الحلقة الرابعة: «سايكس ـ بيكو».. ظلال الماضي وأحداث اليوم

الاتفاقية السيئة السمعة قسمت الولايات العثمانية بين بريطانيا وفرنسا وروسيا

قوات نمساوية في داخل القدس عام 1916 حيث كانت تقوم بعمليات عسكرية
قوات نمساوية في داخل القدس عام 1916 حيث كانت تقوم بعمليات عسكرية
TT

الحلقة الرابعة: «سايكس ـ بيكو».. ظلال الماضي وأحداث اليوم

قوات نمساوية في داخل القدس عام 1916 حيث كانت تقوم بعمليات عسكرية
قوات نمساوية في داخل القدس عام 1916 حيث كانت تقوم بعمليات عسكرية

قبل قرن من الزمن، أعلنت الإمبراطورية النمساوية - المجرية الحرب على صربيا، لتنطلق سلسلة أحداث أدخلت العالم في الحرب العالمية الأولى وحددت ملامح القرن العشرين. جاء إعلان الحرب على صربيا بعد شهر من اغتيال ولي عهد النمسا والمجر الأمير فرانز فرديناند في ولاية سراييفو في 28 يونيو (حزيران) 1914، لتمتد وتتسع كنار شرسة حصدت الملايين من الأرواح وغيرت خريطة العالم وتوازن القوى فيها.
و«الشرق الأوسط» ترصد من خلال حلقات تنشر عبر الأيام المقبلة أبرز مجريات تلك الحرب. وفي حلقة اليوم، رصد لاتفاقية «سايكس ـ بيكو» التي قسمت بموجبها الولايات العثمانية بين 3 دول هي بريطانيا وفرنسا وروسيا.

