«محمود درويش في الرباط»... ندوة حول تجربته الشعرية ومعرض تشكيلي

لمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله

ملصق معرض «ورد أكثر» - عدد خاص من مجلة «بيت الشعر» عن درويش
ملصق معرض «ورد أكثر» - عدد خاص من مجلة «بيت الشعر» عن درويش
TT

«محمود درويش في الرباط»... ندوة حول تجربته الشعرية ومعرض تشكيلي

ملصق معرض «ورد أكثر» - عدد خاص من مجلة «بيت الشعر» عن درويش
ملصق معرض «ورد أكثر» - عدد خاص من مجلة «بيت الشعر» عن درويش

تأكيداً لعمق العلاقة التي نسجها المغاربة مع محمود درويش، المبدع والإنسان، شكلت الذكرى العاشرة لرحيل شاعر «مديح الظل العالي» فرصة لاستحضار تجربة هذا الشاعر الفلسطيني الكبير، بمساهمة كتاب وتشكيليين، وذلك من خلال مظاهرة كبرى، أطلقها «بيت الشعر في المغرب»، بشراكة مع صندوق الإيداع والتدبير وكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تحت عنوان: «محمود درويش في الرباط»، تضمنت على الخصوص ندوة ومعرضاً تشكيلياً، فضلاً عن صدور عدد خاص من مجلة «البيت»، بمشاركة مجموعة من الكتاب المغاربة والعرب، تصدرته صورة للشاعر الراحل، وعبارة «محمود درويش: أمشي كأني واحد غيري».
وتميزت ندوة «محمود درويش والتجربة الشعرية وآفاقها الجمالية»، التي احتضنتها كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بحضور رسمي ومشاركة كتاب، بينهم محمد الداهي وعلال الحجام ومحمد بودويك وأحمد هاشم الريسوني وعبد السلام المساوي ومحمد العناز وحسن مخافي وخالد بلقاسم ومحمد آيت لعميم وبنعيسى بوحمالة وعبد العزيز بومسهولي وحسن مخافي ونبيل منصر، أجمعوا على عمق العلاقة التي ربطت الشاعر الراحل بالمغرب ومثقفيه بشكل خاص، وعموم العالم العربي، كما استعرضت قيمته كمبدع عبرت تجربته عن انشغالات الذات وهموم الجماعة.
وكتب مراد القادري، رئيس «بيت الشعر في المغرب»، تحت عنوان: «محمود درويش: الأثر الشعري»: «طورني القارئ المغربي.. جُملة كافية لوصْفِ طبيعَة العلاقة الشّعْـريّة والإنْسانيّة التي ربَطت الشّاعِر محْمُود درويش بالمغَاربَة والمغرب، البلدُ الذي أحبّه وتطلّع دوماً إلى مُعانقَتِه والإصْغاء لنبْضِ جُرحِه وقلقِ قصِيدته، فيما درويش، هُو الآخر، كان لا يكُفّ عن التصريحِ: أشعر بامْتنانٍ خاصّ لكرم المغرب والمَغاربة، إذ دلّوني على رحَابة لُغتنا وآفاقها، وعلى سِعَة مكانِها وفَضائِها. ودلّونِي على امْتدادِ بِلادِي الصّغيرة، بما هي أرْضٌ وشعبٌ ومَعْنى وقصيدة، في المكانة الإنسانيّة الرّحبة، فقد عمّقُوا إحْسَاسِي بالمسؤُولية الجمَالية والأخْلاقية إزاءَ علاقَة الشّعر بالواقِع والتاريخ، واتّجاه مَكْـر الالتباس الجمِيل بين الشّعر والنّثر، وعلّمُوني كيف احتضِن المسَافة كي أتأمّل أكْثر وأكتبَ أقل».
وأضاف القادري، رابطاً رحيل الشاعر بتخليد ذكراه بالرباط، في الذكرى العاشرة: «قهر الشاعر محمود درويش الموت، وها هو بعد عقد من الزمن، يطلّ علينا من قصيدته ليُبلغنا السّلام، ويجدّد قولته: لقد طورني قارئي هنا في المغرب، حين صدّقَني، فقبل اقْتراحاتي الجمالية المتواضعة، بغضّ النظر عن الإفراط في التأويل الرّمزي لصُورة الشّاعر».
وتحدث القادري عن المعرض المنظم برواق الفنون التابع لمؤسسة صندوق الإيداع والتدبير، تحت عنوان «ورد أكثر»، الذي يتواصل إلى غاية 12 يناير (كانون الثاني)، بمشاركة ثلاثة فنانين، هم: عزيز أزغاي، وفؤاد شردودي، وعبد الله الهيطوط، والذي يسعى إلى «استعادة الأثر الشعري لمحمود درويش» عبر اللوحة الفنية: «هُم ثلاثة فنّانين مغاربة، يُبادِلُون صاحِب «ورد أقل» بـ«ورد أكثر»... اخْتاروا أن (يُطوّرُوا) محمُود درويش، وأنْ ينْظُروا إلى مُنجَزه الشّعري الباذِخ من زاوية مُخْتلفة عن تِلك التي دَرجُوا على النّظر من خلالها للشّاعر ولشِعْره. فقد أثْمـرت قراءتُهم له، واحتكاكُهم به، رؤية فنيّة وجمالية بمقْدُورها أنْ تُغْني شِعْرية درويش، وتُضيءَ جوانبَ من مَساره الشّعْـري والإنساني».
