم لديها.

وتشكل هذه الدعوى تصعيداً خطيراً في التوترات بين الشركتين اللتين دخلتا في شراكة عام 2024 لدمج «تشات جي بي تي» في منتجات «أبل». وتدهورت العلاقة بينهما بشكل كبير مُذاك، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشارت الدعوى التي رُفعت أمام محكمة فيدرالية في سان خوسيه في كاليفورنيا، إلى أن «أوبن إيه آي» اتبعت «استراتيجية للحصول على معلومات سرية» من «أبل».

وأكد ناطق باسم «أوبن إيه آي» في بيان، أن الشركة «ليست مهتمة بالمعلومات السرية للشركات الأخرى»؛ مشيراً إلى أنها لا تزال تحقق في هذه الاتهامات.

وإلى جانب «أوبن إيه آي»، يُلاحَق في الدعوى اثنان من المديرين التنفيذيين السابقين في «أبل» هما تانغ تان، المؤسس المشارك لشركة «آي أو بروداكست» الناشئة، وجوني آيف، المسؤول السابق عن تصميم المنتجات لدى «أبل».

واستحوذت «أوبن إيه آي» على «آي أو بروداكست» في مايو (أيار) 2025 مقابل 6.5 مليار دولار، في خطوة ترمي إلى تنويع أعمال الشركة التي تُخطط لإطلاق مجموعة من الأجهزة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027.

وحسب «أبل»، نقل تانغ تان معه وثائق داخلية عند مغادرته الشركة عام 2024.

وذكرت الدعوى أنَّ تان الذي يتولى حالياً رئاسة قسم المنتجات المادية في «أوبن إيه آي» يسعى إلى الحصول على بيانات إضافية من موظفي «أبل» الذين يتقدمون لشغل وظائف في «أوبن إيه آي».

«الاستفادة من هذه المعلومات»

ويُتهم موظف سابق آخر في شركة «أبل» هو تشانغ ليو، بالاحتفاظ بأجهزة خاصة بالشركة بعد مغادرته إياها عام 2026، والاستمرار في الوصول إلى الشبكة المعلوماتية الداخلية.

وقالت «أبل»: «بما أن أكثر من 400 موظف سابق في (أبل) يعملون الآن في (أوبن إيه آي)، فليس من المستغرب أن يكون لدى بعضهم معرفة بمعلومات سرية ومحمية».

وأكدت مبتكِرة هواتف «آي فون» أن «(أوبن إيه آي) قررت الاستفادة من هذه المعلومات».

وأوضحت «أبل» أنَّها لا تملك سوى صورة محدودة عن الأنشطة الجارية داخل «أوبن إيه آي».

واعتبرت أنَّ هذه الأفعال تندرج ضمن تطوير «أوبن إيه آي» لأجهزتها المادية، وهو مجال لا تمتلك فيه «أوبن إيه آي» أي خبرة سابقة.

وطلبت «أبل» من المحكمة منع «أوبن إيه آي» من استخدام المعلومات السرية لموظفيها الحاليين والسابقين، كما طلبت تعويضات من دون تحديد مبالغ معينة.

وقالت «أبل» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سندافع دائماً عن جهود فرقنا وابتكاراتها، ونتخذ الخطوات المناسبة لتحقيق ذلك».

ومن شأن هذه الدعوى تعقيد الأمور بالنسبة إلى «أوبن إيه آي» التي تستعد لطرح أسهمها للاكتتاب العام.

وتعتبر الشركة التي تُقدر قيمتها بنحو 852 مليار دولار، أن التوسع في قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية هو محرِّك رئيسي للنمو.