إعلان «داعش» (الدولة الإسلامية في العراق والشام) يصادف مئوية للحرب العالمية الأولى، وأهم أهداف «داعش» إلغاء حدود رسمتها اتفاقية «سايكس - بيكو» لتقسيم ولايات الدولة العثمانية بعد هزيمتها بين النفوذين البريطاني والفرنسي، وجزء من آسيا الصغرى لروسيا القيصرية.
هناك بيت للشاعر الاسكوتلندي توماس كامبل (1777 - 1844): «ساعة الغروب تغمرني بوعي باطني... بظلال الماضي أحداث قادمة».
اتفاقية «سايكس - بيكو»، التي اشتهرت باسمي الدبلوماسيين البريطاني والفرنسي اللذين وقفا وراءها، أبرمت 16 مايو (أيار) 1916. كانت الدول العظمى تتصارع على النفوذ وموارد الطاقة، وممرات الملاحة والأسواق الواعدة.. لم تكن هناك حدود مرسومة لدول معروفة شرق حدود مصر. واليوم الصراعات قائمة على الأهداف نفسها، دخلت فيها دول إقليمية مع القوى العظمى.
التفاهم السري بين فرنسا والمملكة المتحدة، بمصادقة من الإمبراطورية الروسية آنذاك، على اقتسام الهلال الخصيب بين لندن وباريس، له تداعياته لليوم. المشروع القومي اليهودي -عرف في الحرب العالمية الأولى بالحركة الصهيونية - التي تعاطف الجميع معها، بما فيهم دعاة الاستقلال العربي. مفاوضات بين القوى الأوروبية العظمى كان متناقضة في أهدافها مع مفاوضات موازية، قدمت بدورها وعودا متناقضة لليهود والعرب.
معلومات حجبها القادة ليس عن حلفائهم، بل عن دبلوماسييهم المفاوضين أنفسهم ولم يعرفوا بجوهر المفاوضات الموازية أو يعرفوا بالنيات الحقيقية التي كان وراءها مصالح تجارية ومالية خالصة.
استمرت مفاوضات اتفاقية «سايكس - بيكو» أربعة أشهر، ما بين نوفمبر (تشرين الثاني) 1915 ومارس 1916. سريتها بسبب الازدواجية وعدم تحديد المعالم كان ظلالا لأحداث اليوم ومشكلاتها.
وبعد قرن، هروب محلل المعلومات المخابراتية الأميركي إدوارد سنودن، وتسريبات «ويكيليكس»، التي نشرت في صحيفة «الغارديان» البريطانية اليسارية عن مفاوضات سرية والتجسس على الحلفاء، كان له ظلال تنبؤية. فمن كشف تفاصيل مفاوضات «سايكس - بيكو» كان البلاشفة بعد سقوط النظام القيصري في روسيا 1917 واستيلاء الثورة على محاضر اجتماع بتروغراد في فبراير (شباط) 1916 بين سايكس ووزير الخارجية الروسي سيرغي سازونوف آنذاك (1860 - 1927).
وتعرض سازونوف، عشية الحرب العالمية الأولى، لضغوط القوميين الروس لانتهاج سياسة داعمة للسلافيين الصرب في البلقان، فعقد اتفاقا مع رومانيا عام 1915 حتى لا تدخل الحرب مع قوى وسط أوروبا - ألمانيا، والإمبراطورية الهنغارية النمساوية، وبلغاريا والدولة العثمانية - مقابل التوسع لضم مناطق عثمانية كان الروس يريدونها للسيطرة على مضايق البوسفور والدردنيل، وهو جزء من اتفاقه مع سايكس لما بعد هزيمة تركيا.
نشرت صحيفة «برافدا» محاضر اللقاء في 23 نوفمبر 1917، مع ملخص الاتفاقية الموقعة في 16 مايو 1916.
الشيوعيون الإنجليز أضافوا ما حصلوا عليه من ساسة إنجليز لإحراج الحكومة، خصوصا أن معظم الوزراء وقتها من الأرستقراطيين أو الأثرياء. نشرت «الغارديان» (التي صدرت وقتها من مانشستر) الموضوع ثلاثة أيام بعد «برافدا» بعشرة أيام بعد رسالة اللورد آرثر بلفور (1848 - 1937). وكان بلفور وزيرا للخارجية أرسل رسالة إلى البارون ليونيل روزتشيلد (1868 - 1937) مفادها أن «حكومة الملك تنظر بعطف لتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.. بشرط عدم المساس بالحقوق السياسة والمدنية لغير اليهود هناك».
قسمت صفقة «سايكس - بيكو»، أو الأدق صفقة «سايكس - بيكو - سازنوف»، الولايات العثمانية على النحو التالي: شريط الأرض ما بين المتوسط ونهر الأردن وشطري الوادي وجنوب العراق والمواني الصغيرة ما بين حيفا وعكا تخضع لبريطانيا، بينما يمتد النفوذ الفرنسي إلى جنوب شرقي تركيا وشمال العراق، سوريا ولبنان، وكان متفقا أن روسيا تبسط نفوذها إلى إسطنبول للسيطرة على المضايق ما بين المتوسط والبحر الأسود.
ترك رسم الحدود حسب مصالح المجموعات العرقية مع القوى الإقليمية وأهمها الشريف حسين في مكة، حيث كانت الثورة العربية مندلعة.
ومن الضروري وضع الاتفاقيات في إطارها التاريخي في العلاقات العربية - البريطانية آنذاك في فصل لا تزال آثاره الدرامية مصدر نزاع أو إلهام لمروجي نظريات المؤامرة في المنطقة، وأيضا لتفادي الحكم الأخلاقي بمقاييس اليوم على أحداث وشخصيات من مائة عام.
أعلنت بريطانيا الحرب على الدولة العثمانية 5 نوفمبر 1914، وكان وزير المالية البريطاني ديفيد لويد جورج (1863 - 1945) - أصبح وزيرا للحربية بعد وفاة كينشينر 1916، ثم وزيرا للتجارة، ورئيس وزراء في مطلع الحرب العالمية الثانية، في جلسة مجلس وزراء حكومة اللورد اسكويث بعد أربعة أيام طرح لويد جورج مناقشة «المصير النهائي لفلسطين». كان لويد جورج يدر مكتبا للمحاماة (لويد جورج وروبرتس وشركاؤهما)، وكلت المجموعة الصهيونية المكتب لدراسة قانونية مشروع إنشاء وطن قومي لليهود في أوغندا.
كانت الحركة من القوميين اليهود العلمانيين لم يلجأوا إلى التراث التوراتي، بل تعاطفوا وجمعوا في أدبياتهم حركات الاستقلال وخصوصا الحركة العربية بزعامة فيصل.
خرج لويد جورج من اجتماع 9 نوفمبر ليلتقي على الغداء بوزير مصلحة الحكومات المحلية، هيربرت صمويل (1870 - 1963) - وزير مالية ثم داخلية في حكومات متعاقبة - وكان من العقول المخططة في الحركة الصهيونية، أخبره لويد بدعمه لفكرة تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين.
وبعد الغداء قدم صمويل الفكرة بالتفصيل لوزير الخارجية السير إدوار غراي (1862 - 1933) وكان صمويل المحرك الرئيس لدفع بلفور لوعده الشهير.
في إقناعه لغراي ركز صمويل على مسألة المصالح الإمبراطورية، ويقول في مذكراته: «ذكرت (لغراي) نقطتين جوهريتين: أن الدولة اليهودية (كموقع له أهميته للإمبراطورية البريطانية) يجب أن تكون منطقة محايدة (كسويسرا) لكونها أصغر وأضعف من الدفاع عن نفسها، وثانيا ضمان حرية المرور المطلقة للحجاج المسيحيين»... ويضيف صمويل: «بعد ضم فرنسا إلى سوريا، من الضرورة أن تقع فلسطين تحت سيطرة قوة أوروبية وليس النفوذ التركي».
في الليلة نفسها أعلن رئيس الوزراء اسكويث أن تفكيك الإمبراطورية العثمانية هو هدف استراتيجي من الحرب. بعد شهرين، وفي يناير (كانون الثاني) 195، قدم صمويل «المذكرة الصهيونية» بعنوان «مستقبل فلسطين» لمجلس الوزراء. وفي لقاء آخر مع غراي عدل الرجلان المذكرة وأعادا تقديمها لحكومة اسكويث.
عشية سفر سايكس إلى بتروغراد للقاء وزير خارجية روسيا سازونوف (27 فبراير 1916) قدم صمويل الخطة المفصلة إلى سايكس في شكل مذكرة مكتوبة. يقول سايكس في مذكراته إنه اتخذ قرارا حذرا حفظ التفاصيل في الذاكرة وحرق ورقتي المذكرة.
اقترح سايكس على صمويل أن تتولى بلجيكا إدارة فلسطين، ويكون الأمر أكثر قبولا لفرنسا بدلا من فكرة التدويل. وكتب سايكس بخط يده على الحدود المقترحة لفلسطين على حدود الخريطة المقترحة في المذكرة «باستثناء مناطق الخليل وشرق نهر الأردن (من الوطن اليهودي) تختصر مشكلات الجدل مع المسلمين إلى منطقة مسجد عمر، وتجنب التعامل مع البدو الذين نادرا ما يعبرون النهر إلا لضرورات عملية». ورغم غياب الاسم لا بد أن المذكرة كانت موجهة إلى صمويل، فقد حملت ملحوظة بخط سايكس على هامش الخريطة «تصوري أن مبادئ أهداف الحركة القومية الصهيونية هي مركز للوجود القومي أكثر منه رسم حدود أو مساحة لأراضي (هذا الوجود)... وفور عودتي سأوافيك بما جرى التوصل إليه في ب.د. (يقصد بتروغراد)».
الملاحظ أن إسرائيل، منذ إعلان الاستقلال بعد قرار التقسيم وحتى اليوم، لم تحدد حدود الدولة اليهودية بشكل نهائي، فهل كانت نصيحة مستقبلية من صمويل؟

