وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت... رأى التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الأميركي الحادي والأربعين جورج بوش الأب عن 94 عاماً

الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)
الرئيس الراحل في المكتب البيضاوي عام 1992 (أ.ف.ب)

توفي الجمعة، جورج هربرت ووكر بوش، الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة الذي أدار انتهاء الحرب الباردة وحرر الكويت من قبضة الرئيس العراقي صدام حسين، عن عمر ناهز 94 عاماً. ومع تراجع نفوذ الشيوعية السوفياتية، جعلت تحركات بوش العسكرية والدبلوماسية الولايات المتحدة أكبر قوة عظمى في العالم. تزامنت ولايته الرئاسية التي استمرت من 1989 إلى 1993 مع انتهاء الحرب مع المعسكر الشيوعي. وفي عام 1990، أعلن «النظام العالمي الجديد» وقاد حملة إخراج القوات العراقية من الكويت على رأس تحالف ضم 32 بلداً، لكنه رأى أن التدخل في الشرق الأوسط ينذر بفوضى مقبلة. وفاته جاءت بعد أشهر فقط على وفاة زوجته بربارا، التي تزوجها عام 1945 ورزق منها بـ6 أولاد وعاش معها ما يقارب 73 عاماً. وأعلن وفاة جورج بوش ابنه الرئيس الأسبق جورج ووكر بوش في وقت متأخر من يوم أول من أمس (الجمعة). وقال في بيان نشره الناطق باسم العائلة على موقع «تويتر»: «يحزننا أنا وجيب ونيل ومارفن ودورو أن نعلن وفاة والدنا العزيز بعد 94 عاماً مميزة». وأضاف جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة من 2001 إلى 2009، أن والده «كان من أرفع الشخصيات وأفضل أب يتمناه أي ابن أو ابنة».
لم ينتخب بوش لولاية رئاسية ثانية وهزم في انتخابات 1992 أمام خصمه الديمقراطي بيل كلينتون، الذي أصبح صديقاً مقرباً له. وقال كلينتون في رسالة وجهها باسمه وباسم زوجته، إن «قلة من الأميركيين يمكنهم أو سيتمكنون من منافسة الرئيس بوش في الطريقة التي خدم فيها الولايات المتحدة». أما الرئيس السابق باراك أوباما فقال إن «أميركا خسرت رجلاً وطنياً وخادماً متواضعاً»، مشيداً بعمله الذي سمح «بخفض آفة الأسلحة النووية وتشكيل تحالف دولي واسع لطرد ديكتاتور من الكويت». ورأى أن دبلوماسية جورج بوش الأب أسهمت في «إنهاء الحرب الباردة دون إطلاق رصاصة واحدة».
وأشاد ميخائيل غورباتشوف، آخر زعماء الاتحاد السوفياتي أمس (السبت)، بدور الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش في إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وأجرى بوش الأب محادثات مع غورباتشوف قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991 ووقع معه اتفاقاً تاريخياً للحد من التسلح، ما أدى لخفض ملحوظ في الترسانة النووية للبلدين.
ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية للأنباء عن غورباتشوف قوله: «كثير من ذكرياتي مرتبط به. قدر لنا أن نعمل معاً في سنوات تغييرات كبرى. كانت أوقاتاً مفعمة بالأحداث تتطلب مسؤولية ضخمة من الجميع. النتيجة كانت نهاية الحرب الباردة وسباق التسلح النووي». وتابع: «أقدم التحية لمساهمة جورج بوش في ذلك الإنجاز التاريخي. كان شريكاً حقيقياً».