تركيا تطالب حلفاء «ناتو» برفع جميع العقوبات المفروضة عليها

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)
TT

تركيا تطالب حلفاء «ناتو» برفع جميع العقوبات المفروضة عليها

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب (الرئاسة التركية)

طالبت تركيا برفع جميع العقوبات على صناعتها الدفاعية وتلبية احتياجاتها، مؤكدة أنها تواصل دورها بصفتها حليفاً فعالاً وقوياً في حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وقال مصدر مسؤول بوزارة الدفاع التركية: «نتوقع رفع العقوبات التي تتعارض مع روح التحالف». وجاء تعليق المصدر عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال قمة الحلف في أنقرة، بشأن احتمال إزالة العقوبات المفروضة على تركيا بموجب قانون «مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات» (كاتسا) وعودتها إلى برنامج المقاتلات الأميركية «إف -35». وقال المصدر التركي إن بلاده تواصل، بصفتها حليفاً قوياً وفعالاً لحلف «ناتو»، تقديم مساهمات كبيرة في قوة الردع والأمن المشترك.

مطالبات برفع العقوبات

وذكر المصدر في إفادة صحافية لوزارة الدفاع التركية، الخميس: «نتوقع رفع عقوبات (كاتسا)، التي تتعارض مع روح التحالف، وجميع القيود المعلنة أو السرية المفروضة على صناعتنا الدفاعية. وفي هذا السياق، نرحب بتصريحات الرئيس الأميركي، ونتبنى نهجاً يُفضّل تعزيز الثقة والتضامن المتبادلين مع حلفائنا بدلاً من فرض القيود».

جانب من المؤتمر الصحافي لإردوغان وترمب في أنقرة على هامش قمة «ناتو» (الرئاسة التركية)

وأكد ترمب خلال محادثات مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الثلاثاء، في مستهل قمة «ناتو» في أنقرة، أنه سيتم النظر في منح تركيا مقاتلات «إف- 35»، وفي رفع عقوبات «كاتسا»، التي فرضها بنفسه في أواخر عام 2020 في ولايته الأولى، رداً على شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس- 400».

وأثار إعلان ترمب رد فعل من جانب اليونان وإسرائيل، اللتين طالبتا بعدم السماح لتركيا بالحصول على مقاتلات«إف- 35». وقال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، خلال مشاركته في قمة «ناتو» بأنقرة: «لن أعلق على تصريحات الرئيسين ترمب وإردوغان، كل ما يمكنني قوله هو أن أي تحالف يجب أن يقوم على مبدأ حسن الجوار».

رئيس الوزراء اليوناني خلال وصوله أنقرة للمشاركة في قمة «ناتو» حيث استقبله وزير التجارة التركي عمر بولاط (أ.ف.ب)

وأضاف أن اليونان «تواجه خطر الحرب من تركيا إذا مارست حقها في توسيع مياهها الإقليمية (إلى مسافة 12 ميلاً بحرياً في بحر إيجه). ولذلك؛ تجب مراعاة حساسية حلفاء (ناتو)».

وحول تصريحات رئيس الوزراء اليوناني، قال المصدر العسكري التركي: «بلادنا تدعم الحفاظ على السلام والاستقرار في منطقتنا، وحل القضايا القائمة عبر الحوار البناء وعلاقات حسن الجوار. وفي هذا السياق، نؤكد مجدداً أنّ تجنّب الخطاب الذي قد يزيد التوتر سيسهم إيجاباً في العلاقات الثنائية، ونذكّر الجميع مجدداً بأنّ القوات المسلحة التركية لا تشكّل أيّ تهديد لأيّ جهة لا تشكّل تهديداً لها».

موقف اليونان وإسرائيل

قلّل إردوغان من أهمية اعتراضات اليونان وإسرائيل على حصول بلاده على المقاتلة الأميركية «إف -35»، وقال إن «لدى الرئيس ترمب موقف إيجابي (...). وعند تسليم (الطائرات)، سيقول العالم أجمع إن الولايات المتحدة أوفت بوعدها».