* مارك سايكس البريطاني.. وجورج بيكو الفرنسي
* السير مارك سايكس بريطاني ولد 16 مارس (آذار) 1879 وتوفي 16 فبراير 1919 في باريس بالإنفلونزا الإسبانية، كان أرستقراطيا خلف أباه عام 1913 البارون السادس لمقاطعة تفوق مساحة ضيعاتها 120 كيلومترا مربعا في مقاطعة يوركشير. التحق بالجيش بعد تخرجه وتخرج من جامعة كمبردج العريقة عام 1897. ومثل السير ونستون تشيرشيل، شارك سايكس في حرب البوير في جنوب أفريقيا (1899 - 1902). تحدث العربية والتركية والفرنسية وكتب بها، وأهم كتبه «دار الإسلام» و«رحلة في الولايات العثمانية الخمس». لقيت مذكرات الرحالة رواجا ولعبت دورها، كتحليل سياسي وتاريخي اجتماعي ثقافي، في رسم السياسة الخارجية لبريطانيا.
مقابل سايكس البريطاني، كان فرنسوا جورج بيكو (1870 - 1951) ابن المؤرخ الفرنسي جورج بيكو، وكان من مخططي ومنفذي السياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين، وتطورت حماية المسيحيين إلى بسط النفوذ مشروع تقسيم غنائم الحرب العالمية.

