خلافات الحكام على السلطة تعمّق جراح الجنوب الليبي

بين تراجع الخدمات ونقص الوقود... وهيمنة الجماعات المسلحة

أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
TT

خلافات الحكام على السلطة تعمّق جراح الجنوب الليبي

أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)
أحد أحياء فزان التي تعرضت للإقصاء والتهميش («الشرق الأوسط»)

عندما جرى اختطاف مسؤول طبي يُدعى «مفتاح» في مدينة سبها، الواقعة على بعد نحو 800 كلم إلى الجنوب من طرابلس، على يد مسلحين، لم يكن الأمر مجرد حالة معزولة، بل حلقة في مسلسل طويل لوقائع الخطف التي تعرض لها عشرات الليبيين خلال الأسابيع الأخيرة بهدف الحصول على فدى مالية من ذوي المخطوفين وقبائلهم.
في هذا الإقليم المنسي، المعروف تاريخياً باسم «فزان»، تنتشر جماعات من المتطرفين وقطاع الطرق بين دروب طويلة تربط مدناً عدة. وفي هذا السياق، قال مسؤول أمني في سبها «بعد أن هجمت ثلاث سيارات على مفتاح، وهو في طريقه إلى عمله، ابتعدت به عشرات الكيلومترات، ثم اتصلت بقبيلته لسداد مبلغ يقدر بنحو نصف مليون دولار، أو قتله».
وبينما يستعد لتفقد الدروب الصحراوية المجاورة، يضيف المسؤول شاكياً: «إمكاناتنا ضعيفة، وسياراتنا الصحراوية قليلة، وتسليحنا بسيط؛ مجرد بنادق كلاشينكوف، بينما الجماعات الإرهابية تملك مدافع عيار (14.5) ولا نعرف كيف نتصرف في مثل هذه الأحوال».
يحرص معظم القادة الأمنيين والقبليين في الجنوب على عدم التورط في خلافات مع حكام الشمال المتصارعين بين سلطتين، إحداهما بقيادة فايز السراج في مدينة طرابلس غرباً، والأخرى برئاسة عبد الله الثني في مدينة البيضاء شرقاً.
بدوره، يؤكد عيسى عبد المجيد، رئيس الكونغرس التباوي، وهو مجلس يمثل قبيلة التبو التي تتمركز في الجنوب، الذي كان في السابق مستشاراً لرئيس مجلس النواب، ولعب دوراً في تهدئة الأوضاع في مدن عدة، أن «الخدمات في المدن الرئيسية بالمنطقة تراجعت إلى حد مخيف، رغم أن الجنوب يحوي مخزوناً ضخماً من النفط والغاز والمياه والذهب، وغيره». ويقول بنبرة مليئة بالاحتجاج، «يبدو أن جنوب ليبيا سقط من ذاكرة الحكام المتصارعين على السلطة... في حين أن جماعات (داعش) وآخرين من المسلحين التشاديين يشنون هجمات على أبناء الجنوب، دون أي قدرة على الحماية من جانب الأجهزة المسؤولة في الدولة».
في فزان تنتشر قبائل «التبو» و«الطوارق» و«أولاد سليمان» و«المقارحة» و«القذاذفة» و«زويّة»، بالإضافة إلى من يطلق عليهم «الأهالي». وقد دخلت معظم هذه القبائل في صراعات مسلحة خلال الشهور الماضية. ويبدو أن هذا الأمر مكَّن مسلحين غرباء من استغلال الموقف، والتمركز بسيارات الدفع الرباعي، المزودة بالمدافع على تخوم المدن، بحثاً عن الأموال.
وتستهدف عمليات الخطف شخصيات ثرية، أو شخصيات تنتمي لقبائل يمكنها أن تلزم أبناءها بالمشاركة في سداد المبلغ المطلوب للمسلحين، لإنقاذ أحد أفرادها. وقد تراجعت حركة السيارات بين مدن الجنوب، بعد تزايد سطوة المسلحين على الطرق، وأصبح الانتقال من مكان إلى آخر، حتى بين الأقارب، محفوفاً بالمخاطر. كما سيطرت جماعات متطرفة على شاحنات نفط مخصصة لكثير من محطات التموين في مدن فزان.
في عهد الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، كانت توجد خمسة مطارات جوية، تعمل على ربط سكان الجنوب بباقي ليبيا، وكذلك بالعالم الخارجي مباشرة. لكن كل هذه المطارات باتت متوقفة الآن، حسب عبد المجيد الذي أوضح أن «حكام الشمال يعلنون بين وقت وآخر عن تخصيص ملايين الدولارات لمدن فزان. لكن لا نرى شيئاً على الأرض. فأين تذهب كل هذه الأموال؟ لا أعرف».