إردوغان متحدثاً خلال مؤتمر صحافي في ختام قمة «ناتو» بأنقرة (الرئاسة التركية)

وعن مطالبة رئيسي الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، واليوناني ميتسوتاكيس، عدم بيع المقاتلات لتركيا، قال إردوغان خلال مؤتمر صحافي عقده مساء الأربعاء عقب اختتام قمة «ناتو» في أنقرة: «من الواضح من أين ينطلق نتنياهو... لكن كان على ميتسوتاكيس ألا يرتكب مثل هذا الخطأ. هل تساءلنا يوماً عن سبب شرائه هذه الأنظمة الدفاعية لليونان؟».

وفي تعليق لـ«الشرق الأوسط»، على هامش قمة «ناتو»، قالت متحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، إليزابيث ستيكني، إن ترمب يعدّ تركيا دولة صديقة للولايات المتحدة، لافتة إلى أنه أشار إلى أن الولايات المتحدة لا تفرض عقوبات على أصدقائها. وأضافت أن الولايات المتحدة تتمتع بعلاقات قوية مع كل من تركيا وإسرائيل، وأن العلاقات بين كل منهما تدار في هذا الإطار، وأن ترمب عبّر خلال قمة (ناتو) عن تقديره لتركيا، ووصفها بأنها «دولة مخلصة».

مقاتلات «إف - 35» الأميركية (موقع الصناعات الدفاعية التركي)

ومن بين القضايا التي تسعى تركيا لإحراز تقدم ملموس فيها، هي الحصول على محركات طائرات «إف -110»، بعد أن أخطرت وزارة الخارجية الأميركية في 24 يونيو (حزيران) الماضي، الكونغرس بالموافقة على بيعها لأنقرة في صفقة تبلغ قيمتها 700 مليون دولار. وأكد ترمب حق تركيا في الحصول عليها، وهي خطوة أخرى أثارت اعتراض اليونان أيضاً.

وتخطط تركيا لاستخدام هذه المحركات في مشروع إنتاج طائرات «كآن» المقاتلة، الشبيهة بمقاتلات «إف- 35»، الذي لا يزال قيد التطوير. وحسب تقارير أميركية، فإنه على الرغم من معارضة بعض أعضاء الكونغرس، لا يُتوقع عرقلة بيع محركات الطائرات المقاتلة إلى تركيا.

جدل تأمين قمة «ناتو»

على صعيد آخر، كشف وزير الداخلية التركي، مصطفى تشيفتشي، عن إلقاء القبض على 4 آلاف و412 مطلوباً لارتكابهم جرائم مختلفة، في إطار الإجراءات الأمنية التي صاحبت قمة «ناتو»، والتي شارك فيها 56 ألفاً من عناصر الشرطة وقوات الدرك، والتي ستستمر حتى منتصف ليل الأحد.

فرضت تركيا تدابير أمنية مشددة خلال قمة «ناتو» في أنقرة (إ.ب.أ)

ونفى تشيفتشي أن تكون هذه الإجراءات مبالَغاً فيهاً، قائلاً: «لم نبالغ، لقد اتخذنا الإجراءات اللازمة»، لافتاً إلى أنهم درسوا أيضاً الإجراءات التي طُبّقت في دول أخرى خلال القمم السابقة، وأن 38 ألف شرطي كانوا في الخدمة خلال قمة «ناتو» في لاهاي بهولندا في 2025.


خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروبا

صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
TT

خلافات عبر الأطلسي: ملفات متراكمة تباعد بين واشنطن وأوروبا

صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)
صورة جماعية لقادة «الناتو» في ختام قمتهم بأنقرة يوم 8 يوليو (إ.ب.أ)

تشهد العلاقات عبر الأطلسي واحدة من أكثر فتراتها تعقيداً، مع تفاقم الخلافات بين القادة الأوروبيين وواشنطن، واتّساع نطاقها، منذ عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. ورغم إشادته بـ«وحدة غير مسبوقة» في قمة أنقرة لقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن حدّة تصريحات ترمب في حقّ بعض الحلفاء كشفت حجم الهوة.