* كتب ومؤلفات رسمت سياسات الدول
* كتاب تشيرشيل عن تأمين الطاقة لسفن الأسطول بعد أن استبدل بمحركات سفن الأسطول من الفحم محركات البترول (1907 - 1911)، ومصدره آبار تكساس معطية قوة للأميركيين. وخطط تشيرشيل، لضمان البترول بأولوية التحالف مع العرب. كما كان لكتاب ومراسلات مستشارة وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط غرترود بل (1868 - 1926)، وكانت حليفة لسايكس، تأثيره. وكان سايكس صديقا لسير بيرسي كوكس (1864 - 1937) المعتمد البريطاني للخليج، ثم مندوبا ساميا في العراق بعد تولي الملك فيصل (1885 - 1933) المملكة في العشرينات من القرن الماضي.
ومن مؤلفات سايكس أيضا «الإرث الأخير للخليفة: دليل قصير لتاريخ إمبراطورية الأتراك» عام 1915، وكان الكتاب مرشدا للمستثمرين والرحالة والدبلوماسيين.
كان سايكس تلميذا نجيبا للورد هيربرت كيتشنر (180 - 1916) أشهر ضباط الإمبراطورية، ثم القنصل العام في مصر قبل أن يصبح وزير الحربية الذي قام بحملة تجنيد وأسس جيشا قويا عند نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914. عين كيتشنر سايكس مستشارا لشؤون الشرق الأوسط لمجلس الوزراء الذي ترأسه اللورد هيربرت هنري اسكويث كزعيم حكومة الليبراليين (1908 - 1916).
وبجانب معرفته لغويا وثقافيا بالمنطقة، عمل سايكس ملحقا سياسيا في السفارة البريطانية في إسطنبول، قبل أن ينتخب عضوا في مجلس العموم عام 1911 عن دائرة هل.
وفكر سايكس، مثل تشيرشيل واللورد كيرزون واللورد اسكويث بعقلية إمبراطورية، إلا أنه في مطلع الحرب العالمية الأولى ركز تعاطفه مع الأقليات العرقية والعرب وكفاحهم للاستقلال ومع حق تقرير المصير، كما تعاطف مع اليهود الشرقيين.
مال إلى فكرة الكونفدراليات داخل مملكة موحدة، كمشروع الأمير فيصل مع الشريف حسين أثناء الثورة العربية والاتفاق بينه وبين توماس إدوارد لورانس (1888 - 1935) المعروف بلورانس العرب. وكان لورنس قال في مذكراته، وكتابه «أعمدة الحكمة السبعة» إن ساسة لندن لم يعلموه بمفاوضات دائرة موازية لتحديد مستقبل العرب في المنطقة. في الوقت نفسه لم يكن سايكس على دراية بالمراسلات بين مكتب القاهرة المعروفة بمراسلات الشريف حسين - ماكماهون (هنري ماكماهون 1862 - 1949 المندوب السامي البريطاني في القاهرة) أثناء الثورة العربية وفترة الحرب الأولى.
وحسب «أوراق سايكس» المنشورة في 1919، ووثائق نشرتها الحكومة عام 1923، لم يعلم سايكس بمدى عمق وشمولية مراسلات ماكماهون حتى زيارته للحجاز عام 1917 مع جورج بيكو. ثم في 1992 (بعد 75 عاما) أفرجت الخارجية البريطانية عن وثائق بينها مذكرة من سايكس - ومذكرة أخرى للجنرال إدموند اللنبي (1861 - 1936) حول ازدواجية ساسة لندن المناقضة للوعد الذي قطعه بمحدودية الوجود البريطاني العسكري، لفيصل عام 1914 - سايكس غضب لعدم علمه بتفاصيل مراسلات مكتب القاهرة وبدأت في 14 يوليو (تموز) 1915 وآخرها 30 يناير 1916 إلى الشريف حسين بوعود قاطعة بدعم بريطانيا لعرب الحجاز في الثورة ضد الإمبراطورية العثمانية والاعتراف الكامل باستقلال العرب. وهو ما يناقض تقسيم سايكس - بيكو.
مراسلات حسين - ماكماهون تبادلت الجدل بشأن حقوق العرقيات غير العربية في لواءات الإسكندرون وحلب وجبل لبنان وحمص وحماه ودمشق. وقال ماكماهون: «لا يمكن اعتبار هذه اللواءات عربية لأن السكان العرب فيها أقلية»، وكان ماكماهون يقصد الدروز والموارنة والأرمن والأكراد.
أوراق وزير الخارجية اللورد كيرزون (1859 - 1925) حذرت من منح وعود أو عقد اتفاقيات يناقض جوهرها بروتوكولات جبل لبنان، وهي سلسة اتفاقيات بين العثمانيين والقوى الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، روسيا، النمسا، بروسيا - ألمانيا فيما بعد)، امتدادا للوعود النابوليونة بحماية المسيحيين في الشرق.