وأبرز القادري أن التشكيليين الثلاثة استطاعوا في هذا المعرض «السّفـر بالنّصّ الشّعري الدرويشي بعيداً عن المنْشأ الذي وجِدَ فيه، أي الكتاب والديوان. وحملُـوه عبر وسائط فنيّة جديدة تقومُ على اللّـوحة، وتسْتعمِلُ التشويش كآلية ممكنة لإنطاقه وتقويله ما كان يُـضمره بين دفتي الديوان».
وعن مشاركته في «ورد أكثر»، قال أزغاي: «محمود درويش من طينة الشعراء الذين تجاوَزوا كونهم يبدعون قصائدَ شعريّة، بل أصبحوا يُشكّلون ظواهرَ إبداعيّة خلاّقة إنسانيّة عابرَة للأزمنة، ومُتجاوزة للخُصُوصيّات الثقافيّة واللغويّة. إنّهُ، بهذا المَعْنَى، أحد الأيقونات التي كُنّا ولا نزال نُغذّي بها ذائقتَنا الإبداعيّة والجَماليّة والفنّيّة. ولا أعتقدُ أنّ هُناك شاعراً أو فنّاناً لم يُؤثّر فيه درويش، بهذا القدْر أو ذاك، شِعْريّاً وإنسانيّاً وحُضُوراً يَمْلأ الفضاءَ ويَفتنُ النّظرة».
من جهته، قال شردودي إنّ تَصَوُّره لاستحضَار محمود درويش تَشْكيليّاً «نابعٌ مِنْ عَتَبَات القراءة القُصْوَى لنَصّه، فأحياناً يكونُ العمَلُ اصْطِحَاباً ومُصَاحَبَة، وأحياناً أخْرَى أعطى لنَفْسي فُرْصَة استئناف المتَخَيّل بَصَريّاً، بحيث تصيرُ الجُمَلُ الشِّعْريّة كُتَلاً لوْنيّة وخُطُوطاً وأشكالاً يُهَنْدِسُ أفُقَهَا ذلك الإيقاعُ التجريدي النابض في عُمْق النّصّ عبْرَ امْتلاءاتِهِ وفَرَاغَاتِه. كان نصُّ درويش مخبراً بَصَرَياً غَنيّاً ومُدهشاً بالتفاصيل والدلالات. ولأنّ صُورَة درويش الشاعر طُبعَتْ في ذاكرتي البَصَريّة، عبر ما كان يَحملُهُ ذلك الوَجْهُ مِنْ قَلق ومِنْ حَساسيّة أيضاً، فقد انْجَذَبْتُ إلى تَأَمُّل بورتريه الشاعر عبْرَ حوارات لَوْنيَّة مُتَحَرِّرَة، تُحاولُ خَلْقَ تَمَاهٍ بَيْنَ النّصّ - القصيدة والبورتريه - الشاعر».
في حين قال الهيطوط إن «محمود درويش شاعرٌ كبيرٌ، استعادَتُهُ بالرَّسْم والصِّبَاغة ستكُونُ شيىئاً مُهمّاً ودالاًّ في الوَقت نفسه، لِمَا قدَّمَهُ للفَنّ والشِّعر والجَمَال. كرسَّام أنا مَدينٌ للشِّعْر بالشَّيْءِ الكثير. أحبُّ الشّعر، ومحمود درويش كان دائماً بالنِّسبة إليّ واحداً ممنْ ألْهَمَتْني أشعارُهُم وأوْحَت لي بالشَّيْء الكثير. درويش اسم كبيرٌ في مجال الإبداع والفنّ، وبذلك كان وسيَظَلُّ مُلْهِماً لجيلي وللأجْيَال القادِمَة».
يشار إلى أن درويش سبق له أن زار مدينة الرباط، حيث استمتع المغاربة بقراءاته الشعرية، قبل أن يقرأوا له كلاماً جميلاً في عاصمتهم، في عدد من كتاباته، بينها يوميات «أثر الفراشة»، حيث نقرأ: «في مدينة الرباط، المرفوعة على أمواج الأطلسي العالية، يمشي الشاعر على الشارع بحثاً عن مصادفة المعنى وعن معنى المصادفة. يعرف النخيل جيداً، ويسأل المارة عن أسماء الأشجار الأخرى، حاملة الجَمْر، دون أن يحصل على جواب واحد، كما لو أن الشجر وجهة نظر أو استعارة. لكن المارة يسألونه عن وجهة الاستعارة في قصيدة ما نسي أنه كاتبها، فلا يقدم جواباً واحداً، كما لو أن الاستعارة شجرة مجهولة الاسم. من تحية إلى تحية، يمشي الشاعر على الشارع كأنه يمشي في قصيدة غير مرئية، يفتتحها شيخ مغربي ينحني على كسرة خبز... ينفض عنها التراب، ويقبّلها ويَدّخرها رزقاً للطيور في ثغرة جدار. ولي... في مدينة الرباط مكان شخصي هو مسرح محمد الخامس. هناك تمتلئ نفسي بما ينقصها من ضفاف. ما أعرفه عن نفسي - وهو قليل - يكفي لأن أتوحد مع هذا المعبد المفتوح لمفاجآت الإلهام. كأني هناك لا أقرأ ولا أنشد، بل أرتجل ما يملي عليّ الصمت والضوء الخافت والعيون التي ترسل الإشارات، فأصوغها في عبارات، وأعيدها إلى أيد تمسك بها كما لو كانت مادة شفافة مصنوعة من هواء. كأني أقرأ شعر غيري، فأطرب لأنه شعر غيري، وأنا لا أنا إلا بقدر ما يكون الشعر هو الشاعر. لكني أسترق النظر إلى فتاة تضحك وتبكي في ركن القصيدة القصيّ.
فأبكي وأضحك لها متواطئاً معها على فتح أبواب المسرح للتأويل. وللمغاربة أن يقولوا: نحن من أوحى إليه!».



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».