وفيما يلي جولة سريعة على أبرز القضايا الشائكة بين ضفتي الأطلسي اليوم.

ضغوط الإنفاق الدفاعي

عاد ترمب إلى قمة «الناتو» في أنقرة محمّلاً بسلسلة من المآخذ على الحلفاء الأوروبيين، قائلاً إنه «غاضب جداً» من تقاعس الحلف في دعم بلاده في حربها مع إيران، ومجدداً مطالبه بالسيطرة على غرينلاند وانتقاداته الحادّة تجاه إسبانيا «السيئة جداً».

ورغم محاولات الأمين العام للحلف مارك روته طمأنة القادة بشأن التزام واشنطن، فإن تصريحات ترمب أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل لا تزال المظلة الدفاعية الأميركية مضمونة؟

ففي الوقت الذي يفاخر فيه روته بأن ضغوط ترمب ساعدت في دفع الأوروبيين والكنديين إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، بعدما تعهدت دول الحلف بتخصيص ما لا يقل عن 5 في المائة من ناتجها المحلي للأمن، يبقى القلق الأوروبي قائماً من أن تتحول مطالب واشنطن إلى أداة ضغط سياسي دائم.

وزاد هذا القلق بعدما أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في منتصف يونيو (حزيران)، مراجعة خلال ستة أشهر للوجود العسكري الأميركي في أوروبا، ما أعاد إحياء المخاوف من تقليص القوات الأميركية على القارة.

أوكرانيا... تنازلات مفروضة؟

يمثل ملف أوكرانيا أحد أكثر مصادر القلق الأوروبي من سياسة ترمب الخارجية. فالرئيس الأميركي يكرر اعتقاده بأن موسكو وكييف «تريدان التوصل إلى اتفاق»، وذلك بعد أيام من محادثة وصفها بأنها «جيدة جداً» مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. لكن الأوروبيين يخشون أن تعني رغبة ترمب في تسوية سريعة دفع كييف نحو قبول تنازلات قبل أن تحصل على ضمانات أمنية كافية.

وفي ظل غياب مؤشرات ملموسة على استعداد الجانبين للتسوية، يسعى الأوروبيون إلى إعادة تأكيد التزامهم تجاه أوكرانيا، بحزمة مساعدات عسكرية جديدة والتزام سياسي متجدّد.

حرب إيران

تحولت الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إلى مصدر جديد للتوتر بين ترمب وحلفائه الأوروبيين. فمنذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في نهاية فبراير (شباط)، كثّف ترمب انتقاداته للدول الغربية التي نأت بنفسها عن النزاع. وفي أنقرة، قال إنه غير راضٍ عن «الناتو» لأن الحلفاء «لم يريدوا مساعدتنا» في مواجهة إيران، التي وصفها بأنها «الدولة الرئيسية الداعمة للإرهاب».

ويكشف هذا الخلاف حدود التضامن الأطلسي خارج الجغرافيا التقليدية للحلف. فالأوروبيون يترددون في الانخراط في حرب يرون أنها لم تُنسَّق معهم مسبقاً، وقد تضر بمصالحهم الأمنية والاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة والممرات البحرية. أما ترمب، فيتعامل مع الموقف الأوروبي بوصفه تخلّياً عن واشنطن في لحظة مواجهة استراتيجية.

تهديد إسبانيا

كانت إسبانيا أبرز هدف مباشر لهجوم ترمب على حلفائه الأوروبيين منذ أسابيع. فقد وصفها بأنها «قضية خاسرة»، واتهمها مجدداً بعدم المشاركة بما يكفي في الإنفاق الدفاعي داخل «الناتو»، قبل أن يذهب أبعد من ذلك بالقول إن الولايات المتحدة ستوقف كل أشكال التبادل التجاري معها.