* الدور الروسي
لا توجد وثائق (منشورة حتى الآن) عن موقف الروس من مشروع الوطن القومي في فلسطين، لكن كان الاتحاد السوفياتي أول دولة تعترف بإسرائيل «du jour»، أي قانونيا، بعد 48 ساعة من بعد إعلان بن غوريون (1866 - 1973) استقلالها في 15 مايو 1948 (واشنطن اعترفت بالإدارة الواقعية)، وتفسير الشيوعيين العرب أن موسكو اعترفت بدولتين: إسرائيل وفلسطين، لكن الجامعة العربية، بزعامة مصر ونفوذ بريطانيا، لم تدعم الفلسطينيين لإقامة دولتهم (على مساحة أكبر من المناطق اليهودية بثلثين) وخاضوا حربا خسروها وأفرزت جيل اللاجئين.
كان سايكس متعاطفا مع فكرة وطن قومي لليهود وحق تقرير المصير للطوائف الإثنية، ومؤيدي مشروع لورنس، والأمير فيصل، والجنرال اللنبي في المملكة العربية المستقلة أو كلمة فيصل «المملكة المتحدة»، ويعني قبوله لما يعرف حديثا بالحكم الذاتي الداخلي للطوائف والعرقيات لما كانت عليه لواءات الولايات العثمانية.
كان سايكس ضمن رواد فكرة ربط المصالح الإمبراطورية بأهداف الثورة العربية (الجزيرة والخليج والهلال الخصيب) مثل كوكس، وماكماهون، ولورنس، وغرترود بل، ولويد جورج، وتشيرشيل، وكانوا أيضا متحمسين لفكرة الفيدرالية العربية الكبرى -الهدف كتلة عربية حليفة موحدة منع النفوذ الأميركي من المنطقة، وبعد الثورة البلشفية منع النفوذ الشيوعي - ولعبت الدبلوماسية الإنجليزية دورا كبيرا منذ 1942 للتحالف ضد النازية، وتبلورت فكرة الجامعة العربية وعمودها الفقري محور القاهرة الرياض، بين فاروق الأول (1920 - 1965) وعبد العزيز بن سعود.
«سايكس - بيكو» لا تزال تؤثر حتى اليوم.. من بين واقع ملموس من خلال الحدود المرسومة وتصورات الكثير الذين يتساءلون عن اتفاقات سرية قد تحاك لمستقبل المنطقة، بين حلفاء وخصوم.



تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
TT

تردد أوروبي في السير نحو دفاع مستقل عن «الأطلسي»

صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)
صورة تذكارية لقادة حلف «الناتو» خلال قمته في لاهاي العام الماضي (أ.ب)

لم تُفاجأ القمة الأوروبية بإعلان قبرص، التي تترأس راهناً الاتحاد الأوروبي، رغبتها في أن تركز القمة التي استضافتها الأسبوع الماضي على تفعيل المادة «42» بفقرتها السابعة من معاهدة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتضامن مع أي عضو في الاتحاد في حال تعرضه لـ«اعتداء عسكري يستهدف أراضيه».

فقبرص التي لا تنتمي إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) كانت هدفاً في الأول من مارس (آذار) الماضي لمسيّرات يُظن أنها انطلقت من لبنان وضربت قاعدة «أكروتيري» العسكرية التي تشغلها بريطانيا. وسارعت فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان إلى إرسال تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة المتوسطية، وكذلك فعلت بريطانيا. وتُعد المادة «42» صنواً للمادة الخامسة من معاهدة الحلف الأطلسي، ولم يجر تفعيلها سوى مرة واحدة في عام 2015 بطلب من فرنسا التي تعرضت لهجمات إرهابية دامية.

وما أرادته نيقوسيا خلال القمة غير الرسمية، التي رأستها، هو تقييم ما وصل إليه قسم «العمل الخارجي» التابع للاتحاد حول كيفية تفعيل المادة المذكورة وتوفير دفعة سياسية لتسريع العمل بهذا الخصوص.

قادة أوروبيون وشرق أوسطيين خلال القمة غير الرسمية التي استضافتها قبرص يوم 24 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولم يتردد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في المؤتمر الصحافي الذي جمعه مع نظيره اليوناني ميتسوتاكيس، عقب تجديد الاتفاقية الاستراتيجية مع اليونان، السبت، في اعتبار بند الدفاع الأوروبي المشترك «أقوى من المادة الخامسة» من حيث إنه «يتيح التضامن (الدفاعي) بين الدول الأعضاء» في الاتحاد الأوروبي. ونقلت صحيفة «لوموند» عن الباحثة السويسرية في المجال الأمني، جيسين ويبير، أن المادة «42» في فقرتها السابعة «أسهل استخداماً»؛ إذ إنها بعكس المادة الخامسة «لا تتطلّب الإجماع لتفعيلها، وفي حال دعوة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي إلى ذلك، فإن الدول الراغبة فقط تلتزم بالعمل بموجبها، مما يمنع وجود خطر عرقلة مؤسساتية».

«أطلسي» أوروبي أم دفاع «مستقل»؟

أهمية ما سبق أنه يأتي بوصفه ترجمة فعلية للتضامن الأوروبي في الوقت الذي تتكاثر فيه الشكوك والتساؤلات، أوروبياً، حول مدى التزام الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بتفعيل المادة الخامسة بعد الانتقادات العنيفة التي وجهها إلى الحلف الأطلسي الذي لم يهب لمساعدة الولايات المتحدة في حربها (مع إسرائيل) على إيران ورفض الانضمام إليها في المحافظة على أمن مضيق هرمز.

مسيرات من طراز «فيكتور» الألمانية الصنع خلال تدريبات «إيسترن فينيكس» في ميدان التدريب «كابو ميديا» بمقاطعة كونستانتا في رومانيا يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

كذلك كثر الحديث في الأسابيع الأخيرة عن مشاورات أوروبية لتشكيل ما سُمي «الناتو الأوروبي». وصدرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بعنوان على صفحتها الأولى يوم 14 من الشهر الحالي هو: «أوروبا تسرّع إعداد خطة بديلة لحلف شمال الأطلسي في حال انسحاب ترمب». وما يريده الأوروبيون حقيقة هو تدارك المخاطر المترتبة على ابتعاد أميركي عن الحلف العسكري فيما تهيمن على الأوروبيين مخاوف جدية من خطط عسكرية روسية مستقبلية لاستهدافهم. ووفق تحذيرات ذاعت على نطاق واسع في فرنسا وألمانيا ودول أخرى، فإن أمراً مثل هذا يرجح حصوله قبل نهاية العقد الحالي.