وبعد شهور من الاقتتال، أصبحت غالبية قبائل الجنوب تبحث عن حل للمعاناة التي تعيشها، خصوصاً بعد أن ظهر على الساحة خصوم جدد للجميع، وهم الجماعات المسلحة المكونة من متطرفين ومتمردين قادمين من دول أخرى. ونتيجة لذلك أصبحت وفود قبلية تنتقل من اجتماع لاجتماع، أملاً في إصلاح ما يمكن، كان آخر هذه الاجتماعات في مكتب عميد بلدية مدينة تازربو، حيث تشعب الحديث إلى اجترار ذكريات إقليم فزان، حين كان في النصف الأول من القرن الماضي، من مراكز مقاومة الاحتلال الأجنبي المهمة بسبب وجوده في قلب الصحراء.
ورغم أن عدد سكان فزان يبلغ نحو نصف مليون نسمة، أي ربع عدد سكان إقليم طرابلس تقريباً، إلا أن الخدمات التي يتلقاها السكان تعتبر ضئيلة مقارنة بطرابلس. يقول أحد قادة القبائل معلقاً على ذلك، «لم يصل من السلع الغذائية المدعومة إلى مدن فزان خلال الشهور الأخيرة، سوى نحو مليوني دولار، مقارنة بما وصل إلى إقليم طرابلس، التي تقدر قيمتها بنحو 25 مليون دولار... وهذا ينطبق على باقي الخدمات... ظلم في القِسمة، وتدهور في مرافق الصحة والتعليم والزراعة».
وتتشابه شكاوى برقيات أرسلها قادة قبليون وعمداء بلديات من إقليم فزان إلى الشمال، في الآونة الأخيرة، حيث يتضمن معظمها تحذيراً من نزوح للسكان من المنطقة، ومن انتشار الجماعات المتطرفة والمسلحة القادمة من خارج ليبيا، بالإضافة إلى النقص الحاد في السيولة بالمصارف التي ما زالت تعمل، ومنها فروع المصارف الزراعية.
وحتى 19 من الشهر الحالي، لم تكن ميزانيات عدة بلديات قد وصلت إلى مصارف فزان. وفي هذا الصدد يقول مسؤول في بلدية تازربو، البالغ عدد سكانها نحو عشرة آلاف نسمة، «مئات العائلات نزحت من هنا، بعد تدهور الأمن، وانتشار المسلحين، وإغلاق معظم المصارف لأبوابها».
في السياق ذاته، يؤكد عبد المجيد أن الحكومتين المتنافستين لا تتحركان إلا إذا حدثت مشكلة كبيرة في الجنوب، حيث تسارع كل منهما للإعلان عن تخصيص أموال لمدن الجنوب «لكن للأسف لم نر أي إنفاق على الأرض».
وبينما يشكو الناس من العوز، قامت مجموعة مسلحة في مدينة «أم الأرانب» بخطف عدد من المواطنين، كما جرت عملية أخرى ضد نحو عشرة من أبناء منطقة الفقهاء، فيما قام «الدواعش» باختطاف عدد آخر من أبناء الجنوب. وبهذا الخصوص يقول رئيس الكونغرس التباوي «حدث كل هذا بشكل متتابع... لقد استشهد أيضاً خمسة من أبناء التبو. وأربعة من أهالي المنطقة الجنوبية. فأين المسؤولون من كل هذا؟».
ومع دخول فصل الشتاء، بدأ السكان يعانون من نقص حاد في أسطوانات غاز الطهي، وتضاعفت أسعار الأسطوانة عدة مرات خلال أسابيع، خصوصاً في مدينة مرزق. فيما يسرد أبناء المدينة معاناتهم اليومية مع نقص العلاج، والاضطرار إلى السفر براً عبر الطرق البرية الطويلة وغير الآمنة للوصول إلى طرابلس أو بنغازي.
ومما زاد الطين بلة، توقف ماكينة التصوير الخاصة بجوازات السفر في مرزق، وهو ما أرغم المواطنين الراغبين في العلاج خارج ليبيا على السفر مئات الكيلومترات باتجاه مدن الشمال من أجل استخراج جواز سفر. يعلق عبد المجيد على هذا الوضع قائلاً: «هذه جريمة. فكيف يُطلب من الإنسان المريض أن يقطع كل هذه المسافة لكي يستخرج جواز سفر. كثير من المسافرين يموتون قبل الوصول للشمال... والسفر على هذه الطرق المتفرعة من طريق سبها - طرابلس أصبح مجازفة»، مضيفاً أن الحالة التي وصل إليها الجنوب «باتت مروعة... فلو نجوت من الإرهاب، فلا توجد أمامك أدوية في المستشفيات... مستشفيات غير صالحة للاستعمال... شلل في الخدمات بمدن مرزق، وسبها، وأوباري، وأم الأرانب، والقطرون وغيرها».