وتحول الخلاف مع مدريد من نقاش داخل الحلف حول تقاسم الأعباء الدفاعية إلى تهديد اقتصادي مباشر ضد دولة عضو في «الناتو» والاتحاد الأوروبي. كما تداخل الملف مع موقف إسبانيا من حرب إيران، إذ رفضت مدريد دعم العمليات الأميركية، ما جعلها في نظر ترمب نموذجاً للحليف الأوروبي الذي لا يدفع كفايته دفاعياً ولا يساند واشنطن عسكرياً.

سيادة غرينلاند

أعاد ترمب فتح ملف غرينلاند بوصفه «قصية محورية» بالنسبة إليه، قائلاً إن الجزيرة التابعة للدنمارك «مهمة جداً للولايات المتحدة».

وأعادت تصريحاته التوتر مع كوبنهاغن إلى الواجهة، بعدما كان قد هدد في بداية العام بالاستيلاء على غرينلاند، حتى بالقوة، قبل أن يتراجع لاحقاً بعد أسابيع من الخطاب التصعيدي.

بالنسبة للأوروبيين، لا يتعلق الأمر بغرينلاند وحدها، بل بمبدأ السيادة داخل التحالف. فالدنمارك عضو في «الناتو»، وغرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية. لذلك،

أثارت تصريحات ترمب قلقاً أوسع من أن يصبح الحلفاء أنفسهم هدفاً لضغوط أميركية عندما ترى واشنطن أن مصالحها الاستراتيجية تبرر ذلك.

قاعدة دييغو غارسيا

اصطدم ترمب ببريطانيا على خلفية اتفاق جزر تشاغوس مع موريشيوس، محذراً من «التخلي» عن دييغو غارسيا، وهي القاعدة العسكرية البريطانية - الأميركية ذات الأهمية الاستراتيجية في المحيط الهندي.

واكتسب الخلاف حساسية إضافية بسبب ارتباط القاعدة بالتخطيط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، ولا سيما تجاه إيران. ويضع هذا الملف لندن في موقف بالغ الدقة: فهي تحاول تسوية نزاع سيادي طويل حول تشاغوس، وفي الوقت نفسه الحفاظ على موقع دييغو غارسيا في البنية العسكرية الأميركية - البريطانية. أما ترمب، فينظر إلى أي تغيير في وضع القاعدة من زاوية أمنية صارمة، ويراه تهديداً لمصالح واشنطن العسكرية.

صورة ميلوني

أثار ترمب أزمة دبلوماسية مع روما، بعدما زعم أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «توسلت» إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا الشهر الماضي. ورفضت ميلوني هذه الرواية ووصفتها بأنها مفبركة، فيما عُدّت التصريحات في إيطاليا إهانة شخصية وسياسية لحليفة أوروبية مقربة من واشنطن.

ورغم أن الخلاف بدا في ظاهره شخصياً، فإنه عكس نمطاً أوسع في تعامل ترمب مع القادة الأوروبيين، حيث تختلط الاعتبارات الدبلوماسية بالهجمات الشخصية، ما يترك أثراً سلبياً على العلاقات الثنائية حتى مع الحكومات الأكثر قرباً منه سياسياً.

الرسوم الجمركية

إلى جانب الخلافات الأمنية، أعادت تهديدات ترمب التجارية ضد الاتحاد الأوروبي مخاوف الحرب التجارية عبر الأطلسي.

فبالنسبة إلى بروكسل، لا تنفصل مطالب واشنطن في الدفاع عن ضغوطها الاقتصادية: الحلفاء مطالبون بإنفاق دفاعي أكبر، وفتح أسواقهم أكثر، وتجنب معارضة الخيارات الأميركية الكبرى في مجال الذكاء الاصطناعي وحرية شركات التواصل الاجتماعي.

وهذا يجعل العلاقة مع إدارة ترمب أكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر التوترات على «الناتو» أو أوكرانيا أو إيران، بل تمتد إلى التجارة والرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد، ما يعمق الإحساس الأوروبي بأن واشنطن تستخدم أدوات الأمن والاقتصاد معاً لفرض أجندتها.