ليس سراً أن الرئيس ماكرون حمل، منذ وصوله إلى قصر الإليزيه، عبء الدعوة إلى «استقلالية استراتيجية» أوروبية؛ بحيث تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها. وفي عام 2017، دعا، بمناسبة خطاب شهير في جامعة السوربون في باريس، إلى التركيز على هذا الهدف، وما فتئت باريس تحث على بلوغه. بيد أن دعواتها المتكررة كانت تثير الأسئلة والمخاوف خصوصاً لدى دول تتمسك بالمظلة النووية الأميركية-الأطلسية التي لا تريد مبادلتها بمظلة نووية أوروبية غير موجودة. لكن مواقف ترمب من الحرب في أوكرانيا ولاحقاً رغبته في الهيمنة على جزيرة غرينلاند الدنماركية، وأخيراً ملف الحرب على إيران فعلت فعلها لدى دول كانت تعارض الدعوة الفرنسية مثل ألمانيا وبولندا وغيرهما. لكن في الوقت عينه، عدل ماكرون دعوته، الأمر الذي برز في تصريحاته بأثينا، حيث حرص على التذكير بأن دعوته لا تهدف إلى إضعاف الحلف الأطلسي بل تأتي استجابة لمطالب أميركية-ترمبية، قديمة وجديدة، للقارة الأوروبية بأن تتولى زمام أمنها بنفسها.

وقال ماكرون ما نصه: «إن الدرس الذي يجب أن نستخلصه هو ألا نظل معتمدين على غيرنا. ويجب علينا، نحن الأوروبيين، تقوية الركيزة الأوروبية لـ(الناتو)، وتعزيز دفاعنا الأوروبي، ليس ضد أحد، وليس بديلاً عن أي شيء». وذهب ميتسوتاكيس في الاتجاه نفسه بتأكيده أنه يتعين على واشنطن أن تسعد بجدية الاتحاد الأوروبي في الاعتماد على الذات ومضاعفة الإنفاق الدفاعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس يستمعان السبت إلى شرح من ضابط على متن الفرقاطة «كيمون» اليونانية التي اشترتها أثينا من فرنسا (إ.ب.أ)

أين المظلة النووية الأوروبية؟

قبل أثينا، نبّه ماكرون في نيقوسيا من أن «التحدي الذي تواجهه أوروبا هو أن تصبح أقوى وأكثر استقلالية، لأن الولايات المتحدة لن تحمينا بعد الآن على المدى الطويل». وأضاف أن «أوروبا بُنيت على أساس أن الولايات المتحدة ستحمينا إلى الأبد. وبالنسبة للجيل القادم، أعتقد أن هذا لن يكون صحيحاً بعد الآن».

والمهم اليوم أن أربع دول أوروبية رئيسية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا وبولندا) أصبحت «مقتنعة» بالحاجة إلى دفاع أوروبي قوي رغم أنها كانت (باستثناء فرنسا) من الأقرب إلى واشنطن، وبالتالي للحلف الأطلسي. لكنها اليوم قررت السير بمشروع تعزيز الدفاع الأوروبي خصوصاً أنه لم يعد يعني التخلي عن «الأطلسي» بل العمل إما داخله وإما إلى جانبه. وما يريده المروجون لـ«الناتو الأوروبي» تمكين القارة القديمة من الدفاع عن نفسها في حال «فتر» الالتزام الأميركي بالمادة الخامسة من شرعية الحلف، أو أن تكون واشنطن قد ركزت اهتماماتها بالدرجة الأولى على المنافسة الحامية التي تواجهها من الصين.