وبعد أن قال بوش إن عدوان صدام «لن يستمر»، تغلبت قوات بقيادة الولايات المتحدة على الجيش العراقي في حرب الخليج وأخرجته من الكويت، لكن الأمر لم يصل إلى حد السيطرة على العاصمة العراقية بغداد. لكنه تفاعل بحزم مع غزو الكويت ما أدى إلى شن أوسع هجوم بري منذ عام 1945. وبعد هزيمة العراق، لامست شعبيته نسبة 90 في المائة.
ونعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب جورج بوش الأب مشيداً بـ«التزامه الثابت». وقال في بيان من بوينس آيرس حيث يحضر قمة مجموعة العشرين: «بتميزه وروحه والتزامه الثابت بالإيمان والعائلة وبلده، شكل الرئيس بوش مصدر إلهام لأجيال من المواطنين الأميركيين».
بقي بوش الأب 12 عاماً في البيت الأبيض؛ 8 منها نائباً للرئيس رونالد ريغان قبل انتخابه رئيساً لمدة 4 سنوات. وتزامنت ولايته الرئاسية مع انتهاء الحرب الباردة، وهذا ملف أداره بحذر شديد. كما أمر بوش بتدخل عسكري لإقالة رئيس بنما مانويل نورييغا. لكن هذه النجاحات في الخارج لم تسعفه أواخر عام 1992 في التغلب على بيل كلينتون الذي يصغره بـ22 عاماً. هزيمته تم تلخيصها من خلال تعبير أحد مستشاري كلينتون: «إنه الاقتصاد يا غبي».
لقد وعد بوش إبان حملته الانتخابية عام 1988 بعدم زيادة الضرائب، إلا أنه وافق عليها بموجب ضغوط من الكونغرس. كما شهدت الولايات المتحدة حالة من الركود عامي 1991 - 1992 أدت إلى ارتفاع حاد في معدلات البطالة.
جورج بوش كان جمهورياً معتدلاً معروفاً بدبلوماسيته وقدرته على التواؤم مع الديمقراطيين. كان رمزاً لفترة توحد نسبي في واشنطن، لكنها مهدت الساحة رغم ذلك أمام انقسام حزبي تعاني منه واشنطن الآن. فعندما قبل ترشيح الحزب الجمهوري عام 1988 كان بوش، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الرئيس الأسبق رونالد ريغان، يحاول خطب ود المحافظين الذين كانوا أكثر تحمساً لريغان. وفي معرض رده على أسئلة عما إذا كان محافظاً، قال بشكل قاطع أمام المؤتمر العام للحزب الجمهوري: «اقرأوا شفتيَّ... لا ضرائب جديدة». إلا أنه بعد أن أصبح رئيساً وافق على زيادة الضرائب للمساعدة في خفض العجز الحكومي. وأغضب تراجعه هذا المحافظين، ما أدى إلى مواجهة غير معتادة في الانتخابات التمهيدية للحزب بينه وبين جمهوري آخر هو المحافظ بات بوكانان. وتغلب بوش بسهولة على بوكانان ليفوز بترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة، ولكن موقفه من الضرائب وديون البلاد وتراجع الاقتصاد أدى إلى خوض ملياردير من تكساس، هو روس بيرو، حملة انتخابية مستقلة. وفاز كلينتون في السباق الرئاسي بحصوله على 43 في المائة من التصويت الشعبي ليطيح ببوش من البيت الأبيض بعد فترة ولاية واحدة. وهزيمة بوش في انتخابات 1992 أعطت تحذيراً لجيل من الجمهوريين ودرساً في مواجهات اليوم بشأن الميزانية الاتحادية والإنفاق. وبعد ذلك بأعوام، كرمت مؤسسة جون كيندي في عام 2014 بوش بتقليده وسام الشجاعة، مشيدة «بقراره وضع البلاد فوق أي مصالح حزبية وسياسية».
وجورج بوش الأب هو ابن سيناتور وأصبح عضواً في الكونغرس ومديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) ثم نائباً لرئيس الولايات المتحدة قبل أن يتولى الرئاسة من 1989 إلى 1993. وهو والد حاكمي ولاية أصبح أحدهما وهو ابنه الأكبر جورج دبليو بوش رئيساً. وابنه الثاني جيب يعمل في السياسة أيضاً وترشح للانتخابات الرئاسية التمهيدية للحزب الجمهوري في 2016، لكنه هزم أمام دونالد ترمب.
عاش جورج بوش الأب حياة الأرستقراطي في الساحل الشرقي في ضواحي بوسطن، ولاية ماساتشوستس، رغم أن جذوره تعود إلى تكساس. والده بريسكوت كان رجل أعمال أصبح مصرفياً في وول ستريت وممثلاً عن ولاية كونيتيكت في مجلس الشيوخ إبان الخمسينات والستينات. بعد التحاقه بجامعة ييل المرموقة، انضم بوش بعد غارة بيرل هاربور مباشرة إلى الجيش ليصبح في سن الـ18 أصغر طيار في البحرية الأميركية. ونجا من إسقاط طائرته بنيران يابانية عام 1944 فوق المحيط الهادي وتم تسريحه برتبة قائد سفينة.
بعد الحرب، صنع بوش ثروة من النفط في تكساس، وبدأ ممارسة نشاطه في الحزب الجمهوري. في عام 1967، بدأ أولى ولايتيه في مجلس النواب قبل أن يعينه الرئيس ريتشارد نيكسون سفيراً لدى الأمم المتحدة عام 1971. وبعد أن تولى قيادة الحزب في خضم فضيحة ووترغيت، عينه الرئيس جيرالد فورد رئيساً للبعثة الدبلوماسية لدى الصين، ثم في رئاسة وكالة الاستخبارات، قبل أن تتم الإطاحة به إثر وصول جيمي كارتر إلى السلطة. وقد خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في انتخابات عام 1980 الرئاسية، لكن رونالد ريغان هزمه، قبل أن يختاره لمنصب نائب الرئيس.
تقاعد بعد هزيمته في ضواحي هيوستن، حيث يحمل المطار الدولي اسمه. وأصبح عام 2001 ثاني رئيس أميركي بعد جون آدامز يرى نجله جورج دبليو بوش رئيساً بين عامي 2001 - 2009 بعد أن كان حاكماً لولاية تكساس مدة 5 سنوات. والأب رياضي برع في القفز بالمظلات (كان آخرها بمناسبة بلوغه 90 عاماً) وملقب «بوش 41» لتمييزه عن ابنه.
وكان الأكبر سناً بين الرؤساء السابقين إلى جانب جيمي كارتر الذي يصغره بـ3 أشهر.
في سنواته الأخيرة، كان يتنقل على كرسي متحرك بسبب مرض باركنسون. ومع ذلك شارك في أبريل (نيسان) 2018 في جنازة زوجته باربرا التي أمضى معها 73 عاماً، وكانت تقول عنه إنه أول صبي أعطته قبلة.
وبعد مغادرته البيت الأبيض، كرس جورج بوش الأب وقته للأعمال الخيرية، خصوصاً عندما تعرضت الولايات المتحدة أو دول مجاورة لكوارث. ومع بيل كلينتون، أسهم في جمع تبرعات لضحايا تسونامي 2004 في آسيا ولمنكوبي الزلزال الذي ضرب هايتي في 2010. وقد ظهر في الآونة الأخيرة إلى جانب بيل كلينتون وجيمي كارتر وباراك أوباما وابنه جورج ووكر بوش، لجمع أموال ومساعدة ضحايا إعصار في تكساس في 2017.
توفي جورج بوش في هيوستن بولاية تكساس محاطاً بأفراد عائلته. وقالت عائلته إن الترتيبات المتعلقة بجنازته ستعلن في الوقت المناسب. لكن جثمان الرئيس الحادي والأربعين للولايات المتحدة يفترض أن ينقل إلى واشنطن من أجل تكريم وطني. وأقام طلاب تجمعاً تكريماً له السبت، في الساعات الأولى أمام المكتبة التي تحمل اسمه في هيوستن.



كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
TT

كيف تحافظ على قوة دماغك وصحته؟ 6 أمور تجنّبها فوراً

التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)
التنقل بين المهام المختلفة قد يعطي شعوراً زائفاً بالإنتاجية (بيكسلز)

يميل كثيرون إلى الإفراط في التفكير والتشكيك في قراراتهم، والانشغال بأسوأ السيناريوهات المحتملة، وهو ما قد يستهلك طاقتهم ويبطئ أداءهم ويجعل الاستمتاع بالحياة أكثر صعوبة. لكن الحفاظ على صحة الدماغ لا يتطلب بالضرورة تغييرات جذرية أو استغلال كل دقيقة من اليوم، بل يمكن تحقيقه من خلال تعديلات بسيطة في أسلوب التفكير والسلوك اليومي.

يرى أليكس كورب، عالم الأعصاب وأستاذ بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن تحسين أداء الدماغ يبدأ بتجنّب بعض العادات الشائعة التي تستنزف الطاقة الذهنية. وبعد أكثر من 20 عاماً من البحث في علم الأعصاب، يؤكد أن التغييرات الصغيرة قد تُحدث فرقاً كبيراً في تعزيز التركيز والشعور بالهدوء ومقاومة الإرهاق، حسب ما أورده في تقرير نشرته شبكة «سي إن بي سي».

