هل يلتزم الحوثيون بـ «عملية سلام» لأول مرة في تاريخ حروبهم؟

سجال بين مؤيدي وقف القتال والمطالبين باستكمال التحرير

يمنية مع طفلتها في أحد المستشفيات في صنعاء التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية (إ.ب.أ)
يمنية مع طفلتها في أحد المستشفيات في صنعاء التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية (إ.ب.أ)
TT

هل يلتزم الحوثيون بـ «عملية سلام» لأول مرة في تاريخ حروبهم؟

يمنية مع طفلتها في أحد المستشفيات في صنعاء التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية (إ.ب.أ)
يمنية مع طفلتها في أحد المستشفيات في صنعاء التي تسيطر عليها الميليشيات الحوثية (إ.ب.أ)

«الالتزامات الحوثية». المعجزة التي تعتبر كلمة سر قد تفضي إلى حل يضيء عتمة الأزمة اليمنية خلال المشاورات المزمع عقدها في السويد، بدءا من التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. هذا ما توصل إليه محللون ودبلوماسيون سابقون تحدثت معهم «الشرق الأوسط» حول تحديات الأزمة، وما يجدر اتخاذه من الطرفين لإنجاحها، مع الأخذ في الحسبان أن الميليشيات الحوثية أكثر حاجة للسلام من غيرها في هذه الأيام، فالحليف إيران مشغول بعقوبات قاصمة، والجبهات اليمنية لم تشهد منذ أشهر كثيرة أي نتائج إيجابية لصالح الميليشيات، وهو ما يبرر إطلاقها 206 صواريخ باليستية باتجاه السعودية من دون أن تنجح في إصابة أي من الأهداف المدنية التي تستهدفها.
ومع انخفاض وتيرة القتال في مدينة الحديدة التي لم يعد يفصل قوات الحكومة اليمنية المسنودة بتحالف دعم الشرعية عن مينائها سوى بضعة كيلومترات؛ ارتفعت أصوات يمنية تؤيد خفض التصعيد غير المعلن، وبالوتيرة ذاتها أصيبت أصوات أخرى بخيبة أمل من توقف القتال في المدينة الساحلية، منجم تمويل الميليشيات التي تستولي على السلطة بالقوة في اليمن منذ سبتمبر (أيلول) 2014.
«لكن السلام لغة لا يعرفها الحوثيون». يقول عبد الوهاب طواف الدبلوماسي اليمني والسفير السابق: «هناك علاقة عكسية بين السلام وجماعة الحوثي الإرهابية. الحوثي لن يتجه للسلام، لأن الاتجاه إلى السلام يعني موته، وفي حال إتمام عملية سلام يمنية فإن الحوثيين لا قبول لهم في الشارع اليمني. ولا يمتلكون مشروع حياة».
يضيف طواف: «هناك تباين، بين من يريد سلاما مستداما، ومن ينادي بوقف الحرب بمعطيات اليوم، التحالف والحكومة اليمنية يريدون حلا مستداما بمعالجة الأسباب التي اندلعت الحرب بشأنها، أما بعض الدول في المجتمع الدولي فتريد معالجة النتائج كمن يستخدم المسكنات ويتجاهل الألم الرئيسي للجسد... يريدون تفصيل حلول للمعاناة الإنسانية التي كانت بسبب انقلاب ميليشيات الحوثي، للدخول في نفق وحروب متسلسلة ليس لها نهاية. لا أحد يريد الحرب في اليمن، الحوثي هو الذي دفع بالحرب وبالأزمة الإنسانية».

- انعدام الثقة
يعتقد مساعد وزير الخارجية اليمني الأسبق السفير مصطفى نعمان أن أكبر تحد يواجه التوصل لحل للأزمة هو انعدام الثقة بين الأطراف كلها، أضف إليها أنها ككل حرب يطول عمرها تنتج طبقات تستفيد من استمرارها والتربح منها.
يقول نعمان: «إذا لم تشعر الأطراف اليمنية بمسؤولياتها الأخلاقية والوطنية، وإذا لم تشعر بالكارثة الإنسانية المحققة فلا أتصور أن أي اتفاق يمكن أن يحقق النتيجة التي ينتظرها من يكتوون بنار الحرب ويعيشون مآسيها، بينما نعرف أن المطالبين باستمرارها يعيشون في أمان مع أسرهم في الخارج».
من جانبه، يقول حمزة الكمالي وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني إن «المطالبة بعودة الدولة وإنهاء الأزمة السياسية ليست خيارا سيئا، بل هي خيار أمثل. تصبح سيئة عندما تكون خيار ترف... ولكن عندما تكون خيارا إجباريا ولا يعطي الحوثيون فرصة من أجل السلام فإن الحرب من أجل السلام في اليمن في المقام الأول. أليس هذا تبريرا. نعم ليس تبريرا، المطالبة بوقف الحرب لمجرد وقف الحرب يعتبر إعطاء روح للحوثيين للسيطرة على اليمن، مالم يكن على مرتكزات رئيسية».
وزاد الكمالي: «محمد علي الحوثي يقتل ويدمر الأطفال وهو يطالب بوقف الحرب. وقف الحرب بالنسبة لهم توقف الضربات الجوية لكي يتمكنوا من استعادة السيطرة على البلاد!! نحن مع السلام، ولكن الحقيقي، وليس الإنشائي، وليس السلام الذي لا يتجاوز المزايدات.