رغم هذه الانعطافة الأوروبية باتجاه تعزيز الدفاع الذاتي، فإن الكثير من المتابعين لهذه المسألة يرون أنه مشروع «للمدى البعيد»؛ إذ إن العديد من الدول الأوروبية التي تستشعر أكثر من غيرها التهديدات الروسية لا تريد الابتعاد قيد أنملة عن الحلف الأطلسي، وعلى رأسها دول بحر البلطيق ورومانيا... وكان لافتاً أن دولتين أوروبيتين (السويد وفنلندا) رفضتا دوماً الانضمام إلى الحلف الغربي تحولتا إلى دولتين أطلسيتين. وتعي باريس أن إحدى نقاط الضعف في مشروعها تكمن في غياب المظلة النووية الأوروبية. والحال أنها ولندن تمتلكان، وحدهما، القدرة النووية. من هنا، فإن ماكرون أخذ يشدد في مداخلاته على «البعد الأوروبي» لنووي فرنسا. وثمة مناقشات تدور في السر بين باريس ولندن وبرلين ووارسو حول كيفية تمكين الأوروبيين من الاستفادة من قدرات الدولتين النوويتين. ومؤخراً، طرح ماكرون خططاً لتوسيع الترسانة النووية للبلاد، وعرض أن تستضيف دول أوروبية شريكة لبلاده قاذفات استراتيجية فرنسية ذات قدرات نووية في عمليات انتشار مؤقتة؛ الأمر الذي أثار غيظ موسكو التي حذرت من أن أي دولة تقبل بالعرض الفرنسي يمكن أن تتحول إلى هدف لهجمات روسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
TT

ميرتس يلمِّح لتنازل أوكرانيا عن أراضٍ تمهيداً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال فعالية في مارسبرغ يوم 27 أبريل 2026 (رويترز)

لمَّح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، إلى أن أوكرانيا ربما عليها قبول بقاء بعض أجزاء من أراضيها خارج سيطرة كييف، ضمن اتفاق سلام مستقبلي مع روسيا، وربط هذه التنازلات بفرص انضمامها للاتحاد الأوروبي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال ميرتس: «في مرحلة ما، ستوقِّع أوكرانيا اتفاقاً لوقف إطلاق النار. ونأمل في مرحلة ما أن توقِّع معاهدة سلام مع روسيا. وقتها قد يصبح جزء من أراضي أوكرانيا غير أوكراني».

وأضاف: «إذا كان الرئيس (فولوديمير) زيلينسكي يريد نقل هذا الأمر إلى شعبه، والحصول على أغلبية لإقراره، ويحتاج إلى إجراء استفتاء بشأنه، فعليه في الوقت نفسه أن يقول للشعب: لقد فتحت لكم الطريق إلى أوروبا».

ولدى أوكرانيا حالياً وضع مرشح رسمي لعضوية الاتحاد الأوروبي.

وحذَّر ميرتس من الإفراط في التفاؤل بشأن انضمام أوكرانيا سريعاً للاتحاد الأوروبي، وقال إن كييف لا يمكنها الانضمام إلى التكتل وهي في حالة حرب، ويجب عليها أولاً أن تستوفي معايير صارمة، بما في ذلك ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

وتابع قائلاً: «لدى زيلينسكي فكرة أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد يتم في الأول من يناير (كانون الثاني) 2027. هذا لن ينجح. حتى الأول من يناير 2028 ليس واقعياً».

واقترح خطوات تمهيدية، مثل منح أوكرانيا صفة مراقب في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، والتي قال إنها فكرة لاقت قبولاً واسعاً بين القادة الأوروبيين، في قمة عُقدت الأسبوع الماضي في قبرص بحضور زيلينسكي.


المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
TT

المستشار الألماني يتساءل عن استراتيجية خروج أميركا من حرب إيران

المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)
المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس في مارسبيرغ بألمانيا (د.ب.أ - أ.ب)

قال المستشار ​الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، إنه لا يرى ما ‌هي استراتيجية ‌الولايات المتحدة ​للخروج ‌من حرب ​إيران.

وحذر ميرتس من أن «أمة بأكملها تتعرض للإذلال من قبل القيادة الإيرانية وخاصة ‌من ‌جانب ​من ‌يسمون (الحرس ‌الثوري)»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأضاف ميرتس أن الإيرانيين «يتفاوضون بمهارة فائقة ‌كما هو واضح»، وحث على إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب التأثير المباشر لذلك على الاقتصاد الألماني.