علاوة على ذلك كله، أغلقت معظم محطات الوقود أبوابها بسبب نقص البنزين والديزل. يقول عبد السلام محمود، وهو مسؤول محطة لتموين السيارات على طريق سبها، إن جماعات مسلحة تستغل الفراغ الأمني استولت على حصته من البنزين. وأضاف هذا الرجل، الذي ينتمي لقبيلة «أولاد سليمان» كبيرة العدد: «نريد من ينجدنا».
في فزان تنتشر آلاف الآبار المغذية للنهر الصناعي الذي تعتمد على مياهه مدن الشمال. ويوجد حول بلدة تازربو وحدها نحو مائة بئر من هذا النوع. وبين حين وآخر يستهدف المسلحون مضخات الآبار لتعطيل تدفق المياه، في محاولة للتأثير على صناع القرار في طرابلس والبيضاء، كما حدث مرات عدة منذ الصيف الماضي حتى الآن.
لقد كانت أنظار الليبيين تتجه إلى محاولات دولية وإقليمية لتوحيد الدولة تحت سلطة محددة المعالم. لكن يبدو أن كل الجهود ما زالت تراوح مكانها، بما فيها المؤتمر الأخير الذي انعقد برعاية إيطالية في مدينة باليرمو قبل أسبوع. وبدلاً من التوصل إلى حكومة واحدة، أصبح الانقسام في البلاد يثير مخاوف الجميع، ويعزز من تدهور أوضاع إقليم فزان. على سبيل المثال، فإن تمويل الخدمات في تازربو يعتمد على الحكومة المؤقتة في البيضاء، بينما تعتمد بلديات أخرى مجاورة في الإقليم على حكومة الوفاق المنافسة في طرابلس.
الأخطر من ذلك كله يكمن في ارتفاع وتيرة التنافس على الصعيد العسكري، حيث شهدت طرابلس مؤخراً اجتماعات لقادة جماعات مسلحة محسوبة على المجلس الرئاسي، لترتيب نشر قوات موالية للسراج في فزان، في محاولة على ما يبدو لاستباق جهود يقوم بها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، لبسط يده على كل الإقليم. ولا تعطي حالة تربص لميليشيات عدة للسيطرة على طرابلس، فرصة لقوات حكومة الوفاق للانتقال للجنوب أو التأثير فيه. كما أن استقالة نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، موسى الكوني، ابن قبيلة الطوارق ذات الحضور في فزان منذ بداية العام الماضي، ساهم في فقد المجلس بوصلة الجنوب، رغم وجود نائبين آخرين يمثلان المنطقة، إلا أنهما لا يعكسان أي ثقل قبلي يذكر، وذلك بسبب ارتباط أحدهما بجماعة «الإخوان»، وضعف الآخر على المستوى السياسي والاجتماعي، كما يقول المستشار السابق لرئيس مجلس النواب.
ويوجد مسؤول عن الجنوب كذلك في الحكومة المؤقتة، إلا أن مكتبه الدائم يقع في بنغازي، وليس في فزان، يعلق على ذلك عيسى عبد المجيد بقوله «كان ينبغي على المجلس الرئاسي أن يعين بديلاً لموسى الكوني... كما كان ينبغي على الحكومة المؤقتة أن يكون مكتبها الخاص بالجنوب في إحدى مدن فزان. وعدم اهتمام حكومتي الشرق والغرب بالجنوب أدى لانتشار الفوضى، والإرهاب، و(الدواعش)».
وبعيداً عن هذا التشتت، يعوِّل قادة قبائل في فزان على نتائج زيارات قام بها المشير حفتر لدول مثل تشاد والنيجر في الأسابيع الماضية لكبح جماح المسلحين الذين يخترقون الحدود الجنوبية.
وسبق للعميد أحمد المسماري، المتحدث الرسمي باسم الجيش، أن شدد على ضرورة رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي حتى يتمكن من الإسراع في مهمته للقضاء على العصابات المسلحة التي تخترق الحدود، وتثير الفوضى في الجنوب. وقال إن «الجنوب بات عرضة لعدد من المجموعات المسلحة القادمة من وراء الحدود، ولعصابات إجرامية أخرى... دخلوا حين وجدوا أرضاً مفتوحة ومستباحة. وانتشر خطف المواطنين، والابتزاز، وطلب الفدى».



السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
TT

السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)

اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا، أمس الأحد، إريتريا والسودان بدعم متمرّدي تيغراي؛ الإقليم الشمالي في إثيوبيا الذي أعلنت سلطاته أنها تخوض «حرباً شاملة» ضد الحكومة الفيدرالية.

ورفضت القوات المسلّحة السودانية اتهامات جولا، ووصفتها بأنها «لا أساس لها من الصحة». وقالت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في بيان، مساء الأحد، إن لديها «معلومات ووقائع» بشأن استمرار ما وصفته بدعم وإسناد «قوات الدعم السريع» من الأراضي الإثيوبية، مشيرة إلى التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية؛ بينها تشغيل طائرات مُسيرة استراتيجية وانتحارية.

https://www.facebook.com/sudanese.armed.forces/videos/في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة87-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAA-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9في المائةD8في المائةA8في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA3في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةAF-في المائةD9في المائةA2في المائةD9في المائةA7-في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA8/1792025802120885/?locale=ar_AR

وأكد الجيش السوداني التزامه بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، مشدداً على أنه لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنه، في الوقت نفسه، «لن يسمح بالمساس بسيادته أو أمنه الوطني».

ودعا الجيش السوداني الجانب الإثيوبي إلى تحري الدقة والمسؤولية، والاحتكام إلى الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ أمن واستقرار البلدين والمنطقة، مؤكداً أن القوات المسلحة السودانية ستظل يقِظة في حماية حدود الوطن وسيادته، وقادرة على التصدي لكل ما يهدد أمنه واستقراره.

ويحيي تجدُّد الأعمال العدائية، منذ أشهر بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، المخاوف من اندلاع حرب جديدة في إثيوبيا، بعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب التي احتدمت بين عاميْ 2020 و2022 وأسفرت عن مقتل 600 ألف شخص على الأقلّ، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي.

وسيطر متمرّدو الجبهة، الأربعاء، على مطار عاصمة الإقليم، ميكيلي، ومطارين آخرين، وتوغّلوا في إقليميْ عفر وأمهرة المجاوريْن، بعدما أعلنوا أنهم يخوضون «حرباً دفاعية» ضدّ حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مصدر إنساني إن مُقاتلي «جبهة تحرير شعب تيغراي» سيطروا، أمس الأحد، على بلدة إريبتي في إقليم عفر، قرب الحدود مع الإقليم، مضيفاً أنهم يتقدّمون حالياً نحو بلدة أفديرا الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق.

وقدّر المصدر عدد النازحين في إقليم عفر بنحو 150 ألف شخص، مؤكداً صعوبة تحديد رقم دقيق. ويهدف الهجوم على عفر إلى قطع خطوط الإمداد الآتية من جيبوتي، التي تُشكّل مصدر غالبية الواردات الدولية إلى إثيوبيا، ومن بينها شحنات الوقود.

من جهته، صرّح برهانو جولا، عبر قناة الجيش على «يوتيوب»، قائلاً: «(إنّنا) نقاتل قوات منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية»، مضيفاً: «لا تستطيع شابيّا (إريتريا) ولا جبهة تحرير شعب تيغراي تحقيق أيّ شيء بمفردهما، حتى لو تحالفتا، ما لم تتلقّيا دعماً وإسناداً وإمدادات من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى».

ونفت مصر التدخل في اضطرابات إثيوبيا، وقال مصدر مصري مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

استهداف التلفزيون العام

أعلنت سبع مجموعات معارِضة للحكومة الفيدرالية من أقاليم عدة؛ من بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» وميليشيات «فانو» الأمهرية و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف من أجل «إطاحة» حكومة أديس أبابا.