وفيما يلي أبرز 6 أمور ينصح كورب بتجنّبها للحفاظ على قوة الدماغ وصحته:

1. تجاهل القلق

يُنظر إلى القلق غالباً بوصفه أمراً سلبياً، لكن كورب يعتبره بمثابة «نظام إنذار» يصدر إشارات من الجهاز الحوفي- مركز العواطف في الدماغ- لينبّهك إلى ما هو مهم. تجاهل هذا الشعور قد يجعلك غير قادر على التمييز بين المواقف التي تتطلب استجابة فورية وتلك التي لا تستدعي القلق. لذلك، من الأفضل التوقف لحظة عند الشعور بالقلق، ومحاولة فهم مصدره، وطرح سؤال بسيط: ماذا يخبرني هذا الشعور عن أهمية هذا الموقف؟ هذا الوعي يساعد على التعامل معه بفعالية بدلاً من الانفعال أو التجمّد.

2. الاعتماد على النقد الذاتي بوصفه وسيلةً للتحفيز

في حالات الضغط، يفرز الدماغ مواد كيميائية مثل الدوبامين والنورأدرينالين، ما يعزز التركيز مؤقتاً. لكن هذا النوع من التحفيز يأتي على حساب مواد أخرى مرتبطة بالسعادة، مثل السيروتونين والأوكسيتوسين والإندورفين. لذلك، فإن الاعتماد على النقد الذاتي قد يمنح دفعة قصيرة المدى، لكنه يؤدي في النهاية إلى استنزاف الطاقة والشعور بالإرهاق. وعند الشعور بالإحباط، يُنصح بتحويل التركيز من النتائج السلبية إلى الأهداف الإيجابية التي تسعى لتحقيقها.

3. الهوس بتتبع جودة النوم

قد يبدو تتبع النوم باستخدام الأجهزة الذكية مفيداً، لكنه قد يتحول إلى مصدر إضافي للقلق، خصوصاً عندما تنشغل ببيانات لا يمكنك التحكم بها مباشرة. بدلاً من ذلك، يُفضّل التركيز على العادات التي تدعم نوماً جيداً، مثل التعرض لضوء الشمس صباحاً، والحفاظ على مواعيد نوم منتظمة، وممارسة الرياضة، واتباع روتين مسائي هادئ يساعد على خفض مستويات التوتر.

4. تعدد المهام عند الحاجة إلى تركيز عميق

قد يعطي التنقل بين المهام المختلفة شعوراً زائفاً بالإنتاجية، نتيجة دفعات صغيرة من الدوبامين. لكن في الواقع، يؤدي ذلك إلى إرهاق قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن اتخاذ القرارات وحل المشكلات. هذا الإرهاق قد ينعكس في صورة أخطاء متكررة وإجهاد ذهني. لذا، عند الحاجة إلى التركيز، يُفضّل تقسيم العمل إلى فترات زمنية قصيرة، والتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

5. تجاهل المشاعر بحجة التفاؤل الدائم

رغم أهمية التفكير الإيجابي، فإن تجاهل المشاعر السلبية أو إنكارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فمحاولة فرض التفاؤل قد تعيق القدرة على التعامل مع الواقع. الأفضل هو الاعتراف بالمشاعر وتسميتها بوضوح، إذ يساعد ذلك على تخفيف الضغط عن اللوزة الدماغية، ويمنح الدماغ فرصة لاستعادة توازنه والتعامل مع الموقف بوعي أكبر.

6. ربط القيمة الذاتية بالإنتاجية فقط

يرتكب كثيرون خطأ ربط قيمتهم الذاتية بمدى إنتاجيتهم أو إنجازاتهم، ما يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر والإرهاق على المدى الطويل. ويشير كورب إلى أن هذا النمط قد يمنح دفعات مؤقتة من التحفيز، لكنه يستنزف الطاقة النفسية مع الوقت. لذلك، من المهم تذكير النفس بأن القيمة الذاتية لا تقتصر على الإنجاز، وأن بذل الجهد بحد ذاته أمر كافٍ.


من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.