- وقف القتال
البراء شيبان الكاتب والباحث اليمني السياسي يعلق قائلا: «أهلنا كلهم في الداخل، نتحدث مع الناس في الحديدة وننقل ما يقولونه». ويضيف: «عندما توقفت العمليات حديثا، أول أمر فعله الحوثيون اعتقال عدد كبير من المواطنين... هناك حملة اعتقالات شديدة تجري الآن في الحديدة. ومن يقول إن الحرب يجب أن تقف - وهم أيضا مثلنا في الخارج - ربما نسوا أن أهالي الحديدة وبقية المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون يعانون من بطش الميليشيات».
من ناحيته، يشدد الكاتب والسياسي اليمني سام الغباري بالقول: «لدينا شعب كامل في مناطق سيطرة الحوثيين يطالب بإنقاذه من الحوثيين وبسط سيطرة الدولة في كل مكان. أما أن يتم حصر المطالبين بالتحرير في بعض المغردين خارج حدود اليمن لأنهم هربوا لعدة أسباب فهذا يعد تسطيحا لمثل هذه المطالب التي تمثل جزءا من الشعب اليمني. نحن لا نقول استمرار الحرب على المستوى العسكري، لكن يجب أن يستسلم الحوثيين وأن تعاد سيطرة الدولة على كل شبر من أراضي اليمن وهذا مهم جدا».

- حسابات المجتمع الدولي
يؤمن حمزة الكمالي بأن الدافع الرئيسي على المستوى الدولي في المشاورات هو الملف الإنساني. ويقول: «المنظمات الدولية ترفع السقف من أجل الحصول على تمويل ولا تريد للأزمة أن تنتهي. وفي نظرها تريد لليمن أن يعيش على شنطة الإغاثة... وإذا تم القضاء على الانقلاب فسوف يكون بالنسبة لهم بمثابة قطع الأرزاق، فالاستجابة الإنسانية أكثر من 45 - 60 في المائة منها يذهب إلى ميزانية تشغيلية للمنظمات».
عودة الدولة وإنهاء الانقلاب ينهي الأزمة الإنسانية. هذه وجهة نظرنا الرئيسية.
وينتقد البراء شيبان اعتماد المجتمع الدولي على بناء الاحتمالات وفقا لسيناريو واحد، وهو نجاح المفاوضات، ولكن ماذا لو فشلت؟ يضيف شيبان: «يجب ألا ننسى أن توقف القتال يساعد الحوثيين على إعادة ترتيب صفوفهم وزراعة الألغام وتجنيد الأطفال والتسبب بمزيد من الجراح للكارثة الإنسانية التي تسببوا بها في الأصل. وبالتالي ستكون الكارثة أكبر في حال فشل المفاوضات». متابعا: «كنت أتمنى ألا تتوقف معركة الحديدة لسبب استراتيجي يتمثل في أن التوقف لا يخدم السلام. الحل السياسي سيكون في متناول اليد لو خسر الحوثيون إمكانية تمويل عملياتهم العسكرية».

- التعنت سمة الميليشيات
الكاتب السياسي هاني مسهور يصف التعنت الحوثي بالعقبة الأساسية أمام حل الأزمة اليمنية، قائلا: «السمة المستدامة عند الحوثيين حالة التصلب وعدم قدرتهم على التعاطي السياسي وفقا للمرجعية الراديكالية التي جاءت من الحركة وظهرت من خلاله في المشهد السياسي اليمني وعزز ذلك سنوات الحرب التي أكسبتهم نوعا من رفض الآخر، وفي المقابل فإن الشرعية تعاني من التفكك نتيجة المحاصصة الحزبية التي بدورها أضعفت البنية السياسية والاقتصادية وأثرت مباشرة في الأداء الاقتصادي».
بينما يتصور حمزة الكمالي أن الشرعية قد تشهد اختلافا في وجهات النظر، لكنه يؤكد أن هناك إجماعا على مواجهة الحوثي، ويقول: «حتى ما يشاع من خلافات لا ترتقي إلى درجة مواجهة، الأمر الأهم في تصوري».

- عمل شاق
يعتقد الباحث الأميركي في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي آدم بارون أن الأسابيع القليلة الماضية شهدت زيادة في الجهود الدبلوماسية من الجهات الفاعلة الغربية الرئيسية - خاصة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة - على اليمن. وحتى الآن، أدى هذا التحرك إلى بعض النتائج وإن كانت صغيرة، ففي الآونة الأخيرة، شاهدنا جيريمي هانت (وزير الخارجية البريطاني) يؤمن اتفاقا بشأن نقل الحوثيين المصابين إلى خارج صنعاء في أعقاب موجة من الرحلات المكوكية الدبلوماسية. يشار إلى أن مسألة الجرحى كانت من أبرز «شروط اللحظات الأخيرة» التي وضعها الحوثيون وحالت دون حضورهم إلى المشاورات الأولى بعهد غريفيث، في جنيف سبتمبر الماضي.
ويقول بارون: الهدف الرئيسي من كل هذا هو دعم المحادثات القادمة في ستوكهولم، التي تم دفعها مرة أخرى - هناك شعور متزايد بالإلحاح الدولي لإنهاء نزاع اليمن - أو على الأقل إعادته إلى مسار سياسي، لكن الرغبة في إنهاء الصراع تختلف عن امتلاك الوسائل لإنهائها، والصراع في اليمن معقد ومتعدد الأوجه.
ويحذر الباحث الأميركي من رؤية اليمن ببساطة وتجاهل الصراعات المحلية، ويعتبر ذلك «لن يؤدي إلا إلى المزيد من القتال... ربما يكون من المنطقي النظر إلى الأشياء من خلال منظور التهدئة. من الممكن بالتأكيد وبطريقة واحدة أن ينخفض التصعيد بنهاية العام، لكن حل الصراع بالفعل سيتطلب عملاً شاقاً ودبلوماسية، وللأسف، فإن ذلك سيستغرق بعض الوقت».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.