وتوعّد هذا التحالف بأنه سيردّ بـ«هجمات مضادة واسعة النطاق» على هجمات القوات الفيدرالية.

وأُصيب مبنى تلفزيون تيغراي في العاصمة ميكيلي بمُسيّرة، صباح الأحد، وفق ما أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» مراسلون في القناة الناطقة باسم سلطات تيغراي.

وقال أحد المراسلين: «سمعنا انفجاراً قويّاً ناجماً عن غارة بمسيّرة في مكان آخر وغادرنا المبنى. وبُعَيد مغادرتنا، أُصيب مبنى التلفزيون». وأوقفت القناة، التي تُوظّف أكثر من 400 صحافي، بثّها المباشر، وفق مراسل آخر، في حين أظهرت صورٌ التقطها مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» واجهة المبنى متضرّرة.

كانت السلطات الفيدرالية الإثيوبية قد أعلنت، الاثنين الماضي، تعليقَ عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في حين لم يصدر أيّ تعليق عن إدارة القناة.

حصار ومخاوف من تجدّد الحرب

ومنذ الجمعة الماضي، تشهد مناطق في شمال إثيوبيا انقطاعاً في شبكتَي الهاتف والإنترنت، ما صعّب متابعة التطورات الميدانية.

وذكرت منظمة «نت بلوكس»، عبر منصة «إكس»، أن «بيانات الشبكة تشير إلى انقطاع في خدمة الإنترنت على مستوى إقليمي في شمال إثيوبيا، يتزامن مع تقارير تفيد بحدوث انقطاع في الاتصالات بإقليم تيغراي».

ويخشى سكان الإقليم تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات والحصار الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على تيغراي، خلال الحرب الأخيرة، حين قطعت الكهرباء والخِدمات المصرفية، وتوقفت معظم المساعدات الإنسانية عن الوصول إلى الإقليم.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإثيوبية تتمتّع بتفوق عسكري واضح، فضلاً عن دعم دول خارجية، لكن النزاع قد يستدرج إريتريا المجاورة إلى ساحة المواجهة إلى جانب المتمردين، في ظل مخاوفها من سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى الحصول بالقوّة على مَنفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة في عام 1991 وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء في 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن اتفاق بريتوريا للسلام أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، لكن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنّت الحكومة الاتحادية، منذ ذلك الحين، غارات على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

واتهمت منظمات حقوقية جبهة تحرير شعب تيغراي بإطلاق حملات تجنيد قسري، خلال العام الحالي، استعداداً لاستئناف القتال.


ضربات جوية وبرية تستنزف الحوثيين في تعز

الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
TT

ضربات جوية وبرية تستنزف الحوثيين في تعز

الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)
الدخان يتصاعد قرب مبانٍ في تعز بعد ضربة استهدفت هدفاً حوثياً (رويترز)

دخلت جبهات تعز في جنوب غرب اليمن مرحلة جديدة من القتال المكثف مع انتقال الضربات الحكومية من خطوط التماس إلى عمق التحركات العسكرية الحوثية، واستهداف تعزيزات ومواقع ومخازن أسلحة في مناطق متفرقة من المحافظة، بالتزامن مع مواجهات ميدانية ومحاولات تسلل أحبطتها القوات الحكومية.وشنت مقاتلات حربية غارات على مواقع وتجمعات حوثية في الحوبان ومفرق ماوية والذكرة والأكبوش وحيفان، إضافة إلى رتل إمداد في شارع الستين شمال مدينة تعز وتعزيزات في الوازعية غرباً، في حين شاركت الطائرات المسيّرة والمدفعية في استهداف آليات وتجمعات على عدد من المحاور.

وأعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل في الأحطوب بجبل حبشي، وقصف آلية حوثية في الكدحة وتجمعات في الأقروض. في حين استمرت المواجهات حول جبل نُمان وكهبوب والعلَقمة وراسن، من دون تسجيل تحول رئيسي في خريطة السيطرة.

وتزامن ذلك مع تصاعد مؤشرات الخسائر الحوثية؛ إذ أفادت بيانات رصد يمنية بتشييع 422 من عناصر الجماعة خلال الشهر الحالي، بينهم قيادات وضباط، مع صعوبة تأكيد اعتبار الرقم حصيلة نهائية.


جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
TT

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)
وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

وتقع جيبوتي بشرق أفريقيا على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، وتحدها إريتريا من الشمال، وإثيوبيا من الغرب والجنوب، والصومال من الجنوب الشرقي، بينما تطل شرقاً على البحر الأحمر وخليج عدن؛ وعلى الجانب المقابل عبر البحر الأحمر يقع اليمن الذي تبعد سواحله عنها نحو 20 كيلومتراً.

ووسط هذا المحيط المضطرب، يعتقد خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن جيبوتي ستواجه ضغوطاً متزايدة من حيث التكلفة والاستقرار، ما لم يستجب المجتمع الدولي لمناشداتها، متوقعاً أن تلعب دور وساطة بحكم علاقاتها المتوازنة مع دول الجوار.

مناشدة دولية

وكشف وزير خارجية جيبوتي، عبد القادر عمر، أن آلاف الفارين تدفقوا إلى بلاده جراء العنف في اليمن؛ ما يفرض ضغوطاً كبيرة على المجتمعات المضيفة في منطقة أوبوك، وكذلك على القدرة الاستيعابية لمخيم اللاجئين المعروف باسم مركزي، ووصل العدد، وفق تقديرات الأمم المتحدة، إلى 10 آلاف شخص.

وقال عمر في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مساء السبت، إن جيبوتي لا تستطيع وحدها تلبية الاحتياجات المتزايدة من المأوى والغذاء والخدمات الأساسية، داعياً المجتمع الدولي إلى تكثيف دعمه كي يتسنى لحكومة بلاده الاستجابة على نحو ملائم لهذا التدفق.

يمنية تنشر ملابس في مخيم للنازحين بعدما اجتاح الحوثيون قريتها (أ.ف.ب)

والفرار من اليمن، الذي يشهد مواجهات مسلحة متصاعدة منذ أسابيع، ليس وحده التحدي البارز أمام جيبوتي، فهناك أيضاً عودة الصراع في الجارة إثيوبيا مع استيلاء «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنها هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة.

ويرجح المحلل السياسي التشادي المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن تبقى جيبوتي تحت ضغط اضطرابات دول الجوار خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع استمرار الحرب في اليمن، وتزايد التوترات في إثيوبيا، وذلك بحكم موقعها الجغرافي الحساس واتصالها المباشر بالبحر الأحمر وباب المندب.

عبء إنساني وأمني

وتتعامل جيبوتي مع تدفق الفارين بوصفه عبئاً إنسانياً وأمنياً متزايداً، في وقت تظل فيه قدراتها الاقتصادية والبنية التحتية محدودة مقارنة بحجم المخاطر المحيطة بها.

ويقول عيسى إن أهمية موقع جيبوتي الاستراتيجي لا تعني بالضرورة حصولها تلقائياً على مستوى الدعم الذي تحتاجه لمواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية للأزمات الإقليمية. وحذر من أن استمرار تلك الضغوط لمدة طويلة قد يرفع تكلفة الاستقرار، خصوصاً إذا تزايدت أعداد الفارين، واتسع الصراع في إثيوبيا، وارتفعت تكاليف الخدمات والإيواء، واتسعت تداعيات اضطراب التجارة والملاحة في البحر الأحمر.

ورجح أنه حال بدء الدعم الدولي والإقليمي بمستوى يتناسب مع حجم هذه التحديات، فإن جيبوتي سيكون لديها قدرة أكبر على المحافظة على استقرارها والاستمرار في أداء دورها المحوري في أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الوساطة واردة

ووسط تلك الأزمات المحيطة بها، دعت جيبوتي في بيان للخارجية نقلته وكالة الأنباء الرسمية، الأحد، إلى خفض التصعيد في إثيوبيا، وتسوية النزاعات من خلال الحوار.

ويعتقد عيسى أن جيبوتي يمكن أن تتجه إلى توسيع حضورها الدبلوماسي عبر لعب دور الوسيط أو الميسّر في بعض أزمات الإقليم، خاصة أنها تمتلك خبرة في التواصل مع أطراف متعددة، وتتمتع بعلاقات متوازنة نسبياً مع قوى إقليمية ودولية مختلفة.

وبحسب عيسى، يبدو الملف اليمني أكثر قابلية لهذا التحرك، بينما يظل الملف الإثيوبي أكثر حساسية؛ ما يدفع جيبوتي إلى تبنّي مقاربة تدريجية تقوم على التشاور وبناء الثقة؛ ما يقلل من أزماتها الداخلية.