«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

تبدأ أحداثها من النهاية التي انشطرت إلى نصفين

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي
TT

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

«جزء مؤلم من حكاية»... التاريخ خادماً للنص السردي

يهيمن المناخ الغرائبي على رواية «جزء مؤلم من حكاية» للكاتب السوداني أمير تاج السرّ الصادرة عن دار نشر «هاشيت أنطوان» ببيروت، وهي رواية ميتاسردية في كثير من جوانبها، حيث يتماهى الواقع بالخيال، ويتلاقح التاريخي بالأسطوري لينجز الروائي في نهاية المطاف نصاً مُهجّناً يخدم فيه التاريخُ الروايةَ ويخضع لشروطها الأدبية والفنية. ولكيلا نشتطّ بعيداً في التنظير نقول إن النَفَس الميتاسردي لهذه الرواية يقتصر على استدعاء الأساطير وتوظيفها في المتن السردي للرواية، خصوصاً فيما يتعلق بالجن وظهورهم كشخصيات سردية مشاركة في صُنع الأحداث، الأمر الذي يعزّز المنحى الغرائبي لهذه الرواية التي تنتمي قلباً وقالباً إلى الواقعية السحرية «العربية»، التي انغمس فيها تاج السرّ في العديد من رواياته السابقة.
تبدأ أحداث الرواية من النهاية التي انشطرت إلى شطرين في لعبة سردية تخالف ما اعتاده القرّاء من بنية تصاعدية وزمن خطّي، وهي لعبة ذكية تضفي على الشكل والمضمون السرديين نكهة جديدة، وآلية تلقٍّ مغايرة في أضعف الأحوال، فيما يبقى النسق الخطي المتصاعد محصوراً ضمن بنية دائرية تفضي إلى النهاية.
أما الزمان الذي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 1750م بمملكة «طير» فيبدأ قبل ذلك بسنوات سابقة لم يحددها الكاتب لكنها يمكن أن تمتد للقرن السابع عشر في مملكة «قير»، وكلا المملكتين من صنع مخيلة الكاتب، ويمكن إسقاطهما على دول كثيرة في العالم.
لابد لقارئ هذه الرواية أن يتساءل أولاً: ما الحكاية التي يقوم عليها النص الروائي؟ وما الجزء المؤلم فيها؟ هل هو الاغتصاب وسرقة براءة الأطفال، أم القتل وسرقة أرواح الكبار؟ أم طبيعة هذا القتل سواء أكانَ طعناً بخنجر مسموم، أم خنقاً بحبل رفيع، أم حرقاً بالنار، أم ضرباً بمطرقة ثقيلة، أم موتاً شفّافاً بأقل قدرٍ من السحجات والتشوّهات؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال الجوهري الذي تتأسس عليه الرواية، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الرواية هي رواية شخصيات وأحداث متشابكة يرويها البطل «مرحلي سواركي» بصيغة المتكلم، لكنه يتيح المجال لشخصيات أخرى أن تمارس فعل السرد وتوضح ما يلتبس عليه من أمور معقدة قد لا تستوعبها قدراته العقلية؛ فثمة شخصيات أخرى يشهد، هو قبل غيره، بذكائها، وتوهجها الذهني مثل سيّده «ديباج كوثري»، أو قارئ الأخبار «المريد مرجان»، أو «خفير جوكو» الذي أتقن مهناً متعددة في فترة زمنية قصيرة. يبدو أن «مرحلي» هو أعقد الشخصيات وأكثرها إشكالية، ولو تتبعنا المحطات الأساسية في حياته لوجدناه متنقلاً بين مهن متعددة؛ أولها مهنة الحاوي التي تعلّمها عند ساحر مغرور يُدعى «الطبطب»، قبل أن ينتقل من بلدته في الشمال إلى كونادي، ثم انتقل إلى صناعة الأقفاص قبل أن يُصبح غاسلاً للموتى تحت إشراف «قدار» بتوصية من «ديباج»، صانع التمائم، كي يكتسب الخشونة، والجَلّد، ومواجهة الموت، ثم أصبح قاتلاً مأجوراً تأتيه الرسائل من «ديباج» وينفذها في الحال من دون أن يعرف الضحية أو الذنْب الذي ارتكبته، والأغرب من ذلك أن «ديباج كوثري» لا يعتبر نفسه قاتلاً، وإنما ناقل رسائل فقط متناسياً أنه أعاد صياغة «مرحلي» وحوّل الشرّ داخله إلى وظيفة، بعد أن أيقن أنه رجل بلا مشاعر. حين هوت على رأس «مرحلي» مطرقة أو صخرة ثقيلة وغرق في الموت استعاد العديد من ضحاياه الذين بلغوا خمس عشرة أو ست عشرة ضحية أبرزهم «صدقات الفارسي»، صياد السمك، وهو ابن عم ديباج وزوج أخته، وسلالة، العروس النضرة، وحرقل، طبّاخ الملك، والياطور حسن، الناشط الاجتماعي المُعارض للسلطة، ومن خلال هذا الأخير نفهم أن كل الجرائم مدبرة بدقة عالية من قِبل بلاط مملكة «قير»، وإن كان الأمير كرم، قائد الشرطة ونجل الملك يدّعي بأنه يطارد القتلة واللصوص في أرجاء المملكة، ويحاول أن يبثّ في أرجائها الأمن والطمأنينة والسلام.
وبموازاة عالَم القتلة والمنحرفين الذي يؤرِّق الناس ويقضّ مضاجعهم يشمخ عالَم الإخباريين الذين يحيطون الشعب بالأخبار والمستجدات اليومية التي تتمحور على جفاف الآبار، واغتصاب الأطفال، وزواج الشيوخ والتجّارة للمرة العاشرة، كما يسرّبون، بين حين وآخر، بعض الأخبار عن عمليات القتل الوحشيّة التي تحدث في العاصمة كونادي، ويتكتمون على البعض الآخر منها بهدف إدامة زخم الترويع، وإبقاء البلاد في حالة توتر دائمة.
وأبرز هؤلاء الإخباريين هم المُريد مرجان الذي صعد نجمه، وحظي بمنزلة رفيعة في القصر الملكي الذي توّجه بوسام الخلود بينما أسرّ إلى مرحلي، القاتل المأجور، بأنه مغتصب الأطفال في المملكة وسارق براءتهم. وبما أن الرواية مليئة بالمفاجآت، وهي أحد عناصر نجاحها، فإن مرجان سيُقتل طعناً بالسكين، وسوف تحوم الشبهات حول «مرحلي» لكننا سنكتشف أن الإخباري الثاني لؤي البرهان هو القاتل، وأنه هو الملثّم الليلي الذي يغتصب الأطفال، وسوف يحل محله في الركن الإخباري بسوق المدينة عبد الحكيم الزرافة. كان مرجان قوي الملاحظة، لذلك سمّوه لحّاظاً، ومن دلائل ملاحظاته الحادّة أنه أخبر «مرحلي» ذات مرة بأنه لا يتردد على ركن الأخبار منذ عشر سنوات، لكنه يأتي مسرعاً بعد حدوث أي جريمة قتل في كونادي، وهذه الملاحظة الذكية تؤشر في الأقل على وجود علاقة ما بين «مرحلي» والجرائم البشعة التي تقع في أرجاء العاصمة القيرية، خصوصاً أنه يذهب بصحبة سيّده لتأدية واجب العزاء، فهما يقتلان القتيل ويسيران في جنازته. ربما تكون المفاجأة الأكبر في هذه الرواية هي تكليف «مرحلي» بالسفر إلى مملكة «طير» المجاورة لهم لكن «ديباج كوثري» يشترط عليه ألا يقرأ الرسالة إلاّ بعد وصوله إلى العاصمة «بوادي» لتنفيذ مهمته الأخيرة. وهناك يقف القارئ أمام نهايتين، الأولى أمام امرأة لامعة الجسد في نحو الثلاثين من عمرها قد تكون «أغنية» التي هربت من كونادي، واستدرجته إلى شرك الفتنة والإغواء، وهناك هوت على رأسه مطرقة ثقيلة فغرق في الموت وبدأ يستعيد ضحاياه. أما النهاية الثانية فإن مَنْ باعه إلى طائفة الرجال الموشومين في جباههم بوشم القراصنة سمحوا له بقراءة الرسالة السريّة قبل أن يموت حرقاً، وعليهم أن يسرعوا لأن النار المتقدة أوشكت على الانطفاء.
يقوم المستوى الثالث من الرواية على عالَم الجن، وعودة الأموات، وتواصل الأساطير القديمة في الزمن الحاضر ولعلها تمتد إلى المستقبل البعيد. فقد رأينا الجنّ يقيمون الأعراس ويحتفلون في شوارع كونادي وأزقتها، كما رأينا العديد من الأموات يتجسدون أمام ناظري «مرحلي» في أقل تقدير وأبرزهم «سلاملي الكذّاب» وزوجته وابنه الصغير، مثلما رأينا ضحاياه وهم يعودون على شكل كوابيس ليلية مُؤرقة تسأل عن سبب قتلها الذي لا يعرفه «مرحلي»، وكأنّ الأساطير القديمة تنبعث في الزمن الجديد. نساء كثيرات لعبن دوراً مهماً في الرواية، واحتللن مساحة لا بأس بها في متن النص الروائي، مثل «مبروكة» و«كمانة الغجرية» و«أغنية»، المرأة الساحلية التي جاءت من بلاد بعيدة تشتعل فيها الحروب باحثةً عن حياة جديدة في مضارب العاصمة القيرية كونادي قبل أن تهرب منها إلى مكان مجهول.



«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.